«فُوَّه»... قبلة مميزة للسياحة الدينية في مصر

مساجد وبيوت أثرية... وحرف يدوية

«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)
«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)
TT

«فُوَّه»... قبلة مميزة للسياحة الدينية في مصر

«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)
«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)

تستمد بعض الأمكنة خصوصيتها من الأجواء الروحانية التي تسود تفاصيلها، وأمكنة أخرى تجتذب زوارها بسبب دفء حكاياتها وبيوتها وشوارعها وأزقتها. وتجمع مدينة فُوَّه في مصر بين الأمرين؛ لذلك تُعد وجهة سياحية دينية مثالية في شهر رمضان.
تشعر منذ اللحظة الأولى لزيارة المدينة الواقعة في شمالي وسط الدلتا بأنها مكان مختلف، أهم ما يميزه زخم معالمه الأثرية، لكن لا تعتقد بأنه سيكون من السهل بالنسبة لك مشاهدة جانب كبير من هذه المعالم في زيارة واحدة؛ لأنها تضم 365 مسجداً أثرياً، أي بعدد أيام السنة؛ ناهيك عن المزارات الأخرى التي تنتمي لمختلف العصور الإسلامية (الفاطمي والعباسي والأيوبي والمملوكي والعثماني)، وللسبب نفسه اختارتها منظمة اليونيسكو «المدينة الثالثة محلياً»، من حيث الآثار الإسلامية بعد القاهرة ورشيد، والرابعة على مستوى العالم.
لا يمكن أن تزور فُوَّه من دون التوجه إلى مسجد وجامع «العمري»؛ لأنه من أقدم المساجد الأثرية الموجودة بها، فقد تم بناؤه سنة 21 هجرياً، وسُمي بهذا الاسم لإنشائه في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وإذا كنت من عشاق العمارة والتدقيق أمام تفاصيلها فإنك حتماً ستنبهر بتخطيط «العمري»؛ لأنه وفق الطراز الإسلامي القديم، الذي يشبه تخطيط المسجد النبوي بالمدينة، ومن أهم ملامح تصميمه «الصحن المكشوف» الموجود في وسط سقف المسجد، وبجواره 4 أروقة.
يستوقفك أن هذا المسجد الأثري لا توجد به مئذنة حتى الآن! ويرجع ذلك إلى أن الإمكانيات المادية للفاتحين الذين قاموا ببناء المسجد لم تمكّنهم من إقامة مئذنة، وظل إلى اليوم من دون مئذنة حفاظاً على شكله الأصلي.
ومن المساجد التي ينبغي ألا تفوتك زيارتها كذلك مسجد «الباكي»؛ لأنه يزودك بلمحة عن المساجد المعلقة في مصر، إذ إن «الباكي» الذي أنشئ في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ذو مدخل مرتفع عن مستوى أرضية الطريق ويتم الصعود إليه بسلالم، أما أسفله فتقبع حوانيت موقوفة عدة.
وإذا أردت أن تتعرف على بعض القرارات لبعض الحكام أو النصوص السلطانية قم بزيارة مسجدي «نصر الله» و«أبو النجاة» بفُوَّه، فهناك ستجد التاريخ ماثلاً أمامك عبر المراسيم الرخامية التي تتناول تنظيم بعض الأمور الحياتية مثل منع عادة اجتماعية معينة، أو رفع ظلم من المظالم، إضافةً إلى بعض القرارات التي قد تعكس طرائف التاريخ.
كذلك ستجد هذه المراسيم في مسجد «القنائي»، وهو من أشهر المساجد الأثرية، اذهب إلى شاطئ نهر النيل بالمدينة، حيث يطل المسجد، وهناك ستلفت نظرك مئذنته المرتفعة فهي الأعلى بمنطقة وسط الدلتا، ويبلغ طولها 36 متراً. لكن ذلك ليس فقط المبهر، إذ يصفه المتخصصون بأنه من المساجد الفريدة؛ لتضافر الحضارات فيه، وحين تسأل عن السر وراء ذلك سيجيبك أهل المدينة بفخر بأن فُوَّه كانت عاصمة لمصر في فترة من الفترات الفرعونية، وكان اسمها «واع أمنتى»، وشهدت انتعاشة في العصرين اليوناني والروماني، حتى إنها كانت تسمى «مدينة الأجانب»؛ فقد كانت مقراً لقناصل التجاريين بسبب وجودها أيضاً على فرع رشيد.
