«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

أنسي الحاج يدخل الكاتب في مغامرة تستمر 30 عامًا

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
TT

«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة

تواصل «الشرق الأوسط» لليوم الثاني، نشر مقتطفات من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي سيصدر بعد أيام، حيث يتابع الكاتب كشف المستور عن العلاقات التي ساءت، ووصلت حد القطيعة بين بعض أقطاب مجلة «شعر»، ويحكي عن الصلات المتشنجة بين أدبائها المؤسسين، الذين كان هو أحدهم، ودور النساء الكاتبات، كما أنه يستذكر الأدباء العرب الذين مروا في بيروت، وفي حياته، إما مشاركين في «شعر» مثل البياتي والسياب، أو كتّابا في جريدة «النهار» كأمين معلوف، وزوار صفحتها الثقافية التي بنى مداميكها الأولى وبقي على رأسها أكثر من ثلاثة عقود.
مجلة «شعر» في بيروت كأنها تلك الشجرة الزرقاء، وكأنها الطاحونة تدور وتدور. وإلى مناخها أقبل شعراء كما الشاعر محمد الماغوط الذي أقبل من بلاده، وانضم إلى جريدة «الزمان» وأرسله يوسف الخال ودعواه الحرص عليه ليكتب بعض المقالات. وكنا نضحك وهو في زاوية من الطابق، حيث المحررون قاطبة شبه مختلف في مساحة ضيقة، وأنا إلى مكتبي ألتفت غالبًا إليه ورفيق المعلوف له طاولته، والأيام تتوالى على خفة ودعابة وظرف، ونحن في حرية نكتب ما نشاء من الثقافة إلى الأخبار المحلية. والصلة بالعالم الخارجي تزداد تنوعًا، وكان يأتيني زوار، ومنهم الشاعر موريس عواد، الذي كان يتابعنا ونقع في نفسه موقع الهوى والتجاوب. وامتزج الشعر والصحافة؛ فنحن شعراء ولنا مغامرات في الميدان الواسع ولنا نظرات إلى الأفق بعيدة وحيّة، ولا نتوقف عند حدّ معين. فلسنا طلاب المحدود والضيّق، ولا حملة رسالة ضعيفة، أو شهادة أو قضية. بل ننقل ما هو روح في مجالنا الشعري، إلى مجال الصحافة، وحملنا الرونق الفني أيضًا إليها، وكنا ممثلين للشعر والصحافة معًا، ونغرق في المهلة إلى آخر البئر والأعماق.
* أول قصيدة نثر
إنه الشاعر والناقد عبد القادر الجنابي. من سارع إلى أنني شوقي أبي شقرا الذي كتب قصائد أربعًا، ونشرت في جريدة «النهار»، وكانت من النثر، وكان صداها هكذا في خميس مجلة «شعر»، قبل الجميع. وهنا النص حولها كما في الجريدة، وأرجح أنه في سنة 1958:
قصيدة النثر مرة أخرى، في اجتماع خميس مجلة «شعر» الأسبوع الماضي طرحت مجددًا قضية قصيدة النثر على أثر أربع مقطوعات لشوقي أبي شقرا نشرت في «النهار» تحت عنوان «أربع قصائد». فسأل يوسف الخال ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة لماذا أطلق على المقطوعات اسم قصائد، على الرغم من أنها خالية– على حدّ اعتقادهم– من أهم عنصرين في قصيدة النثر، وهما الكثافة والتوتر. فكان الجواب عن هذا التساؤل في مقطوعات أبي شقرا المذكورة جمعت عناصر كثيرة من عناصر قصيدة النثر، بين المفاجأة والطرافة المستحدثة والخيال والصورة؛ ما يوفر جوًا شعريًا خاصًا قد يصعب على الكثيرين التجاوب وإياه، ولكن ليس معنى هذا أنه بالتالي جو «غير شعري».
وتشعّب الحديث ووصل إلى جذور قصيدة النثر وأربابها في فرنسا، ليعود فيبدأ بـ«قصائد» أبي شقرا، دون أن يتمكن المجتمعون من الخروج بنتيجة واحدة.
