النار في الأدب والأساطير والتاريخ

يرتبط بها العشق عند أغلب الشعراء العرب

أدونيس
أدونيس
TT

النار في الأدب والأساطير والتاريخ

أدونيس
أدونيس

تحضر النار بقوة

في شعر أدونيس. ولها دلالات قد تكون إيجابية أو سلبية

قبل عيد الفطر الأخير ببضعة أيام، قام شاب في نحو الخامسة والعشرين من عمره بحرق نفسه في مدينة سيدي عمر بوحجلة، جنوب القيروان، بالوسط التونسي، احتجاجاً على الوضع المأساوي الذي يعيشه، والذي تجاهله المسؤولون في المنطقة مثلما تعوّدوا أن يفعلوا مع حالات كثيرة مُشابهة. وخلال العقد الأخير، أصبحت ظاهرة الانتحار حرقاً من الظواهر الخطيرة في تونس منذ أن فعل ذلك محمد بوعزيزي في السابع عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2010 مشعلاً انتفاضات شعبية أدت إلى انهيار نظام زين العابدين بن علي في ظرف أسبوعين فقط. وتزداد هذه الظاهرة استفحالاً بسبب تأزم الأوضاع، وانسداد الآفاق، وانعدام الأمل لدى فئات واسعة؛ خصوصاً لدى الشباب. ويمكن القول إن الانتحار حرقاً بات الوسيلة الأفضل للتعبير عن الاحتجاج والغضب، ورفض الحيف والظلم، التهميش والإقصاء والإهمال. وعلى مدى العشر سنوات الماضية أقدم عشرات من الشبان والكهول والنساء من مناطق مختلفة من البلاد التونسية على الانتحار حرقاً في الأماكن العامة، أو أمام مقرات المؤسسات الحكومية.

وترى الباحثة دنيا الرميلي مؤلفة كتاب «الانتحار بحرق الذات لدى الشباب التونسي»، الصادر باللغة الفرنسية عن دار «نقوش عربية» عام 2016، أن الذين ينتحرون حرقاً يفضلون أن يكون انتحارهم شبيهاً بـ«الفرجة المسرحية». لذلك هم لا يتخفون، ولا يتسترون عن فعلتهم، بل يقفون أمام مؤسسات، أو أمام جمع من الناس، ثم يضرمون النار في أجسادهم وكأنهم يريدون أن يبينوا للسلطات أنهم فقدوا الصبر ولم يعودوا يتحملون الأكاذيب، والوعود الزائفة. فيكون انتحارهم عندئذ شكلاً من أشكال الاحتجاج، وليس فعلاً ناتجاً عن أزمات نفسية، أو عن انهيار عصبي، أو عن فشل في الحياة.

ريلكه

وكان الحريق الهائل الذي شبّ في كاتدرائية «نوتردام» في باريس في ربيع عام 2019 قد أحال أهل الفكر والأدب إلى ما ترمز إليه النّار لدى الفلاسفة والشعراء. وبداية نشير إلى أن الملكة ديدون (تعني المرأة الشجاعة)، أو عليسة التي أسست قرطاج عام 814 قبل الميلاد، لتجعل منها عاصمة للفينيقيين، انتحرت حرقاً لأنها لم تتمكن من الزواج من الأمير المحارب التي كانت تعشقه لتتحول قصتها إلى أسطورة بديعة عند فيرجيل، شاعر الرومان الأعظم. وكان إنباذقولس الأغريغنتي، الذي ولد عام 492 قبل الميلاد بمدينة أغريغنتا بصقليّة، التي كانت آنذاك واحدة من أهمّ مدن العالم الإغريقي، فيلسوفاً، وشاعراً، وطبيباً، ومهندساً ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطيّة. غير أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مدافعاً شرساً عن الديمقراطيّة حتى الرّمق الأخير من حياته، صارفاً جلّ اهتماماته لخدمة مصالح مدينته، وكامل جزيرة صقلية. ولإنباذوقلس نظريّة في نشأة الكون تقول بأن هناك قوّتين تتصارعان دائماً وأبداً، وهما الكراهيّة والحب. وهما تؤدّيان بالتناوب إلى الانفصال والاتّحاد بين العناصر الأربعة الأساسيّة، التي هي النار والهواء والتراب والماء. وهو يعتقد أن النار تفتن الإنسان لأنها مدمّرة ومطهّرة في الوقت نفسه. فهي بإمكانها أن تحرق مدناً وغابات بأكملها. كما أنها تحمي من البرد، فتنعش الناس في فصول الشّتاء، وتساعدهم على تحمّل الصّقيع، وعلى مواجهة العواصف.

