«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

أنسي الحاج يدخل الكاتب في مغامرة تستمر 30 عامًا

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
TT

«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة

تواصل «الشرق الأوسط» لليوم الثاني، نشر مقتطفات من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي سيصدر بعد أيام، حيث يتابع الكاتب كشف المستور عن العلاقات التي ساءت، ووصلت حد القطيعة بين بعض أقطاب مجلة «شعر»، ويحكي عن الصلات المتشنجة بين أدبائها المؤسسين، الذين كان هو أحدهم، ودور النساء الكاتبات، كما أنه يستذكر الأدباء العرب الذين مروا في بيروت، وفي حياته، إما مشاركين في «شعر» مثل البياتي والسياب، أو كتّابا في جريدة «النهار» كأمين معلوف، وزوار صفحتها الثقافية التي بنى مداميكها الأولى وبقي على رأسها أكثر من ثلاثة عقود.
مجلة «شعر» في بيروت كأنها تلك الشجرة الزرقاء، وكأنها الطاحونة تدور وتدور. وإلى مناخها أقبل شعراء كما الشاعر محمد الماغوط الذي أقبل من بلاده، وانضم إلى جريدة «الزمان» وأرسله يوسف الخال ودعواه الحرص عليه ليكتب بعض المقالات. وكنا نضحك وهو في زاوية من الطابق، حيث المحررون قاطبة شبه مختلف في مساحة ضيقة، وأنا إلى مكتبي ألتفت غالبًا إليه ورفيق المعلوف له طاولته، والأيام تتوالى على خفة ودعابة وظرف، ونحن في حرية نكتب ما نشاء من الثقافة إلى الأخبار المحلية. والصلة بالعالم الخارجي تزداد تنوعًا، وكان يأتيني زوار، ومنهم الشاعر موريس عواد، الذي كان يتابعنا ونقع في نفسه موقع الهوى والتجاوب. وامتزج الشعر والصحافة؛ فنحن شعراء ولنا مغامرات في الميدان الواسع ولنا نظرات إلى الأفق بعيدة وحيّة، ولا نتوقف عند حدّ معين. فلسنا طلاب المحدود والضيّق، ولا حملة رسالة ضعيفة، أو شهادة أو قضية. بل ننقل ما هو روح في مجالنا الشعري، إلى مجال الصحافة، وحملنا الرونق الفني أيضًا إليها، وكنا ممثلين للشعر والصحافة معًا، ونغرق في المهلة إلى آخر البئر والأعماق.
* أول قصيدة نثر
إنه الشاعر والناقد عبد القادر الجنابي. من سارع إلى أنني شوقي أبي شقرا الذي كتب قصائد أربعًا، ونشرت في جريدة «النهار»، وكانت من النثر، وكان صداها هكذا في خميس مجلة «شعر»، قبل الجميع. وهنا النص حولها كما في الجريدة، وأرجح أنه في سنة 1958:
قصيدة النثر مرة أخرى، في اجتماع خميس مجلة «شعر» الأسبوع الماضي طرحت مجددًا قضية قصيدة النثر على أثر أربع مقطوعات لشوقي أبي شقرا نشرت في «النهار» تحت عنوان «أربع قصائد». فسأل يوسف الخال ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة لماذا أطلق على المقطوعات اسم قصائد، على الرغم من أنها خالية– على حدّ اعتقادهم– من أهم عنصرين في قصيدة النثر، وهما الكثافة والتوتر. فكان الجواب عن هذا التساؤل في مقطوعات أبي شقرا المذكورة جمعت عناصر كثيرة من عناصر قصيدة النثر، بين المفاجأة والطرافة المستحدثة والخيال والصورة؛ ما يوفر جوًا شعريًا خاصًا قد يصعب على الكثيرين التجاوب وإياه، ولكن ليس معنى هذا أنه بالتالي جو «غير شعري».
وتشعّب الحديث ووصل إلى جذور قصيدة النثر وأربابها في فرنسا، ليعود فيبدأ بـ«قصائد» أبي شقرا، دون أن يتمكن المجتمعون من الخروج بنتيجة واحدة.
