باتيلي لـ«الشرق الأوسط»: ندعم أي توافق يضع ليبيا على طريق التعافي

المبعوث الأممي قال إن المخرجات التي ستنتج عن مبادرته «ستحظى بالشرعية»

عبد الله باتيلي (البعثة الأممية)
عبد الله باتيلي (البعثة الأممية)
TT

باتيلي لـ«الشرق الأوسط»: ندعم أي توافق يضع ليبيا على طريق التعافي

عبد الله باتيلي (البعثة الأممية)
عبد الله باتيلي (البعثة الأممية)

(حوار سياسي)
أكد الممثل الخاص للأمين العام رئيس البعثة الأممية للدعم في ليبيا، عبد الله باتيلي، أن مبادرته الداعمة إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية بالبلاد خلال العام الحالي تهدف إلى «تحريك المياه السياسية الراكدة»؛ و«إشراك الجميع في رسم المسار نحو الاستحقاق الانتخابي»، و«دعم أي توافق يضع ليبيا على طريق التعافي».
وفي حوار خص به «الشرق الأوسط» تحدث باتيلي عن مدى تأثير «المرتزقة» والمقاتلين الأجانب على الاستحقاق المنتظر، وموقفه من اختيار حكومة جديدة لإدارة الانتخابات، وقال: نحن ننظر لتوحيد السلطة التنفيذية في ليبيا بـ«واقعية، لكن يتوجب مقاربة توحيد الحكومة في هذا الوقت الحساس بكثير من الحذر؛ لأن هذا الموضوع قد يخلق تعقيدات ليبيا في غنى عنها».
وألقى باتيلي الكرة في ملعب لجنة «6+6»، بقوله: إن «القوانين الانتخابية لا تزال قيد النقاش، وبالإمكان تضمينها أي شروط ترى الأطراف أنها تضمن حياد الإدارة في الإشراف على الانتخابات»، مضيفاً أنه «قد يكون من بين ذلك اشتراط استقالة كل الطامحين للترشح للرئاسية من مواقع المسؤولية، التي يشغلونها قبل فترة من تاريخ الانتخابات».
وإلى نص الحوار:
> مبادرتكم لتفعيل مسار الانتخابات في ليبيا لا تزال يكتنفها الغموض بالنسبة للكثيرين داخل ليبيا وخارجها... ما ملامح هذه المبادرة؟ من سيشارك فيها؟ وما المنتظر منها؟
- يجب أن أوضح أولاً أن مبادرتي تهدف لتحريك المياه السياسية الراكدة، مع البناء على التوافقات التي تم إحرازها حتى الآن بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن الإعداد للانتخابات. وبصيغة أخرى، تسعى المبادرة إلى توسيع دائرة المشاركة الليبية في تفعيل مسار الانتخابات وحل الأزمة الراهنة، وعدم ترك الأمر حكراً على المجلسين التشريعيين، اللذين استغرقا ما يكفي من الوقت، دون أن يتوصلا إلى نتائج ملموسة.
الجميع ستكون له كلمة في رسم المسار نحو الانتخابات، إلى جانب مجلسي النواب و«الدولة». والمبادرة ستشرك طيفاً واسعاً من المكونات الليبية، من قوى سياسية وأمنية فاعلة، وأحزاب وممثلين عن النساء والشباب والأعيان، ومنظمات المجتمع المدني. ولن يكون لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أي دور في اختيار من يمثل هذه المكونات.
كما يجب الإشارة ثانياً إلى أن هذه المبادرة تقترح آلية عمل مرنة وغير تقليدية؛ إذ ستعتمد على ما يعرف بدبلوماسية الوسيط المتنقل بين الأطراف Shuttle diplomacy، والتي سأسهر عليها شخصياً بهدف مساعدة الليبيين على التوصل إلى توافقات وطنية حول أهم القضايا، التي تتطلبها الانتخابات. وتشمل هذه القضايا، كما وضحت في تصريحات سابقة، أكثر من مجرد تبني قاعدة دستورية وقوانين انتخابات، رغم أهمية هذين الأمرين. ومن بين القضايا التي سيتم الحسم فيها تأمين الانتخابات، وضمان حرية تنقل المرشحين لإجراء حملاتهم الانتخابية، وضمان موافقتهم على النتائج، وتبنيهم مدونة سلوك (أو ميثاق شرف) والتزامهم بها، وإقرار آلية حكومية شفافة للإنفاق، وأي قضايا أخرى قد يستدعيها التحضير الجيد للانتخابات.