وتكون النار رمزاً للتّحوّل والتجّدد. وتقول الأسطورة إن إنباذوقلس فضّل في النهاية أن يلقي بنفسه في اللّهيب. ولعلّه فعل ذلك معتقداً أن النار ستمنحه حياة جديدة بعد أن يتحوّل جسده إلى رماد.

وفي الشعر الجاهلي، قد تكون النار مُخرّبةً للبيوت وللعمران، ومثيرةً لذكريات مؤلمة كما في هذين البيتين لشاعر مجهول:

دار حي أصابهم سالف الدهر

فأضحت ديارهم كالخلال

مقفرات إلاّ رماداً غبيّاً

وبقايا من دمنة الأطلال

وقال النابغة الذبياني:

فما وجدت شيئاً ألوذ به

إلاّ الثمام وإلاّ مَوْقدُ النار

ويرتبط العشق عند أغلب الشعراء العرب بالنار. فهو مثلها يحرق القلوب. وفي بيت منسوب له، يقول عنترة بن شداد:

فلا تحسبي أني على البعد نادم

ولا القلب من نار الغرام مُعَذّبُ

وخلافاً لبعض الشعوب الأخرى، مثل الإغريق والرومان الذين كانوا يستقبلون المحاربين المنتصرين بأكاليل الزهور والياسمين، كان العرب يستقبلون المسافر العائد غانماً وسالماً بالنار. وتلك النار كانوا يسمونها «نار السلامة». وقد يسجرونها بالغار والصندل كما في هذا البيت:

رب نار بتّ أرمقها

تقضم الهندي والغار

وعند العرب هناك أنواع من النار. فهناك «نار الرسم» التي بها يُعَلّمون إبلهم، و«نار الصيد» التي تغشاها الظباء فيصطادونها، و«نار الأسد»، وهي تلك التي تبعد الأسد عن المرابض، و«نار الخلعاء»، وهي تلك التي يوقدها في مجاهل الصحراء الصعاليك والهاربون.

وتحضر النار بقوة في شعر أدونيس. ولها دلالات قد تكون إيجابية، وقد تكون سلبيةً. ففي الحالة الأولى تكون رمزاً للخصب والانبعاث والطهارة والإشراق. أما في الحالة الثانية فهي تُحيل إلى العدمية، والخراب، والسقوط الحضاري. في قصيدة: «شجرة النار» يقول أدونيس: «عائلة من ورق الأشجار/ تجلسُ قُرب النبع/ تجرحُ أرض الدمعْ/ تقرأ للماء كتابَ النار/ عائلتي لم تنتظر مجيئي/ راحت فلا نار ولا آثار». وفي قصيدة «الوقت» التي كتبها من وحي الغزو الإسرائيلي للبنان في أول صيف 1982. كتب يقول: «حاضناً سنبلة الوقت ورأسي بُرج نار/ ما الدم الضارب في الرمل وما هذا الأفول؟/ قلْ لنا يا لهبَ الحاضر، ماذا ستقول/ في حنجرتي مزقُ نار/ وعلى وجهي أمارات الضحيّة/ ما أمرّ اللغة الآن/ وما أضيقَ بابَ الأبجدية».