على أن الواضح على أي حال هو أن فئة من الذين لم تعجبهم تسمية المقطوعات المنشورة في «النهار»، قصائد، ذهبوا في عدم إعجابهم من مبدأ محض شخصي، وهو أن تلك القصائد لم توافق مزاجهم ولم تبعث فيهم شيئا يذكر. ما يعني أن نقدهم كان موجها إلى «مزاج» الشاعر أكثر منه إلى مبدأ تعبيره الشعري.
* هنا: يوسف الخال
... وكان يوسف الخال في ملء التأييد لما يصدر عني من رأي، ومن تمسك بالجمالية في النص، وبالنظافة الكاملة لئلا تقع القصيدة في فراغ الفراغ، وكيف لها أن تنهض ثانية وأن تمر من جيل إلى جيل من وضع الخواء إلى وضع السوية والطاعة للمطلق، وللقيم الشكلية حتى الخلود وحتى البقاء في مجدها وبهائها الوضاح. وكان يوسف يرد عني السهام أو الاحتجاج، ويهجم هجومًا على أحدنا على نذير العظمة، ويصرخ بأنها رعاية الشكل، وحذف الزائد والعقبات اللفظية والنقائض. وأنا كنت المتشبث بذلك وعمدت إلى التطبيق أمام الجمع ذات مرّة وأمام الشاعر نفسه، وكل من شاء أن يكون جليس قلمي، وأروح أهذب العبارات وأطرد التراب الخاسر لأصل إلى عروق الذهب، وإلى الخصائص المدفونة تحت القشور المختلفة. وكان يوسف أصدر قصائد في الأربعين وكتب له المقدمة أدونيس. وكنت طالما عقدنا جلسات يوسف وأنا حول قصائده في شبكة التفعيلة وفي حرية النثر. وطالما سكبت الرونق على السطور، وعلى إبعاد ما هو حامض أو معطّل أو مؤذ فيما ألّفه يوسف من أبيات ومن نصوص تعددت فيها الصور والمزايا.
وكان يصدّقني ويصغي هادئًا فاتحًا عينيه، ومتحدثًا إلى شوقي وكيف يبصر الخطل والأذى والعورة عينها، وكيف يفوت سواه ولا يرى ما أرى من علة ومن بعض الضباب. ويجب أن يأتي الناطور، أن يأتي الزارع ويهبّ كالعاصفة على النص، ويحدب عليه كاملاً وحنونًا مع العبارات والجملة الساطعة. وكانت تلك طريقتي في التعامل حتى امتلاك العصفور المنزوي في ذلك الخضم من العتمة، وحين يطول بنا الوقت ونتغدّى البيض المقلي من المطعم المجاور لمطبعة الخال، كنا نمضي معًا إلى منزل يوسف في أبو طالب ونجلس إلى مائدة الظهر ويكتمل لقاؤنا هكذا، وكأن الساعات لا حساب لها وكأن المغامرة الشعرية يجب أن تتكامل، وأن نصرف لها كل الدنانير كل الحيوية، وكان الطقس ذاك جميل القدّ ويأتي من حرير الهند، من حرير نفوسنا النقية من التلوثّ وإنما يهمّنا أن نكون وأن نصح وأن نجلس، وأن نكون مثلما هو الملك، ومثلما هي الحكاية بين شهريار وشهرزاد.
* البياتي نغمة عذبة
وهذا البياتي ومن يأخذ البياتي، إنه المسكن الزاهر وليس الطلل، وهذا آخر ومن يأخذ أنه غير إنشائي وأنه أصيل وأنه غير لفظي جدًا، وأضيف أن البياتي كان نغمة عذبة ذات مرة، ثم تناقص إلى ما بعد نقصان الهلال، إلى حيث يوضع موقتًا ريثما تتضح القيمة، وحتى يصمد الضوء إن كان الصمود مطروحًا.
