محمد عبد الملك: لا بد من التجديد... ستضجر من نفسك أو يضجر القارئ

الروائي البحريني يقول إنه حاول ترك الكتابة بسبب الإحباط

الروائي البحريني محمد عبد الملك
الروائي البحريني محمد عبد الملك
TT

محمد عبد الملك: لا بد من التجديد... ستضجر من نفسك أو يضجر القارئ

الروائي البحريني محمد عبد الملك
الروائي البحريني محمد عبد الملك

على مدى نحو خمسين عاماً، يواصل الكاتب والروائي البحريني محمد عبد الملك رحلته الإبداعية التي تستلهم البيئة البحرينية وما تختزله من ثراء، وتعبّر عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مر بها البحرين والخليج. ومن هنا اعتبره كثيرون أهم من كتب الرواية الحديثة في البحرين، والخليج عموماً. وقد أنتج خلال هذه المسيرة الطويلة عدداً من المجموعات القصصية والروايات بينها: «موت صاحب العربة»، 1972، «نحن نحب الشمس» 1975، «ثقوب في رئة المدينة»، 1979، رواية «الجذور» 1980، «السياج» 1982، «النهر يجري» 1984، «رأس العروسة» 1987، ورواية «ليلة الحبّ»، ورواية «غليون العقيد». وهو إضافة لذلك من الأعضاء المؤسسين لأسرة الأدباء والكتاب بالبحرين عام 1969.
هنا حوار مع عبد الملك الذي يوجد حالياً في العاصمة البريطانية لندن لتلقي العلاج:

> طمئننا عنك.. ماذا تفعل في لندن؟
- أنا هنا للعلاج والراحة وتجديد الطاقة.
> تُعتبر أهم من كتب الرواية الحديثة في البحرين، والخليج عموماً، ماذا تعني لك الرواية؟
- الرواية بالنسبة لي هي وجود، وحياتي تفتقد المعنى من دونها، أنا لست أنا إذا لم أكتب، في هذه الحالة أكون خارج المشهد، وهذا يجعلني متوتراً وقلقاً. حاولت أن أترك الكتابة في وقت من الأوقات بسبب الإحباط الذي يصاحب الكتّاب عادة، خاصة في العالم الثالث لأسباب كثيرة، أولها الضريبة العالية التي يدفعها الكاتب من حياته، وليس آخرها عدم إقبال الناس على القراءة بعد الطفرة النفطية، وكان سؤال واحد يعترض طريقي بعض الوقت عن جدوى الكتابة إذا لم يكن هناك متلق. صحيح أن الكتابة تشبع الرغبة الذاتية لدي لكن هذا لا يكفي، خاصة عندما نقارن الإقبال الشديد على القراءة في الستينات وبداية السبعينات، مع انحسارها السريع والمفاجئ بعد الطفرة النفطية..
> وما الذي أعادك للكتابة إذن؟
- اكتشفت تالياً أن الكاتب يدمن الكتابة، ولا يستطيع أن يعيش من دونها، فهي تحقق له الرضا عن الذات، وراحة الضمير والشعور بالامتلاء والتميز، الكتابة في أسوأ حالاتها ممتعة وجميلة. بالنسبة لي منحتني الرواية فرصة أكبر للتعبير عن الذات، التي هي في معظم الحالات تلتقي مع ذوات الآخرين، إذ مع اختلافاتنا الفردية يظل هناك قاسم مشترك..
> ماذا بشأن الرواية تحديداً؟
- الرواية هي مساحة شاسعة للبوح ومشاركة البشر في أحاسيسهم، وطموحاتهم، وعذاباتهم اليومية، ومع ذلك فالرواية أفقها مفتوح على الحياة، وهي متنوعة، تتزاحم فيها النقائض والمفارقات كلها؛ تلك التي تكون صلات البشر بعضهم ببعض، في الرواية أنت أكثر حرية وانطلاقاً في التعبير والرصد والمكاشفة، الابتكارات في الرواية أغنى وأكثر تعدداً، لذا فالرواية تشكل إغراء لا يقاوم عند الكتّاب، وهي تحتضن في الوقت نفسه فنوناً كثيرة؛ الشعر أولاً، الحوار المسرحي، السينما، الفن التشكيلي خاصة في الرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا؛ وهي تعتمد في تقنيتها على تعدد اللوحات، والمشاهد وتداخلها، الرواية تتسع لسرد تفاصيل الحياة اليومية، كما يتعدد فيها أفق الخلق والابتكار، ربما لهذا السبب أغرت الرواية الكثيرين، ولَم ينج الشعراء من هذا الإغراء.
