الصداقة... وغياب التنظير الأخلاقي حولها لمدة 16 قرناً

تم تهميشها في القرون الوسطى وفي الزمن المعاصر

الصداقة... وغياب التنظير الأخلاقي حولها لمدة 16 قرناً
TT

الصداقة... وغياب التنظير الأخلاقي حولها لمدة 16 قرناً

الصداقة... وغياب التنظير الأخلاقي حولها لمدة 16 قرناً

صدر في بداية هذه السنة مؤلف طريف للفيلسوف ميشال حنا متياس بعنوان: «الصداقة... قيمة أخلاقية مركزية» عن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية، ونشير بداية إلى أن المؤلف هو أستاذ فلسفة متقاعد درس في كلية ميلسابس (ميسيسيبي) من 1967 إلى 1999 ثم التحق بجامعة الكويت إلى حدود سنة 2004، وهو مهتم بالأساس بفلسفة الفن والجمال والأخلاق. وأما الأصل في كتابه الذي نتناوله بالتعريف هنا فقد كان باللغة الإنجليزية، وصدر عام 2012، وترجمه صاحبه نفسه إلى اللغة العربية. وبصراحة نقول إنه مكتوب بحس جمالي مرهف وبتبسيط «بيداغوجي» هائل يرحم المتلقي، بل يشعره بالمتعة والتشويق. فقارئ الكتاب سيكتشف أن متياس لا يتحرك في مؤلفه إلا ويبين إطاراته النظرية ومنطلقاته البحثية، كما أنه شديد في ضبط مفاهيمه التي يعتمدها ولا يكتفي بالتعريف فقط، بل يلجأ إلى التكرار المحمود، ويشبع القارئ بالحجج البلاغية، فنجد كتابه مملوءاً بالكثير من الأمثلة والتشبيهات... وهو ما ينم عن رغبة أكيدة في الوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور وبأقل تكلفة، مما يثبت أن الرجل قد مارس الأستاذية لمدة طويلة جعلته يستضمر طرق تبليغ المعلومة بطرق وصيغ مختلفة.
إنك حين تقرأ عنوان الكتاب لأول وهلة تعتقد أنه سيتحدث عن أهم الأطروحات التي قيلت حول الصداقة، لكن الأمر عند الكاتب أكبر من ذلك، فهو سيعالج إشكالية بعينها، فالرجل يعلن منذ بداية مؤلفه عن استغرابه: كيف أن مفهوم «الصداقة» حضر بقوة في التنظير الأخلاقي عند اليونان في العصر «الهيليني» و«الهيلينستي» معاً ليغيب هذا التنظير بشكل غير مبرر منذ القرن الرابع بعد الميلاد إلى عصرنا هذا. بمعنى آخر يريد أن يقول لنا إن البشرية قد قطعت مدة 14 قرناً، أي منذ العصور الوسطى إلى اللحظة المعاصرة مرورا بالحقبة الحديثة، وهي تهمل النشاط التنظيري حول الصداقة، وكأن هذا المفهوم من دون قيمة، ولا يحتل القيمة المركزية الكبرى في التصور الأخلاقي.
إذن الكتاب كله محاولة هائلة للإجابة عن هذا السؤال المتعلق بتوقف التنظير للصداقة في المرحلة الرواقية أي الحقبة «الهيلينستية»، رغم أن الصداقة كما يلح متياس هي شرط أساسي في كل نظرية أخلاقية وقيمة عليا لحياة الإنسان، بل هي حاجة أنطولوجية (وجودية)، فتغييبها هو تغييب لنموذج من نماذج الحياة الصالحة. ولكي نعرف القارئ بهذا الكتاب سنقف عند بعض محطاته:
إن مؤلف الكتاب وإن كان يضع نصب عينيه قضية الصداقة بالدرجة الأولى متسائلاً عن غيابها عن التنظير الأخلاقي لمدة 16 قرناً... فهو جعل من هذه المشكلة فرصة للقيام بسفر تاريخي ممتع، يجعل القارئ يتوقف عند المنعطفات الثقافية التي طرأت على الفكر البشري فيما سماه بالتحولات في النماذج الثقافية، فمثلاً يقف عند التحول الهائل من الثقافة الهيلينية اليونانية إلى الثقافة الهيلينستية ثم بعد ذلك يتحدث عن التحول في القرون الوسطى والزمن الحديث والمعاصر أيضا، مركزا على أن هذا التحول يكون جراء تلف مؤسسة معينة (دينية، سياسية، علمية...)، الذي يلحق به تباعاً تلف بقية المؤسسات، وطبعاً يعد الغرض الأساسي عند المؤلف من الوقوف التفصيلي عند هذه المحطات التي يتحول فيها نموذج التفكير والرؤية للعالم، هو إبراز أن ذلك يلحق بالأخلاق تغييراً أيضاً فيصبح الخير الأسمى المبحوث عنه مختلفاً.