* نازك الملائكة ضيفة لمرة واحدة
... ونازك الملائكة اسم رافقني منذ صباي، وأنا في المدرسة، وفيما بعد حين انطلقت إلى حقول الأمام، وحين تراميت ووضعت قامتي على ثلج الحرية، وعلى بساط الريح والفتون. وكنا معًا سهرنا ذات ليلة من تلك الأمسيات البعيدة في بيروت في بيت يوسف الخال. وكان الضحك وفعل الراحة والجدية الممزوجة بقليل من الرحابة والانفتاح. وكانت في السهرة فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي. ثم افترقنا عند الساعة الليلية الطويلة الأنس، وما عدت إلى نازك الملائكة، ولا هي أيضًا عادت إلينا، وكادت الصلة أن تذوب في الأيام وفي طريق الشعر والانقلاب على الماضي. وأكاد أجهل من وماذا ولماذا؛ ولذلك أنا في سيرتي وفي مساري، ولم أصادف نازك، بل صادفت بدر شاكر السياب الشاعر العراقي الآخر، الذي من فرط قريحته واندفاعه الكلامي، كان يسبق الجميع ويسرق العفوية من أي إنسان وأي شاعر.
* بدر شاكر السياب و«جيكور»
خلال سهرة أدبية ثقافية، عندي في البيت، أخبرني صلاح ستيتية، وهو الشاعر والناقد والبحاثة والصحافي والإعلامي، في حضور ناشر فرنسي غاب عني اسمه، ناشر للشعر على الأخص، أخبرني ما جرى له مع الشاعر العراقي بدر شاكر السياب من ترجمة سابقة وترجمة لاحقة، فقال لي «ما الفرق بين أمس وحاضر من نص الشاعر الغريب والمكثار؟». قال إنه ترجم من قبل قصائد جيكورية من السياب، وإنه اعتزم أن ينشر ثانية هذه الترجمة في باريس، وإذ تطلع إلى ما بين يديه رأى أنه بدلاً من أن يضيف هنا كلمة ويصلح هنا كلمة، اختار الأقوى، أي أن يقوم بترجمة كاملة ثانية بدءًا من نظرة حادة ثانية، وهكذا كان، ترجم وانتهى.
وأسمعني رأيه أن هذه الترجمة كانت تامة الآهاب، متقنة، وأن صاحبها الجيكوري شاعر عربي كبير، بل شاعر، وأنه دون الجيكورية، هو أقل من ذلك؛ إذ إن السياب لا يقف متوازنًا في شعره وهذا معروف، بل هناك الأبيض من القمح والأسود من الزؤان في مجاله الشعري، وأنه في جيكور كان الإنساني ملازمًا للجودة.
ولن أبوح بما باح لي به ستيتية عن أحد الشعراء، من رأي يبقى بيني وبينه إلى أن يحين الموعد لقوله في مناسبة أخرى. وهذا ما يجعلني أضيف إلى هذه المقولة والمقولات أن الترجمة في ذاتها وإن كانت سببا تقييميًا في صلبه لا تعدو كونها ترجمة تنضمّ إلى تراكمات هائلة من الترجمات وأنها إذ تنقل الشاعر العربي، ونحن في صدده، إلى اللغة القوية، إلى الفرنسية أو إلى الإنجليزية، لا ينتج من هذه الخطوة أن الشاعر توطد، وأنه صار حقيقًا بالنظرة الثاقبة، وأنه يخلو من كل عيب وخطل.
إننا في التجربة التي مضت، منذ سنين عدة، لم نحصل بعد، ما عدا قلّة قليلة، على السلوك الخارجي المطلق تجاه القصيدة الحديثة والجديدة والجيّدة. هناك محاولات لا نملك إلا أن نرضى بها، محاولات فقط وليست انكبابًا على نصوص وعلى الغوص ها هنا على الأعماق والنزول إلى الأقفاص الغارقة، والموضوعة في أرض القصيدة للقبض على الأسماك النادرة، وعلى الأصداف النادرة.
