دراسة تكشف: العمل من المنزل يُعزز الصحة النفسية للنساء أكثر من الرجال

الدراسة تمت على أكثر من 16 ألف عامل وعاملة خلال 20 عاماً في أستراليا

سيدة تعمل في منزلها وأمامها طفلها في هولندا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل في منزلها وأمامها طفلها في هولندا (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة تكشف: العمل من المنزل يُعزز الصحة النفسية للنساء أكثر من الرجال

سيدة تعمل في منزلها وأمامها طفلها في هولندا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل في منزلها وأمامها طفلها في هولندا (أرشيفية - رويترز)

أصبح العمل من المنزل جزءاً لا يتجزأ من ثقافة العمل حول العالم، إلا أن تأثيره على الصحة النفسية لا يزال محل نقاش واسع.

ويطرح العمل من المنزل عدداً من الأسئلة، أبرزها: «هل يُمكن للعمل من المنزل أن يُعزز صحتك النفسية؟ إذا كان الأمر كذلك، فما عدد أيام الأسبوع المُثلى؟ من يستفيد أكثر من غيره؟ وهل يعود ذلك إلى عدم وجود تنقلات؟»، وقام بحث جديد بالبحث عن إجابات، استناداً إلى بيانات مسح طويلة الأمد لأكثر من 16 ألف عامل في أستراليا. ووجد البحث أن العمل من المنزل يُعزز الصحة النفسية للنساء أكثر من الرجال.

وقامت الدراسة بتحليل بيانات 20 عاماً من المسح الوطني لديناميكيات الأسرة والدخل والعمل في أستراليا، مما سمح بتتبع العمل والصحة النفسية لأكثر من 16 ألف موظف، حسب موقع «ساينس ألرت».

ولم يتم إدراج عامين من جائحة كوفيد (2020 و2021)؛ «لأن الصحة النفسية للأفراد آنذاك ربما تكون قد تأثرت بعوامل لا علاقة لها بالعمل من المنزل»، وفق يان كاباتيك، زميل باحث في معهد ملبورن للبحوث الاقتصادية والاجتماعية التطبيقية، وفيردي بوثا، زميل باحث أول، معهد ملبورن للبحوث الاقتصادية والاجتماعية التطبيقية، وكلاهما في جامعة ملبورن.

وتتبعت الدراسة الأفراد بمرور الوقت ودراسة كيفية تغير صحتهم النفسية بالتزامن مع أنماط تنقلهم وترتيبات عملهم من المنزل. واستثنت الدراسة أي تغييرات ناجمة عن أحداث حياتية رئيسية (مثل الانتقال إلى وظيفة جديدة أو ولادة أطفال).

وركزت الدراسة على عاملين لمعرفة ما إذا كان هناك أي تأثير على الصحة النفسية: وقت التنقل والعمل من المنزل، كما تمت دراسة ما إذا كانت هذه التأثيرات تختلف بين الأشخاص ذوي الصحة النفسية الجيدة والسيئة.

فوائد العمل الهجين

وكشفت الدراسة أن للعمل من المنزل تأثيراً إيجابياً قوياً على الصحة النفسية للنساء، ولكن فقط في ظروف معينة، فقد سُجلت أكبر المكاسب عندما عملت النساء بشكل رئيسي من المنزل مع قضاء بعض الوقت (يوم إلى يومين) في المكتب أو في الموقع كل أسبوع.

بالنسبة للنساء ذوات الصحة النفسية الضعيفة، أدى هذا الترتيب إلى صحة نفسية أفضل من العمل حصرياً في الموقع. كانت المكاسب مماثلة لتلك الناتجة عن زيادة دخل الأسرة بنسبة 15 في المائة.

ويتوافق هذا الاكتشاف مع دراسة سابقة، وجدت أن نفس النوع من ترتيبات العمل الهجينة أدى إلى تحسين الرضا الوظيفي والإنتاجية.

التوازن بين العمل والحياة الأسرية

لم تقتصر فوائد الصحة النفسية للنساء على توفير وقت التنقل فحسب. ولأن تحليلنا أخذ التنقل في الاعتبار بشكل منفصل، فقد عكست هذه الفوائد جوانب إيجابية أخرى للعمل من المنزل. وتشمل هذه الجوانب انخفاض ضغوط العمل أو مساعدتهن على التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.