إن المهمة الأساسية الانتخابات هي اختيار قيادة جديدة للبلاد؛ ولذلك فهي تتطلب التزام وانخراط جميع الأطراف، وليس فقط مجلسي النواب والدولة، اللذين قد يكون بعض أعضائهما ضمن المترشحين.
> وهل ستكون القرارات التي ستنتج من المبادرة ملزمة لجميع الأطراف؟ أم أنها مجرد توصيات؟
- يمكنني القول إن القرارات التي ستنتج من هذه المبادرة ستحظى بالشرعية؛ لأنها ستكون بالضرورة محل إجماع وطني وتعكس أوسع توافق ممكن، وستكون تعبيراً عن التزام جميع الأطراف ومسؤوليتهم السياسية والأخلاقية. وسيكون هذا الالتزام، بالإضافة إلى متابعة المواطنين والهيئات والمنظمات التي تمثلهم، من بين أهم الضمانات لتطبيق القرارات التي سيتم التوافق عليها.
> في حال تعثر التوافق حول شروط الترشح للانتخابات الرئاسية... هل ستتوجهون إلى إجراء انتخابات برلمانية فقط خلال العام الحالي؟
- من حيث المبدأ، نحن ندعم أي توافق ليبي واسع يضع البلاد على طريق التعافي، ويعيد إضفاء الشرعية على مؤسسات الدولة، ويفتح الباب أمام السلام والاستقرار المستدامين، والتنمية وإعادة الإعمار، والاهتمام برخاء المواطنين. حل الأزمة الراهنة يستدعي توافقاً على كل القضايا الخلافية. ومن هنا نقول إن توافق الليبيين هو الكلمة الفصل. لكن ما لمسته من الليبيات والليبيين الذين أقابلهم، وما أسمعه من المجتمع الدولي، وما أفهمه من الإقبال الكثيف على التسجيل في القوائم الانتخابية، يصبّ كله في اتجاه إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل نهاية 2023. وإذا تمت هذه الانتخابات بنجاح، وهذا ما نعمل من أجله مع كل الشركاء الليبيين، فإنها ستُعيد الشرعية المفقودة لمؤسسات البلاد.
> أين تقع مبادرتكم مما تم التوافق عليه لحد الآن بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»؟ وبخاصة تبنيهما التعديل الثالث عشر للإعلان الدستوري؟
- المبادرة، وربحاً للوقت، ستبني على ما تم التوصل إليه من توافقات بين مجلسي النواب و«الدولة»، بما في ذلك المعالجات اللازمة في التعديل 13 للإعلان الدستوري. وفي هذا الإطار، عرضت تقديم المساعدة الفنية واللوجيستية وتوفير الخبرات اللازمة لدعم لجنة «6+6»، المكلفة إعداد القاعدة الدستورية وقوانين الانتخابات، حتى يُثمر عملها نتائج ملموسة في أقرب وقت ممكن. ولا يجب أن ننسى كذلك التوافقات المهمة والمشجعة جداً بين أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» بشأن حماية الانتخابات، وتأمين حركة المرشحين في مختلف مناطق البلاد.
علاوة على ذلك، ستعطي هذه المبادرة، من خلال منهج المشاركة الواسعة إلى جانب المجلسين، الاهتمام اللازم لمعالجة القضايا التي تشكل مبعث قلق. ومن تلك القضايا على سبيل المثال التوافق على الإدارة الشفافة للموارد الوطنية، وضمان بيئة تنافسية متكافئة بين المترشحين، وضمان حياد الإدارة.
> حدثنا عن الضمانات والأدوات التي ستدفع كل الأطراف للقبول بنتائج العملية الديمقراطية؟
- يجب توفير عوامل عدة لإنجاح العملية الانتخابية، وهي معروفة للجميع في ليبيا، والعمل عليها بدأ منذ الآن وسيستمر إلى يوم الاقتراع، بل ويتجاوزه إلى حين تنصيب المؤسسات المنتخبة. وأحد أهم هذه العوامل هو الأمن. يجب توفير الحماية للانتخابات، بما في ذلك ضمان حرية المرشحين والأحزاب السياسية في التنقل في أرجاء ليبيا كافة، وفي إجراء حملاتهم الانتخابية واللقاء بالناخبين بحرية، بعيداً عن أي تضييق أو ترهيب. الوضع الأمني مهم كذلك للمواطنين، وخصوصاً النساء، من أجل القيام بواجبهم الانتخابي بحرية، ودون ضغوط أو خوف على سلامتهم.