بل هناك سلوك يكاد يكون واحد الجانب، وهناك كسل في الحقيقة، لدى أولئك العارفين، في باريس خاصة، أولئك حملة المعرفة والقيمين من تلقائهم على بعض النتاج، والذين لا يرعون، وإنما يخدمون هذا أو ذاك، وينطلقون من جهل نصوصي وجهل بياني، ولا يقرأون تمامًا ما بين إضاءات السطور حين ينصرفون إلى القراءة أو إلى التقييم.
إلا أن الواقع أحلى من النظرية من النقد. وهو إلى تغيير وإلى معرفة تراكمت أن هناك في البيان العربي في القصيدة اللبنانية ما يدعى سحرًا وما يدعى نجاحًا. وأن هناك فريدين في النظر وفي الشعر.
* نساء في مجلة «شعر»
في مجلة «شعر»، وهي التي قامت من الجرأة ومن الجمرة التي تحرق حيث هي تكون الوجع والسؤال، تفتّحت الأكمام وكانت المرأة في السياق، وفي الدور الذي لها وهو دور الكتابة، ودور الأنثى في محض أنوثتها، ودور الندى على الزهرة...
وأولى السيدات اللواتي شاهدن براعم المغامرة وساهمن في اللطف وفي الرضى، وفي المحبة التي كانت نائمة واستفاقت من براثن الملل، هي هلن الخال زوجة يوسف... وهلن فنانة ولها تلك المسحة التجريدية، وذلك اللون الذي يموج ثم يموج على لوحتها، عالمها حيث الغرق والانفعال، وكذلك حيث اليقظة؛ وكونها تعرف الكثير وتخبئ الكثير، وحيث هي حاضرة في خطوات يوسف وفي متابعة على الأرض والأخذ بحياء والمشاركة بحياء في وليمة النصوص، في وليمة الحركة المطلقة. وكانت هلن صديقة مراقبة، وهي التي صممت غلاف مجلة «شعر»، بتلك الخطوط، بتلك اللمحات من الأوتار.
* خالدة سعيد
وإلى خالدة سعيد، الناقدة والأستاذة في مجالها، والتي كانت الحضور والشفافية والتي تتبع زوجها أدونيس في شطحاته وفي كلماته. ومنذ أول الأول هي هنا، إلى جانب الزوج الغنائي الذي يمضي إلى مقاطعه، إلى عطائه الشعري وإلى أنفاسه الحرّى، وإلى المكان حيث هو، وحيث يكون في موضع يلائمه، إن في لبنان ولا سيما بيروت، وإن في فرنسا ولا سيما باريس.
وخالدة كانت معنا وكانت التي تناقش وتفتح الموضوع وسائر الأبواب في خميس مجلة «شعر». وكنا أنسي وأنا، مع خالدة، نحرّك القصيدة ونحرّك الغفوة، ونزيد الشعلة احمرارًا حين نحن وحدنا ولا يوسف ولا أدونيس في البلاد.
وخالدة، ولا عيب، هي التي عكفت على أدونيس في الأخص الأخص، وعلى النزر لدى بعض الشعراء، والتي رافقت المغامرة منذ العهد البادئ، والتي كأنها وجدت خيوطًا، وكان أنها مشت في الوجود الشعري، في المجلة وخارجها خطوات إلى الأمام، وإلى فعل التمهيد حتى الحصول على الخلاصة وعلى التكاوين المرهفة، حيث هي القصيدة الجديدة وحيث هي الأصول المعتمدة...
وانحازت خالدة سعيد إلى ناحية شبه وحيدة، ولم تكن المنقذة، بل العرافة التي توحي الصواب، والتي لها ابتسامتها الحلوة في البحث عن المدى، وعما يسر القارئ ويطرد الملل من كل مدينة وكل شطر من الحياة الثقافية.
إنه الرجوع إلى بعض المناظر في الحركة الشعرية الحديثة، وهي ربما غير صافية وربما العكس، بل متلبّدة، إلى السيدة خالدة سعيد، وكيف أنها قادرة على تزيين شاعر، وعلى شاعر آخر نزولاً في النفق إلى حيث شموع الظلمة الحالكة والنزوات التي تركب بعض الشعراء دون سواهم.
