قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية

آخر مليون ناخب دخلوا القوائم كان بينهم 800 ألف مسلم

قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية
TT

قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية

قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية

تلعب القوى السياسية اللبنانية لعبة «حافة الهاوية» في مسعاها لإنتاج قانون انتخاب جديد على بعد شهر من انتهاء ولاية البرلمان في 20 يونيو (حزيران) المقبل. وعلى الرغم من وجود شبه إجماع على ضرورة إعداد قانون جديد للانتخاب، فإن الطروحات المتناقضة للقوى السياسية تؤشر إلى استحالة التوافق على قانون مماثل، في ظل تحكم عاملين أساسيين في إنتاج أي قانون انتخاب جديد: أولهما رضى كل الأطراف اللبنانية عليه، وثانيهما حصول هذه القوى على ما تعتبره «حقا» لها من عدد النواب في البرلمان.
وفي ظل التعنت الحاصل في المواقف، يبدو أن كل الطروحات الانتخابية لن تنجح في الحصول على الرضى المطلوب. هذا الوضع يضع البلاد أمام خيارين كلاهما مر، أي الفراغ في السلطة التشريعية، أو العودة إلى «قانون الستين» الذي أجريت الانتخابات على أساسه في عام 1960، ثم ألغي بعد «اتفاق الطائف» ليعود فيطل برأسه بعد «اتفاق الدوحة» عام 2008، والأخير هو الاتفاق الذي جرت «شيطنته» من قبل غالبية الطبقة السياسية؛ ما يجعل من اعتماده كارثة على شعبيتها.
تتلخص أزمة قانون الانتخاب في لبنان، باعتماد البلاد المناصفة في مقاعد البرلمان بين المسيحيين والمسلمين، كما أقره «اتفاق الطائف»، على الرغم من التفاوت في أعداد الناخبين بين المسلمين والمسيحيين الذين باتوا يشكلون فقط نحو ثلث عدد السكان.
أما الخلاف المفصلي، فهو فيما تطرحه القوى المسيحية الرئيسية، وفي مقدمها فريق الرئيس اللبناني ميشال عون، وهو انتخاب النواب المسيحيين بأصوات المسيحيين أنفسهم؛ ما يخلق الكثير من التعقيدات، لعل أبرزها صعوبة تقسيم الدوائر لتحقيق هذه الغاية، ومحاذير اعتماد طرح انتخاب كل طائفة لنوابها، وتأثيراتها السلبية على التعايش بين الطوائف.
يقول مرجع لبناني رفيع لـ«الشرق الأوسط»: إن الخوف المسيحي مما يجري في المنطقة من حروب واستهداف المسيحيين في سوريا والعراق ومصر، يجعل من هؤلاء أكثر ميلا لاعتماد الحلول المتطرفة؛ بحثا عن مشاركتهم في السلطة. لكن المرجع يشير إلى أن ما يثير المخاوف هو العامل الديموغرافي، ذلك أن آخر مليون لبناني دخلوا في سجلات الناخبين (بلغوا الـ21 من العمر) كان من بينهم 800 ألف مسلم؛ وهو ما يؤشر إلى مخاطر كبيرة على التوازن الديموغرافي».
ويشكو المسيحيون من أنه منذ إقرار «اتفاق الطائف»، جرى تهميش قواها الأساسية، فأطيح بالعماد ميشال عون إلى المنفى عام 1990، ووضع قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع في السجن عام 1993، وبات التمثيل المسيحي في عهدة القوى الإسلامية التي تستطيع أن تأتي بأكثر من نصف النواب المسيحيين في مناطق الجنوب والبقاع والشمال وبيروت. وبعد عودة الطرفين إلى الساحة السياسية بقوة إثر خروج نظام الوصاية السوري من لبنان، يسعى الطرفان إلى استعادة هذه «الحقوق».
الحقيقة أن قصة السعي إلى قانون انتخاب قصة «إبريق الزيت» التي لا تنتهي. ففي كل مرة كان يجري فيها إجراء الانتخابات، كان يقال إن أولوية البرلمان الجديد هي إقرار قانون انتخاب جديد، وهو ما لم يحصل، إلا في عام 2008 عندما ذهب السياسيون اللبنانيون إلى الدوحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه جراء انجرار البلاد إلى حرب أهلية مصغرة في 6 مايو (أيار) 2008. يومها وصل الصدام السياسي بين القوى السياسية إلى صدام عسكري تمثل في اجتياح «حزب الله» بيروت ومحاولته اقتحام مناطق في الجبل. وعندها تم التوافق على العودة إلى قانون «الستين» (1960) الذي يعتمد الدوائر الصغرى بدلا من القوانين التي أقرت بعد الطائف، والتي كانت تميل إلى الدوائر الكبرى.، وإلى تقسيم هذه الدوائر بشكل يخدم بعض القوى على حساب القوى الأخرى. وأجريت هذه الانتخابات عام 2009 على أساس «الستين» مع تعهد من قبل البرلمان بأن يكون إقرار قانون جديد للانتخاب من أولويات البرلمان الجديد. ومن ثم مددت ولاية البرلمان الذي انتخب في ذلك العام مرتين، من دون طرح قانون فعلي لمناقشته والتصويت عليه.

