قد يبدو العنوان غريبًا ومثيرًا للخوف، إذ إن كثيرًا من الأطفال أو البالغين حول العالم تعرضوا لآلام مزمنة لفترات مختلفة من حياتهم. وبطبيعة الحال ليس المقصود من الاضطراب النفسي خللاً في الوظائف العقلية أو تراجعًا في الإدراك، ولكن المقصود «احتمالية» حدوث تغير كيميائي في المخ يؤدي إلى زيادة الإصابة بالأمراض النفسية البسيطة مثل القلق والتوتر، أو يمكن في أحيان نادرة أن يكون من العوامل المساعدة في الإصابة بأمراض نفسية معقدة مثل اضطراب السلوك. وهناك كثير من الدراسات التي تناولت تأثير الألم المزمن على الإنسان، ومن أحدثها دراسة قام بها علماء من جامعة بازل بسويسرا Universität Basel ونشرت في مجلة «الألم» Journal of Pain في شهر سبتمبر (أيلول) من العام الحالي.
* آلام المراهقين
قامت دراسة أجراها علماء من سويسرا ومن عدة دول أخرى بتحليل بيانات عن المراهقين في الولايات المتحدة لقياس مدى ارتباط الآلام والضغوط النفسية في دول العالم المتقدم، وقاموا بتجميع إحصائيات صحية لنحو 6.500 مراهق أميركي تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا. وركز الباحثون على محاولة معرفة أيهما يكون السبب في حدوث الآخر وكيفية الحدوث، بمعنى أنه إذا كان المراهق يعاني من القلق والتوتر هل يعاني دائمًا من آلام في العنق أو أسفل الظهر أم في أوقات معينة تزيد فيها حدة الألم؟ والأمر نفسه ينطبق في حالة حدوث الآلام باستمرار هل يصاحبها القلق طوال الوقت أم في أوقات معينة؟ كما راجعوا أيضًا البيانات الخاصة بالتاريخ المرضي السابق لكل مراهق، ومعرفة إذا كان تعرض لآلام مزمنة من عدمه، والطريقة التي تم بها العلاج حاليًا وفي السابق.
وأشارت الدراسة إلى أن نسبة أكبر من الربع من المراهقين 25.9 في المائة تعرضوا خلال فترة مراهقتهم للآلام المزمنة، كما تعرضوا أيضًا لواحد على الأقل من أعراض الاضطراب العقلي والسلوكي وكانت معظم الآلام المزمنة تتركز في آلام العنق وآلام الظهر والصداع وآلام المفاصل، بينما كانت معظم الشكاوى من الاضطراب النفسي من القلق والاكتئاب والتوتر. وبجانب ذلك وجد الباحثون صلة بين معظم أعراض الاضطراب النفسي مثل إدمان المخدرات، أو اضطراب السلوك مثل مرض نقص الانتباه وفرط النشاط وبين الألم المزمن، كما وجدوا ارتباط نوعين بين أنواع معينة من الآلام والاضطراب النفسي. وعلى سبيل المثال فإن الاكتئاب يسبقه في الأغلب الإحساس المزمن بألم الصداع، بينما القلق والتوتر يكون مصحوبًا أكثر بالآلام في أسفل الظهر.
وأوضح الباحثون أنهم وضعوا في الحسبان التأكد من أن الآلام ليست مجرد إحساس نفسي ولكنها آلام مزمنة سبقت المرض النفسي أو استمرت بعد الشفاء منه؛ إذ إن معظم الآلام التي تكون موجودة نتيجة لعوامل نفسية تزول بعلاج المرض النفسي لعدم وجود سبب عضوي حقيقي، بينما الألم العضوي يتم تشخيصه من خلال التحاليل الطبية والأشعة لأن الأعراض تتشابه في الحالتين ويكون الاحتكام للفحوصات.
* الصداع المتكرر
وأوضح الباحثون أن الأمر لا يقتصر على المراهقين فقط، بل يمكن أن يعاني منه البالغون أيضًا، وتعد هذه الدراسة هامة لأنها تلفت النظر إلى إمكانية حدوث الألم المزمن في سن مبكرة من بداية المراهقة، التي يجب أن يتم التعرف عليها وعلاجها بالشكل الجيد حتى لا يتطور الأمر إلى اضطراب في السلوك، وتشدد على ضرورة التعامل بجدية مع الأعراض التي يمكن أن تبدو غريبة على الطفل وخصوصًا عرض الصداع.
وفي السياق نفسه، وفي بداية العام الحالي حذرت منظمة الصحة العالمية من أن معظم المرضى الذين يعانون من الصداع المتكرر، خاصة الذين يعانون من نوبات عنيفة من الألم، في الأغلب مروا بنوع من أنواع الاضطراب النفسي خاصة الإحباط. ويزيد معدل حدوث الصداع في مريض الاكتئاب بمقدار الضعف، وذلك بعد متابعة ودراسة بيانات لما يقرب من 50 ألف شخص حول العالم على اختلاف البيئات الاجتماعية والخلفيات الثقافية والمهن المختلفة، خاصة في سكان المدن والذين يمارسون العمل الذهني مثل الصحافيين أو السياسيين، خصوصًا أنهم معرضون بشكل أكبر من غيرهم للتوتر والقلق. وأوضحت أن الآلام المزمنة هي الآلام التي تتكرر بشكل متقارب وتستمر لفترات طويلة، وتختلف حدتها من شخص إلى آخر وتستمر أكثر من 3 شهور.
وحذرت منظمة الصحة العالمية أيضًا من خطورة الأمراض النفسية والاضطراب السلوكي خاصة على المراهقين، وأوضحت أن فرص الوفاة تتضاعف بالنسبة للمرضى الذين يعانون من مشكلات نفسية، وأن الآلام المزمنة على الرغم من بساطتها فإنه يجب أن يتم علاجها بالشكل الجيد والفعال حتى لا تتطور إلى مشكلات نفسية تؤثر على احتمالية زيادة فرص الوفاة مستقبلاً.
ويتعرض ما يقرب من 8 ملايين شخص حول العالم للوفاة سنويًا جراء الاضطرابات العقلية والنفسية نتيجة للضغوط التي يتعرضون لها نتيجة المرض. وأفادت المنظمة بأن الآلام الجسدية التي يعاني منها المرضى تزيد من حدة الضغوط الواقعة عليهم، وتزيد من فرص الوفاة لديهم سواء لإقدامهم على محاولات الانتحار أو لأسباب أخرى.
وفي النهاية يجب على الآباء توخي الحذر من إهمال شكاوى الألم المستمر من المراهقين، والتعامل معها بجدية حتى لا يتطور الأمر ويتسبب في الإصابة بالاضطراب النفسي.
* استشاري طب الأطفال