وفي كتابه الشّهير «الجموع والقوّة»، يُفرد إلياس كانيتي، الحائز على جائزة «نوبل للآداب» فصلاً بديعاً عن النّار ورموزها ودلالاتها. وهو يقول بأنّ النّار تنتشر بسرعة فائقة، وألسنة لهبها تتفاعل مع بعضها البعض. ومن جملة ما تتميّز به هو العنف الذي تتعامل به مع الغابات، ومع السّهو، ومع مدن بأكملها. وحتى عندما تكون هناك مسافة تفصل بين الأشجار، أو البنايات، فإنّ النّار تتمكّن من الجمع بينها مُلتهمَة إيّاها.

ويضيف إلياس كانيتي قائلاً بأنّ النّار مدمّرة، غير أنه باستطاعتنا ترويضها ومكافحتها وإطفاء لهبها. والماء عدوّها الأساسيّ. وفي الأساطير القديمة، يمكن أن ينتهي العالم بحريق هائل، أو بطوفان شبيه بطوفان نوح. ورغم الخوف الذي تبثّه النّار في قلوب جموع الناس عند اشتعالها، فإن النار تفتنهم أيضاً. وهذا ما كان يحدث مع هنود «النافاهوس» في المكسيك الجديدة. فقد كان هؤلاء يوقدون ناراً هائلةً وحولها يرقصون من غروب الشمس إلى شروقها من دون انقطاع. وهم يؤدّون رقصاتهم الوحشيّة شبه عراة، ملوّحين بعصي في رؤوسها الرّيش. وهم يضطرّون لكي يشتعل أحياناً للزّحف على بطونهم للاقتراب أكثر من النّار. كما يحاولون أن يشعلوا الرّيش الذي في رؤوس عصيّهم. وعند طلوع الشمس يرقص هنود «النافاهوس» رقصتهم الأخيرة ملقين على أجسادهم العارية الرّماد والجمر وقد بدأ ينطفئ. ويفسّر إلياس كانيتي طقوسهم هذه قائلاً: «إنهم - أي هنود «النافاهوس» - يرقصون وهم النّار ذاتها، وهم يصبحون النّار. وحركاتهم شبيهة بلهبها. وما يمسكونه بأيديهم، يمنحهم الشعور بأنهم يشتعلون هم أيضاً».

ويشير إلياس كانيتي إلى أن التاريخ يخبرنا أن هناك مدناً في مناطق من العالم تعرّضت للحصار الطويل. فلمّا تيقّن سكانها باستحالة النجاة، أشعلوا النيران فيها ليموتوا وسط الحريق الهائل. وهذا ما حدث مع سكّان مدينة تالة التونسيّة. فعندما حاصرهم القائد الروماني ميتيلّوس خلال حروبه مع القائد البربري يوغرطة على مدى أربعين يوماً، جمعوا كلّ ما يملكونه من أشياء ثمينة في قصر المدينة الكبير، ثمّ أقاموا حفلاً بهيجاً. وبعد أن أكلوا وشربوا وهم يغنّون ويرقصون، أشعلوا النار في القصر، وفي منازلهم. فلمّا دخل جيش ميتيلّوس المدينة، لم يجد غير أكوام من الرماد.

وفي القرون الوسطى، كان المتشدّدون المسيحيّون يحرقون أعداءهم لأن النار عندهم ترمز إلى الجحيم الذي هو مأوى الهراطقة والفجّار. ويروي كرابلين قصّة امرأة في منتصف العمر تعيش وحيدةً. وكانت مهووسةً بإشعال الحرائق منذ طفولتها. وقد حُوكمت أكثر من مرّة بسبب ذلك. وفي النهاية أرسلت إلى مصحة للأمراض العقليّة لتمضي فيه عشرين عاماً. ومع ذلك ظلّت عاجزة عن السّيطرة على نفسها. فكلّما رأت عود ثقاب، استبدّت بها الرّغبة في إشعال النّار. فما كان يفتنها ويستهويها هو رؤية النار. وكان الشّاعر الألماني نوفاليس يرى أن الحبّ شبيه بالنار. وهو يشبّهه بجسدي العاشقين عند التحامهما أثناء الجماع، وباحتكاك قطعتي خشب يتسبب في إشعال النّار. لذلك فإن النار تحيل إلى الرّغبات المكبوتة. ويجاري الشاعر الألماني الآخر راينار ماريا ريلكه نوفاليس في رؤيته للنار. وهو ويقول إنها - أي النار - تشبه النار التي تحرق قلب العاشق المتيّم. والعاشق الحقيقي هو الذي يشتهي أن يموت بنار عشقه.