ومن أهم الضمانات كذلك، تعهد المرشحين المسبق بالقبول بنتائج الانتخابات، دون المس بحقهم في تقديم الطعون بالطرق القانونية المعروفة. إنها مسألة التزام سياسي وأخلاقي. كما يجب على الأطراف السياسية أن تتبنى مدونة سلوك، وأن تحترم بنودها، التي يجب أن تنص فيما تنص عليه، الابتعاد عن التحريض وخطاب الكراهية، والالتزام بأخلاقيات التنافس الشريف، والابتعاد عن أي إجراءات أو أعمال من شأنها الإخلال بسلامة الانتخابات ونزاهتها. على العملية الانتخابية أن تكون واجهة لتنافس البرامج والرؤى السياسية لصالح ليبيا موحدة وذات سيادة ينعم بخيراتها كل الليبيين.
> هناك مطالبات بضرورة استقالة المسؤولين الحاليين من مناصبهم إذا رغبوا في الترشح؟
- هنالك إدراك من الجميع بضرورة توفير شروط متكافئة للتنافس الانتخابي الشريف. وفي هذا الباب يجب التأكيد مرة أخرى على ضرورة توفير آلية حكومية شفافة للرقابة على الإنفاق العام، ومنع استعمال موارد الدولة لأغراض انتخابية، أو لترجيح كفة مرشح ما على حساب منافسيه. هذا إجراء مهم لضمان بيئة تنافس متكافئة بين جميع المترشحين. ويدخل في نفس الباب، أي توفير أرضية متكافئة للتنافس الانتخابي، ضرورة استقالة المسؤولين الحاليين من مناصبهم قبل فترة زمنية تحددها القوانين الانتخابية. هذه الأمور يجب أن يتوافق عليها الليبيون أنفسهم منذ الآن، وقبل وضع خريطة طريق للانتخابات خلال شهر يونيو (حزيران) المقبل.
وبشكل عام، فإن إجراءات ضمان نجاح العملية الانتخابية تبدأ من الآن، وستستمر إلى ما بعد الانتخابات، مروراً بيوم الاقتراع نفسه.
> هل سيكون وجود «المرتزقة» والقوات الأجنبية في ليبيا عاملاً معرقلاً للعملية الانتخابية؟
- صحيح أن تواجد المقاتلين الأجانب و«المرتزقة» مشكلة تؤرق الليبيين ودول الجوار والمجتمع الدولي ككل. لكن مدى خطورة هذه الظاهرة يعتمد في جزء كبير منه على إرادة الأطراف الليبيين ومدى التزامهم باتفاقاتهم الأمنية، ورغبتهم في توحيد مؤسساتهم، بما في ذلك المؤسستان العسكرية والأمنية، وإصرارهم على إعادة الهيبة لسيادتهم الوطنية.
الأمر إذن يعود في نهاية المطاف لليبيين أنفسهم، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وكثير من أعضاء المجتمع الدولي، مستعدون للمساعدة على سحب المقاتلين الأجانب والمرتزقة وإعادة إرساء السيادة الليبية.
>هل هنالك أي أفق زمني لخروج هذه العناصر من ليبيا؟
- يمكن القول إن هناك تقدماً في ملف سحب المقاتلين الأجانب والمرتزقة بفضل العمل الجاد، الذي تقوم به اللجنة العسكرية المشتركة، وبفضل التعاون الذي تبديه بعض الدول المعنية كالسودان والنيجر وتشاد. ولا شك أنكم تتابعون التقدم الذي أحرزته لجان الاتصال الليبية ونظيراتها الممثلة لهذه البلدان، خاصة فيما يتعلق بإنشاء آلية لتبادل البيانات، بالإضافة إلى برامج العودة الطوعية.