وقف متياس عند «الهيلينية» وهي المرحلة اليونانية الأولى التي كان ينظر فيها إلى العالم على أنه «كوسموس» أي كل منظم، فهو ليس مصادفة، بل يسير وفق غاية محكمة وكل شيء موجود في مكانه ليؤدي وظيفته على أكمل وجه، فإذا ما سألنا الفيلسوف أفلاطون ما غاية البشر في هذا العالم؟ فإن جوابه سيكون هو: تحقيق أنفسهم مثل الكائنات الإنسانية، أي يعيشون وفقاً لما يميزهم أي العقل (ذهن، نفس، وعي) باعتباره جوهر الكائن الإنساني. كما أن النموذج الأمثل الذي ساد مجال السياسة هو ظهور ما يسمى الدولة - المدينة التي كانت ترسم حدود تفكير وشعور وفعل الفرد اليوناني، فمصيره كان مطموراً داخل الجماعة.

المحطة الهيلينستية

انتقل متياس إلى المحطة الثانية وهي «الهيلينستية»، التي بدأت بعد حملة الإسكندر المقدوني، والذي قام بغزو الشرق وكان كما نعلم يحمل معه المختصين بالرياضيات والمعماريين والفلاسفة والخبراء... وهؤلاء في الحقيقة كانوا سفراء ثقافة، مما جعل الإسكندر يخلق نظاما عالميا جديدا آنذاك، تشكل من تفاعل وامتزاج الثقافة اليونانية بالثقافة الشرقية، وهو ما يعرف اختصاراً بالثقافة الهيلينستية. إن الإسكندر ساهم في تمزيق الدولة - المدينة (Polis) كوحدة سياسية وثقافية كانت تلم شمل اليونانيين وتعطيهم رؤية للعالم على مقاسهم نحو الدولة العالمية (Cosmopolis) التي غيرت رغبات وآمال ومعتقدات المجتمع آنذاك، بل حتى هوية الآلهة اليونانية طرأ عليها تغير جراء التلاقح مع بيئة مختلفة، باختصار كان لانهيار النموذج السياسي اليوناني تبعات على النموذج الأخلاقي للفرد الهيلينستي. إن الشخص اليوناني «الهيليني» كان يعيش في جو متلاحم ويحتمي بعالم متماسك سياسياً وثقافيا ويستمد منه هويته وطمأنينته، لكن وبسرعة وجراء الدخول في عالم مفتوح سياسيا وثقافيا، دخل الفرد الهيلينستي في عزلة نفسيا وروحيا، فهذا العالم بالنسبة له أصبح شاسعاً ومتعدداً ولم يعد متلاحماً بل أصبح متشظياً، لقد فقد الأمان من العالم الخارجي، لهذا سيبحث عن الضمانات الباطنية مما جعله يعول على نفسه وينطلق في التفكير والشعور والفعل بالمفرد، وهو ما يفسر أن الفلسفة الهيلينستية ابتعدت عن التأمل الممنهج أو الميتافيزيقي الذي يدور حول طبيعة العالم لتنشغل بقضايا أخلاقية تبحث بالأساس عن السبل التي تجعل الفرد يحيا بسعادة ودونما خوف من المصير المجهول، وهنا نستحضر المدرسة الأبيقورية والرواقية.