> هل تعتبر أنك أنجزت مشروعك الروائي؟
- الكتابة حين تبدأ لا تنتهي ولا تكتمل. وما دمت مصمماً على الكتابة، وتلتزم بشروطها ورغباتها، وتنصاع لأهوائها، فدائماً هناك رواية تنتظرك، أو تطل عليك من بعيد، ما دمت تتنفس وتعيش فهناك دائماً مشاريع للكتابة تظهر في ذهنك، وتظل معك فترة طويلة، وأحياناً تفاجئك رواية أو قصة تظهر في الطريق. الحياة ذاتها تمنحك مادة للكتابة، أنت دائماً تنتظر محبوبتك الأثيرة على قلبك، وهي لن تخذلك، لأنك تحبها، وهي لهذا السبب تحبك بالمثل، إذا أخلصت للكتابة، ومنحتها نفسك، منحتك نفسها وقد تعطيك في هذه الحالة ببذخ. الكتابة بعض الأحيان تغيب طويلاً، وتسرف في الغياب، لكن لا تيأس، فهي تظهر لك فجأة في موعد لا تتوقعه، غالباً ما تأتي الكتابة من غير ميعاد.
> كنتَ رائداً في كتابة القصة الجديدة في البحرين منذ صدرت مجموعتك الأولى: «موت صاحب العربة»، بداية السبعينات، وقتها كانت البيئة البحرينية وحاراتها الشعبية مصدر إلهام وإثراء، اليوم هل تفتقد تلك المرحلة؟
- الكتابة على وتيرة واحدة لفترة طويلة تفسد مشروع الكاتب برمته. لا بد من التنوع، لا بد من الانتقال، والتغيير، والتجديد وإلا سيضجر منك القارئ ويتركك وحدك، وقد تضجر أنت من كتابتك، كما أنك تخوض في الحياة تجارب جديدة، وينمو تفكيرك في اتجاهات مختلفة، تتغير فيها قناعاتك. في المرحلة الأولى اندفعت أكتب على سجيتي، وفِي مرحلة لاحقة بدأ تأملي في الحياة يكبر، واتسعت المعرفة، وتنوعت الأفكار، فوجدت ضالتي في القصة الرمزية؛ في المرحلة الأولى رصدت الآلام المبرحة للناس في حياتهم اليومية، وفِي المرحلة الثانية اتسعت مداركي فولجت في الرمزية دون أن أتخلى عن الهم الإنساني فهو جوهر الكتابة في كل العصور؛ ومع الكتابة الرمزية استهوتني القصة النفسية لأحاول الولوج إلى الداخل في الدهاليز الخلفية للبشر، ابتدأ هذا التغيير بشكل واضح مع مجموعة رأس العروسة واستمر معي بعد ذلك حتى الآن حين اكتشفت أن الغموض أيضاً يشكل إضافة مهمة في الكتابة، فالحياة ذاتها غامضة، لكن الغموض سلاح ذو حدين، وقد يفسد الكتابة إذا لم يعي الكاتب كيفية استخدامه، ومع هذا التغيير كان لا بد لي أن أكتشف لغة تناسب الرمز وأعماق النفس، وكان لا بد لي أن أستعين بالشعر والجملة متعددة المعاني، وحمالة الأوجه، هذه اللغة استخدمتها أيضاً في رواية «سلالم الهواء».
> هل كُتبت الرواية الخليجية فعلاً؟، أساساً هل يمكن أن ينتج الخليج عملاً روائياً؟
- الرواية الخليجية كتبت منذ خمسة عقود وهي الآن في مرحلة نضج وانبعاث جديد لافت، الرواية الخليجية في أوج انتعاشها الآن، وبخاصة الرواية السعودية، والدليل هو بروز وتفوق مجموعة من الروائيين الخليجيين على أقرانهم العرب في مسابقات «البوكر» العربية، ومن المعروف أن جائزة «البوكر» هي الأكبر من نوعها في مجال الرواية، ويشترك فيها في كل مسابقة بين مائة ومائة وثمانين كاتباً من الدول العربية.