لم يكن للعمل الخفيف أو المتقطع من المنزل تأثير واضح على الصحة النفسية للنساء. أما الأدلة على العمل من المنزل بدوام كامل فكانت أقل دقة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى أننا رأينا عدداً قليلاً نسبياً من النساء يفعلن ذلك.

بالنسبة للرجال، لم يكن للعمل من المنزل أي تأثير موثوق إحصائياً على الصحة النفسية، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، بغض النظر عن عدد أيام عملهم من المنزل أو في الموقع.

وقد يعكس هذا التوزيع الجنساني للمهام في الأسر الأسترالية، بالإضافة إلى ميل شبكات العلاقات الاجتماعية والصداقة للرجال إلى الاعتماد بشكل أكبر على العمل.

العمل من المنزل والصحة النفسية

وأفادت الدراسة بأن العمال الذين يعانون من ضعف في الصحة النفسية هم الأكثر تأثراً بالتنقلات الطويلة، والأكثر استفادة من ترتيبات العمل من المنزل. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الأشخاص الذين يعانون من ضعف في الصحة النفسية لديهم بالفعل قدرة محدودة على التعامل مع المواقف العصيبة.

بالنسبة للنساء اللواتي يعانين من ضعف في الصحة النفسية، يمكن أن يُمثل العمل من المنزل دفعة قوية لرفاهيتهن. وبالنسبة للرجال الذين يعانون من ضعف في الصحة النفسية، فإن تقليل أوقات التنقل الناتج عن ذلك يمكن أن يُساعد أيضاً.

ومع ذلك، يبدو أن العمال الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة أقل تأثراً بأنماط التنقل والعمل من المنزل. قد لا يزالون يُقدرون المرونة، لكن آثار ترتيبات عملهم على الصحة النفسية أقل.

أبرز توصيات الدراسة

وأفادت الدراسة بعدد من التوصيات، وهي:

- إذا كنت عاملاً، فراقب كيف يؤثر التنقل وأنماط العمل من المنزل المختلفة على صحتك النفسية بدلاً من افتراض وجود نهج واحد هو الأفضل. إذا كنت تعاني من مشاكل في الصحة النفسية، فخطط للمهام الأكثر إلحاحاً في الأيام التي تعمل فيها في البيئة التي تشعر فيها براحة أكبر.

- إذا كنت صاحب عمل، فوفر ترتيبات عمل مرنة من المنزل، خاصةً للموظفين الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية. فكر في نماذج العمل الهجينة التي تشمل كلاً من وقت العمل في المنزل ووقت العمل في المكتب، لأنها تبدو الأكثر فائدة. تعامل مع وقت التنقل كعامل في مناقشات عبء العمل والرفاهية. تجنب سياسات العودة إلى المكتب التي قد لا تناسب الجميع.

- إذا كنت تُصدر سياسات عامة، فاستثمر في تقليل الازدحام وتحسين سعة النقل العام. عزز الأطر التي تشجع على ترتيبات العمل المرنة. ادعم الوصول إلى خدمات الصحة النفسية.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

ارتفعت طلبات إعانة البطالة الجديدة في الولايات المتحدة بشكل طفيف الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة «نوظف الآن» في محل تجاري في إينسينيتاس بكاليفورنيا (رويترز)

طلبات إعانات البطالة الأميركية تخالف التوقعات... وتستقر عند مستويات منخفضة

أظهرت بيانات وزارة العمل أن عدد الأميركيين الذين تقدَّموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة للأسبوع المنتهي في 14 مارس تراجع بمقدار 8 آلاف طلب عن الأسبوع السابق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يمشي أشخاص بجانب مركز «جوب سنتر بلس» في لندن (رويترز)

تباطؤ نمو الأجور في بريطانيا إلى أدنى مستوى منذ أواخر 2020

أظهرت البيانات الرسمية أن الأجور البريطانية ارتفعت بأبطأ وتيرة لها منذ أواخر عام 2020 خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا المجلس الأعلى للجامعات في مصر يشكل لجنة لتنقيح التخصصات الجامعية (وزارة التعليم العالي)

التعليم المصري يدخل «مفرزة» سوق العمل

تحولت توجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتنقيح التخصصات الجامعية وإلغاء غير الضرورية منها لخطوات تنفيذية مع تشكيل لجنة عليا لمراجعة التخصصات الجامعية.

أحمد جمال (القاهرة)

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
TT

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز دون إدراك أن الأمر قد يكون أكثر من مجرد إرهاق عابر. فقد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة، خصوصاً إذا بدأ يؤثر على الأداء اليومي في العمل أو الدراسة واتخاذ القرارات.