على أن الواضح على أي حال هو أن فئة من الذين لم تعجبهم تسمية المقطوعات المنشورة في «النهار»، قصائد، ذهبوا في عدم إعجابهم من مبدأ محض شخصي، وهو أن تلك القصائد لم توافق مزاجهم ولم تبعث فيهم شيئا يذكر. ما يعني أن نقدهم كان موجها إلى «مزاج» الشاعر أكثر منه إلى مبدأ تعبيره الشعري.
* هنا: يوسف الخال
... وكان يوسف الخال في ملء التأييد لما يصدر عني من رأي، ومن تمسك بالجمالية في النص، وبالنظافة الكاملة لئلا تقع القصيدة في فراغ الفراغ، وكيف لها أن تنهض ثانية وأن تمر من جيل إلى جيل من وضع الخواء إلى وضع السوية والطاعة للمطلق، وللقيم الشكلية حتى الخلود وحتى البقاء في مجدها وبهائها الوضاح. وكان يوسف يرد عني السهام أو الاحتجاج، ويهجم هجومًا على أحدنا على نذير العظمة، ويصرخ بأنها رعاية الشكل، وحذف الزائد والعقبات اللفظية والنقائض. وأنا كنت المتشبث بذلك وعمدت إلى التطبيق أمام الجمع ذات مرّة وأمام الشاعر نفسه، وكل من شاء أن يكون جليس قلمي، وأروح أهذب العبارات وأطرد التراب الخاسر لأصل إلى عروق الذهب، وإلى الخصائص المدفونة تحت القشور المختلفة. وكان يوسف أصدر قصائد في الأربعين وكتب له المقدمة أدونيس. وكنت طالما عقدنا جلسات يوسف وأنا حول قصائده في شبكة التفعيلة وفي حرية النثر. وطالما سكبت الرونق على السطور، وعلى إبعاد ما هو حامض أو معطّل أو مؤذ فيما ألّفه يوسف من أبيات ومن نصوص تعددت فيها الصور والمزايا.
وكان يصدّقني ويصغي هادئًا فاتحًا عينيه، ومتحدثًا إلى شوقي وكيف يبصر الخطل والأذى والعورة عينها، وكيف يفوت سواه ولا يرى ما أرى من علة ومن بعض الضباب. ويجب أن يأتي الناطور، أن يأتي الزارع ويهبّ كالعاصفة على النص، ويحدب عليه كاملاً وحنونًا مع العبارات والجملة الساطعة. وكانت تلك طريقتي في التعامل حتى امتلاك العصفور المنزوي في ذلك الخضم من العتمة، وحين يطول بنا الوقت ونتغدّى البيض المقلي من المطعم المجاور لمطبعة الخال، كنا نمضي معًا إلى منزل يوسف في أبو طالب ونجلس إلى مائدة الظهر ويكتمل لقاؤنا هكذا، وكأن الساعات لا حساب لها وكأن المغامرة الشعرية يجب أن تتكامل، وأن نصرف لها كل الدنانير كل الحيوية، وكان الطقس ذاك جميل القدّ ويأتي من حرير الهند، من حرير نفوسنا النقية من التلوثّ وإنما يهمّنا أن نكون وأن نصح وأن نجلس، وأن نكون مثلما هو الملك، ومثلما هي الحكاية بين شهريار وشهرزاد.
* البياتي نغمة عذبة
وهذا البياتي ومن يأخذ البياتي، إنه المسكن الزاهر وليس الطلل، وهذا آخر ومن يأخذ أنه غير إنشائي وأنه أصيل وأنه غير لفظي جدًا، وأضيف أن البياتي كان نغمة عذبة ذات مرة، ثم تناقص إلى ما بعد نقصان الهلال، إلى حيث يوضع موقتًا ريثما تتضح القيمة، وحتى يصمد الضوء إن كان الصمود مطروحًا.
