جبران خليل جبران يعود إلى نيويورك بعد 100 عام

احتفالات بمرور قرن على كتاب «النبي» تنطلق من أميركا

جبران خليل جبران يعود إلى نيويورك بعد 100 عام
TT

جبران خليل جبران يعود إلى نيويورك بعد 100 عام

جبران خليل جبران يعود إلى نيويورك بعد 100 عام

يحتفل لبنان، ودول كثيرة أخرى، هذا العام، بمرور مائة سنة، على صدور كتاب «النبي» لجبران خليل جبران، أحد أشهر الكتب في العالم وأكثرها مبيعاً. وتنطلق الاحتفالات من نيويورك، حيث سيُفتتح يوم 25 من الحالي، معرض يحوي 30 قطعة لجبران، بينها 23 لوحة تشكيلية، ودفاتر، وأدوات رسم عائدة له ومخطوطات ووثائق.
وقد انتقلت المعروضات من «متحف جبران» في بشري (شمال لبنان) إلى أميركا، لتُعرض في مبنى الأمم المتحدة، لمدة ثلاثة أيام. ويقول مدير متحف جبران، جوزيف جعجع: «إن المعرض يحضَّر له من قبل حلول الوباء، وشاءت الظروف أن يتأجل تكراراً، ليصبح جزءاً من احتفالات مئوية (النبي). ووصلت اللوحات قبل ما يقارب الأيام العشرة من الافتتاح إلى أميركا، كي ترتاح، وتمضي فترة التأقلم المناخي قبل أن يعاد فتحها وتعليقها. وفترة الانتظار هذه والتأقلم مع المكان الجديد، ضرورية للأعمال التشكيلية، كي يمكن تحريكها والتعامل معها دون أن تكون حساسة وقابلة للتلف بسرعة، وتصيبها الأعطاب». وانتقل جعجع إلى نيويورك ليشرف على المعرض ويرافق الأعمال حتى عودتها إلى بشري. ويعلق: «هذه الأعمال الجبرانية، هي مثل أولادي لا أتركها أبداً، وأكون معها أينما ذهبت».
يحمل المعرض عنوان «جبران يعود إلى نيويورك بعد 100 عام»، من تنظيم متحف جبران في بشري والصحافية اللبنانية في نيويورك سمر نادر، وبتمويل ورعاية من «جامعة البلمند» في لبنان و«الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم - مجلس أميركا».
واللوحات المعروضة تدور على ثلاثة محاور رئيسية: 12 لوحة منها هي من كتاب «النبي». والمجموعة الثانية رسمها جبران من وحي وادي قاديشا، والطبيعة الساحرة في بلدته بشري التي تركها مهاجراً إلى أميركا وهو في سن الثانية عشرة، وبقيت مصدر وحي وإلهام له في أعماله كتابة ورسماً. ويمكن لأي زائر للبلدة، أن يدرك مدى تأثر الفنان بهذه المشاهد الجبلية المهابة في موازاة الوديان السحيقة. أما المجموعة الثالثة من اللوحات فهي للنساء اللواتي تعرف إليهن جبران في نيويورك، مثل ماري هاسكل التي كان لها دور أساسي في مسيرته الإبداعية وشارلوت تيلر وأخريات.
من اللوحات المهمة في المعرض «الخريف» التي رسمها الفنان عام 1909 وعرضها في العام الذي تلاه مع أعمال أخرى في «معرض الربيع» في باريس. يومها لفتت هذه اللوحة التي تبدو فيها امرأة بكامل تمايلات جسدها العاري المفعم بالأنوثة، نظر رودان، وسأل: «مَن صاحب هذه اللوحة؟». لتكون فاتحة معرفة جبران بالنحات الشهير والفذّ. ويروى أن جبران بعد هذا اللقاء زار رودان برفقة يوسف الحويك، وتحدثوا معاً عن الفن وتياراته وأحواله في باريس في تلك الفترة. وحين عاد جبران إلى أميركا، كان قد أدرك أن الربيع كانت مفصلاً في حياته الفنية، قال لماري هاسكل: «أصبحت الآن فناناً». لهذه تعد «الخريف» اللوحة التي نقلت جبران من طور التجريب والهواية إلى مرحلة الاحتراف.
من بين المعروضات في نيويورك، سبعة دفاتر مخطوطة لجبران هي من أثمن مقتنيات متحفه، من بينها اثنان لكتاب «النبي» الذي هو محور الاحتفال. المخطوطة الأولى هي نسخة مطبوعة للكتاب، لكن عليها تصحيحات جبران بخط يده. وهي البروفة الأولى من حيث الطباعة والتصحيح، ومن هنا تأتي أهميتها. أي إننا نرى المادة الخام لنص «النبي» مع أول تعديلات أُجريت عليه. لكن جبران أعادها إلى المطبعة كي توضع بصيغتها الجديدة، ورُدَّت إليه ليدققها، ويضع عليها لمساته. وهذه النسخة معروضة أيضاً. مما يعني أن الزائر سيرى، الخطوات التي مر بها هذا الكتاب الذي يقرأ في الشغف نفسه في الشرق، في الصين واليابان، كما في الغرب، في أميركا وأوروبا.