وفيما يلي أبرز أعراض ضعف التركيز والحلول، ومتى يجب أن نقلق، حسبما نقل موقع «هيلث لاين» العلمي:

أولاً: أبرز الأعراض

تشمل علامات ضعف التركيز:

* عدم القدرة على تذكر الأحداث التي وقعت منذ وقت قصير.

* صعوبة التفكير بوضوح.

* كثرة فقدان الأشياء أو صعوبة تذكر أماكنها.

* التردد في اتخاذ القرارات.

* ضعف القدرة على إنجاز المهام المعقدة.

* الشعور بالإرهاق الذهني أو البدني.

* ارتكاب أخطاء غير مقصودة.

* نسيان المواعيد والالتزامات.

ثانياً: الأسباب المحتملة

ترتبط صعوبة التركيز بعدة عوامل، منها:

* اضطرابات مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه.

* القلق والاكتئاب والضغط النفسي.

* انقطاع التنفس في أثناء النوم.

* مشكلات السمع أو البصر.

* الإرهاق أو الألم الجسدي.

* التغيرات الهرمونية مثل انقطاع الطمث.

* المعاناة من الوسواس القهري.

* الإفراط في شرب الكحول.

* بعض الأدوية مثل المهدئات ومسكنات الألم ومضادات الاكتئاب.

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز (بيكسلز)

ثالثاً: نصائح لتحسين التركيز

يمكن تقليل المشكلة من خلال:

* التخلص من المشتتات:

رتِّب مكتبك، وأغلق إشعارات هاتفك، واستمع إلى الموسيقى فقط إذا كانت تساعدك على التركيز.

* ملاحظة أوقات فقدان التركيز

قد يساعدك تحديد هذا الأمر على تحديد أصل المشكلة وحلها، وقد يحفزك على التركيز بشكل أفضل.

* مراجعة أدويتك مع مختص

قد تؤثر بعض الأدوية والمكملات الغذائية على تفكيرك. استشر طبيبك إذا شعرت بأن أدويتك قد تؤثر على تركيزك.

* تنظيم وقتك بين العمل والراحة

خطِّط للعمل لمدة ساعة، ثم استرح أو مارس تمارين التمدد لمدة 5 دقائق.

* تناول الفاكهة بدلاً من الوجبات الخفيفة السكرية

يمكن للسكر أن يرفع ويخفض ​​مستوى السكر في الدم بسرعة، مما يجعلك تشعر بانخفاض الطاقة بعد فترة. الفاكهة تُشبع رغبتك في تناول الحلويات دون التأثير على مستوى السكر في الدم بنفس القدر.

* حافظ على نشاط عقلك

مارس الألغاز والألعاب أو غيرها من الأنشطة التي تُبقي ذهنك نشطاً.

* مارس التأمل

يُساعد التأمل الواعي على تدريب أفكارك وتعزيز تركيزك بشكل ملحوظ.

* اعتنِ بجسمك

يُمكن للرياضة واتباع نظام غذائي متنوع غني بالعناصر الغذائية الأساسية أن يُعزز صحتك البدنية وقد يُساعد على تحسين صحتك النفسية.

* كتابة المهام وتحديد أهداف واضحة

تُساعدك القوائم والخطط والأهداف المكتوبة على تحديد أولوياتك وتذكر المهام التي تحتاج إلى إنجازها دون تشتيت ذهنك.

رابعا: متى تجب مراجعة الطبيب؟

يُنصح بزيارة الطبيب في الحالات الآتية:

* مشكلات متزايدة في الذاكرة.

* تراجع ملحوظ في الأداء.

* صعوبات في النوم.

* إرهاق غير معتاد.

* فقدان الوعي.

* تنميل في جانب من الجسم.

* ألم شديد في الصدر.

* صداع حاد.

* فقدان مفاجئ للذاكرة.

* صعوبة في الكلام أو إدراك المكان الذي توجد فيه.

Your Premium trial has ended


القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
TT

القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)

تزداد الأسئلة العلمية حول التأثيرات طويلة الأمد للقنب، في وقتٍ لا يزال يُنظر إليه على نطاقٍ واسع بوصفه مخدّراً منخفض المخاطر. غير أن دراسة حديثة تُسلط الضوء على جانبٍ أقل تداولاً، مشيرةً إلى أن الاستخدام اليومي المنتظم قد يرتبط بتغيّراتٍ بنيويةٍ في الدماغ، خصوصاً في المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط، وفقاً لصحيفة «التايمز».