الخوف المسيحي
ولمراعاة تصاعد الخوف المسيحي، كانت مبادرتان، الأولى قدمها رئيس الحكومة الحالي سعد الحريري في عام 2013، تنبثق من نص «اتفاق الطائف» الذي يقول بإلغاء الطائفية السياسية، وأنه مع انتخاب أول برلمان خارج القيد الطائفي يجري استحداث مجلس للشيوخ يمثل الطوائف. ولكن طرح الحريري كان بإنشاء مجلس للشيوخ مع المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب. وفي أوائل العام الحالي طرح رئيس مجلس النواب نبيه برّي فكرة مشابهة تتمثل بإلغاء المذهبية في البرلمان، مع الاحتفاظ بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، أي بإلغاء تمثيل المذاهب، مقابل إقرار مجلس للشيوخ.
وكانت ذروة ما تم التوصل إليه مسيحياً هو ما بات يعرف بـ«القانون الأرثوذكسي» الذي ينص على انتخاب كل طائفة نوابها في المجلس؛ الأمر الذي لاقى اعتراضا إسلامياً واسعاً، بالإضافة إلى معارضة قوى مسيحية له. لكن هذا القانون كان يمثل ذروة الخوف المسيحي، وقد وافق عليه «حزب الله» تضامنا مع حليفه عون، لكن لم يكتب له النجاح.
وللرد على القانون الأرثوذكسي، صعد نجم القانون «التأهيلي» الذي يعتمد التأهيل الطائفي، ثم الانتخاب على المستوى الوطني. وكان أول من طرحه الرئيس برّي «تجاوباً مع حجة الفريق المسيحي بأن عدداً من النواب المسيحيين يفوزون بأصوات غير المسيحيين، فإنه يرى أن يتأهل للمنافسة من يحصل على 10 في المائة من الأصوات في المرحلة الأولى، بدلاً من حصرها بالمرشحَين الأولين»، ولكن برّي تراجع عن تأييده للتأهيلي بعد اقتراح وزير الخارجية جبران باسيل قانوناً يجري بموجبه انتخاب النواب طائفياً في المرحلة الأولى، ثم اختيار اثنين منهم للتصويت على المستوى الوطني، وقال برّي معللا رفضه «أنا اقترحته لينتج نقانق وغيري أخرج منه خنزيراً».
ومع تراجع برّي عن تأييده التأهيلي، اتخذ الحريري موقفاً لافتاً؛ إذ تراجع عن موافقته على تمديد ولاية البرلمان لسنة كما تفاهم مع برّي؛ ما دفع بالوضع مجددا إلى التأزم الفعلي، بعودة رئيس مجلس النواب و«حزب الله» إلى النسبية الكاملة على أساس الدوائر الكبرى، بينما عاد الفريق المسيحي إلى مربع «الأرثوذكسي».
وهكذا عاد الحوار إلى «المربع الأول»، فكلما كان الحريري ماضيا في خيار تمديد ولاية البرلمان خوفا من الفراغ، كان بري يتشدد في التمسك بموقفه، فيما كان باسيل يحاول تقديم الاقتراحات، لكن مع تراجع الحريري عن التمديد حصل العكس.