وخالدة سعيد صدى يتردد في أمكنة قريبة أو بعيدة؛ فهي انعطفت على زوجها وما فارقته، بل حدبت على قصائده، منذ مطلع المغامرة، وانعطفت على أنسي الحاج تعطيه إيضاحًا من هنا ولمحة من هناك. ولا يسعها في النهاية أن تكون إلا موضوعية، ولم تشأ هي ذلك في مجراها إلى المواظبة على التزيين وعلى مدّ التبرّج إلى من هم في سياقها أو على مقربة منها. وليتها منذ تلك الأعوام وهي في شرح وتبيان حادت قليلاً عن الحصار وعن بعض الذين تحبّهم، وانصرفت إلى النقد، نقد الذات ونقد سائر الأدباء. وهكذا تكون تكرّست للبعض وما إليه من نصوص وقصائد، كلما التفتت إليها إنما تباركها وتدفعها إلى أن تكون في الصدارة. ولها الحرية في لملمة العنقود وأي عصارة سواه.
* ليلى بعلبكي
وإلى ليلى بعلبكي التي هي الأنثى وهي الروائية وهي المتمردّة على السهل، على السهولة، والتي منذ البدء في مجلة «شعر» كانت الموجودة والمرافقة التي تنثر الطيب والضحكة واللعبة فيما حولها. وكان يوسف هو الأقرب إليها، وإلى كونها على تلك الحال من الانفراد، من الصراخ، ومن الدهشة مما هنالك من أقمار ومن أشجار تلتفّ وترفض الأوراق. ولا عجب أن يأتي القارئ وأن يأخذ العجب من التأليف، ومن أي كتاب، من هذه السيدة التي تهجم على العوالم، على الأطر، على السياج؛ لأنها ترغب في الانطلاق وحسب... وليلى تدرك كل هذا، وكم كانت ترن على إيقاعي الثقافي؛ إذ نحن الصداقة في مجلة «شعر» وفي الخارج، أي الثقافة كما يصنعها الصناع وكما يرغب الزائر أن تكون على مقداره من الدسامة، ومن الفن...
* لور غريب
وها هي لور غريب كانت تكتب القصيدة بالفرنسية. وهي، في مجلة «شعر»،...
ولور رفيقة كانت ومرافقة ليلى بعلبكي، وكلتاهما كانتا في الانتظار، وفي أن تحصل كل واحدة على قدر من الخصب في حياتهما. وكان أن نزعت لور إلى اللوحة، وإلى أن تبثّها الحالة الدقيقة، أي النسيج الزخرفي الذي من وفرته ومن نوعيته يقفز إلى التقدير، وإلى حيث تتوافق الزخرفة مع الجودة ويطلّ الفن على قدره وعلى مصيره، أي أنه يحملنا إلى البعيد، إلى ما يكون نهرًا من النمنمة ودخولاً إلى ما يؤلف السكون والمزيج الملوّن، وها نحن ندوخ تحت وطأته.
* سنيّة صالح
وسنيّة صالح، زوجة الشاعر محمد الماغوط وشقيقة خالدة، كانت التي مرّت، والتي مثل الطيور المهاجرة حطّت ونزلت قليلاً على مرتعنا نزول الطائر ونزول النحلة. وهي كانت الصبية، ومنذ الصبا، تكتب القصيدة وتطرح النص الذي يكشف عن غمّ، عن قلق، عن وجودية ناعمة وحيث ينطق الشغف والطموح في الذات المرهفة. والنطق لديها في خدمة الوصول حتى تلك النعومة، ذلك الإشراق الصوفي الذي يدفع الإنسان صوب الأنوار، صوب الحقول السعيدة، صوب الحركة، وصوب الصور المثقلة بالملامح، بالأحلام.