ووجد الباحثون أن الاستخدام طويل الأمد قد يؤدي إلى ترقّقٍ في القشرة الجبهية، وهي منطقة محورية فيما يُعرف بالوظائف التنفيذية، مثل التخطيط والذاكرة العاملة وتنظيم السلوك. ويرى العلماء أن هذا الترقّق قد يعكس تراجعاً في الخلايا العصبية أو في كفاءة الروابط بينها، ما قد يؤثر، بشكلٍ تدريجي، في أداء المهام المعقّدة.

ورغم أن هذه التأثيرات قد لا تكون واضحةً بشكلٍ مباشر لدى المستخدمين، فإن الدماغ، وفقاً للدراسة، قد يحتاج إلى بذل جهدٍ أكبر لإنجاز المهام اليومية، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية ومستوى التركيز. كما تشير النتائج إلى احتمال وجود علاقةٍ بين الاستخدام المنتظم للقنب وانخفاض الدوافع، ما قد يؤدي إلى تراجع المبادرة في الحياة العملية.

يواجه المراهقون الذين يتعاطون القنب خطراً مضاعفاً للإصابة باضطرابات نفسية خطيرة (رويترز)

الدراسة، التي عُرضت خلال المؤتمر الأوروبي للطب النفسي في براغ، ركزت على مجموعةٍ من البالغين بمتوسط عمر 31 عاماً، استخدموا القنب لفتراتٍ طويلة وصلت إلى نحو عشر سنوات، مع استخدامٍ يوميّ لعدة سنوات. وجرت مقارنة أدمغتهم عبر فحوصاتٍ بالرنين المغناطيسي مع أشخاصٍ نادراً ما استخدموا القنب، لتظهر فروق ملحوظة في سماكة القشرة الجبهية، ولا سيما في الجزء الأمامي الأيمن.

ويرجّح الباحثون أن تعود هذه التغيّرات إلى وجود كثافةٍ عاليةٍ من مستقبِلات «CB1»

في هذه المنطقة من الدماغ، وهي المستقبِلات التي تتفاعل مع المادة الفعالة في القنب والمسؤولة عن الإحساس بالنشوة، ما يجعلها أكثر عرضةً للتأثر بالاستخدام المتكرر.

في المقابل، يشدّد الباحثون على أن هذه النتائج لا تزال بحاجةٍ لمزيدٍ من الدراسات لتحديد ما إذا كانت هذه التأثيرات دائمةً أو قابلةً للتراجع بعد التوقف عن الاستخدام، وكذلك لفهم العلاقة السببية بشكلٍ أدق.

تأتي هذه المعطيات في ظلّ نقاشاتٍ متزايدة حول تقنين القنب في عددٍ من الدول، ما يمنح هذه الدراسات أهميةً خاصةً في دعم قرارات الصحة العامة ببياناتٍ علميةٍ موضوعية.

في المحصّلة، لا تحسم الدراسة الجدل بقدر ما تدعو إلى نظرةٍ أكثر توازناً، تأخذ في الحسبان ليس فحسب الاستخدام الآني، بل أيضاً ما قد يتركه من أثرٍ ممتد على الدماغ ووظائفه.

Your Premium trial has ended


اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)
TT

اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)

كشفت بيانات حديثة صادرة عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) ارتفاعٍ لافت في حالات الإحالة للعلاج من اضطراب تشوّه صورة الجسم، إذ تضاعفت 4 مرات منذ بدء تسجيل هذه البيانات مع اندلاع جائحة «كوفيد-19»، في مؤشر يثير قلقاً متزايداً لدى الأوساط الطبية، وفقاً لصحيفة «تلغراف».

وبحسب الأرقام، ارتفعت حالات الإحالة من 266 حالة خلال عام 2020 - 2021 إلى 1028 حالة في 2024 - 2025، في زيادةٍ متسارعة تعكس، وفق خبراء، تحولاً عميقاً في علاقة الأفراد بأجسادهم وصورتهم الذاتية.

ويرى مسؤولون صحيون أن «المعايير غير الواقعية بشكل مفرط للجمال» التي تروّجها منصات التواصل الاجتماعي باتت عاملاً ضاغطاً، يضيف «وقوداً إضافياً» إلى هذه الظاهرة، خصوصاً بين فئة الشباب.