الاحتمالات الواردة
وحول الاحتمالات التي ينتظرها قانون الانتخاب، يقول وزير الداخلية السابق زياد بارود لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «نحن أمام احتمال من اثنين: إما إنضاج القانون، وبالتالي الذهاب إلى مجلس النواب بعد انقضاء الشهر لإقراره. وإما نعود إلى المربّع الأول، وحينها، إذا قرّر مجلس النواب التمديد لنفسه للمرة الثالثة، فالأرجح أن الرئيس لن يوقّع قانون التمديد، وسيستعمل صلاحياته بردّ القانون إلى المجلس النيابي لمناقشة ثانية. وإذا أصرّ المجلس بأكثرية 65 صوتاً على التمديد، يصبح القانون نافذاً، إنما يعود للرئيس أن يطعن به أمام المجلس الدستوري». وتابع: «في أي حال، صحيح أن ما يُعرف بقانون الستين لم يُلغَ بقانون، ولكن نفاذه لا يعني أنه قابل للتطبيق. فالمهل التي نص عليها سقطت كلها، ولم يتم تعيين رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية التي يعطيها القانون صلاحيات جوهرية».
ويؤكد بارود أن العودة إلى قانون «الستين» الذي يعتبر نافذا ليست أمراً بسيطاً. وبالتالي، هو «نافذ نظرياً فقط، وهو غير مأسوف عليه. فمنذ انقضت مهلة نشر مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي لم يوقّعه رئيس الجمهورية، لم يعد بالإمكان تنظيم انتخابات على أساسه. إضافة إلى عدم تشكيل مجلس الوزراء هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية، التي ترتبط بها مهل وإجراءات جوهرية»، مضيفا: «بالمختصر، حتى إذا أرادوا العودة إلى قانون الستين، فإن ذلك يستوجب قانوناً يمدّد المهل ويعدّلها».
وهكذا، عمليا تبدو مواقف الكتل السياسية الأساسية كما يعبر عنها نوابها لـ«الشرق الأوسط» كالتالي:

«التغيير والإصلاح»: معارضة للفراغ ـ و«الستين»
يقول النائب نبيل نقولا عضو تكتل «التغيير والإصلاح» (التيار العوني) أن الاتصالات بين الأفرقاء التي تبحث بسبل الخروج من أزمة قانون الانتخاب لا تزال قائمة، ولكن بعيدا عن الإعلام، مذكرا بموقف وزير الخارجية جبران باسيل الذي قال: «إننا لم نعد بعيدين عن الاتفاق على قانون جديد».
ويوضح نقولا، أن «التيار الوطني الحر» حاليا «في موقع المستمع والمتلقي بعدما كان طوال الأشهر الماضية في موقع المبادر»، مشيرا إلى أنه قدّم أكثر من 20 طرحا انتخابيا، وتم رفض كل هذه الطروحات. ويضيف «حتى أنهم رفضوا طروحات كانوا هم من عرضوها بوقت سابق؛ فقط لأننا تبنيناها ووافقنا عليها، وهو ما حصل تماما بموضوع القانون التأهيلي الذي كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري هو من خرج به، وبات اليوم يعارضه».
وينبّه نقولا من أن المعطيات الراهنة تشير إلى أن «لا شهية لدى عدد كبير من القوى السياسية على الاتفاق على قانون جديد، وكأن الأغلبية إما تريد الفراغ أو العودة إلى قانون الستين، وهما خياران نعارضهما تماما». ويستطرد «نحن لا نتمسك حاليا بطرح معين، إنما بمبدأ القانون العادل الذي يؤمّن تمثيل كل الأفرقاء. وبالتالي، لن نقدم المزيد من الاقتراحات وننتظر ما سيعرضونه هم علينا لنعطي رأينا بمشروعاتهم».