مع أنسي الحاج إلى «النهار»
مرمر لساني، مرمر قلمي، مرمر زماني من ملحق «النهار»،... والملحق إنما انطلق على اندفاع على همّة أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا في تلك السنة 1964. وكان أنسي هو زارني في جريدة «الزمان»، وشاءني أن أكون في جريدة «النهار». وكان أنني تركت أوراقي وغبطتي الصحافية حيث كنت، وأزمعت الانتقال من حالة إلى حالة، ومن وضع إلى وضع إلى مكان يختلف عن السابق ومن كتابة إلى كتابة. وها نحن في الحمراء، في مكتب «النهار» وها نحن ننصرف معًا أنا وهو إلى فكرة الملحق، أي يصدر يوميًا ثم أسبوعيًا. وكانت العجقة وكانت اللهفة، وعكفنا معًا على الفحوى على المتن وعلى الهيكل الجديد الذي به سيكون الملحق من قاصر إلى راشد، ومن ليل إلى أضواء، إلى صفحات فوق العشرين. وكلها تدعونا إلى أن نعثر على المواد، على النصوص التي هي ستكون الصورة، ستكون لدى القارئ جذابة له، وبه سيكون القارئ إلى زيادة، وبه ستكون الجريدة هي الغاية، وهي المقصودة، وبه سيكون غنى وثراء في المبيع، وبه سيكون الأمر أحلى، وسيكون الفوز أكثر فأكثر بالقارئ الذي، كلّ يوم أحد، يتاح له أن يشيل عن ذهنه، عن نفسه عبء الأيام.
وكان أننا اجتهدنا، نحن الثنائي، وانغمسنا في المعركة، معركة الرضى والانفتاح على فسحات من ألوان الصحافة اللبنانية، وعلى الوسط الأدبي وعلى القادمين نحونا، هذا له مقالة وآخر له قصيدة، وثالث يرغب في نحر العادة ونحر الفراغ، وآخر كله ترحاب بنا...
* شعراء فلسطين وبيروت
* محمود درويش: قصيدة في الصفحة الأولى
وكان محمود درويش الراحل منذ أمد من السنين، هو الصديق وهو الصلة المديدة والمستقيمة بالبلاد، بموطنه فلسطين. وكنّا على ودٍ متبادل، وعلى مودّة ناعمة تسكن في البال وفي الصدور وتثلج العلاقة التي هي ما بيننا، نوع من التقدير ومن اللزوميات الجميلة.
وقال لي ذات مرة على الهاتف مرحبًا وفق ذلك وألطف من ذلك. وقال أيضًا إنه يملك قصيدة جديدة، تضاف إلى أملاكه وإلى حقوله الخصبة. وقال لي إنه يريدها على الصفحة الأولى من جريدة «النهار» في بيروت...
ومحمود درويش شاعر البلاد، شاعر الشرق والوطن الجاثم عليه ذلك العدو، إنما يربح الفائدة من صوته، من قيثارته كلما وقف خطيبًا. وكلّما كان هو في أصله وفي أخلاقه، ذلك الرنان وذلك الصدى، وتلك الهضاب والأودية. وإنما كل مرة في موقعه هذا، كان يبلغ العلى ويبلغ آخر الأدراج وآخر الرياح. بل كان هو الرياح والعاصفة، وكان المنطلق مع هبوب الثورة مع بعض الشعراء من خلانه، كانوا معا قناديل والسفن التي عليها هم وقصائدهم هي التي تبحر في الذاكرة وفي القلوب وفي الأذهان العطاش إلى الكلمة التي تتفوق، والتي تهزّ المروحة ويهبط علينا كثير من الغذاء، من الانفتاح على الدروس التي يلقونها وتصمد في التاريخ المعاصر.
* معين بسيسو
من الذين غلبوا الصخرة
ولا شك أن معين بسيسو هو أيضًا من القافلة الثائرة، وحيث الغضب يسطع في الأطر طرًا. وحيث لا أحد إلا الشعراء من يدرون كيف تؤخذ الحقوق، وكيف يكون النضال، وكيف أننا نذهب إليهم، إلى نتاجهم، ونحن سعيدون بأن المناسبات تنقلب من جافّة إلى عظيمة التأثير.