* نازك الملائكة ضيفة لمرة واحدة
... ونازك الملائكة اسم رافقني منذ صباي، وأنا في المدرسة، وفيما بعد حين انطلقت إلى حقول الأمام، وحين تراميت ووضعت قامتي على ثلج الحرية، وعلى بساط الريح والفتون. وكنا معًا سهرنا ذات ليلة من تلك الأمسيات البعيدة في بيروت في بيت يوسف الخال. وكان الضحك وفعل الراحة والجدية الممزوجة بقليل من الرحابة والانفتاح. وكانت في السهرة فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي. ثم افترقنا عند الساعة الليلية الطويلة الأنس، وما عدت إلى نازك الملائكة، ولا هي أيضًا عادت إلينا، وكادت الصلة أن تذوب في الأيام وفي طريق الشعر والانقلاب على الماضي. وأكاد أجهل من وماذا ولماذا؛ ولذلك أنا في سيرتي وفي مساري، ولم أصادف نازك، بل صادفت بدر شاكر السياب الشاعر العراقي الآخر، الذي من فرط قريحته واندفاعه الكلامي، كان يسبق الجميع ويسرق العفوية من أي إنسان وأي شاعر.
* بدر شاكر السياب و«جيكور»
خلال سهرة أدبية ثقافية، عندي في البيت، أخبرني صلاح ستيتية، وهو الشاعر والناقد والبحاثة والصحافي والإعلامي، في حضور ناشر فرنسي غاب عني اسمه، ناشر للشعر على الأخص، أخبرني ما جرى له مع الشاعر العراقي بدر شاكر السياب من ترجمة سابقة وترجمة لاحقة، فقال لي «ما الفرق بين أمس وحاضر من نص الشاعر الغريب والمكثار؟». قال إنه ترجم من قبل قصائد جيكورية من السياب، وإنه اعتزم أن ينشر ثانية هذه الترجمة في باريس، وإذ تطلع إلى ما بين يديه رأى أنه بدلاً من أن يضيف هنا كلمة ويصلح هنا كلمة، اختار الأقوى، أي أن يقوم بترجمة كاملة ثانية بدءًا من نظرة حادة ثانية، وهكذا كان، ترجم وانتهى.
وأسمعني رأيه أن هذه الترجمة كانت تامة الآهاب، متقنة، وأن صاحبها الجيكوري شاعر عربي كبير، بل شاعر، وأنه دون الجيكورية، هو أقل من ذلك؛ إذ إن السياب لا يقف متوازنًا في شعره وهذا معروف، بل هناك الأبيض من القمح والأسود من الزؤان في مجاله الشعري، وأنه في جيكور كان الإنساني ملازمًا للجودة.
ولن أبوح بما باح لي به ستيتية عن أحد الشعراء، من رأي يبقى بيني وبينه إلى أن يحين الموعد لقوله في مناسبة أخرى. وهذا ما يجعلني أضيف إلى هذه المقولة والمقولات أن الترجمة في ذاتها وإن كانت سببا تقييميًا في صلبه لا تعدو كونها ترجمة تنضمّ إلى تراكمات هائلة من الترجمات وأنها إذ تنقل الشاعر العربي، ونحن في صدده، إلى اللغة القوية، إلى الفرنسية أو إلى الإنجليزية، لا ينتج من هذه الخطوة أن الشاعر توطد، وأنه صار حقيقًا بالنظرة الثاقبة، وأنه يخلو من كل عيب وخطل.
إننا في التجربة التي مضت، منذ سنين عدة، لم نحصل بعد، ما عدا قلّة قليلة، على السلوك الخارجي المطلق تجاه القصيدة الحديثة والجديدة والجيّدة. هناك محاولات لا نملك إلا أن نرضى بها، محاولات فقط وليست انكبابًا على نصوص وعلى الغوص ها هنا على الأعماق والنزول إلى الأقفاص الغارقة، والموضوعة في أرض القصيدة للقبض على الأسماك النادرة، وعلى الأصداف النادرة.
بل هناك سلوك يكاد يكون واحد الجانب، وهناك كسل في الحقيقة، لدى أولئك العارفين، في باريس خاصة، أولئك حملة المعرفة والقيمين من تلقائهم على بعض النتاج، والذين لا يرعون، وإنما يخدمون هذا أو ذاك، وينطلقون من جهل نصوصي وجهل بياني، ولا يقرأون تمامًا ما بين إضاءات السطور حين ينصرفون إلى القراءة أو إلى التقييم.
إلا أن الواقع أحلى من النظرية من النقد. وهو إلى تغيير وإلى معرفة تراكمت أن هناك في البيان العربي في القصيدة اللبنانية ما يدعى سحرًا وما يدعى نجاحًا. وأن هناك فريدين في النظر وفي الشعر.
* نساء في مجلة «شعر»
في مجلة «شعر»، وهي التي قامت من الجرأة ومن الجمرة التي تحرق حيث هي تكون الوجع والسؤال، تفتّحت الأكمام وكانت المرأة في السياق، وفي الدور الذي لها وهو دور الكتابة، ودور الأنثى في محض أنوثتها، ودور الندى على الزهرة...
وأولى السيدات اللواتي شاهدن براعم المغامرة وساهمن في اللطف وفي الرضى، وفي المحبة التي كانت نائمة واستفاقت من براثن الملل، هي هلن الخال زوجة يوسف... وهلن فنانة ولها تلك المسحة التجريدية، وذلك اللون الذي يموج ثم يموج على لوحتها، عالمها حيث الغرق والانفعال، وكذلك حيث اليقظة؛ وكونها تعرف الكثير وتخبئ الكثير، وحيث هي حاضرة في خطوات يوسف وفي متابعة على الأرض والأخذ بحياء والمشاركة بحياء في وليمة النصوص، في وليمة الحركة المطلقة. وكانت هلن صديقة مراقبة، وهي التي صممت غلاف مجلة «شعر»، بتلك الخطوط، بتلك اللمحات من الأوتار.
* خالدة سعيد
وإلى خالدة سعيد، الناقدة والأستاذة في مجالها، والتي كانت الحضور والشفافية والتي تتبع زوجها أدونيس في شطحاته وفي كلماته. ومنذ أول الأول هي هنا، إلى جانب الزوج الغنائي الذي يمضي إلى مقاطعه، إلى عطائه الشعري وإلى أنفاسه الحرّى، وإلى المكان حيث هو، وحيث يكون في موضع يلائمه، إن في لبنان ولا سيما بيروت، وإن في فرنسا ولا سيما باريس.
وخالدة كانت معنا وكانت التي تناقش وتفتح الموضوع وسائر الأبواب في خميس مجلة «شعر». وكنا أنسي وأنا، مع خالدة، نحرّك القصيدة ونحرّك الغفوة، ونزيد الشعلة احمرارًا حين نحن وحدنا ولا يوسف ولا أدونيس في البلاد.
وخالدة، ولا عيب، هي التي عكفت على أدونيس في الأخص الأخص، وعلى النزر لدى بعض الشعراء، والتي رافقت المغامرة منذ العهد البادئ، والتي كأنها وجدت خيوطًا، وكان أنها مشت في الوجود الشعري، في المجلة وخارجها خطوات إلى الأمام، وإلى فعل التمهيد حتى الحصول على الخلاصة وعلى التكاوين المرهفة، حيث هي القصيدة الجديدة وحيث هي الأصول المعتمدة...
وانحازت خالدة سعيد إلى ناحية شبه وحيدة، ولم تكن المنقذة، بل العرافة التي توحي الصواب، والتي لها ابتسامتها الحلوة في البحث عن المدى، وعما يسر القارئ ويطرد الملل من كل مدينة وكل شطر من الحياة الثقافية.
إنه الرجوع إلى بعض المناظر في الحركة الشعرية الحديثة، وهي ربما غير صافية وربما العكس، بل متلبّدة، إلى السيدة خالدة سعيد، وكيف أنها قادرة على تزيين شاعر، وعلى شاعر آخر نزولاً في النفق إلى حيث شموع الظلمة الحالكة والنزوات التي تركب بعض الشعراء دون سواهم.
وخالدة سعيد صدى يتردد في أمكنة قريبة أو بعيدة؛ فهي انعطفت على زوجها وما فارقته، بل حدبت على قصائده، منذ مطلع المغامرة، وانعطفت على أنسي الحاج تعطيه إيضاحًا من هنا ولمحة من هناك. ولا يسعها في النهاية أن تكون إلا موضوعية، ولم تشأ هي ذلك في مجراها إلى المواظبة على التزيين وعلى مدّ التبرّج إلى من هم في سياقها أو على مقربة منها. وليتها منذ تلك الأعوام وهي في شرح وتبيان حادت قليلاً عن الحصار وعن بعض الذين تحبّهم، وانصرفت إلى النقد، نقد الذات ونقد سائر الأدباء. وهكذا تكون تكرّست للبعض وما إليه من نصوص وقصائد، كلما التفتت إليها إنما تباركها وتدفعها إلى أن تكون في الصدارة. ولها الحرية في لملمة العنقود وأي عصارة سواه.
* ليلى بعلبكي
وإلى ليلى بعلبكي التي هي الأنثى وهي الروائية وهي المتمردّة على السهل، على السهولة، والتي منذ البدء في مجلة «شعر» كانت الموجودة والمرافقة التي تنثر الطيب والضحكة واللعبة فيما حولها. وكان يوسف هو الأقرب إليها، وإلى كونها على تلك الحال من الانفراد، من الصراخ، ومن الدهشة مما هنالك من أقمار ومن أشجار تلتفّ وترفض الأوراق. ولا عجب أن يأتي القارئ وأن يأخذ العجب من التأليف، ومن أي كتاب، من هذه السيدة التي تهجم على العوالم، على الأطر، على السياج؛ لأنها ترغب في الانطلاق وحسب... وليلى تدرك كل هذا، وكم كانت ترن على إيقاعي الثقافي؛ إذ نحن الصداقة في مجلة «شعر» وفي الخارج، أي الثقافة كما يصنعها الصناع وكما يرغب الزائر أن تكون على مقداره من الدسامة، ومن الفن...
* لور غريب
وها هي لور غريب كانت تكتب القصيدة بالفرنسية. وهي، في مجلة «شعر»،...
ولور رفيقة كانت ومرافقة ليلى بعلبكي، وكلتاهما كانتا في الانتظار، وفي أن تحصل كل واحدة على قدر من الخصب في حياتهما. وكان أن نزعت لور إلى اللوحة، وإلى أن تبثّها الحالة الدقيقة، أي النسيج الزخرفي الذي من وفرته ومن نوعيته يقفز إلى التقدير، وإلى حيث تتوافق الزخرفة مع الجودة ويطلّ الفن على قدره وعلى مصيره، أي أنه يحملنا إلى البعيد، إلى ما يكون نهرًا من النمنمة ودخولاً إلى ما يؤلف السكون والمزيج الملوّن، وها نحن ندوخ تحت وطأته.
* سنيّة صالح
وسنيّة صالح، زوجة الشاعر محمد الماغوط وشقيقة خالدة، كانت التي مرّت، والتي مثل الطيور المهاجرة حطّت ونزلت قليلاً على مرتعنا نزول الطائر ونزول النحلة. وهي كانت الصبية، ومنذ الصبا، تكتب القصيدة وتطرح النص الذي يكشف عن غمّ، عن قلق، عن وجودية ناعمة وحيث ينطق الشغف والطموح في الذات المرهفة. والنطق لديها في خدمة الوصول حتى تلك النعومة، ذلك الإشراق الصوفي الذي يدفع الإنسان صوب الأنوار، صوب الحقول السعيدة، صوب الحركة، وصوب الصور المثقلة بالملامح، بالأحلام.
مع أنسي الحاج إلى «النهار»
مرمر لساني، مرمر قلمي، مرمر زماني من ملحق «النهار»،... والملحق إنما انطلق على اندفاع على همّة أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا في تلك السنة 1964. وكان أنسي هو زارني في جريدة «الزمان»، وشاءني أن أكون في جريدة «النهار». وكان أنني تركت أوراقي وغبطتي الصحافية حيث كنت، وأزمعت الانتقال من حالة إلى حالة، ومن وضع إلى وضع إلى مكان يختلف عن السابق ومن كتابة إلى كتابة. وها نحن في الحمراء، في مكتب «النهار» وها نحن ننصرف معًا أنا وهو إلى فكرة الملحق، أي يصدر يوميًا ثم أسبوعيًا. وكانت العجقة وكانت اللهفة، وعكفنا معًا على الفحوى على المتن وعلى الهيكل الجديد الذي به سيكون الملحق من قاصر إلى راشد، ومن ليل إلى أضواء، إلى صفحات فوق العشرين. وكلها تدعونا إلى أن نعثر على المواد، على النصوص التي هي ستكون الصورة، ستكون لدى القارئ جذابة له، وبه سيكون القارئ إلى زيادة، وبه ستكون الجريدة هي الغاية، وهي المقصودة، وبه سيكون غنى وثراء في المبيع، وبه سيكون الأمر أحلى، وسيكون الفوز أكثر فأكثر بالقارئ الذي، كلّ يوم أحد، يتاح له أن يشيل عن ذهنه، عن نفسه عبء الأيام.
وكان أننا اجتهدنا، نحن الثنائي، وانغمسنا في المعركة، معركة الرضى والانفتاح على فسحات من ألوان الصحافة اللبنانية، وعلى الوسط الأدبي وعلى القادمين نحونا، هذا له مقالة وآخر له قصيدة، وثالث يرغب في نحر العادة ونحر الفراغ، وآخر كله ترحاب بنا...
* شعراء فلسطين وبيروت
* محمود درويش: قصيدة في الصفحة الأولى
وكان محمود درويش الراحل منذ أمد من السنين، هو الصديق وهو الصلة المديدة والمستقيمة بالبلاد، بموطنه فلسطين. وكنّا على ودٍ متبادل، وعلى مودّة ناعمة تسكن في البال وفي الصدور وتثلج العلاقة التي هي ما بيننا، نوع من التقدير ومن اللزوميات الجميلة.
وقال لي ذات مرة على الهاتف مرحبًا وفق ذلك وألطف من ذلك. وقال أيضًا إنه يملك قصيدة جديدة، تضاف إلى أملاكه وإلى حقوله الخصبة. وقال لي إنه يريدها على الصفحة الأولى من جريدة «النهار» في بيروت...
ومحمود درويش شاعر البلاد، شاعر الشرق والوطن الجاثم عليه ذلك العدو، إنما يربح الفائدة من صوته، من قيثارته كلما وقف خطيبًا. وكلّما كان هو في أصله وفي أخلاقه، ذلك الرنان وذلك الصدى، وتلك الهضاب والأودية. وإنما كل مرة في موقعه هذا، كان يبلغ العلى ويبلغ آخر الأدراج وآخر الرياح. بل كان هو الرياح والعاصفة، وكان المنطلق مع هبوب الثورة مع بعض الشعراء من خلانه، كانوا معا قناديل والسفن التي عليها هم وقصائدهم هي التي تبحر في الذاكرة وفي القلوب وفي الأذهان العطاش إلى الكلمة التي تتفوق، والتي تهزّ المروحة ويهبط علينا كثير من الغذاء، من الانفتاح على الدروس التي يلقونها وتصمد في التاريخ المعاصر.
* معين بسيسو
من الذين غلبوا الصخرة
ولا شك أن معين بسيسو هو أيضًا من القافلة الثائرة، وحيث الغضب يسطع في الأطر طرًا. وحيث لا أحد إلا الشعراء من يدرون كيف تؤخذ الحقوق، وكيف يكون النضال، وكيف أننا نذهب إليهم، إلى نتاجهم، ونحن سعيدون بأن المناسبات تنقلب من جافّة إلى عظيمة التأثير.
ونحن نرتفع معها، مع النصوص التي تدل على الطريق على الوجهة على الأرض التي هي في الوحشة الدامية. ولا شك أن معين بسيسو يحتوي الصديق وأمثاله المتعدّدين، وهو كذلك من الذين صرخوا وكانوا جميعًا في صدد النهوض من الخيبة، من الخيبات. وهم يكادون يكونون الذين سجّلوا وكتبوا جلّ التاريخ، جلّ الملحمة. وازدانوا بالفضائل المهاجمة التي لا تنقضي في جب النسيان وفي بئر الإهمال. بل يجب أن تكمل الأجيال طموحات أولئك الشعراء والكتّاب الذين، واحدًا واحدًا، زاروني، وغلبوا الصخرة وأزاحوها على قدر ما استطاعوا، وما فتئوا يفعلون ويلعبون لعبة المجد، حتى الوصول حتى القطاف.
وسوف تكون العودة التي غناها العاملون في الكلمة وفي القافية، في صلب الحروف.
وفي وسط العقد كما هي الياقوتة، ووهج الفرادة العامرة الإيوان.
* أمين معلوف يحب الوكالات
ومعلوف، قبل أن يغادر المكان والمسقط إلى باريس سنة 1977 عمل في الإطار الصحافي، وكان في جريدة «النهار» في بيروت ينكبّ على الوكالات وعلى القصاصات، وعلى الأوراق. وكان الذي يتفحّصها ويأخذ منها الخبر وما هو الصالح وما هو على العكس.
وكان في عادة الجدّية، الذي لا يدع شأنًا إلا يرصده، وهو بالمرصاد لكل ما يطرأ، وتلك هي القاعدة، وأن يكون المدقّق والذي لا يترك حرفًا إلا يقرأه وإلا يكون في حيزه، في جانبه الواضح أو في جانبه من الظلمة، وحيث لا ضوء ولا سراج من غابر التقاليد، إلى حيث نحن، إلى مطارحنا المعاصرة.
ولبث أمين معلوف صحافيًا في بيروت، ولا أذكر كم هي المدة، لكنها الحرب في لبنان كانت السبب أن يقلع نحو الغربة، نحو فرنسا، نحو باريس، وأظنه هناك أشرف على مجلة «جون أفريك»، ثم تمادى في... البحث عن بعض القضايا، وفي البحث عن الزمن الضائع وعن بلاده وعن طانيوس، وعن أشخاص مرّوا أو عاشوا، وأثروا الذاكرة، وهم الجذور وهم المادة التي تحيا على اندفاع قلمه وعلى دخان الذكريات والإشارة التي صدرت عنهم لتكون أشبه بالشرارات، بالغذاء الذي يشبع الجياع ويطل على ساحة الصراع، كما في القديم من الزمان، من رعشة التاريخ.
صديقنا، وصديق الكثرة من الناس ومن القراء في أوروبا وسواها وفي وطنه لبنان، والعضو في الأكاديمية الفرنسية، الذي من لا يطالع ما يكتب، والذي نحفل به طوال الوقت والساعات. والذي يوضع في المكتبة ليكون اللذة والمتعة كما يكون المرجع.
وهكذا صديقنا الذي هو ونحن كنا معًا في «النهار»، وكان في الشؤون الخارجية، ونحن نتوغّل في الأدب والشعر وفي الأغصان والشجر أو في الحياة، وهو، منذ تلك الفينة، نموذج في موجات التأليف والأدب الأوسع والكتابة المفتوحة على الحق وعلى الخطأ وعلى الخطيئة وعلى التاريخ. وعلى أن في الإنسان رحابة من التناقض ومن العقاب ومن البراءة أو الذنوب الثقيلة. وهو إلى كل ذلك أنتج وانغمس في العطاء ووصف ولمع ولا يزال لامعًا.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».