برّي: النسبية الكاملة
النائب ميشال موسى، عضو كتلة «التنمية والتحرير»، التي يرأسها الرئيس نبيه برّي يقول إن «مطلب برّي واضح فيما يتعلّق بقانون الانتخاب، وهو ما كان قد عبّر عنه في الطرح الذي قدّمه قبل ذلك، وهو يستند بشكل أساسي على النسبية واتفاق الطائف إنما لم يلق تجاوبا، ويمكن القول إنه جمّد إنما لم يطو». ويضيف إن «المطلوب اليوم هو البدء ببحث الطروحات النهائية بعدما قدّم كل فريق رؤيته... كذلك ننتظر أي طرح جديد شرط أن يكون مقبولا ومنطقيا للبحث به».
ويعتبر موسى أن سبب عدم التوصل إلى اتفاق لغاية اليوم هو «الانقسام بين الأطراف اللبنانية التي يسعى كل منها إلى مصالحه السياسية الخاصة». ولا ينفي موسى أنه لغاية الآن ليس هناك بوادر أو إشارات إيجابية يمكن البناء عليها بشكل كبير للتوصل إلى اتفاق قبل جلسة مجلس النواب في 29 مايو الحالي، مؤكدا في الوقت عينه أن الأمل يبقى موجودا حتى اللحظة الأخيرة، ولا سيما في لبنان، حيث اعتدنا على هذا الأمر.

«المستقبل»: أي قانون يحصل التوافق عليه نسير به
عضو كتلة المستقبل النائب محمد الحجار يشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أن رئيس الحكومة سعد الحريري «على موقفه الرافض للتمديد لمجرد التمديد لمجلس النواب، أما إذا كان الهدف وقف الفراغ وإفساح المجال أمام التوافق على قانون انتخابي فهذا أمر آخر، فالتوافق مطلب أساسي بالنسبة إلينا».
ويتابع الحجار «موقف تيار المستقبل من الصيغ الانتخابية التي تُطرح لن يكون علنياً ومباشرا، وسيكون محصوراً في الغرف المغلقة تسهيلاً للتوافق وتجنباً للمساجلات الإعلامية. الصيغة التي تجمع مجلس الشيوخ مع مجلس النواب على أساس نسبي وفقاً لطروحات الطائف إنما كانت من طرح الرئيس الحريري منذ عام 2013، لكنها لم تلق صدى آنذاك، وبعد إعادة طرحها من قبل الرئيس نبيه برّي اليوم، يبدو أنها تحتاج إلى إجماع».
ويختم: «أما عن مرحلة ما بعد 19 يونيو ومصير الانتخابات في حال تعذّر التوافق، عندئذ فالتنسيق مع رئيس المجلس على مرحلة ما بعد حزيران قائم... والفراغ أمر مرفوض، وأي قانون يتم التوافق عليه نسير به»، مشيراً إلى «أن (قانون الستين) نافذ على الأقل من الناحية القانونية».

«القوات»: للعودة إلى «الستين» إذا تعثر التفاهم
فيما يخص حزب «القوات اللبنانية» يعتبر العميد المتقاعد وهبة قاطيشا، مستشار رئيس الحزب، أن تعثر المباحثات في موضوع قانون الانتخاب «سببه الرئيسي تمسك كل فريق بشروطه وجلوسه على سلاحه، منتظرا من الفريق الآخر تقديم التنازلات التي من شأنها المساهمة في التوصل إلى اتفاق حول القانون الجديد»، منبهاً إلى أن «الوقت والمهل باتت داهمة، وبالتالي المطلوب من كل فريق القيام بخطوة إلى الأمام كي نتلاقى عند منتصف الطريق».
ويشدد قاطيشا على أن موافقة «القوات اللبنانية» على السير بـ«النسبية الكاملة» مشروط باعتماد الضوابط اللازمة التي من شأنها أن تسمح للمسيحيين بانتخاب العدد الأكبر من نوابهم في ظل الاختلال الديموغرافي الحاصل، لافتا إلى أن «هناك أفرقاء وضعوا يدهم على حقوق فريق آخر يرفضون اليوم التخلي عنها». ويرى قاطيشا أن «(قانون الستين) لم يمت ليعود من بين الأموات»، مضيفا: «في حال لم تنجح القوى السياسية بالاتفاق على قانون جديد قبل موعد 19 يونيو المقبل، سنتجه مجدداً لانتخابات نيابية على أساس القانون النافذ، ألا وهو (الستين) لننتظر سنوات بعد التفاهم المنشود على قانون عصري جديد».