> كيف ترى المشهد الروائي الخليجي؟
- الخليجيون فازوا بالجائزة أربع مرات في عشر مسابقات، هذا دليل كاف على الحضور اللافت للرواية الخليجية؛ الروايات الفائزة كانت لعبده خال، ورجاء عالم، ومحمد حسن علوان من السعودية، الرواية الرابعة ذهبت إلى الكويتي سعود السنعوسي عن رواية «ساق البامبو». وأريد أن أوضح أن ظهور كم كبير من الروايات المتهالكة، لا ينفي وجود روايات مهمة ومكتملة، ليس علينا أن نقلق من هذه الظاهرة لأن الأدب يدافع عن نفسه، والمتطفلون على الرواية، لن يصمدوا طويلاً أمام النقد الجاد والقارئ اللبيب، والزمن كفيل بإبراز الكتاب الموهوبين من غيرهم.
> برأيك ما هو تأثير الجوائز على طوفان الأعمال الروائية؟
- الجوائز لا تصنع الروائيين، وإنما الروائيون يصنعون الجوائز، عندما لا تكون هناك روايات تظهر إلى الوجود بكثافة عالية كما يحدث الآن لن يفكر أحد في رصد جوائز لها، الجوائز وجدت الآن لأننا في عصر ازدهار الرواية العربية، ودور الجوائز إعلامي ومعنوي بالدرجة الأولى، وهي تساعد على رواج الروايات الفائزة التي تترجم إلى اللغات الأجنبية، وهذه فكرة جيدة تحسب لمنظمي هذه المسابقة.
> أنت من المؤسسين لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، كيف ترى دورها اليوم؟
- تضاعف حضور أسرة الأدباء والكتاب في المشهد الثقافي في البحرين بعد الإصلاح السياسي، حيث توفرت البيئة الخصبة لازدهار الثقافة، التي لا تتسع وتكبر إلا في المناخات الحرة، وكلما اتسعت الحرية، انتعشت الثقافة، وليس من الإنصاف أن يأتي ذكر أسرة الأدباء والكتاب، دون أن نذكر دورها الريادي في نشر الثقافة والأدب والتنوير في البحرين وبشكل مكثف طوال أربعة عقود مفصلية في تاريخنا الحديث؛ تدفقت فيها سواقي أسرة الأدباء والكتاب، تضخ ماء الحياة والنماء في جسد المجتمع البحريني ونسقه، عبر إصدارات شعرية، ومجاميع قصصية وروائية، هذا غير الندوات والأنشطة الثقافية المتنوعة، وما زالت تعبر مخيلتي مشاهد الجمهور الذي كانت تغص به القاعات في السبعينات من القرن الماضي، في أمسيات أسرة الأدباء والكتاب، أسرة الأدباء والكتاب بجانب دورها الأدبي الكبير لها تاريخ وطني أيضاً، فأنت لا تستطيع أن تفصل الوطن عن الكتابة، خاصة في الفترات الحرجة، وكما هو معروف فالأسرة ساهمت بشكل كبير في بث الوعي الوطني الذي كان الإصلاح من ثماره، وكان ذلك التوجه واضحاً في شعار الأسرة: «الكلمة من أجل الإنسان».
> تناولت معاناة الكتابة، في كتابك «سلالم الهواء»... كيف ترى تجربة الكتابة؟
- هي رفقة جميلة لا نشبع منها مهما طالت مسافاتها، ومهما قست ظروفها، وهي شديدة القسوة، لأن الكتابة تقودك إلى طرقات وعرة تتعرض فيها حياتك للخطر، وتعذب معها روحك بالمعاناة، الكتابة تقودك إلى الجمال والمعرفة والحقيقة، وتجد نفسك مع هذه الصحبة في مواجهة أعداء يخشون الكتابة ويزيفون الحقيقة، وهم لذلك لا يتوقفون عن إيذائك كل الوقت. الكتابة تضحية بالروح وفيها تهديد للقمة عيشك، وأحياناً تهديد لوجودك. والأنظمة المستبدة تخشى الكتابة كما يخشى الطفل الظلام، لأن الكتابة تكشف خدعهم وألاعيبهم وطغيانهم، الكتابة تضعك في الواجهة لتصيبك شظايا النار، وهي تقودك إلى الوعي، فالكتّاب هم كهنة المعرفة، وقادة الفكر ونبراس الشعوب، الكتابة أعطتني الكثير وأخذت مني الكثير. أعطتني حب الناس، والشعور بالسعادة، ورضا النفس وراحة الضمير، وتحقيق الذات، وهي أخذت مني الصحة وراحة البال، وجعلتني في حالة من القلق الدائم والخوف الدائم، وتوقع المصائب، الكتابة هي صخرة سيزيف الذي يصعد بها إلى قمة الجبل فتهوي به في الحضيض، لكنه لا يتركها؛ فيعود إلى حملها ثانية إلى القمة. الكتابة هي الصديقة التي تسعدك وتحزنك في الوقت نفسه، الكتابة هي العسل وهي الحنظل.
