هل العنف نزوع أصيل للدين؟

أستاذ اللاهوت في جامعة دي بول الأميركية يعتبره وهماً شائعاً

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

هل العنف نزوع أصيل للدين؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

كيف تستخدم مقولة ارتباط الدين بالعنف لوسم المجتمعات المتدينة والمسلمة بـ«الشريرة»؟ ولماذا يكون العنف شرعياً وعقلانياً عندما يكون علمانياً ويكون غير عقلاني وغير شرعي إذا كان دينياً؟ لماذا الموت والتضحية في سبيل الأمة القومية والدولة يحتفى به في حين يكون الموت والتضحية في سبيل الدين أو بدافع ديني أمراً مستنكراً ويستحق الإدانة؟ كيف أصبح العنف الديني أسطورة سياسية؟ يحاول ويليام ت. كافانو أستاذ اللاهوت في جامعة دي بول الأميركية في كتابه «أسطورة العنف الديني» أن يجيب عن تلك الأسئلة الصعبة في أطروحته التي تبحث عميقاً في «الآيديولوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث».
صارت فكرة ارتباط الدين بالعنف شائعة في الغرب إلى حد أنها باتت مسلَّمة، وجوهرها أن الدين بما هو فكرة عابرة للثقافة والتاريخ مختلف جوهرياً عن العلمانية بهذا الميل الخطير نحو العنف، وهي فكرة تحولت إلى أسطورة مؤسسة لشرعية الدولة القومية الليبرالية، وذلك على الرغم من أن العلمانية ذاتها يمكن أن تكون على ذات الدرجة من العنف، وهو أمر يقود - حسب كافانو - لإعادة النظر في تاريخ نشوء المفهومين (الدين والعلمانية). وفي الواقع فإن هذه الفكرة هي شرعنة لعنف الدولة واحتكارها وصناعة سياسات تهميش لنوع معين من الجماعات الوطنية، وقولبة مجتمعات ودول معينة في قالب جاهز «المجتمعات الشريرة»، باعتبار أن عنف الدين غير عقلاني ومنفلت وعنف الدولة هو عنف عقلاني ومنظم ومنضبط.
الآيديولوجيات جميعها في واقع الحال يمكن أن تشجع على ممارسة العنف تحت ظروف معينة، وصحيح أن التاريخ مليء بالأدلة على الاقتران بين الدين والعنف من القربان البشري للآلهة إلى الحروب الصليبية والحروب المقدسة إلى اضطهاد الأقليات الدينية، إن هذا أمر واضح، لكن هذا لا يعني أن العنف مرتبط بالدين وحده أو أنه عامل رئيس، فالأديان الكبرى تمتلك داخلها مصادر لمنع ارتكاب الشر والعنف باسمها تماماً مثلما تملك مصادر لإطلاقه، وهو أمر يجعل الربط المطلق بين الدين والعنف أمراً مشكوكاً فيه، لأن هذا الوضع يتوفر في كل المنظومات الآيديولوجية غير الدينية.
إن ثمة مصادر رئيسية للعنف تتمثل في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وفي الطاعة العمياء، وفي تأسيس زمن مثالي، وفي مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وفي إعلان «الحرب المقدسة»، وهي مصادر مشتركة بين الآيديولوجيا القومية (الدولة الوطنية) والأديان، والحقيقة أن العنف لا ينشأ من كون بعض البشر متدينين وبعضهم ليس كذلك وإنما من كون بعض الناس يسيئون فهم التدين ولا يستطيعون العيش دون مطلق ودون يقين، بمعنى آخر الانتقال نحو العنف لا ينشأ من مجرد «الإيمان» وإنما من تحول «التدين» إلى «دين» بحيث تصبح التجربة الجوانية الداخلية الذاتية أمراً برانياً يستعمل كمحدد للهوية بطريقة يتم فرضها على الآخرين أو الدفاع عنها ضدهم. المشكلة مرة أخرى أن هذا يمكن أن يحدث في الآيديولوجيا الدنيوية، فالإيمان بالتكنولوجيا والإنسانوية العلمانية، والاستهلاكية وغيرها من المنظورات تجاه العالم ينطبق عليها الأمر نفسه ويمكن أن تتحول إلى العنف بالطريقة عينها.
هنالك سمة بارزة للدين وهي التقسيم الحاد بين البشر باعتبار أحدهم «مؤمناً» والآخر «كافراً»، أي بين «نحن» و«الآخرين»، ولكن هذا التقسيم ذاته يمكن ملاحظته بسهولة أيضاً بين «مؤمنين» بالعلمانية و«كافرين بها»، بغض النظر عن الآليات التي يوفرها للتعاطي مع هذا الانقسام، في الواقع هذه السمة هي أحد الدلائل على تشابك وتداخل الديني في السياسي، أكثر من كونها دلائل على تميز المجال الديني.
قد يذهب البعض إلى أن النزوع الكامن في العنف الديني إلى «الوحشية» و«التصلب» يرجع إلى أن الدين يضع العنف الذي يمارس باسمه في سياق أكبر للحياة والموت، وسياق من المعارك الكبرى والماضي الأسطوري من الملحمة بين الخير والشر، وهذا ما يجعل وقفه مستحيلاً، في حين ترجع «عقلانية» العنف القومي من كونه محصوراً بالأرض، لكن ما الذي يجعلنا نصدق أن العقائد القومية لا يمكن أن تكون إطلاقية وأن العنف المتولد منها ليس مبنياً على عقائد عنصرية ماورائية تمنح عرقاً ما تفوقاً خاصاً على البشر وتنسب الشرور المطلقة لقوميات أخرى؟ لا شيء يضمن ذلك مطلقاً، وهذا يعني أن حصر هذا النزوع بالدين أمر غير متحقق، فالقومية العلمانية بهذا المعنى تسلك السلوك العنيف الذي ينسب للدين نفسه.