«الكتائب»: أكثري بدوائر صغرى... أو نسبي ودوائر متوسطة
عضو كتلة حزب الكتائب النائب إيلي ماروني، قال لـ«الشرق الأوسط» عندما التقيناه: «سبق وطرحنا قانوناً انتخابياً يتمثل بالدوائر الصغرى، لكن ذلك لم يحظ بقبول الكتل النيابية الأخرى. وتمنينا لدى طرحنا هذا القانون أن يكون ذا معيار واحد. إضافة إلى أننا دعونا أيضاً إلى اعتماد قانون حكومة الرئيس الأسبق نجيب ميقاتي الذي يُعتبر قانوناً مقبولاً، ويعتمد النسبية على الدوائر المتوسطة والصغرى».
ويرى ماروني أن العودة إلى اعتماد القانون الحالي هو «فضيحة الفضائح». ويسأل «هل يُعقل بعد أن مددنا إلى المجلس النيابي في عامي 2013 و2014 والمهل الدستورية على وشك الانقضاء، نعود إلى طرح (الستين)؟!... إن ما يجري هو سيناريو يُعدّ من قِبل البعض، في حين أن من رفضوا هذا القانون، ولا سيما من المسيحيين، يعودون اليوم للموافقة عليه عبر تنازلات ليتبين أن الهدف هو الحصص والدخول في المحاصصة، فتلك فضيحة لا مثيل لها».

جنبلاط: قانون «الستين» هو الأكثر واقعية
عن تكتل «اللقاء الديمقراطي» الذي يرأسه النائب وليد جنبلاط، يقول النائب فؤاد السعد: إن «محاولات التوافق على قانون انتخاب يرضي الجميع، باتت أشبه بحكاية إبريق الزيت التي لا نهاية لها ولا قرار؛ وذلك لأن صياغة قانون انتخاب في دولة متعددة الطوائف والمذاهب كالدولة اللبنانية مهمة غير سهلة، لا بل معقدة، وتحتاج إلى كاسحات ألغام طائفية غير متوافرة حاليا في لبنان». متابعاً «(قانون الستين) يبقى في ظل الاختلاط الطائفي والمذهبي في الأقضية والمحافظات، هو القانون الأكثر واقعية مقارنة مع ما هو مطروح من مشروعات قوانين يمكن وصفها بالإلغائية لطائفة أساسية في التركيبتين السياسية والطائفية».
ويلفت السعد إلى أن تأمين إجماع وطني في لبنان على قانون انتخاب يرضي جميع الأطراف «يحتاج إلى ثقافة وطنية علمانية... أي إلى سنوات من البحث والمشاورات والمناقشات المضنية لتجاوز الألغام والأفخاخ الطائفية». ويختم السعد مشيراً إلى أن «(الستين)... يبقى القانون الأفضل مقارنة مع المختلط والنسبية الكاملة؛ كونه أكثر تماشيا مع الواقع الطائفي والمناطقي في لبنان، ناهيك من أنه استطاع خلال الحرب الأهلية الحفاظ على جوهر وتقسيمة الكيان اللبناني، وأظهر حسناته الوفيرة، وإلا لما كان قد استمر منذ الاستقلال حتى اليوم... اللقاء الديمقراطي لم يكن يوماً معرقلاً لإنجاز والتوافق على أي قانون انتخابي، إنما ما عُرِض أخيراً من مشروعات قوانين مثل الأرثوذوكسي والتأهيلي يؤدي إلى ضرب التعايش الإسلامي – المسيحي والوطني بشكل عام».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.