السير في شوارع وأزقة فُوَّه يمنحك نوعاً آخر من الأجواء الخاصة التي يندر وجودها في العصر الراهن؛ تلك الأجواء التي تكاد تنقلك في رحلة عبر الزمن إلى دفء البيوت، وعبق التاريخ، حيث المنازل الأثرية متعددة الطوابق والأبواب العتيقة ذات التفاصيل الدقيقة والزخارف البديعة.
ويعود معظم المباني إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وهي مبنية من الطوب المنجور، ومزدانة بزخارف إسلامية ومشربيات وشرفات تتشابه إلى حد كبير مع شرفات منازل مدينة جدة بالمملكة السعودية، ومن اللافت أيضاً وجود تشابه بين أسماء الأسواق والشوارع بين مدينتي فُوَّه وفاس المغربية مثل شارع «الصاغة» و«سوق الديوان».
لكن ليس ذلك فقط ما يمنح بيوت فُوَّه خصوصيتها، فحين تقترب أكثر منها وتتجول بين ناسها أو تتعامل معهم ستأسرك طيبتهم المفرطة وبساطة حديثهم وأفعالهم وترحيبهم الشديد بكل زائر لمدينتهم. هناك مقولة شهيرة متوارثة يرددونها هناك أمام كل زائر، وهي «فُوَّه تحب الغريب»؛ وذلك حتى يزيلوا أي حواجز أو غربة قد يشعر بها السائح.
في فُوَّه مطاعم عديدة معروفة تقدم الأطباق التقليدية من المطبخ المصري، وإذا كنت أكثر جرأة في تجريب الطعام المحلي للبلدان الأخرى، فتوجه إلى أحد مطاعم الفسيخ المنتشرة هناك، والفسيخ أسماك مملحة، يتم تخزينها بطريقة معينة متوارثة منذ الحضارة المصرية القديمة.
أما إذا كنت سعيد الحظ وسافرت مع أحد المصريين ممن له أصدقاء أو أقارب من أهل المكان، فستتناول في منزلهم أطباقاً، بعضها لا يوجد في أي مكان آخر ربما حتى في المدن المصرية؛ فهناك ستتناول طبق «الكبابي» وهو عبارة أرز تم طحنه مع اللحم المفروم والخضرة، تضاف إلى ذلك التوابل، ويتم تحميره. أيضاً تنتظرك طواجن «الدس» المكونة من اللحم أو الطيور والأرز واللبن والبهارات... وبقِطع لحم الضأن المستقرة وسط قطع البطاطس والبصل الحلقات والتوابل ستستمتع بمذاق لا يقاوم لـ«ورقة اللحم» التي تعرف بهذا الاسم؛ لأنها بالفعل تُوضع في ورق سميك وتُطهى داخل الفرن، وبالطبع سيقدم لك الفطير المشلتت الساخن على الإفطار أو العشاء، حيث يبرع كثيرون في إعداده بالطريقة المصرية التقليدية.
نشاطات عديدة تعيدك إلى الحياة البسيطة تنتظرك لتمارسها في فوه، منها الاستمتاع بالسير في المساحات الخضراء، أو أن تركب «الحنطور» (عربة يجرها حصان) على شط النيل. زيارة ورش السجاد والكليم والجوبلان اليدوي تعد واحداً من الأشياء التي يقصدها السياح دوماً عند زيارة فوه، لا سيما إذا كانوا قد سبق لهم اقتناء قطعة منها، إذ يتم تصديرها إلى بعض دول أوروبا وأميركا، وأنصحك بزيارتها ومشاهدة الحرفيين أثناء أداء عملهم الدقيق، وسيحكون لك تفاصيل ومتطلبات الحرفة التي ورثوها عن أجدادهم.
المدهش أنك كلما تجولت في أزقة المدينة ستعثر على كنوز ومقتنيات قديمة نادرة تحكي عن أهلها وتعاملاتهم اليومية، ومن ذلك عند زيارة متجر صغير اسمه «السنهوري» ستتفاجأ بوجود ميزان يعود إلى عصر محمد علي، وصفه الكاتب حمدي حماده بأنه «لا يوجد مثيل له على مستوى الجمهورية».
وقد يصحبك أحد السكان إلى أطلال «مصنع الطرابيش»، وسيحكي لك بثقة وحماس كيف كان ينتج نحو 130 ألف طربوش شهرياً.
إذا قررت التوجه إلى فوه قادماً من العاصمة، فإن الأمر لن يستغرق سوى ساعة وربع الساعة على الأكثر، وهي ميزة مهمة إذا كنت ممن لا يروقه السفر المحلي لمسافات طويلة، إذ تبعد عن القاهرة نحو 181 كيلومتراً، ويمكنك أن تستقل سيارة خاصة، أو تختار إحدى حافلات النقل العام إليها، أما عن الإقامة فأمامك إما أن تختار شقة في إحدى بنايات فوه، وإما أن تنزل في فندق قريب في محافظة كفر الشيخ، وستجد معظم الفنادق يبدأ باسم «دلتا»، وتتراوح الأسعار ما بين 1500 و3500 في الليلة (الدولار يعادل نحو 30 جنيهاً مصرياً).