وكان جبران طوال خمس سنوات، وهو يعكف على تأليف هذا الكتاب، على وعي بأنه يكتب أحد أهم مؤلفاته، وأنه لا بد سيكون له الصدى الذي يستحقه. ومع أنه كتاب صغير، ونص يشبه القصائد النثرية، بصيغة النصائح والحكم، مع حبكة قصصية محورها الحكيم «المصطفى» الذي يسأل ويجيب على طريقة الفلاسفة الكبار، إلا أن هذا النص الذي يملأ نحو 100 صفحة فقط، صار يُقرأ في الكنائس، ويستعين به المعالجون النفسيون، ويعود إليه القلقون والراغبون في سكينة للروح.
«النبي» هو حكاية «المصطفى»، الذي اضطر إلى الانتظار 12 سنة في مدينة تُدعى أورفليس في سبيل العودة إلى وطنه، متى سنحت الفرصة. وحين تصل السفينة التي سيغادر عليها، وقد أصبح معروفاً بآرائه الحكيمة، يحاول كبار المدينة ثنيه عن الرحيل، دون جدوى. عندها يطرحون عليه أسئلة حول الموت والحياة، والطعام والشراب، والملابس والعطاء والجريمة والدين والعمل والزواج والأطفال، كذلك العقل والزمان والألم واللذة والفرح والحزن والحب والخير والشر والجمال والصداقة والبيع والشراء والشرائع والحرية. وهو ما يفسح أمامه فرصة القول والشرح الفلسفي الحكمي الذي شكّل فتنة الكتاب.
يحدّثنا مدير متحف جبران، جوزيف جعجع، عن مشاريع دسمة، ستتوالى بعد هذا المعرض، وتستمر حتى نهاية العام، للاحتفال بكتاب «النبي» ومؤلفه الذي لا يزال يشغل القراء، ويثير إعجابهم، رغم مرور هذا الوقت الطويل. ففي شهر يونيو (حزيران) سيكون معرض ثانٍ لجبران في نيويورك في «مركز الرسم» هو عبارة عن «لقاء حول جبران»، حيث سيعرض عدد كبير من لوحاته، ستأتي من أكثر من مصدر، بعضها من متحف جبران في لبنان، ومن «تلفير ميوزيوم»، أي من المجموعة التي كانت قد بقيت في حوزة ماري هاسكل، وكذلك من مجموعة الملياردير اللبناني المكسيكي كارلوس سليم من «سمية ميوزيوم»، ومن «غاليري أجيال» في بيروت.
من المشاريع التي ستنفَّذ بمناسبة المئوية، إقامة نصب لجبران على قطعة أرض في بوسطن حيث كان يعيش جبران، قدمتها «كنيسة القديس مرقص» أو «سان مارك». ففي هذه الكنيسة كانت كورين روزفلت، وهي أخت الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، قد بدأت عام 1925 قراءة مقاطع من كتاب «النبي» قبل أن تكرّ سبحة هذه القراءات. وعلى الأرض المهداة من الكنيسة سيرتفع النصب في شهر سبتمبر (أيلول) من العام الحالي 2023.
الخبر الجميل أن الشاعر هنري زغيب المهتم بجبران، وله كتابات قيّمة حوله، وأصدر كتاباً فيه ترجمة نص «هذا الرجل من لبنان» الذي كتبته باربره يونغ بالإنجليزية... سيُعيد ترجمة كتابة «النبي» إلى اللغة العربية لتضاف إلى الترجمات السابقة كترجمة يوسف الخال وسركون بولص وغيرهم. و«النبي» هو ثالث كتاب وضعه جبران بالإنجليزية وأول من عرّبه هو الأرشمندريت أنطونيوس بشير. وسينظَّم مؤتمر عالمي في يوليو (تموز) يحضره باحثون من أستراليا وأميركا وبلغاريا، من تنظيم «مركز التراث اللبناني» في جامعة «سيدة اللويزة» في لبنان.
ويتم البحث في إقامة معرض لجبران في الخريف المقبل، خلال معرض كتاب أبوظبي، وهو ما لم يتم تأكيده بعد. وفي الشهر الأخير من السنة، يكون ختام الاحتفالات المئوية في بلغاريا، حيث سيقام لجبران في العاصمة صوفيا، لقاء يشارك فيه باحثون من دول مختلفة. ويشرح جعجع أن جبران مشهور بالفعل في العالم، ودولة مثل اليابان ساعدت أكثر من مرة متحف جبران بسبب اهتمامها بالكاتب، وهو معروف جداً في الصين أيضاً. وفي بلغاريا ثمة اهتمام خاص بجبران، وقد نال «متحف جبران» منحة هذه السنة من بلغاريا للسنة الثانية على التوالي. فجبران مترجم إلى اللغة البلغارية، ضمن اللغات الخمسين التي نقل إليها، لكنه لا يزال يترجم إلى لغات لم نسمع عنها من قبل مثل «بابيامنتو» التي هي خليط من الإنجليزية والإسبانية والهولندية ويتحدثها نصف مليون شخص، كما أنه ترجم إلى اللغة «الألزاسية» مؤخراً. وهذا يؤكد أن جبران لا يزال حياً ومبدعاً متألقاً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
TT

