النار في الأدب والأساطير والتاريخ

يرتبط بها العشق عند أغلب الشعراء العرب

أدونيس
أدونيس
TT

النار في الأدب والأساطير والتاريخ

أدونيس
أدونيس

تحضر النار بقوة

في شعر أدونيس. ولها دلالات قد تكون إيجابية أو سلبية

قبل عيد الفطر الأخير ببضعة أيام، قام شاب في نحو الخامسة والعشرين من عمره بحرق نفسه في مدينة سيدي عمر بوحجلة، جنوب القيروان، بالوسط التونسي، احتجاجاً على الوضع المأساوي الذي يعيشه، والذي تجاهله المسؤولون في المنطقة مثلما تعوّدوا أن يفعلوا مع حالات كثيرة مُشابهة. وخلال العقد الأخير، أصبحت ظاهرة الانتحار حرقاً من الظواهر الخطيرة في تونس منذ أن فعل ذلك محمد بوعزيزي في السابع عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2010 مشعلاً انتفاضات شعبية أدت إلى انهيار نظام زين العابدين بن علي في ظرف أسبوعين فقط. وتزداد هذه الظاهرة استفحالاً بسبب تأزم الأوضاع، وانسداد الآفاق، وانعدام الأمل لدى فئات واسعة؛ خصوصاً لدى الشباب. ويمكن القول إن الانتحار حرقاً بات الوسيلة الأفضل للتعبير عن الاحتجاج والغضب، ورفض الحيف والظلم، التهميش والإقصاء والإهمال. وعلى مدى العشر سنوات الماضية أقدم عشرات من الشبان والكهول والنساء من مناطق مختلفة من البلاد التونسية على الانتحار حرقاً في الأماكن العامة، أو أمام مقرات المؤسسات الحكومية.

وترى الباحثة دنيا الرميلي مؤلفة كتاب «الانتحار بحرق الذات لدى الشباب التونسي»، الصادر باللغة الفرنسية عن دار «نقوش عربية» عام 2016، أن الذين ينتحرون حرقاً يفضلون أن يكون انتحارهم شبيهاً بـ«الفرجة المسرحية». لذلك هم لا يتخفون، ولا يتسترون عن فعلتهم، بل يقفون أمام مؤسسات، أو أمام جمع من الناس، ثم يضرمون النار في أجسادهم وكأنهم يريدون أن يبينوا للسلطات أنهم فقدوا الصبر ولم يعودوا يتحملون الأكاذيب، والوعود الزائفة. فيكون انتحارهم عندئذ شكلاً من أشكال الاحتجاج، وليس فعلاً ناتجاً عن أزمات نفسية، أو عن انهيار عصبي، أو عن فشل في الحياة.

ريلكه

وكان الحريق الهائل الذي شبّ في كاتدرائية «نوتردام» في باريس في ربيع عام 2019 قد أحال أهل الفكر والأدب إلى ما ترمز إليه النّار لدى الفلاسفة والشعراء. وبداية نشير إلى أن الملكة ديدون (تعني المرأة الشجاعة)، أو عليسة التي أسست قرطاج عام 814 قبل الميلاد، لتجعل منها عاصمة للفينيقيين، انتحرت حرقاً لأنها لم تتمكن من الزواج من الأمير المحارب التي كانت تعشقه لتتحول قصتها إلى أسطورة بديعة عند فيرجيل، شاعر الرومان الأعظم. وكان إنباذقولس الأغريغنتي، الذي ولد عام 492 قبل الميلاد بمدينة أغريغنتا بصقليّة، التي كانت آنذاك واحدة من أهمّ مدن العالم الإغريقي، فيلسوفاً، وشاعراً، وطبيباً، ومهندساً ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطيّة. غير أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مدافعاً شرساً عن الديمقراطيّة حتى الرّمق الأخير من حياته، صارفاً جلّ اهتماماته لخدمة مصالح مدينته، وكامل جزيرة صقلية. ولإنباذوقلس نظريّة في نشأة الكون تقول بأن هناك قوّتين تتصارعان دائماً وأبداً، وهما الكراهيّة والحب. وهما تؤدّيان بالتناوب إلى الانفصال والاتّحاد بين العناصر الأربعة الأساسيّة، التي هي النار والهواء والتراب والماء. وهو يعتقد أن النار تفتن الإنسان لأنها مدمّرة ومطهّرة في الوقت نفسه. فهي بإمكانها أن تحرق مدناً وغابات بأكملها. كما أنها تحمي من البرد، فتنعش الناس في فصول الشّتاء، وتساعدهم على تحمّل الصّقيع، وعلى مواجهة العواصف.