هذا المسار يمضي في الاتجاه الصحيح، ونحن نتابعه من كثب بمعية شركائنا الليبيين والإقليميين والدوليين. وهنا أجدد التأكيد على الرغبة المشتركة لدى ليبيا وجيرانها في إنهاء تواجد المرتزقة والمقاتلين الأجانب على الأراضي الليبية،  بما يضمن احترام سيادة ليبيا ووحدتها الترابية، دون الإضرار بدول الجوار. وقد أكدت جولتي الأخيرة في دول الجوار الليبي، والتي شملت كلاً من السودان وتشاد والنيجر، على الالتزام المشترك إزاء حل هذه المعضلة.
> هل ترى أن سبب تأخر إجراء الانتخابات هو عدم جاهزية القوانين؟ أم بسبب «القوة القاهرة» التي أعلنت عنها المفوضية العليا فيما سبق؟
- هنالك ميل لدى أغلب الأطراف السياسية في ليبيا لمحاولة التنصل من مسؤوليتها في تعطيل المسار الانتخابي، وإلقاء اللوم على الأطراف الأخرى. هذه مقاربة غير مفيدة إذا كنا نريد المضي قدماً، وبشكل إيجابي، نحو إجراء الانتخابات قبل نهاية العام الحالي. انتهى وقت إلقاء اللوم، وحان وقت العمل وتسريع الخطى لتلبية تطلعات الناخبين الليبيين، الذين سجلوا بكثافة في القوائم الانتخابية.
لا شك أن الجميع يتحمل المسؤولية بشكل أو بآخر في عدم إجراء الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول) 2021. وقد كان التأجيل إلى ما لا نهاية مناسباً لقوى الأمر الواقع، وهذه حقيقة لا تغيب عن الليبيين. الوضع القائم يخدم فقط بعض الأشخاص؛ لذلك استمر التعطيل عبر مناورات مختلفة تعتمد في العموم على قاعدة «الاتفاق على الاختلاف». وتفادياً لتكرار الأسباب أو الأعذار، أو سمّها ما شئت، لتأجيل الانتخابات، فإن المبادرة التي أطلقتها تقضي بالعمل بالتوازي مع لجنة «6+6» على كل القضايا الأمنية والسياسية والفنية، التي يستدعيها إجراء الانتخابات. وبهذه الطريقة، نضمن استكمال الإطار القانوني، ونتفادى حصول القوة القاهرة مرة أخرى.
> ما موقفكم من اختيار حكومة جديدة تكون مسؤولة عن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية؟
- المحاولات الجادة لتوحيد المؤسسات الليبية على المستويين العسكري والأمني لا تستثني السلطة التنفيذية. لكن يتوجب مقاربة توحيد الحكومة في هذا الوقت الحساس بكثير من الواقعية والحذر؛ لأن هذا الموضوع قد يخلق تعقيدات سياسية وإجرائية، بل وحتى قانونية ودستورية، ليبيا في غنى عنها. تشكيل الحكومات غالباً ما يترافق مع تدافع على المناصب واختلاف على الحصص، وتهافت على المصالح الفردية والفئوية، وهذا لن يخدم المساعي الهادفة إلى التركيز على الاستحقاق الانتخابي، مع الاستمرار في تصريف أعمال الدولة والشؤون اليومية للمواطنين. نحن ننظر لموضوع توحيد السلطة التنفيذية بواقعية، ترمي إلى تحقيق الهدف الأسمى المرجو، وهو إجراء الانتخابات تحت سلطة واحدة، دون خلق مزيد من التعقيدات.
> لكن الكثيرين متخوفون من أن استمرار حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة يضر بشروط التنافس الشريف بين المترشحين؟
- طبعاً الواقعية التي نقارب بها مسألة توحيد السلطة التنفيذية لا تلغى التخوفات المشروعة للأشخاص، الذين يطالبون بحكومة مصغرة ومستقلة. لذلك؛ نأمل من خلال المساعي الحميدة التي أقودها في توفير أرضية متكافئة للتنافس الحر والشريف بين جميع المترشحين، وإقرار آلية شفافة للرقابة على المصروفات الحكومية، تفادياً لاستغلال موارد الدولة لأغراض انتخابية. أضف إلى ذلك، أن القوانين الانتخابية ما زالت قيد النقاش، وبالإمكان تضمينها أي شروط ترى الأطراف أنها تضمن حياد الإدارة في الإشراف على الانتخابات. وقد يكون من ذلك مثلاً اشتراط استقالة كل الطامحين للترشح للانتخابات الرئاسية من مواقع المسؤولية، التي يشغلونها قبل فترة من تاريخ الانتخابات.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.