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)

وافقت الجمعية العامة للمكتب الدولي للمعارض على «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»، في خطوة تعدّ محطة رئيسية بمسيرة التحضير للحدث العالمي، وتُعزِّز الإطار المؤسسي والتنظيمي لاستضافته.

وتُرسِّخ الاتفاقية الإطار القانوني المنظّم للمشاركة في «إكسبو 2030 الرياض»، بما يضمن الحقوق والامتيازات والشروط الممنوحة للمشاركين الرسميين وفقاً لإطار المكتب الدولي.

وتعكس موافقة الجمعية العامة تنامي الثقة الدولية برؤية السعودية وقدراتها التنظيمية والتنفيذية، وتُمثِّل خطوة رئيسية في استعدادات البلاد لاستضافة الحدث، وتُعزِّز التعاون مع المكتب والدول المشاركة، بما يسهم في تقديم نسخة استثنائية من معارض «إكسبو» الدولية.

وجاء هذا الإنجاز خلال مشاركة وفد السعودية في أعمال الاجتماع الـ178 للجمعية العامة في باريس، برئاسة عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والمفوّض العام لـ«إكسبو 2030 الرياض».

وقدَّر الجبير، خلال الاجتماع، للمكتب والدول الأعضاء على ثقتهم المستمرة وشراكتهم البنَّاءة، مؤكداً أن «إكسبو 2030 الرياض» سيكون منصة عالمية تجمع الدول والشعوب والأفكار لتعزيز الحوار وإلهام التعاون، وتشجيع العمل الجماعي نحو مستقبل أفضل.