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
TT

الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، ناتجة عن تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة من البلاد، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط مخاوف من انعكاس ضعف الموسم الحالي، على توفر الغذاء وأسعار سلعه خلال الموسم المقبل.

وبدأت تداعيات الأزمة تظهر بالفعل في بعض مناطق غرب السودان، مع تدهور المراعي ونفوق الماشية وارتفاع أسعار الحبوب، بينما تراوحت أسعار جوال الذرة؛ وهي الغذاء الرئيسي في معظم أنحاء السودان بين 500 و600 ألف جنيه للأردب، وفقاً لمعلومات ميدانية.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في أحدث تصريحاتها، إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو (حزيران) - سبتمبر (أيلول)، جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، ما أثر في الإنبات ونمو المزروعات وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب في 2026.

مزارع سوداني يحرث أرضاً زراعية في ولاية القضارف بشرق البلاد وسط الجفاف (أ.ف.ب)

وقال رئيس «تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل» عابدين برقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن علامات تعثر الموسم كانت واضحة منذ بدايته، وإن عدداً كبيراً من المزارعين أحجموا عن الزراعة، قبل أن تشجع إحدى المنظمات بعضهم على اللحاق بالموسم، وتوفر لهم التمويل.

وأضاف: «العطش بدأ يظهر على المحاصيل، ونحمّل إدارة الري مسؤولية عدم تنظيف جميع الترع من الحشائش والطمي، ما أعاق تدفق المياه إلى الأراضي المزروعة».

وأضاف برقاوي أن المياه تصل إلى 6 مزارع من جملة 18 في المنطقة، وشح الأمطار فاقم المشكلة، مشيراً إلى أن نحو 50 في المائة من المساحة المزروعة بالذرة والفول والقطن، مهددة بالعطش، محذراً من أن يؤدي تلف المحاصيل إلى عجز المزارعين عن تسديد ديون تمويل الموسم.

النيل موجود والمياه لا تصل

في الولاية الشمالية، ترتبط أزمة الري بانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الطلمبات، وقال رئيس «اتحاد مزارعي دنقلا»، طه جعفر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير مستفيدين من النيل، لا في الزراعة، ولا مياه الشرب»، وأشار إلى أن «الكثيرين من المزارعين أحجموا هذا الموسم عن زراعة الفول والقمح لعدم توفر مياه الري بصورة كافية».