ونحن نرتفع معها، مع النصوص التي تدل على الطريق على الوجهة على الأرض التي هي في الوحشة الدامية. ولا شك أن معين بسيسو يحتوي الصديق وأمثاله المتعدّدين، وهو كذلك من الذين صرخوا وكانوا جميعًا في صدد النهوض من الخيبة، من الخيبات. وهم يكادون يكونون الذين سجّلوا وكتبوا جلّ التاريخ، جلّ الملحمة. وازدانوا بالفضائل المهاجمة التي لا تنقضي في جب النسيان وفي بئر الإهمال. بل يجب أن تكمل الأجيال طموحات أولئك الشعراء والكتّاب الذين، واحدًا واحدًا، زاروني، وغلبوا الصخرة وأزاحوها على قدر ما استطاعوا، وما فتئوا يفعلون ويلعبون لعبة المجد، حتى الوصول حتى القطاف.
وسوف تكون العودة التي غناها العاملون في الكلمة وفي القافية، في صلب الحروف.
وفي وسط العقد كما هي الياقوتة، ووهج الفرادة العامرة الإيوان.
* أمين معلوف يحب الوكالات
ومعلوف، قبل أن يغادر المكان والمسقط إلى باريس سنة 1977 عمل في الإطار الصحافي، وكان في جريدة «النهار» في بيروت ينكبّ على الوكالات وعلى القصاصات، وعلى الأوراق. وكان الذي يتفحّصها ويأخذ منها الخبر وما هو الصالح وما هو على العكس.
وكان في عادة الجدّية، الذي لا يدع شأنًا إلا يرصده، وهو بالمرصاد لكل ما يطرأ، وتلك هي القاعدة، وأن يكون المدقّق والذي لا يترك حرفًا إلا يقرأه وإلا يكون في حيزه، في جانبه الواضح أو في جانبه من الظلمة، وحيث لا ضوء ولا سراج من غابر التقاليد، إلى حيث نحن، إلى مطارحنا المعاصرة.
ولبث أمين معلوف صحافيًا في بيروت، ولا أذكر كم هي المدة، لكنها الحرب في لبنان كانت السبب أن يقلع نحو الغربة، نحو فرنسا، نحو باريس، وأظنه هناك أشرف على مجلة «جون أفريك»، ثم تمادى في... البحث عن بعض القضايا، وفي البحث عن الزمن الضائع وعن بلاده وعن طانيوس، وعن أشخاص مرّوا أو عاشوا، وأثروا الذاكرة، وهم الجذور وهم المادة التي تحيا على اندفاع قلمه وعلى دخان الذكريات والإشارة التي صدرت عنهم لتكون أشبه بالشرارات، بالغذاء الذي يشبع الجياع ويطل على ساحة الصراع، كما في القديم من الزمان، من رعشة التاريخ.
صديقنا، وصديق الكثرة من الناس ومن القراء في أوروبا وسواها وفي وطنه لبنان، والعضو في الأكاديمية الفرنسية، الذي من لا يطالع ما يكتب، والذي نحفل به طوال الوقت والساعات. والذي يوضع في المكتبة ليكون اللذة والمتعة كما يكون المرجع.
وهكذا صديقنا الذي هو ونحن كنا معًا في «النهار»، وكان في الشؤون الخارجية، ونحن نتوغّل في الأدب والشعر وفي الأغصان والشجر أو في الحياة، وهو، منذ تلك الفينة، نموذج في موجات التأليف والأدب الأوسع والكتابة المفتوحة على الحق وعلى الخطأ وعلى الخطيئة وعلى التاريخ. وعلى أن في الإنسان رحابة من التناقض ومن العقاب ومن البراءة أو الذنوب الثقيلة. وهو إلى كل ذلك أنتج وانغمس في العطاء ووصف ولمع ولا يزال لامعًا.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.