وجدَّد الوزير السعودي التزام بلاده بمواصلة العمل الوثيق مع المكتب وجميع المشاركين لضمان تقديم معرض عالمي شامل وذي أثر مستدام يترك إرثاً للأجيال القادمة.

واستعرض الوفد السعودي في الاجتماع، آخر مستجدات «إكسبو 2030 الرياض»، بما في ذلك تطورات موضوع المعرض، والتقدم المحرز في المخطط الرئيسي، وأعمال تطوير الموقع، بما يؤكد التقدم المتواصل عبر مختلف مسارات التخطيط والتصميم والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية.

من جانبه، أكد طلال المري، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض»، أن المشروع يواصل إحراز تقدم متسارع في أعمال الإنشاءات والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية، مدعوماً بشراكات قوية وتكامل في التنفيذ بين مختلف الجهات المعنية.

وأشار المري إلى أن «إكسبو 2030 الرياض» دخل مرحلة التنفيذ المتكامل، مع التركيز على تقديم تجربة عالمية المستوى للمشاركين والزوار، وترسيخ إرث مستدام لمدينة الرياض والعالم.

وسيقام معرض «إكسبو 2030 الرياض» خلال الفترة من 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2030 حتى 31 مارس (آذار) 2031، ليجمع العالم في احتفال عالمي بالثقافة والابتكار والطموح الإنساني.

وعلى مدى ستة أشهر، ستقدم السعودية برنامجاً ثرياً من التجارب الثقافية والترفيهية والتفاعلية، فيما يستعرض المشاركون من مختلف أنحاء العالم أفكارهم وابتكاراتهم ورؤاهم لمستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.


بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
TT

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)

لم يكن رسم الملك سلمان في لوحات البورتريه مجرد اختبار للمهارة الفنية، بل بدا أقرب إلى محاولة لالتقاط شخصية تختزن في ملامحها تاريخ دولة كاملة. في جدة، وقف الفنانون أمام صور الملك سلمان كما لو أنهم يقرأون سيرة وطن؛ شاباً في بدايات الرياض القديمة، وقائداً يحتضن العلم السعودي بعينين يملؤهما الاعتزاز، وإنساناً ارتبط اسمه بمشروعات التحول الكبرى التي غيّرت ملامح المملكة.

النسخة التاسعة من «جائزة ضياء عزيز للبورتريه» تحولت إلى معرض بصري يروي الحكاية السعودية من وجهة نظر الفن. واحتضن مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة الحفل الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة التي جاءت هذا العام تحت عنوان «الملك سلمان... الإنسان والإنجاز»، بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود، إلى جانب فنانين ومثقفين ومهتمين بالفنون البصرية.

وتضمن الحفل تقديم أوبريت «وطن الثقافة»، في أمسية جمعت بين الفن التشكيلي والموسيقى والعرض المسرحي، وعكست الحراك الثقافي الذي تعيشه السعودية، والدعم المتزايد للفنون بوصفها جزءاً من المشهد الوطني الجديد.

وتأتي الجائزة امتداداً لمبادرة أطلقها الفنان التشكيلي ضياء عزيز بهدف تعزيز حضور فن البورتريه، أحد أكثر الفنون ارتباطاً بالإنسان وقدرته على توثيق الملامح والحكايات والتفاصيل الشخصية من خلال رؤية الفنان وأسلوبه التعبيري.

وفي حديث له مع لـ«الشرق الأوسط»، قال ضياء إن استمرار الجائزة للعام التاسع يعود إلى جودة الأعمال الفنية المطروحة واختيار موضوعات ترتبط بالوطن والإنسان السعودي، موضحاً أن الجائزة منذ انطلاقها تناولت موضوعات متنوعة مثل الأمن السعودي والخليج العربي حتى جائحة «كورونا».

وأضاف أن اختيار الملك سلمان محوراً للنسخة الحالية جاء لما تمثله شخصيته من حضور إنساني ووطني، إلى جانب ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات خلال مسيرته، مؤكداً أن الأعمال المشاركة هذا العام عكست مستوى فنياً عالياً وتنافساً واضحاً بين الفنانين.