وهذا ما يحيلنا إلى التراث الشّعبي التونسي، حيث نجد العاشق يحترق بنظرة واحدة من الحبيبة. وعادة ما يشّبّه العاشق عين الحبيبة بالنّار التي تحرق قلبه، بل جسده كلّه. والعاشق في أغنية شعبيّة مشهورة يقول بأن الحرائق تتوالى من دون أن يتمكّن حريق من إطفاء حريق آخر. ويضيف بأن حرائق عشقه تزداد حدّة من يوم إلى آخر، غير أنه لن يكون قادراً على إطفائها. ونعلم أن عاشق حبيبة مسيكة، المغنيّة اليهودية التونسية فائقة الجمال، أحرقها أحد عشاقها في أول الثلاثينات من القرن الماضي بعد أن ضبطها مع غريم له في فراش الحبّ لأن الحبيبة التي تخون لا تستحقّ غير ذلك العقاب الأليم.

وفي كتابه «التحليل النفسي للنّار»، اهتم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 - 1962) بالنّار ودلالاتها النفسيّة والفلسفية في الأساطير، وفي أعمال الشعراء والفنّانين. ويشير باشلار إلى أنه فتن بالنّار مذ كان طفلاً يقرأ على ضوء الشموع، والمصابيح في قريته الصّغيرة، الكتب التي تروق له، أو يُعدّ فروضه المدرسية. وعندما اشتهر كفيلسوف دَرس الأساطير، والأحلام، والخيال البشري من خلال الماء، والنّار، والتراب، والهواء. وفي كتابه «التحليل النفسي للأحلام»، يعود باشلار إلى أسطورة بروميثيوس الذي سرق النّار من الآلهة ليهبها للبشر، فعاقبه «زيّوس» ربّ الرّعد والصّواعق والأمطار على فعلته تلك، وقيّده بالأصفاد لكي تظلّ النسور تلتهم كبده إلى ما لا نهاية.

وقد كانت أسطورة بروموثيوس مصدراً للعديد من الأعمال الشهيرة في مجال الأدب والفن في الأزمنة القديمة والحديثة. ويشير غاستون باشلار أيضاً إلى أن النّار تحضر بقوّة في أشعار الرومانسيين، وفي كتاباهم النثريّة. وهو يكتب قائلاً: «النّار والحرارة تمنح وسائل التفسير في المجالات الأكثر تنوّعاً لأنهما بالنسبة لنا فرصة لاستحضار ذكريات لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، وتجارب شخصيّة بسيطة ومصيريّة. من هنا يمكن القول إنّ النار ظاهرة متميّزة يمكن أن تفسّر كلّ شيء (...) النّار هي الحيّة دائماً، وهي حميميّة وكونيّة. وهي تعيش في قلوبنا، وتعيش في السّماء. وهي تصعد من أعماق المادّة، وتهدى كما لو أنها الحبّ. وهي تنزل في المادّة، وتتخفّى، وتكْمن مثل الكراهيّة والرّغبة في الانتقام». ويضيف باشلار قائلاً: «قرب النّار علينا أن نجلس، وأن نستريح من دون أن ننام. لا بدّ أن نقبل الحلم الخاصّ موضوعيّاً». والنّار بالنسبة لغاستون باشلار هي رمز الشيطان، ولهب جهنّم. كما أنها مطهّرة. فهي تحرق الأعشاب اليابسة، والفضلات التي تطلق روائح كريهة.



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».