وصلت الشاحنات أخيراً إلى مخيم زمزم المنكوب بالمجاعة في شمال دارفور (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «ترعتا السليم وأرقو كانتا تمتلآن بالمياه في مثل هذا الوقت من العام، لكنهما أصبحتا جافتين الآن»، وتابع: «حتى أشجار النخيل التي عمرها عشرات السنين جفت».

مقابل ذلك، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن توفير الكهرباء للمشاريع الزراعية تم وضعه ضمن أولويات الموسم، مؤكداً «تحسن الإمداد الكهربائي في الشمالية بالاعتماد على سد مروي والربط المصري والطاقة الشمسية».

مخاطر في سنار

في «مشروع البساطة» بولاية سنار جنوب البلاد، قال المزارع أيمن إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض منسوب النيل الأزرق يزيد مخاطر الموسم، خصوصاً بالنسبة للمحاصيل النقدية مرتفعة التكلفة.

وأوضح أن نحو 10 آلاف فدان استهدفتها الزراعة، نبت منها نحو 7500 فدان اعتماداً على الأمطار، بينما بقي نحو 2500 فدان دون زراعة، وأضاف: «حتى 27 أغسطس (آب) الماضي، لم تكن طلمبات المشروع قد بدأت العمل بسبب انخفاض منسوب النيل الأزرق، مما زاد اعتماد المحاصيل على الأمطار».

دارفور وكردفان... الخطر يتسع

تبدو الأزمة أشد في أجزاء من غرب السودان، حيث يهدد نقص الأمطار، الزراعة والمراعي ومصادر مياه الحيوانات معاً. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة للسودان، إن دارفور لم تشهد مثل هذا الجفاف منذ عام 1984، محذراً من «تأثيره الخطير المحتمل على الزراعة ونتائج الموسم».

طفلة تظهر عليها أعراض سوء التغذية (متداولة)

وفي «جبل عيسى» بشمال دارفور، أعلنت غرفة الطوارئ في منصتها، عن نفوق أكثر من 420 رأساً من الضأن نتيجة شح الأمطار وانعدام المراعي ومصادر المياه.

وظهرت انعكاسات الأزمة في أسواق الحبوب؛ إذ تشير «فاو» إلى أن أسعار الذرة والدخن ارتفعت في يونيو الماضي بمعظم الأسواق التي ترصدها، وأصبحت في المتوسط تقارب 7 أضعاف مستوياتها قبل اندلاع الحرب في مارس (آذار) 2023.

وسجلت أسواق في دارفور وكردفان ارتفاعات أكبر مع تناقص المعروض وتعطل طرق التجارة، ووصل سعر جوال الدخن في أم كدادة بشمال دارفور إلى نحو 600 ألف جنيه في أغسطس، فيما تشير معلومات ميدانية إلى تداول جوال الذرة بنحو 500 - 600 ألف جنيه في معظم أسواق المحاصيل بالبلاد.

ولا ترتبط الزيادات في الأسعار بشح الأمطار وحده؛ إذ أسهمت الحرب وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتراجع محصول العام الماضي، في الضغط على الأسعار.

وفي غرب كردفان، حذرت «غرفة طوارئ دار حمر»، من أزمة غذائية في مناطق: ود بندة، والنهود، وغبيش، وأبو زبد، والأضية، والخوي، في ظل شح الأمطار وتضرر الزراعة والحرب وصعوبة حركة السلع.

موسم متفاوت في جنوب كردفان

لكن الصورة ليست واحدة في جميع المناطق؛ إذ قال المزارع عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الموسم يبدو مبشراً حتى الآن في شرق جنوب كردفان، خصوصاً في أبو جبيهة وكلوقي، حيث تمت زراعة القطن والسمسم.