واستقبلت الجائزة مشاركات من مختلف مناطق المملكة، في مساحة إبداعية أتاحت للفنانين تقديم قراءاتهم البصرية لشخصية الملك سلمان، عبر مدارس وأساليب تشكيلية متعددة.

ومن بين الأعمال التي لفتت الأنظار وحصدت المركز الأول، برزت لوحة الفنانة التشكيلية إيمان اللويمي، التي استعادت صورة الملك سلمان في شبابه خلال بدايات توليه إمارة الرياض في خمسينات القرن الماضي، واضعة خلفه ملامح الرياض القديمة بالأبيض والأسود، فيما حضرت الألوان الزيتية والزهور في بقية اللوحة بوصفها رمزاً لازدهار الحاضر.

وقالت اللويمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ العمل سبقه بحث ودراسة لمسيرة الملك سلمان، موضحة أنها تنظر إلى الفن بوصفه عملاً معرفياً يبدأ بالفهم قبل الرسم. وأضافت أنها اعتمدت على الدمج بين الفحم الذي يرمز للماضي، والألوان الزيتية التي تعبر عن المستقبل والإنجاز، في محاولة لتجسيد العلاقة بين الإنسان والتحول الذي شهدته المملكة.

وأكدت أن اللوحة استغرقت ما بين 3 إلى 4 أسابيع من العمل المتواصل، مشيرة إلى أن أكثر ما كانت تسعى إليه هو تقديم عمل يحمل قيمة فنية وشخصية تفخر بها.


«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات
TT

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً عن إجابة لسؤال لطالما شغل الخيال الإنساني طويلاً: هل توجد حياة أخرى في هذا الكون؟ ليعود إلى السؤال نفسه في فيلمه الجديد Disclosure Day أو «يوم الكشف»، الذي بدأ عرضه في صالات السينما الأسبوع الماضي، لكن من زاوية مختلفة تماماً. فبدلاً من البحث عن الكائنات القادمة من الفضاء، ينشغل هذه المرة بالبشر أنفسهم، ليطرح أسئلة جديدة من شاكلة: ماذا يحدث حين تصبح الحقيقة معروفة؟ وكيف يتعامل العالم مع معلومة قادرة على تغيير كل ما اعتاد تصديقه؟

الفيلم، الذي كتبه ديفيد كوب عن فكرة أصلية لسبيلبرغ، يجمع إيميلي بلانت وجوش أوكونور وكولين فيرث وكولمان دومينغو في حكاية تبدأ مع خبير أمن سيبراني يعثر على معلومات شديدة الحساسية، بالتوازي مع مقدمة طقس تقودها ظواهر غامضة نحو المسار نفسه. ومع تقدم الأحداث، تتشابك الخيوط داخل عالم تمتلئ أركانه بالأسرار والمصالح والملفات المغلقة.

السبعينات تلتقي 2026

منذ لحظة صدور الإعلان التشويقي للفيلم مع عبارة «قصة من ستيفن سبيلبرغ»، بدا للكثيرين أن المخرج البالغ 79 عاماً يستعد لتقديم عمل يكون تتويجاً لمسيرته، وخلاصة أفكاره حول سؤال شغله لعقود طويلة. بيد أنه حاول قراءة الحاضر بأدوات صاغها في سبعينات القرن الماضي، وكأن نصف قرن من التحولات التقنية والثقافية مرّ خارج حدود الفيلم، فبدت الهواتف الذكية، التي صارت امتداداً للذاكرة البشرية، حاضرة على الهامش أكثر من حضورها في قلب الحكاية.

يضاف لذلك طريقة تعامل الفيلم مع الإعلام والتلفزيون هي أيضاً تبدو قادمة من زمن آخر... ففي عالم يتحرك عبر المنصات الرقمية والبث المباشر والخوارزميات، يضع الفيلم جزءاً مهماً من رهانه على التلفزيون المحلي بوصفه بوابة الحقيقة الكبرى، بما يُظهر التباعد بين العالم الذي نعيشه والعالم الذي يتخيله الفيلم.