> يلاحظ الكاتب الراحل عبد الله خليفة في كتابه النقدي «الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي» من خلال دراسته لأعمالك أن أسلوب الراوي يتطور مع التطورات الاجتماعية، والاقتصادية، لكنك بقيت تجسد الواقعية حيث تنتصر للإنسان وقضاياه... هل تعتبر نفسك كاتباً ملتزماً؟
- أنا منحاز للإنسانية، بهذا المفهوم والوعي كتبت منذ الستينات، وفِي تلك الفترة كان التيار الواقعي الذي كان نجيب محفوظ أبرز ممثليه واسع الانتشار، وحقق نجيب محفوظ جائزة نوبل، بهذا النمط من الكتابة، نجيب محفوظ كان واقعياً رمزياً أيضاً ويكاد أن يكون فيلسوفاً، فهو درس الفلسفة، والنفَس الفلسفي ظاهر في كتابته كما كان الرمز حاضراً في رواية «الحرافيش» و«أولاد حارتنا»، وفِي بعض قصصه، وقد تأثرت به، وكنت شغوفاً بما يكتب، والالتزام، صفة أفسدتها الأحزاب السياسية التي حاولت أن تحول الكاتب إلى واجهة إعلامية للحزب، لذا فالمفردة لم تصمد طويلاً، فذهبت، كما ذهبت معها مفاهيم أخرى هي إفراز لمرحلة أرادت فيها السياسة أن تبتلع الأدب. كل الكتّاب بجميع تياراتهم وأنواعهم، على مر العصور ملتزمون بإنسانيتهم التي لا يتنازلون عنها، وهكذا تجد أن الالتزام هو شيء عفوي داخل الكتابة، هذه مفردة انتهى وقتها.
> في كتابه السابق، يلاحظ عبد الله خليفة «أن ظهور القصة القصيرة الجديدة في البحرين في نهاية الستينات عبر عن البداية الشاقة لهذا الفن في المنطقة»، ما الذي كان يعيق فعلاً تقبل التجارب الأدبية الحديثة في بلد سبق كل جيرانه في التعليم والاتصال بالعالم الخارجي؟
- الكاتب عبد الله خليفة يشير هنا إلى صعوبة خلق عمل جديد لم يكن موجوداً في الساحة الثقافية المحلية، في الستينات، قبل هذا التاريخ كانت هناك إرهاصات أولية لم تكتمل للفن القصصي، والجيل الذي أنتمي إليه مع عبد الله خليفة وأمين صالح ومحمد الماجد وخلف أحمد خلف تكفل بابتكار القصة، وحملها إلى ضفاف التجديد والتنويع ومحاكاة القصة العربية في أقطار المركز العربي في مصر وسوريا والعراق، ومن حسن حظ هذا الجيل أن انتعاش القصة العربية بدأ في ذلك الوقت على يد يوسف إدريس ونجيب محفوظ وزكريا تامر ومجيد الربيعي وآخرون، وكان على جيلي أن يأخذ السرد القصصي إلى أفاق جديدة وأبعاد مختلفة، وهذا ما حدث، مع هذا الجيل بدت القصة أكثر اكتمالاً وتنوعاً، وأكثر اتصالاً بالحياة، والمحيط الاجتماعي والسياسي الذي كان جديداً بدوره، كانت تلك بداية مرحلة الحداثة الأدبية والفكرية بشكل عام في كل الوطن العربي، القراء البحرينيون اهتموا بالسرد الحديث والشعر اهتماماً كبيراً، لأن هذه الحداثة حملت تطلعاتهم الجديدة ومعاناتهم، وهمومهم، وأشبعت شغفهم المتوارث للثقافة، وأذكر أن كتبنا كانت تنفد بسرعة في ذلك الوقت.
وكان الناس يحاوروننا فيما نكتب في المجالس والشوارع والساحات، كانت مرحلة نهوض ثقافي واسع اندمجنا فيه وأحببناه.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».