أطفال نازحون في «مخيم زمزم» (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «الوضع يختلف في الدلنج وكادوقلي، حيث زرع بعض المواطنين أمام منازلهم، بينما تعثرت الزراعة في المشاريع الكبيرة بسبب الظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج «منع كثيراً من المزارعين من الزراعة»، معرباً عن مخاوفه كذلك من ظهور آفات تهدد الذرة والسمسم.

موسم مقبل أكثر صعوبة

يثير ضعف الأمطار وتعثر الزراعة مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء المحلي خلال الأشهر المقبلة، في بلد يعاني بالفعل أزمة جوع واسعة. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن «نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم نحو 5 ملايين في مستويات الطوارئ»، في وقت اضطر فيه البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية لبعض المستفيدين بسبب نقص التمويل.

كما حدد أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول إذا تصاعد القتال، وزاد النزوح وتعطل وصول الغذاء والمساعدات.

الحكومة: الإنتاج مطمئن

تقدم الحكومة تقييماً أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي لـ«الشرق الأوسط»: «السودان لن يجوع، كما يزعم بعض التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات»، مؤكداً أن موقف الإنتاج الزراعي «مطمئن».

قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

وأشار قرشي إلى معالجة مشكلات الري في مناطق «السوكي، وحلفا، ومشروع الجزيرة»، وقال إن المرحلة الأولى من تمويل الموسم بلغت 700 مليار جنيه، وإن المبيدات متوفرة بكميات تكفي 3 سنوات.

لكن نتيجة الموسم الحالي ستظل حاسمة بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين ضعف الأمطار والحرب والنزوح وتعطل الأسواق، وسط ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.


الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)

تدخل أفريقيا مرحلةً جديدةً من التنافس الدولي على النفوذ، مع اتساع مساحة الحضور الصيني في القارة مقابل تراجع نسبي في الاهتمام الأميركي بها، ولا تكتفي بكين بتوسيع شراكاتها الاقتصادية، بل تدفع بالتعاون العسكري والأمني إلى واجهة علاقاتها بالقارة السمراء وكان أحدث هذه الجهود «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الرابع.

ذلك المنتدى الذي جمع، بحسب بكين، مسؤولين في مجال الدفاع وممثلين عسكريِّين من الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية، يؤكد بحسب خبراء، أن «ذلك التعاون الدفاعي متصاعد، وأن الصين تزيد نفوذها بالقارة على أساس التعاون المتبادل في ظلِّ مواجهة المخاطر العسكرية والأمنية المتزايدة بخلاف واشنطن التي تقوم شراكتها على الشروط والضغوط».

وفي كلمة رئيسية ألقاها خلال «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الذي عُقد في بكين، دعا وزير الدفاع الصيني دونغ جيون إلى بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في مجال الدفاع بين الصين وأفريقيا، بحسب ما نقلته وكالة أنباء «شينخوا» الصينية، مساء الخميس.

وشدَّد على أن «التعاون في مجال الأمن بين الصين وأفريقيا يعود بالنفع على الجانبين، ويسهم في الاستقرار العالمي»، داعياً إلى «تعاون طويل الأمد يقوم على المساواة والمنفعة المتبادلة».

وقال دونغ: «إن الجيش الصيني مستعدٌّ للعمل مع الدول الأفريقية لتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتحسين آليات التبادل الدفاعي الشاملة والمتعددة المستويات، وتعميق التعاون الإقليمي في مجال الأمن البحري، وتعزيز القدرات الدفاعية».

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يوضِّح لـ«الشرق الأوسط»،أن المنتدى «يمثل فرصةً كبيرةً لتعزيز التعاون الدفاعي بين بكين وأفريقيا، مع التنامي المتسارع للنفوذ والوجود الصيني داخل معظم دول القارة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتقديم نفسها شريكاً استراتيجياً بخلاف نهج واشنطن القائم على الشروط والضغوط، وهذا أحد أسباب التجاوب الأفريقي».