إن المرحلتين الهيلينية والهيلينستية عرفتا اهتماماً بالصداقة بشكل مرموق ووصفها عنصراً جوهرياً في النظرية الأخلاقية، بل أحيانا تكون شرطاً للحياة الصالحة. يقول أبيقور: «بين جميع الأشياء التي تستثمرها الحكمة لإنجاز نعمة الحياة الكاملة، امتلاك الصداقة أفضلها». ويقول قبله ديموقريطس: «حياة الفرد ليست جديرة بأن تعاش من دون صديق واحد على الأقل».
كما يقول شيشرون: «أرجوك الرجاء الحار أن تفضل الصداقة على كل ما يمتلكه البشر، إذ لا يوجد شيء أكثر تناسباً لطبيعتنا وأكثر ملاءمة في أيام الضيق والازدهار». كما أن أرسطو سيبحث قضية الصداقة ويخصص لها حيزاً من فلسفته، ويحدد لها 3 أنواع بحسب الدافع إليها وهي: «صداقة المنفعة واللذة والفضيلة»، وهذه الأخيرة عنده هي الصداقة الحقيقية الجالبة للخير، لأنها مبنية على تمني الخير للصديق وتبادله معه ليس لميزة عارضة له، بل لذاته فقط، أو لنقل إن الصداقة هي ميل فاضل ومحبة ممزوجة بالعطاء، إنها مشاركة للآخر دون منافع، هذه الصداقة تظل عند أرسطو هدفاً مثالياً ننشده لأن صديق الفضيلة نادر.
سيلاحظ متياس أن هذا الاهتمام بالتنظير الأخلاقي للصداقة ووضعها في مركز الاهتمام، سيغيب في القرون الوسطى والزمن الحديث والمعاصر، ولكن لا يعني أن الفلاسفة لم يتكلموا عن الصداقة أو جعلها شيئاً تافهاً، بل هم لم يضعوها شرطاً للحياة الصالحة، فكيف ذلك؟
المحطة القروسطية
والحديثة والمعاصرة
إن غياب التنظير للصداقة بشكل مفاجئ في العصور الوسطى جعل متياس يتساءل عن السر؟ ليعلن أن الجواب يكمن في التحول الثقافي الذي حصل جراء الخروج من الهيلينستية إلى القروسطية فما ملامح هذا التغير؟
ذلك عائد إلى أن رؤية العالم في القرون الوسطى كانت قائمة على جعل الله محور كل شيء، فهو الموضوع الأسمى، إنه خير الخيرات ولا سعادة دون السعي إليه.
بعد ذلك سينتقل متياس إلى فلاسفة العصر الحديث والمعاصر ليؤكد أن تهميش التنظير للصداقة بوصفها قيمة مركزية سيستمر عندهم، فهم أيضاً أهملوها كما أهملت في القرون الوسطى، وأعلنوا أن السعادة يمكن أن تتم دون صديق.
ودائماً نجد الجواب عند متياس في التحول الثقافي الذي انطلق في أوروبا منذ عصر النهضة، الذي كانت سمته الأساسية حس المغامرة وعدم الإيمان بالثبات والهدوء واليقين الذي ساد القرون الوسطى. فالبشرية دخلت في شكوك وإعادة نظر في كل ما اكتسبته من حقائق وفي كل المجالات، وإعلان العقل سلطة مرجعية وحيدة. وهذه أجواء صعب فيها تطوير علاقات صداقة.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً