«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

أنسي الحاج يدخل الكاتب في مغامرة تستمر 30 عامًا

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
TT

«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة

تواصل «الشرق الأوسط» لليوم الثاني، نشر مقتطفات من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي سيصدر بعد أيام، حيث يتابع الكاتب كشف المستور عن العلاقات التي ساءت، ووصلت حد القطيعة بين بعض أقطاب مجلة «شعر»، ويحكي عن الصلات المتشنجة بين أدبائها المؤسسين، الذين كان هو أحدهم، ودور النساء الكاتبات، كما أنه يستذكر الأدباء العرب الذين مروا في بيروت، وفي حياته، إما مشاركين في «شعر» مثل البياتي والسياب، أو كتّابا في جريدة «النهار» كأمين معلوف، وزوار صفحتها الثقافية التي بنى مداميكها الأولى وبقي على رأسها أكثر من ثلاثة عقود.
مجلة «شعر» في بيروت كأنها تلك الشجرة الزرقاء، وكأنها الطاحونة تدور وتدور. وإلى مناخها أقبل شعراء كما الشاعر محمد الماغوط الذي أقبل من بلاده، وانضم إلى جريدة «الزمان» وأرسله يوسف الخال ودعواه الحرص عليه ليكتب بعض المقالات. وكنا نضحك وهو في زاوية من الطابق، حيث المحررون قاطبة شبه مختلف في مساحة ضيقة، وأنا إلى مكتبي ألتفت غالبًا إليه ورفيق المعلوف له طاولته، والأيام تتوالى على خفة ودعابة وظرف، ونحن في حرية نكتب ما نشاء من الثقافة إلى الأخبار المحلية. والصلة بالعالم الخارجي تزداد تنوعًا، وكان يأتيني زوار، ومنهم الشاعر موريس عواد، الذي كان يتابعنا ونقع في نفسه موقع الهوى والتجاوب. وامتزج الشعر والصحافة؛ فنحن شعراء ولنا مغامرات في الميدان الواسع ولنا نظرات إلى الأفق بعيدة وحيّة، ولا نتوقف عند حدّ معين. فلسنا طلاب المحدود والضيّق، ولا حملة رسالة ضعيفة، أو شهادة أو قضية. بل ننقل ما هو روح في مجالنا الشعري، إلى مجال الصحافة، وحملنا الرونق الفني أيضًا إليها، وكنا ممثلين للشعر والصحافة معًا، ونغرق في المهلة إلى آخر البئر والأعماق.
* أول قصيدة نثر
إنه الشاعر والناقد عبد القادر الجنابي. من سارع إلى أنني شوقي أبي شقرا الذي كتب قصائد أربعًا، ونشرت في جريدة «النهار»، وكانت من النثر، وكان صداها هكذا في خميس مجلة «شعر»، قبل الجميع. وهنا النص حولها كما في الجريدة، وأرجح أنه في سنة 1958:
قصيدة النثر مرة أخرى، في اجتماع خميس مجلة «شعر» الأسبوع الماضي طرحت مجددًا قضية قصيدة النثر على أثر أربع مقطوعات لشوقي أبي شقرا نشرت في «النهار» تحت عنوان «أربع قصائد». فسأل يوسف الخال ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة لماذا أطلق على المقطوعات اسم قصائد، على الرغم من أنها خالية– على حدّ اعتقادهم– من أهم عنصرين في قصيدة النثر، وهما الكثافة والتوتر. فكان الجواب عن هذا التساؤل في مقطوعات أبي شقرا المذكورة جمعت عناصر كثيرة من عناصر قصيدة النثر، بين المفاجأة والطرافة المستحدثة والخيال والصورة؛ ما يوفر جوًا شعريًا خاصًا قد يصعب على الكثيرين التجاوب وإياه، ولكن ليس معنى هذا أنه بالتالي جو «غير شعري».
وتشعّب الحديث ووصل إلى جذور قصيدة النثر وأربابها في فرنسا، ليعود فيبدأ بـ«قصائد» أبي شقرا، دون أن يتمكن المجتمعون من الخروج بنتيجة واحدة.
على أن الواضح على أي حال هو أن فئة من الذين لم تعجبهم تسمية المقطوعات المنشورة في «النهار»، قصائد، ذهبوا في عدم إعجابهم من مبدأ محض شخصي، وهو أن تلك القصائد لم توافق مزاجهم ولم تبعث فيهم شيئا يذكر. ما يعني أن نقدهم كان موجها إلى «مزاج» الشاعر أكثر منه إلى مبدأ تعبيره الشعري.
* هنا: يوسف الخال
... وكان يوسف الخال في ملء التأييد لما يصدر عني من رأي، ومن تمسك بالجمالية في النص، وبالنظافة الكاملة لئلا تقع القصيدة في فراغ الفراغ، وكيف لها أن تنهض ثانية وأن تمر من جيل إلى جيل من وضع الخواء إلى وضع السوية والطاعة للمطلق، وللقيم الشكلية حتى الخلود وحتى البقاء في مجدها وبهائها الوضاح. وكان يوسف يرد عني السهام أو الاحتجاج، ويهجم هجومًا على أحدنا على نذير العظمة، ويصرخ بأنها رعاية الشكل، وحذف الزائد والعقبات اللفظية والنقائض. وأنا كنت المتشبث بذلك وعمدت إلى التطبيق أمام الجمع ذات مرّة وأمام الشاعر نفسه، وكل من شاء أن يكون جليس قلمي، وأروح أهذب العبارات وأطرد التراب الخاسر لأصل إلى عروق الذهب، وإلى الخصائص المدفونة تحت القشور المختلفة. وكان يوسف أصدر قصائد في الأربعين وكتب له المقدمة أدونيس. وكنت طالما عقدنا جلسات يوسف وأنا حول قصائده في شبكة التفعيلة وفي حرية النثر. وطالما سكبت الرونق على السطور، وعلى إبعاد ما هو حامض أو معطّل أو مؤذ فيما ألّفه يوسف من أبيات ومن نصوص تعددت فيها الصور والمزايا.
وكان يصدّقني ويصغي هادئًا فاتحًا عينيه، ومتحدثًا إلى شوقي وكيف يبصر الخطل والأذى والعورة عينها، وكيف يفوت سواه ولا يرى ما أرى من علة ومن بعض الضباب. ويجب أن يأتي الناطور، أن يأتي الزارع ويهبّ كالعاصفة على النص، ويحدب عليه كاملاً وحنونًا مع العبارات والجملة الساطعة. وكانت تلك طريقتي في التعامل حتى امتلاك العصفور المنزوي في ذلك الخضم من العتمة، وحين يطول بنا الوقت ونتغدّى البيض المقلي من المطعم المجاور لمطبعة الخال، كنا نمضي معًا إلى منزل يوسف في أبو طالب ونجلس إلى مائدة الظهر ويكتمل لقاؤنا هكذا، وكأن الساعات لا حساب لها وكأن المغامرة الشعرية يجب أن تتكامل، وأن نصرف لها كل الدنانير كل الحيوية، وكان الطقس ذاك جميل القدّ ويأتي من حرير الهند، من حرير نفوسنا النقية من التلوثّ وإنما يهمّنا أن نكون وأن نصح وأن نجلس، وأن نكون مثلما هو الملك، ومثلما هي الحكاية بين شهريار وشهرزاد.
* البياتي نغمة عذبة
وهذا البياتي ومن يأخذ البياتي، إنه المسكن الزاهر وليس الطلل، وهذا آخر ومن يأخذ أنه غير إنشائي وأنه أصيل وأنه غير لفظي جدًا، وأضيف أن البياتي كان نغمة عذبة ذات مرة، ثم تناقص إلى ما بعد نقصان الهلال، إلى حيث يوضع موقتًا ريثما تتضح القيمة، وحتى يصمد الضوء إن كان الصمود مطروحًا.
* نازك الملائكة ضيفة لمرة واحدة
... ونازك الملائكة اسم رافقني منذ صباي، وأنا في المدرسة، وفيما بعد حين انطلقت إلى حقول الأمام، وحين تراميت ووضعت قامتي على ثلج الحرية، وعلى بساط الريح والفتون. وكنا معًا سهرنا ذات ليلة من تلك الأمسيات البعيدة في بيروت في بيت يوسف الخال. وكان الضحك وفعل الراحة والجدية الممزوجة بقليل من الرحابة والانفتاح. وكانت في السهرة فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي. ثم افترقنا عند الساعة الليلية الطويلة الأنس، وما عدت إلى نازك الملائكة، ولا هي أيضًا عادت إلينا، وكادت الصلة أن تذوب في الأيام وفي طريق الشعر والانقلاب على الماضي. وأكاد أجهل من وماذا ولماذا؛ ولذلك أنا في سيرتي وفي مساري، ولم أصادف نازك، بل صادفت بدر شاكر السياب الشاعر العراقي الآخر، الذي من فرط قريحته واندفاعه الكلامي، كان يسبق الجميع ويسرق العفوية من أي إنسان وأي شاعر.
* بدر شاكر السياب و«جيكور»
خلال سهرة أدبية ثقافية، عندي في البيت، أخبرني صلاح ستيتية، وهو الشاعر والناقد والبحاثة والصحافي والإعلامي، في حضور ناشر فرنسي غاب عني اسمه، ناشر للشعر على الأخص، أخبرني ما جرى له مع الشاعر العراقي بدر شاكر السياب من ترجمة سابقة وترجمة لاحقة، فقال لي «ما الفرق بين أمس وحاضر من نص الشاعر الغريب والمكثار؟». قال إنه ترجم من قبل قصائد جيكورية من السياب، وإنه اعتزم أن ينشر ثانية هذه الترجمة في باريس، وإذ تطلع إلى ما بين يديه رأى أنه بدلاً من أن يضيف هنا كلمة ويصلح هنا كلمة، اختار الأقوى، أي أن يقوم بترجمة كاملة ثانية بدءًا من نظرة حادة ثانية، وهكذا كان، ترجم وانتهى.
وأسمعني رأيه أن هذه الترجمة كانت تامة الآهاب، متقنة، وأن صاحبها الجيكوري شاعر عربي كبير، بل شاعر، وأنه دون الجيكورية، هو أقل من ذلك؛ إذ إن السياب لا يقف متوازنًا في شعره وهذا معروف، بل هناك الأبيض من القمح والأسود من الزؤان في مجاله الشعري، وأنه في جيكور كان الإنساني ملازمًا للجودة.
ولن أبوح بما باح لي به ستيتية عن أحد الشعراء، من رأي يبقى بيني وبينه إلى أن يحين الموعد لقوله في مناسبة أخرى. وهذا ما يجعلني أضيف إلى هذه المقولة والمقولات أن الترجمة في ذاتها وإن كانت سببا تقييميًا في صلبه لا تعدو كونها ترجمة تنضمّ إلى تراكمات هائلة من الترجمات وأنها إذ تنقل الشاعر العربي، ونحن في صدده، إلى اللغة القوية، إلى الفرنسية أو إلى الإنجليزية، لا ينتج من هذه الخطوة أن الشاعر توطد، وأنه صار حقيقًا بالنظرة الثاقبة، وأنه يخلو من كل عيب وخطل.
إننا في التجربة التي مضت، منذ سنين عدة، لم نحصل بعد، ما عدا قلّة قليلة، على السلوك الخارجي المطلق تجاه القصيدة الحديثة والجديدة والجيّدة. هناك محاولات لا نملك إلا أن نرضى بها، محاولات فقط وليست انكبابًا على نصوص وعلى الغوص ها هنا على الأعماق والنزول إلى الأقفاص الغارقة، والموضوعة في أرض القصيدة للقبض على الأسماك النادرة، وعلى الأصداف النادرة.
بل هناك سلوك يكاد يكون واحد الجانب، وهناك كسل في الحقيقة، لدى أولئك العارفين، في باريس خاصة، أولئك حملة المعرفة والقيمين من تلقائهم على بعض النتاج، والذين لا يرعون، وإنما يخدمون هذا أو ذاك، وينطلقون من جهل نصوصي وجهل بياني، ولا يقرأون تمامًا ما بين إضاءات السطور حين ينصرفون إلى القراءة أو إلى التقييم.
إلا أن الواقع أحلى من النظرية من النقد. وهو إلى تغيير وإلى معرفة تراكمت أن هناك في البيان العربي في القصيدة اللبنانية ما يدعى سحرًا وما يدعى نجاحًا. وأن هناك فريدين في النظر وفي الشعر.
* نساء في مجلة «شعر»
في مجلة «شعر»، وهي التي قامت من الجرأة ومن الجمرة التي تحرق حيث هي تكون الوجع والسؤال، تفتّحت الأكمام وكانت المرأة في السياق، وفي الدور الذي لها وهو دور الكتابة، ودور الأنثى في محض أنوثتها، ودور الندى على الزهرة...
وأولى السيدات اللواتي شاهدن براعم المغامرة وساهمن في اللطف وفي الرضى، وفي المحبة التي كانت نائمة واستفاقت من براثن الملل، هي هلن الخال زوجة يوسف... وهلن فنانة ولها تلك المسحة التجريدية، وذلك اللون الذي يموج ثم يموج على لوحتها، عالمها حيث الغرق والانفعال، وكذلك حيث اليقظة؛ وكونها تعرف الكثير وتخبئ الكثير، وحيث هي حاضرة في خطوات يوسف وفي متابعة على الأرض والأخذ بحياء والمشاركة بحياء في وليمة النصوص، في وليمة الحركة المطلقة. وكانت هلن صديقة مراقبة، وهي التي صممت غلاف مجلة «شعر»، بتلك الخطوط، بتلك اللمحات من الأوتار.
* خالدة سعيد
وإلى خالدة سعيد، الناقدة والأستاذة في مجالها، والتي كانت الحضور والشفافية والتي تتبع زوجها أدونيس في شطحاته وفي كلماته. ومنذ أول الأول هي هنا، إلى جانب الزوج الغنائي الذي يمضي إلى مقاطعه، إلى عطائه الشعري وإلى أنفاسه الحرّى، وإلى المكان حيث هو، وحيث يكون في موضع يلائمه، إن في لبنان ولا سيما بيروت، وإن في فرنسا ولا سيما باريس.
وخالدة كانت معنا وكانت التي تناقش وتفتح الموضوع وسائر الأبواب في خميس مجلة «شعر». وكنا أنسي وأنا، مع خالدة، نحرّك القصيدة ونحرّك الغفوة، ونزيد الشعلة احمرارًا حين نحن وحدنا ولا يوسف ولا أدونيس في البلاد.
وخالدة، ولا عيب، هي التي عكفت على أدونيس في الأخص الأخص، وعلى النزر لدى بعض الشعراء، والتي رافقت المغامرة منذ العهد البادئ، والتي كأنها وجدت خيوطًا، وكان أنها مشت في الوجود الشعري، في المجلة وخارجها خطوات إلى الأمام، وإلى فعل التمهيد حتى الحصول على الخلاصة وعلى التكاوين المرهفة، حيث هي القصيدة الجديدة وحيث هي الأصول المعتمدة...
وانحازت خالدة سعيد إلى ناحية شبه وحيدة، ولم تكن المنقذة، بل العرافة التي توحي الصواب، والتي لها ابتسامتها الحلوة في البحث عن المدى، وعما يسر القارئ ويطرد الملل من كل مدينة وكل شطر من الحياة الثقافية.
إنه الرجوع إلى بعض المناظر في الحركة الشعرية الحديثة، وهي ربما غير صافية وربما العكس، بل متلبّدة، إلى السيدة خالدة سعيد، وكيف أنها قادرة على تزيين شاعر، وعلى شاعر آخر نزولاً في النفق إلى حيث شموع الظلمة الحالكة والنزوات التي تركب بعض الشعراء دون سواهم.
وخالدة سعيد صدى يتردد في أمكنة قريبة أو بعيدة؛ فهي انعطفت على زوجها وما فارقته، بل حدبت على قصائده، منذ مطلع المغامرة، وانعطفت على أنسي الحاج تعطيه إيضاحًا من هنا ولمحة من هناك. ولا يسعها في النهاية أن تكون إلا موضوعية، ولم تشأ هي ذلك في مجراها إلى المواظبة على التزيين وعلى مدّ التبرّج إلى من هم في سياقها أو على مقربة منها. وليتها منذ تلك الأعوام وهي في شرح وتبيان حادت قليلاً عن الحصار وعن بعض الذين تحبّهم، وانصرفت إلى النقد، نقد الذات ونقد سائر الأدباء. وهكذا تكون تكرّست للبعض وما إليه من نصوص وقصائد، كلما التفتت إليها إنما تباركها وتدفعها إلى أن تكون في الصدارة. ولها الحرية في لملمة العنقود وأي عصارة سواه.
* ليلى بعلبكي
وإلى ليلى بعلبكي التي هي الأنثى وهي الروائية وهي المتمردّة على السهل، على السهولة، والتي منذ البدء في مجلة «شعر» كانت الموجودة والمرافقة التي تنثر الطيب والضحكة واللعبة فيما حولها. وكان يوسف هو الأقرب إليها، وإلى كونها على تلك الحال من الانفراد، من الصراخ، ومن الدهشة مما هنالك من أقمار ومن أشجار تلتفّ وترفض الأوراق. ولا عجب أن يأتي القارئ وأن يأخذ العجب من التأليف، ومن أي كتاب، من هذه السيدة التي تهجم على العوالم، على الأطر، على السياج؛ لأنها ترغب في الانطلاق وحسب... وليلى تدرك كل هذا، وكم كانت ترن على إيقاعي الثقافي؛ إذ نحن الصداقة في مجلة «شعر» وفي الخارج، أي الثقافة كما يصنعها الصناع وكما يرغب الزائر أن تكون على مقداره من الدسامة، ومن الفن...
* لور غريب
وها هي لور غريب كانت تكتب القصيدة بالفرنسية. وهي، في مجلة «شعر»،...
ولور رفيقة كانت ومرافقة ليلى بعلبكي، وكلتاهما كانتا في الانتظار، وفي أن تحصل كل واحدة على قدر من الخصب في حياتهما. وكان أن نزعت لور إلى اللوحة، وإلى أن تبثّها الحالة الدقيقة، أي النسيج الزخرفي الذي من وفرته ومن نوعيته يقفز إلى التقدير، وإلى حيث تتوافق الزخرفة مع الجودة ويطلّ الفن على قدره وعلى مصيره، أي أنه يحملنا إلى البعيد، إلى ما يكون نهرًا من النمنمة ودخولاً إلى ما يؤلف السكون والمزيج الملوّن، وها نحن ندوخ تحت وطأته.
* سنيّة صالح
وسنيّة صالح، زوجة الشاعر محمد الماغوط وشقيقة خالدة، كانت التي مرّت، والتي مثل الطيور المهاجرة حطّت ونزلت قليلاً على مرتعنا نزول الطائر ونزول النحلة. وهي كانت الصبية، ومنذ الصبا، تكتب القصيدة وتطرح النص الذي يكشف عن غمّ، عن قلق، عن وجودية ناعمة وحيث ينطق الشغف والطموح في الذات المرهفة. والنطق لديها في خدمة الوصول حتى تلك النعومة، ذلك الإشراق الصوفي الذي يدفع الإنسان صوب الأنوار، صوب الحقول السعيدة، صوب الحركة، وصوب الصور المثقلة بالملامح، بالأحلام.
مع أنسي الحاج إلى «النهار»
مرمر لساني، مرمر قلمي، مرمر زماني من ملحق «النهار»،... والملحق إنما انطلق على اندفاع على همّة أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا في تلك السنة 1964. وكان أنسي هو زارني في جريدة «الزمان»، وشاءني أن أكون في جريدة «النهار». وكان أنني تركت أوراقي وغبطتي الصحافية حيث كنت، وأزمعت الانتقال من حالة إلى حالة، ومن وضع إلى وضع إلى مكان يختلف عن السابق ومن كتابة إلى كتابة. وها نحن في الحمراء، في مكتب «النهار» وها نحن ننصرف معًا أنا وهو إلى فكرة الملحق، أي يصدر يوميًا ثم أسبوعيًا. وكانت العجقة وكانت اللهفة، وعكفنا معًا على الفحوى على المتن وعلى الهيكل الجديد الذي به سيكون الملحق من قاصر إلى راشد، ومن ليل إلى أضواء، إلى صفحات فوق العشرين. وكلها تدعونا إلى أن نعثر على المواد، على النصوص التي هي ستكون الصورة، ستكون لدى القارئ جذابة له، وبه سيكون القارئ إلى زيادة، وبه ستكون الجريدة هي الغاية، وهي المقصودة، وبه سيكون غنى وثراء في المبيع، وبه سيكون الأمر أحلى، وسيكون الفوز أكثر فأكثر بالقارئ الذي، كلّ يوم أحد، يتاح له أن يشيل عن ذهنه، عن نفسه عبء الأيام.
وكان أننا اجتهدنا، نحن الثنائي، وانغمسنا في المعركة، معركة الرضى والانفتاح على فسحات من ألوان الصحافة اللبنانية، وعلى الوسط الأدبي وعلى القادمين نحونا، هذا له مقالة وآخر له قصيدة، وثالث يرغب في نحر العادة ونحر الفراغ، وآخر كله ترحاب بنا...
* شعراء فلسطين وبيروت
* محمود درويش: قصيدة في الصفحة الأولى
وكان محمود درويش الراحل منذ أمد من السنين، هو الصديق وهو الصلة المديدة والمستقيمة بالبلاد، بموطنه فلسطين. وكنّا على ودٍ متبادل، وعلى مودّة ناعمة تسكن في البال وفي الصدور وتثلج العلاقة التي هي ما بيننا، نوع من التقدير ومن اللزوميات الجميلة.
وقال لي ذات مرة على الهاتف مرحبًا وفق ذلك وألطف من ذلك. وقال أيضًا إنه يملك قصيدة جديدة، تضاف إلى أملاكه وإلى حقوله الخصبة. وقال لي إنه يريدها على الصفحة الأولى من جريدة «النهار» في بيروت...
ومحمود درويش شاعر البلاد، شاعر الشرق والوطن الجاثم عليه ذلك العدو، إنما يربح الفائدة من صوته، من قيثارته كلما وقف خطيبًا. وكلّما كان هو في أصله وفي أخلاقه، ذلك الرنان وذلك الصدى، وتلك الهضاب والأودية. وإنما كل مرة في موقعه هذا، كان يبلغ العلى ويبلغ آخر الأدراج وآخر الرياح. بل كان هو الرياح والعاصفة، وكان المنطلق مع هبوب الثورة مع بعض الشعراء من خلانه، كانوا معا قناديل والسفن التي عليها هم وقصائدهم هي التي تبحر في الذاكرة وفي القلوب وفي الأذهان العطاش إلى الكلمة التي تتفوق، والتي تهزّ المروحة ويهبط علينا كثير من الغذاء، من الانفتاح على الدروس التي يلقونها وتصمد في التاريخ المعاصر.
* معين بسيسو
من الذين غلبوا الصخرة
ولا شك أن معين بسيسو هو أيضًا من القافلة الثائرة، وحيث الغضب يسطع في الأطر طرًا. وحيث لا أحد إلا الشعراء من يدرون كيف تؤخذ الحقوق، وكيف يكون النضال، وكيف أننا نذهب إليهم، إلى نتاجهم، ونحن سعيدون بأن المناسبات تنقلب من جافّة إلى عظيمة التأثير.
ونحن نرتفع معها، مع النصوص التي تدل على الطريق على الوجهة على الأرض التي هي في الوحشة الدامية. ولا شك أن معين بسيسو يحتوي الصديق وأمثاله المتعدّدين، وهو كذلك من الذين صرخوا وكانوا جميعًا في صدد النهوض من الخيبة، من الخيبات. وهم يكادون يكونون الذين سجّلوا وكتبوا جلّ التاريخ، جلّ الملحمة. وازدانوا بالفضائل المهاجمة التي لا تنقضي في جب النسيان وفي بئر الإهمال. بل يجب أن تكمل الأجيال طموحات أولئك الشعراء والكتّاب الذين، واحدًا واحدًا، زاروني، وغلبوا الصخرة وأزاحوها على قدر ما استطاعوا، وما فتئوا يفعلون ويلعبون لعبة المجد، حتى الوصول حتى القطاف.
وسوف تكون العودة التي غناها العاملون في الكلمة وفي القافية، في صلب الحروف.
وفي وسط العقد كما هي الياقوتة، ووهج الفرادة العامرة الإيوان.
* أمين معلوف يحب الوكالات
ومعلوف، قبل أن يغادر المكان والمسقط إلى باريس سنة 1977 عمل في الإطار الصحافي، وكان في جريدة «النهار» في بيروت ينكبّ على الوكالات وعلى القصاصات، وعلى الأوراق. وكان الذي يتفحّصها ويأخذ منها الخبر وما هو الصالح وما هو على العكس.
وكان في عادة الجدّية، الذي لا يدع شأنًا إلا يرصده، وهو بالمرصاد لكل ما يطرأ، وتلك هي القاعدة، وأن يكون المدقّق والذي لا يترك حرفًا إلا يقرأه وإلا يكون في حيزه، في جانبه الواضح أو في جانبه من الظلمة، وحيث لا ضوء ولا سراج من غابر التقاليد، إلى حيث نحن، إلى مطارحنا المعاصرة.
ولبث أمين معلوف صحافيًا في بيروت، ولا أذكر كم هي المدة، لكنها الحرب في لبنان كانت السبب أن يقلع نحو الغربة، نحو فرنسا، نحو باريس، وأظنه هناك أشرف على مجلة «جون أفريك»، ثم تمادى في... البحث عن بعض القضايا، وفي البحث عن الزمن الضائع وعن بلاده وعن طانيوس، وعن أشخاص مرّوا أو عاشوا، وأثروا الذاكرة، وهم الجذور وهم المادة التي تحيا على اندفاع قلمه وعلى دخان الذكريات والإشارة التي صدرت عنهم لتكون أشبه بالشرارات، بالغذاء الذي يشبع الجياع ويطل على ساحة الصراع، كما في القديم من الزمان، من رعشة التاريخ.
صديقنا، وصديق الكثرة من الناس ومن القراء في أوروبا وسواها وفي وطنه لبنان، والعضو في الأكاديمية الفرنسية، الذي من لا يطالع ما يكتب، والذي نحفل به طوال الوقت والساعات. والذي يوضع في المكتبة ليكون اللذة والمتعة كما يكون المرجع.
وهكذا صديقنا الذي هو ونحن كنا معًا في «النهار»، وكان في الشؤون الخارجية، ونحن نتوغّل في الأدب والشعر وفي الأغصان والشجر أو في الحياة، وهو، منذ تلك الفينة، نموذج في موجات التأليف والأدب الأوسع والكتابة المفتوحة على الحق وعلى الخطأ وعلى الخطيئة وعلى التاريخ. وعلى أن في الإنسان رحابة من التناقض ومن العقاب ومن البراءة أو الذنوب الثقيلة. وهو إلى كل ذلك أنتج وانغمس في العطاء ووصف ولمع ولا يزال لامعًا.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