بعض الوزراء والمسؤولين الأفارقة المشاركين في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

وتعتقد الخبيرة في الشؤون الصينية تمارا برو، أن بكين «تعزز حضورها الاستراتيجي المتصاعد في القارة الأفريقية الغنية بالموارد اعتماداً على مبدأ المنفعة المتبادلة (رابح - رابح) لحماية الممرات لضمان تدفق هذه الموارد وحماية مصالحها الاستثمارية، ومن دون فرض شروط سياسية أو التدخل في الشؤون الداخلية للحكومات، بخلاف النهج الأميركي الذي يربط التعاون والمساعدات بملفات حقوق الإنسان وطبيعة أنظمة الحكم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن دعوة وزير الدفاع الصيني «تتكامل مع خطة عمل منتدى التعاون الصيني - الأفريقي (2025 - 2027)، التي تشمل تقديم منح وعائدات عسكرية وتدريب الضباط الأفارقة في الصين، وتنفيذ تدريبات ودوريات بحرية مشتركة، وتقديم المساعدة في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، وتأمين خطوط الملاحة، وتسويق الأسلحة الصينية، وبناء شبكة أمنية طويلة الأمد لحماية المصالح الاقتصادية».

أيضاً يؤكد الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان لـ«الشرق الأوسط»، أن الدول الأفريقية «في حاجة فعلية إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مجال الأمن والدفاع، وهذه الدعوة الصينية ستلاقي تجاوباً»، موضحاً أن «هذا التعاون لا يعني أن بكين تسعى إلى توسيع ما يسمى (النفوذ العسكري في أفريقيا)، أو طلب الاختيار بينها وبين واشنطن، أو توجيه التعاون ضد أي طرف ثالث، بل تسعى لاستقرار القارة؛ ما يصب في صالح بكين».

مشاركون أفارقة في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

ونقلت «شينخوا» عن الممثلين الأفارقة المشاركين في المنتدى، «تقديرهم للمساعدة والدعم اللذين تقدمهما الصين في مجالَي الدفاع والتنمية العسكرية»، مؤكدين أن «الدول الأفريقية مستعدة لمواصلة تعزيز التعاون مع الصين في مجالَي الدفاع والأمن، والإسهام في تنمية العلاقات بين أفريقيا والصين».

وكشفت «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، أن وزير الدفاع أحمد معلم فقي، شارك في هذا المنتدى، لافتة إلى أنه بحث مجالات التعاون في الدفاع والتدريب وبناء قدرات القوات المسلحة، إلى جانب الاستفادة من الدعم الدولي بما يتوافق مع الاحتياجات والأولويات الوطنية.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، التقى فقي، نظيره الصيني دونغ جون، في العاصمة بكين، في أول لقاء على المستوى الوزاري بين البلدين منذ نحو 4 عقود؛ لبحث تطوير التعاون الثنائي في مجالات الأمن والدفاع.

وهنا يعتقد يحيى تشو شيوان، أن الصومال «بوصفه دولة ذات سيادة، من حقه أن يختار شركاءه وفقاً لاحتياجاته في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن الوطني»، مؤكداً أنه «إذا عزَّزت الصين والصومال تعاونهما الدفاعي، فهذا طبيعي بين دولتين لهما سيادة،لكن التحدي الحقيقي أمام هذا التعاون في المستقبل هو كيف يمكن التعامل مع التهديدات الأمنية الآنية، وفي الوقت نفسه معالجة جذور الصراعات من خلال التنمية الاقتصادية».

هذا التجاوب الأفريقي الواسع، في ظلِّ التهديدات المتصاعدة بالقارة، يفتح بحسب تمارا برو، «آفاقاً للشراكة الدفاعية أمام الدول الأفريقية للاستفادة من التنافس الدولي بين واشنطن وبكين لتحسين شروطها التفاوضية، ونقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية، وتطوير قدراتها الذاتية للحد من الاعتماد على القوات الأجنبية، لا سيما في مناطق مثل القرن الأفريقي؛ لمواجهة القرصنة وتأمين الموانئ».