ورغم ذلك، دخل الفيلم شباك التذاكر العالمي بقوة، محققاً افتتاحية بلغت 92.8 مليون دولار، ومتصدراً الإيرادات العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى. لكن الأرقام نفسها تكشف جانباً آخر من الحكاية، ففي حين احتل الفيلم إيرادات شباك السينما في بريطانيا بإيرادات تجاوزت 7.5 مليون دولار وهي الأعلى عالمياً، حقق في المكسيك نحو 4 ملايين دولار، وسجل في فرنسا وأستراليا والبرازيل أرقاماً قوية، فيما كان الأداء أكثر تواضعاً في عدد من الأسواق الأخرى، وخاصة الآسيوية منها.

وفي السعودية تحديداً اكتفى الفيلم بإيرادات بلغت نحو 416 ألف دولار خلال أسبوعه الأول، محتلاً المركز الخامس في شباك التذاكر المحلي، بنحو عشرين ألف تذكرة مبيعة.

مطاردة السر الأكبر

خلال الفيلم يلعب جوش أوكونور دور دانيال، خبير الأمن السيبراني العامل لدى منظمة نافذة تدعى «واردكس»، ومهمة المنظمة هي إخفاء المعلومات المتعلقة بالكائنات الفضائية عن العالم. يقرر دانيال كشف هذه الأسرار، إلا أن السيناريو يرسله في رحلة طويلة مع صديقته جاين (إيف هيوسن) بانتظار إشارة من زميله هوغو (كولمان دومينغو).

في خط درامي آخر تظهر إيميلي بلانت بدور مقدمة نشرة الطقس مارغريت، التي تكتشف فجأة أنها قادرة على التحدث بجميع لغات الأرض، إضافة إلى لغات أخرى غريبة، وتقدم بلانت أفضل أداء في الفيلم، فيما تشكل مشاهد تطور قدراتها النفسية أكثر لحظاته حيوية، لما تجمعه من قوة وهشاشة، وربطها بين حاضر الشخصية وطفولتها.

العالم الذي يتخيله سبيلبرغ

يبدو Disclosure Day من الخارج فيلماً عن الفضائيين والمؤامرات الحكومية، لكن يطرح الكثير من الأسئلة من الداخل... كيف تتصرف الحكومات تجاه الحقائق المفزعة؟ كيف يتفاعل الإعلام؟ ماذا يحدث للمسلمات الراسخة حين تهتز فجأة؟ وكيف يعيد الإنسان تعريف موقعه داخل الكون؟

كما تظهر خبرة سبيلبرغ الطويلة في بناء هذا الإحساس بالترقب، فحتى في المشاهد الهادئة، ينجح في خلق شعور دائم بأن حدثاً هائلاً يقترب من الأفق. وطيلة الفيلم، تتحرك الكاميرا بثقة، أما الموسيقى التي صاغها جون ويليامز، فأضافت طبقة من الرهبة والحنين تذكر بأعماله الكلاسيكية.

وربما تكمن المعضلة الأساسية في Disclosure Day في الفجوة بين نظرة ستيفن سبيلبرغ المتفائلة للعالم ومزاج الجمهور المعاصر. فالمخرج الذي بنى جزءاً كبيراً من إرثه على الإيمان بالإنسان وقدرته على التعاطف والتوحد أمام المجهول، يقدم هنا فيلماً يرى أن كشف وجود حياة خارج الأرض قد يصبح لحظة تتوحد فيها البشرية، بيد أن هذا التفاؤل يبدو منفصلاً عن عالم يعيش وسط تدفق يومي من الأخبار والأزمات والانقسامات، ومن هنا تنشأ المسافة بين الفيلم وجمهوره؛ فبينما ما زال سبيلبرغ يؤمن بقدرة الحقيقة على جمع البشر حول معنى مشترك، يعيش العالم اليوم وسط ضجيج متواصل يجعل الدهشة أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل نصف قرن.