وتكون النار رمزاً للتّحوّل والتجّدد. وتقول الأسطورة إن إنباذوقلس فضّل في النهاية أن يلقي بنفسه في اللّهيب. ولعلّه فعل ذلك معتقداً أن النار ستمنحه حياة جديدة بعد أن يتحوّل جسده إلى رماد.

وفي الشعر الجاهلي، قد تكون النار مُخرّبةً للبيوت وللعمران، ومثيرةً لذكريات مؤلمة كما في هذين البيتين لشاعر مجهول:

دار حي أصابهم سالف الدهر

فأضحت ديارهم كالخلال

مقفرات إلاّ رماداً غبيّاً

وبقايا من دمنة الأطلال

وقال النابغة الذبياني:

فما وجدت شيئاً ألوذ به

إلاّ الثمام وإلاّ مَوْقدُ النار

ويرتبط العشق عند أغلب الشعراء العرب بالنار. فهو مثلها يحرق القلوب. وفي بيت منسوب له، يقول عنترة بن شداد:

فلا تحسبي أني على البعد نادم

ولا القلب من نار الغرام مُعَذّبُ

وخلافاً لبعض الشعوب الأخرى، مثل الإغريق والرومان الذين كانوا يستقبلون المحاربين المنتصرين بأكاليل الزهور والياسمين، كان العرب يستقبلون المسافر العائد غانماً وسالماً بالنار. وتلك النار كانوا يسمونها «نار السلامة». وقد يسجرونها بالغار والصندل كما في هذا البيت:

رب نار بتّ أرمقها

تقضم الهندي والغار

وعند العرب هناك أنواع من النار. فهناك «نار الرسم» التي بها يُعَلّمون إبلهم، و«نار الصيد» التي تغشاها الظباء فيصطادونها، و«نار الأسد»، وهي تلك التي تبعد الأسد عن المرابض، و«نار الخلعاء»، وهي تلك التي يوقدها في مجاهل الصحراء الصعاليك والهاربون.

وتحضر النار بقوة في شعر أدونيس. ولها دلالات قد تكون إيجابية، وقد تكون سلبيةً. ففي الحالة الأولى تكون رمزاً للخصب والانبعاث والطهارة والإشراق. أما في الحالة الثانية فهي تُحيل إلى العدمية، والخراب، والسقوط الحضاري. في قصيدة: «شجرة النار» يقول أدونيس: «عائلة من ورق الأشجار/ تجلسُ قُرب النبع/ تجرحُ أرض الدمعْ/ تقرأ للماء كتابَ النار/ عائلتي لم تنتظر مجيئي/ راحت فلا نار ولا آثار». وفي قصيدة «الوقت» التي كتبها من وحي الغزو الإسرائيلي للبنان في أول صيف 1982. كتب يقول: «حاضناً سنبلة الوقت ورأسي بُرج نار/ ما الدم الضارب في الرمل وما هذا الأفول؟/ قلْ لنا يا لهبَ الحاضر، ماذا ستقول/ في حنجرتي مزقُ نار/ وعلى وجهي أمارات الضحيّة/ ما أمرّ اللغة الآن/ وما أضيقَ بابَ الأبجدية».

وفي كتابه الشّهير «الجموع والقوّة»، يُفرد إلياس كانيتي، الحائز على جائزة «نوبل للآداب» فصلاً بديعاً عن النّار ورموزها ودلالاتها. وهو يقول بأنّ النّار تنتشر بسرعة فائقة، وألسنة لهبها تتفاعل مع بعضها البعض. ومن جملة ما تتميّز به هو العنف الذي تتعامل به مع الغابات، ومع السّهو، ومع مدن بأكملها. وحتى عندما تكون هناك مسافة تفصل بين الأشجار، أو البنايات، فإنّ النّار تتمكّن من الجمع بينها مُلتهمَة إيّاها.

ويضيف إلياس كانيتي قائلاً بأنّ النّار مدمّرة، غير أنه باستطاعتنا ترويضها ومكافحتها وإطفاء لهبها. والماء عدوّها الأساسيّ. وفي الأساطير القديمة، يمكن أن ينتهي العالم بحريق هائل، أو بطوفان شبيه بطوفان نوح. ورغم الخوف الذي تبثّه النّار في قلوب جموع الناس عند اشتعالها، فإن النار تفتنهم أيضاً. وهذا ما كان يحدث مع هنود «النافاهوس» في المكسيك الجديدة. فقد كان هؤلاء يوقدون ناراً هائلةً وحولها يرقصون من غروب الشمس إلى شروقها من دون انقطاع. وهم يؤدّون رقصاتهم الوحشيّة شبه عراة، ملوّحين بعصي في رؤوسها الرّيش. وهم يضطرّون لكي يشتعل أحياناً للزّحف على بطونهم للاقتراب أكثر من النّار. كما يحاولون أن يشعلوا الرّيش الذي في رؤوس عصيّهم. وعند طلوع الشمس يرقص هنود «النافاهوس» رقصتهم الأخيرة ملقين على أجسادهم العارية الرّماد والجمر وقد بدأ ينطفئ. ويفسّر إلياس كانيتي طقوسهم هذه قائلاً: «إنهم - أي هنود «النافاهوس» - يرقصون وهم النّار ذاتها، وهم يصبحون النّار. وحركاتهم شبيهة بلهبها. وما يمسكونه بأيديهم، يمنحهم الشعور بأنهم يشتعلون هم أيضاً».

ويشير إلياس كانيتي إلى أن التاريخ يخبرنا أن هناك مدناً في مناطق من العالم تعرّضت للحصار الطويل. فلمّا تيقّن سكانها باستحالة النجاة، أشعلوا النيران فيها ليموتوا وسط الحريق الهائل. وهذا ما حدث مع سكّان مدينة تالة التونسيّة. فعندما حاصرهم القائد الروماني ميتيلّوس خلال حروبه مع القائد البربري يوغرطة على مدى أربعين يوماً، جمعوا كلّ ما يملكونه من أشياء ثمينة في قصر المدينة الكبير، ثمّ أقاموا حفلاً بهيجاً. وبعد أن أكلوا وشربوا وهم يغنّون ويرقصون، أشعلوا النار في القصر، وفي منازلهم. فلمّا دخل جيش ميتيلّوس المدينة، لم يجد غير أكوام من الرماد.

وفي القرون الوسطى، كان المتشدّدون المسيحيّون يحرقون أعداءهم لأن النار عندهم ترمز إلى الجحيم الذي هو مأوى الهراطقة والفجّار. ويروي كرابلين قصّة امرأة في منتصف العمر تعيش وحيدةً. وكانت مهووسةً بإشعال الحرائق منذ طفولتها. وقد حُوكمت أكثر من مرّة بسبب ذلك. وفي النهاية أرسلت إلى مصحة للأمراض العقليّة لتمضي فيه عشرين عاماً. ومع ذلك ظلّت عاجزة عن السّيطرة على نفسها. فكلّما رأت عود ثقاب، استبدّت بها الرّغبة في إشعال النّار. فما كان يفتنها ويستهويها هو رؤية النار. وكان الشّاعر الألماني نوفاليس يرى أن الحبّ شبيه بالنار. وهو يشبّهه بجسدي العاشقين عند التحامهما أثناء الجماع، وباحتكاك قطعتي خشب يتسبب في إشعال النّار. لذلك فإن النار تحيل إلى الرّغبات المكبوتة. ويجاري الشاعر الألماني الآخر راينار ماريا ريلكه نوفاليس في رؤيته للنار. وهو ويقول إنها - أي النار - تشبه النار التي تحرق قلب العاشق المتيّم. والعاشق الحقيقي هو الذي يشتهي أن يموت بنار عشقه.

وهذا ما يحيلنا إلى التراث الشّعبي التونسي، حيث نجد العاشق يحترق بنظرة واحدة من الحبيبة. وعادة ما يشّبّه العاشق عين الحبيبة بالنّار التي تحرق قلبه، بل جسده كلّه. والعاشق في أغنية شعبيّة مشهورة يقول بأن الحرائق تتوالى من دون أن يتمكّن حريق من إطفاء حريق آخر. ويضيف بأن حرائق عشقه تزداد حدّة من يوم إلى آخر، غير أنه لن يكون قادراً على إطفائها. ونعلم أن عاشق حبيبة مسيكة، المغنيّة اليهودية التونسية فائقة الجمال، أحرقها أحد عشاقها في أول الثلاثينات من القرن الماضي بعد أن ضبطها مع غريم له في فراش الحبّ لأن الحبيبة التي تخون لا تستحقّ غير ذلك العقاب الأليم.

وفي كتابه «التحليل النفسي للنّار»، اهتم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 - 1962) بالنّار ودلالاتها النفسيّة والفلسفية في الأساطير، وفي أعمال الشعراء والفنّانين. ويشير باشلار إلى أنه فتن بالنّار مذ كان طفلاً يقرأ على ضوء الشموع، والمصابيح في قريته الصّغيرة، الكتب التي تروق له، أو يُعدّ فروضه المدرسية. وعندما اشتهر كفيلسوف دَرس الأساطير، والأحلام، والخيال البشري من خلال الماء، والنّار، والتراب، والهواء. وفي كتابه «التحليل النفسي للأحلام»، يعود باشلار إلى أسطورة بروميثيوس الذي سرق النّار من الآلهة ليهبها للبشر، فعاقبه «زيّوس» ربّ الرّعد والصّواعق والأمطار على فعلته تلك، وقيّده بالأصفاد لكي تظلّ النسور تلتهم كبده إلى ما لا نهاية.

وقد كانت أسطورة بروموثيوس مصدراً للعديد من الأعمال الشهيرة في مجال الأدب والفن في الأزمنة القديمة والحديثة. ويشير غاستون باشلار أيضاً إلى أن النّار تحضر بقوّة في أشعار الرومانسيين، وفي كتاباهم النثريّة. وهو يكتب قائلاً: «النّار والحرارة تمنح وسائل التفسير في المجالات الأكثر تنوّعاً لأنهما بالنسبة لنا فرصة لاستحضار ذكريات لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، وتجارب شخصيّة بسيطة ومصيريّة. من هنا يمكن القول إنّ النار ظاهرة متميّزة يمكن أن تفسّر كلّ شيء (...) النّار هي الحيّة دائماً، وهي حميميّة وكونيّة. وهي تعيش في قلوبنا، وتعيش في السّماء. وهي تصعد من أعماق المادّة، وتهدى كما لو أنها الحبّ. وهي تنزل في المادّة، وتتخفّى، وتكْمن مثل الكراهيّة والرّغبة في الانتقام». ويضيف باشلار قائلاً: «قرب النّار علينا أن نجلس، وأن نستريح من دون أن ننام. لا بدّ أن نقبل الحلم الخاصّ موضوعيّاً». والنّار بالنسبة لغاستون باشلار هي رمز الشيطان، ولهب جهنّم. كما أنها مطهّرة. فهي تحرق الأعشاب اليابسة، والفضلات التي تطلق روائح كريهة.



كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.