ويُعد اضطراب تشوّه صورة الجسم حالةً نفسية تدفع المصابين إلى الانشغال القهري بعيوبٍ متخيَّلة أو طفيفة في مظهرهم، غالباً لا يلحظها الآخرون. وتتجلى الأعراض في سلوكيات متكررة، مثل التدقيق المفرط في جزءٍ معين من الجسد، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، أو الإفراط في استخدام المرآة أو تجنّبها تماماً إلى جانب محاولات متكررة لتصحيح المظهر، أحياناً بطرقٍ مؤذية.

ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليشمل تداعياتٍ أعمق، من بينها الاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء النفس، وقد يصل في بعض الحالات إلى أفكارٍ انتحارية، ما يستدعي تدخلاً مبكراً ودعماً متخصصاً.

«الجسم الصحي لم يعد كافياً»

في هذا السياق، قال الدكتور أدريان جيمس، المدير الطبي الوطني للصحة النفسية والتنوع العصبي في «NHS»، إن الاضطراب يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الكمالية ومفاهيم الجمال وتقدير الذات، فضلاً عن المبالغة في ربط القبول الاجتماعي بالمظهر الخارجي.

وأضاف أن الضغوط الخارجية لعبت دوراً محورياً في هذا الارتفاع، موضحاً: «لم نَعِش من قبل في زمنٍ يسهل فيه إلى هذا الحد التعرض المستمر لمعايير جسدية غير واقعية، وفي الوقت نفسه يُقال للناس إن أجسامهم الصحية تماماً ليست جيدة بما يكفي».

وأشار إلى أن هذا التأثير يطول بشكلٍ خاص الأطفال والشباب، الذين لا يزالون في طور تشكيل هويتهم، ما يجعلهم أكثر عرضةً لتبني صورٍ ذهنية قاسية عن ذواتهم.

وتقدّر «NHS» أن الأعداد الفعلية للمصابين قد تكون أعلى من المعلن، في ظل تردد كثيرين في طلب المساعدة أو عدم إدراكهم لطبيعة ما يعانون منه. وفي محاولةٍ لمواجهة ذلك، أطلقت الهيئة مؤخراً حملةً واسعة لتشجيع الملايين على طلب الدعم النفسي، بمن فيهم مَن يعانون من اضطرابات القلق وتشوه صورة الجسم.

قصص إنسانية... من العزلة إلى التعافي

وفي بُعدٍ إنساني يعكس عمق المعاناة، شارك نجم تلفزيون الواقع تشارلي كينغ تجربته الشخصية مع الاضطراب، مشيراً إلى أن رحلته مع العلاج كانت نقطة تحوّل في حياته.

وقال إن مشاركته في «نصف ماراثون معالم لندن» جاءت بعد فترةٍ من الإحباط وفقدان الدافعية، مضيفاً: «حتى التسجيل في السباق كان مرهقاً بالنسبة لي، ولم أكن واثقاً من قدرتي على إكماله».

وأوضح أن الاضطراب دفعه في أسوأ مراحله إلى العزلة، قائلاً: «كنت أختبئ خلف قبعة، وأحياناً كان مجرد النظر إلى نفسي في المرآة يجرّني إلى دوامةٍ من الأفكار السلبية». غير أن العلاج النفسي، كما يروي، ساعده على فهم ذاته وتغيير أنماط تفكيره، مضيفاً: «عند عبوري خط النهاية شعرت بفخرٍ لم أعرفه منذ زمن. تعلّمت أن التقدم، مهما كان بطيئاً، يظل تقدماً».

من جهتها، تروي نيكولا كوفالتشوك، وهي طالبة جامعية، معاناتها التي بدأت في سن الخامسة عشرة، حين كانت «محاصَرة داخل أفكارها»، على حد وصفها. وتقول إنها كانت تتفقد مظهرها باستمرار أو تخفي نفسها تحت الملابس، قبل أن تلجأ لاحقاً إلى العلاج النفسي عبر طبيبها العام. وأضافت: «العلاج بالكلام غيّر كل شيء. منحني أدوات عملية وثقةً بنفسي، وأشعرني أنني لست وحدي في هذه المواجهة».

وتختم حديثها بنبرةٍ يغلّفها الأمل: «اليوم أستطيع الاستمتاع بوقتي مع عائلتي، وأجد سعادةً في تفاصيل بسيطة، بدلاً من القلق الدائم بشأن مظهري وهو أمرٌ لم أكن أتصور يوماً أنه ممكن».