تبدو قضية «الاستشهاد» أو التضحية بالنفس أنها تبلغ مستوى أقصى في العنف الديني، وهو مرتبط بمفهوم القربان للسلطة العليا المفارقة للبشر، لكن الحديث عن التضحية بالنفس جزء أساسي من الخطاب الوطني العلماني، وعلى الرغم من أن التضحية بالنفس بنفس المستوى وربما أشد في حركات التحرر العلمانية الوطنية أو العابرة للحدود ليس أمراً يمكن تجاهله، ويدع ما يذهب إليه المؤلف أن العمليات الانتحارية التي تمثل الآن أبرز أساليب الحركات الإسلامية المتطرفة منقولة من حركات علمانية لا العكس!
يذهب بعض الباحثين إلى أن العنف الديني هو عنف سياسي تم «تديينه»، وهو أمر يساعد على تصعيد العنف واستمراره، الأفكار الدينية لا تستدعي العنف بذاتها، وإنما هنالك لحظات معينة من الصراع تدفع الجماعات إلى إعادة تعريف نفسها، وغالبا ما تكون هي لحظات الإحباط واليأس حيث تتنافس النزعات الآيديولوجية السياسية على تديينها، حيث يتم عبر ذلك إكساب الصراع الديني هالة الصراع المقدس وينقله إلى مستوى الصراع الكوني والأزلي أو السماوي.
المفارقة أنه في الوقت الذي يشار فيه إلى أن الدين يمتلك قدرة أكبر من الدولة الوطنية على توليد العنف والتحكم به فإنه في تاريخ الدول يبقى الدين من أهم العوامل التي تقوم عليها شرعية الدولةَ! وحتى الدولة العلمانية لا تزال تجد جذور عنفها في الدين، على ما يقوله الباحث ديفيد رابو بورت. ثمة ما يقال بشكل كبير عن العنف الديني وهو «لاعقلانيته»، فالدين - وفق المنظور السائد - يتموضع داخل عالم اللاعقلانية، وأحيانا في عالم الدوافع غير العقلانية، وبهذا يكون الدين بحد ذاته تهديداً للنظام العقلاني للمجتمع، وهو ما يقتضي أن يتم تدجين الدين وإخضاعه لإرادة الدولة بإخراجه من التأثير من الحياة العامة، لكن من قال إن الدين ممكن أن يخرج من التأثير في الحياة العامة؟ ما دام للدين رؤية كونية فإن له شق علماني يصعب تجاهله مرتبط بالعالم اليومي الملموس، وهذا يتطلب منا إعادة النظر في هذا التعريف لوظيفة الدين فعلياً.
يجب أيضاً أن يتم ملاحظة أن «الدين» لم يعد وصفاً لمجموعة من الممارسات التي ظهرت في كل زمان ومكان، بل أصبح مقولة تم تأسيسها ولا يزال يتم تأسيسها عبر أشكال مختلفة من الترتيبات السياسية. والقول إن للدين مفهوماً عابراً للتاريخ والثقافات ومنفصلاً عن الظواهر العلمانية هو في حد ذاته جزء من ترتيبات معينة لسلطة الدولة القومية الليبرالية الحديثة التي نشأت في الغرب.
وخلاصة ما يريد كافانو قوله هو أن «التقسيم النظري للعنف إلى عنف ديني وآخر علماني هو تقسيم لا يستند على أرضية صلبة، كما أنه يشتت الانتباه عن عنف الدولة القومية العلمانية». وهو مستند إلى أرضية تمركز غربي ينظر لنفسه كمحتكر للعقلانية والآخر غير عقلاني وخارج عن المنطق، إذ ليس ثمة مبرر للافتراض بأن ما نعتبره آيديولوجيات علمانية كالقومية والوطنية والرأسمالية والليبرالية والماركسية هي أقل نزوعاً نحو الإطلاقية والانقسامية واللاعقلانية من الإيمان بإله الكتاب المقدس. وعلى هذا فلفهم العنف الديني علينا أن نقر بأننا نحتاج إلى دراسات مبنية على ملاحظات واقعية وعملية حول الظروف التي تصبح فيها الآيديولوجيات والممارسات من جميع الأنواع عنيفة ومميتة.
لقد آن الأوان - حسب كافانو - أن ننظر إلى حقيقة أسطورة العنف الديني على أنها جزء مهم من فلكلور المجتمعات الغربية، فهي لا تحدد حقائق العالم كما هي، بل تقوم بشرعنة ترتيبات معينة للسلطة في الغرب الحديث، إنها تقوم بمهمة شرعنة توجيه ولاء المواطنين للدولة القومية وتؤمن احتكارها للعنف المشروع وتساعد على تحديد العدو وظيفياً بما يخدم تصور الدور الذي تنهض به الدولة القومية باعتبارها تقوم بحمايتنا منه.
أسطورة العنف الديني: الآيديولوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث
ويليام ت. كافانو
ترجمة أسامة غاوجي
الشبكة العربية للأبحاث والنشر
الطبعة الأولى، 2017

- كاتب سوري


مقالات ذات صلة

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».