في المقابل، تواجه هذه الشراكة تحديات جوهرية وفق برو «تتمثل في الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية التي تمارسها الولايات المتحدة للحد من التمدد العسكري الصيني في القارة بدعوى حماية الأمن القومي الأميركي».

ورغم هذه التحديات التي تأتي في ظلِّ تحركات إسرائيلية بالقارة، يرى حسين البحيري، أن «هناك فرصاً لأفريقيا لتزيد تجاوبها مع بكين، في ظلِّ التراجع الأميركي عن دعم بعثات حفظ السلام في الدول الأفريقية، أو خفض التمويلات في عدد من المجالات الإنسانية جراء الصراعات».


إسبانيا تجلي المهاجرين من شواطئ سبتة وسط انتقادات للحكومة

عناصر الشرطة خلال تأمين عملية نقل المهاجرين من شواطئ سبتة إلى مخيم في منطقة الميناء (رويترز)
عناصر الشرطة خلال تأمين عملية نقل المهاجرين من شواطئ سبتة إلى مخيم في منطقة الميناء (رويترز)
TT

إسبانيا تجلي المهاجرين من شواطئ سبتة وسط انتقادات للحكومة

عناصر الشرطة خلال تأمين عملية نقل المهاجرين من شواطئ سبتة إلى مخيم في منطقة الميناء (رويترز)
عناصر الشرطة خلال تأمين عملية نقل المهاجرين من شواطئ سبتة إلى مخيم في منطقة الميناء (رويترز)

نقلت الشرطة الإسبانية مئات المهاجرين من شواطئ سبتة إلى مخيم في منطقة الميناء بالجيب الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، بعد أسابيع من تدفق قياسي فاق قدرة المدينة الصغيرة على الاستيعاب.

وخلال عملية النقل واجهت الشرطة، بحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، صعوبة في احتواء حشود المهاجرين الذين تدافعوا لضمان مكان لهم في الموقع الجديد المخصص للمخيم، بعد أسابيع من العيش على الشواطئ.

وقالت السلطات إن الخيم تكفي لاستيعاب 1700 شخص فقط. وتدفق أكثر من 70 ألف مهاجر إلى سبتة من المغرب في 30 و31 يوليو (تموز) الماضي، في موجة فوضوية غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات، وأثارت خلافات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن قضية الهجرة الحساسة. وعاد معظم هؤلاء المهاجرين خلال الساعات التالية، لكن آلافاً بقوا في ظروف صعبة في المدينة الصغيرة التي فاق التدفق قدرتها على الاستيعاب، وأصبحوا يبيتون في الشوارع، أو في خيم بدائية.

عدد من المهاجرين بعد نقلهم من شواطئ المدينة التي كانوا يقيمون بها (إ.ب.أ)

احتجاجات ضد المهاجرين

وتصاعد التوتر مع السكان المحليين، مع تنظيم احتجاجات شبه يومية تطالب بعودة الحياة إلى طبيعتها، حظي بعضها بدعم جماعات من اليمين المتطرف. فيما اتهم عدد كبير من سكان المدينة الحكومة بالتخلي عن مدينتهم التي باتت تواجه أزمة إنسانية.

وبدأت الشرطة، اليوم الجمعة، جمع المهاجرين عند الساعة 6.30 صباحاً، وفق مصدر في الحكومة الإسبانية في سبتة. وبحلول الظهر، كانت جميع الأماكن في المخيم الجديد قد امتلأت وانتهت عملية النقل، وفق ما أفاد مصدر حكومي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، لترتفع بذلك القدرة الإجمالية لمرافق الإيواء المؤقت في الجيب المحتل إلى ستة آلاف شخص.

وتقدر سلطات سبتة أن 13 ألف مهاجر بقوا في الجيب، البالغة مساحته 18.5 كيلومتراً مربعاً، في حين تقول الحكومة المركزية إن العدد أقل من ذلك.

ومضت الحكومة الإسبانية قدماً في عملية النقل رغم معارضة السلطات المحلية المحافظة. وبهذا الخصوص، قال وزير التحول الرقمي أوسكار لوبيز، الجمعة: «هذه خطوة أساسية»، معتبراً أن نقل المهاجرين من الشواطئ سيساعد السلطات على النظر في ملفاتهم بسرعة أكبر، وتخفيف الضغط على الأماكن العامة.

وواجه رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز انتقادات شديدة، بسبب طريقة تعامله مع الأزمة. كما دخل في خلاف مع إيطاليا التي أعادت فرض ضوابط حدودية بشكل مؤقت.

عرفت عملية نقل المهاجرين بعض المناوشات مع رجال الأمن (إ.ب.أ)

واضطرت الحكومة إلى تحديد هويات آلاف المهاجرين، الذين بقوا لأسابيع للتحقق مما إذا كان يحق لهم طلب اللجوء، فيما لا يمكن ترحيل القاصرين غير المصحوبين بشكل فوري. وقالت مدريد، الأسبوع الماضي، إن أكثر من 5300 من المهاجرين الذين بقوا في سبتة بعد تدفق يوليو الماضي عادوا إلى المغرب خلال شهر.

«مدينة محتلة»

وطغت قضية تدفق المهاجرين على الخطاب السياسي لأسابيع، ومع عدم وجود مؤشرات إلى قرب انتهاء الأزمة، يتزايد القلق والغضب بين سكان سبتة البالغ عددهم 84 ألف نسمة، والذين يقولون إن الحكومة تخلت عنهم.

ويعيش المهاجرون في مخيمات عشوائية ويتجولون في الشوارع، فيما تعمل الحكومة اليسارية على توسيع مرافق الإيواء الطارئ المخصصة لهم. وشهدت المدينة حوادث عنف متفرقة، بينها شجارات بين مهاجرين، ورشق دورية عسكرية بالحجارة وبلاغات عن اعتداءات جنسية.

وباتت الأزمة جزءاً من الجدل السياسي الأوسع في إسبانيا بشأن الهجرة، قبيل انتخابات العام المقبل؛ إذ تتهم أحزاب المعارضة المحافظة واليمين المتطرف حكومة سانشيز بالفشل في حماية السيادة الإسبانية على سبتة. واستغل زعيم حزب الشعب المحافظ، ألبرتو نونييث فيخو مشاهد الجمعة، معتبراً أن صور المهاجرين وهم يركضون لحجز أماكن لهم في المخيم تظهر أن «فقدان السيطرة في سبتة، التي أصبحت الآن مدينة محتلة، بات كاملاً».

مهاجرون لحظة وصولهم إلى المخيم في منطقة الميناء (إ.ب.أ)

من جهته، قال زعيم حزب «فوكس» اليميني المتطرف، سانتياغو أباسكال، على منصة «إكس»: «هكذا يجب أن يغادروا. ركضاً. وكلما كان ذلك أسرع، كان أفضل».

بدوره، فال ماجنوس ‌برونر، مفوض الشؤون الداخلية والهجرة في الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة، إن الصور التي تظهر المهاجرين وهم يعبرون إلى جيب سبتة الإسباني الواقع في شمال ​أفريقيا، عززت التأييد للأحزاب اليمينية المتطرفة، على الرغم من الانخفاض الحاد في أعداد الوافدين إلى أوروبا بطرق غير شرعية، بفعل تشديد سياسات الهجرة.

وقال برونر ‌في مقابلة مع «رويترز»: «نشهد انخفاضاً ​في ‌الأعداد، ⁠لكن الصور الواردة ​من سبتة، ⁠بطبيعة الحال، تطغى على النجاحات على أرض الواقع والحقائق والأرقام الفعلية».