هجمات متبادلة بين القوات الأميركية و«ميليشيات إيران» شرق سوريا

مقتل متعاقد أميركي و14 مسلحاً من فصائل مرتبطة بـ«الحرس الثوري»... وواشنطن تؤكد أنها لا تسعى إلى صراع مع طهران

رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارك ميلي خلال زيارته قاعدة أميركية شمال شرقي سوريا في 4 مارس الجاري (رويترز)
رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارك ميلي خلال زيارته قاعدة أميركية شمال شرقي سوريا في 4 مارس الجاري (رويترز)
TT

هجمات متبادلة بين القوات الأميركية و«ميليشيات إيران» شرق سوريا

رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارك ميلي خلال زيارته قاعدة أميركية شمال شرقي سوريا في 4 مارس الجاري (رويترز)
رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارك ميلي خلال زيارته قاعدة أميركية شمال شرقي سوريا في 4 مارس الجاري (رويترز)

شهد شرق سوريا تصعيداً كبيراً في الساعات الماضية على خلفية هجوم بطائرة مسيّرة «إيرانية الصنع» تسبب في مقتل «متعاقد أميركي»، وجرح جنود أميركيين، وهو أمر سارعت الولايات المتحدة إلى الرد عليه بقصف جوي على منشآت مرتبطة بميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، ما أسفر عن مقتل 14 مسلحاً، وتدمير مخازن ذخيرة. وهذا التصعيد الأكبر بين الطرفين منذ شهور، وجاء بعد أيام من غارات استهدفت مخازن أسلحة إيرانية قرب مطار حلب، وهو هجوم ألقت دمشق بالمسؤولية فيه على تل أبيب.
وقال جون كيربي، المتحدث باسم الأمن القومي بالبيت الأبيض، الجمعة، إن الضربات الأميركية في سوريا تهدف إلى حماية الجنود الأميركيين هناك، حيث لا يزال تنظيم «داعش» والجماعات المسلحة المدعومة من إيران يشكلون تهديداً. وأكد كيربي في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الإخبارية أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى صراع مع إيران، وأنه لا ينبغي لطهران أن تشارك في دعم الهجمات على المنشآت الأميركية.
وجاء كلام كيربي بعدما قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الجيش الأميركي نفذ ضربات جوية مساء الخميس في سوريا استهدفت جماعات متحالفة مع إيران، تتهمها الولايات المتحدة بتنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة، أسفر عن مقتل متعاقد أميركي، وإصابة آخر، إضافة لإصابة خمسة جنود أميركيين. وأضافت الوزارة أن الهجوم على القوات الأميركية استهدف قاعدة تحالف تقوده الولايات المتحدة قرب الحسكة في شمال شرقي سوريا في نحو الساعة 1:38 ليل الخميس - الجمعة (1038 بتوقيت غرينتش). وقال الجيش إن تقييم المخابرات الأميركية كشف أن الطائرة المسيّرة الهجومية إيرانية الأصل، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات المضطربة بالفعل بين واشنطن وطهران، حسب وكالة «رويترز».
وعلى الرغم من أن القوات الأميركية في سوريا تعرضت من قبل للاستهداف بهجمات بطائرات مسيّرة، كان سقوط قتلى في مثل تلك الهجمات أمراً نادراً للغاية.
وذكر وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أن الضربات نفذت بتوجيه من الرئيس جو بايدن، واستهدفت منشآت تستخدمها جماعات متحالفة مع «الحرس الثوري» الإيراني. وأضاف في بيان: «نفذت الضربات رداً على هجوم اليوم، وكذلك سلسلة من الهجمات في الآونة الأخيرة على قوات التحالف في سوريا، نفذتها جماعات متحالفة مع (الحرس الثوري) الإيراني». وتابع: «لا حصانة لأي جماعة تقصف قواتنا».
وأكد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن الضربات الأميركية تسببت في مقتل 14 مسلحاً متحالفاً مع إيران في سوريا، مشيراً إلى أن القصف طال مواقع عدّة، أبرزها مستودع أسلحة لمجموعات موالية لإيران داخل مدينة دير الزور، ما أدى إلى تدميره بالكامل، ومقتل ستة من عناصرها. كذلك استهدف القصف مواقع في بادية مدينة الميادين وريف البوكمال، ما أدى إلى مقتل خمسة مقاتلين موالين لطهران. وقال مدير «المرصد» رامي عبد الرحمن لوكالة الصحافة الفرنسية إن «مجموعات موالية لطهران، متمركزة قرب مدينة الميادين، أطلقت ثلاثة صواريخ صباح الجمعة، سقط اثنان منها في حرم حقل العمر، من دون أضرار، فيما سقط الثالث على منزل مدني» قرب الحقل الذي يضم قاعدة للقوات الأميركية، التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم (داعش)».
وذكر تلفزيون «برس تي في» الإيراني الرسمي، من جهته، أن الهجوم الأميركي لم يسفر عن مقتل أي إيرانيين، ونقل عن مصادر محلية نفيها أن الضربات استهدفت موقعاً عسكرياً لجماعة متحالفة مع إيران، لكن تم استهداف مركز تنمية ريفي، ومركز للحبوب قرب مطار عسكري. وأضاف التلفزيون: «قال مصدر عسكري في سوريا لـ(برس تي في) إن جماعات المقاومة تحتفظ بحقها في الرد على الهجوم الأميركي، وسترد بالمثل».

أسطول الطائرات المسيّرة الإيراني

وكان الجيش الأميركي قد قال إن هجوم الطائرة المسيّرة تسبب في إصابات لثلاثة جنود ومتعاقد، استلزمت نقلهم إلى العراق للعلاج، حيث توجد منشآت طبية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ويحارب فلول تنظيم «داعش». وقالت وزارة الدفاع الأميركية إن المصابيْن الآخريْن جرى علاجهما في القاعدة الموجودة في شمال شرقي سوريا.
وقال الجنرال إريك كوريلا قائد القيادة المركزية الذي يشرف على القوات الأميركية في الشرق الأوسط إن القوات الأميركية تعرضت لهجوم من جماعات تدعمها إيران، نحو 78 مرة منذ بداية 2021. كما تعرضت قوات أميركية في العراق، الذي تتمتع إيران فيه بنفوذ أيضاً، لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ في السنوات القليلة الماضية.
وحذر كوريلا، خلال إفادة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي أول من أمس الخميس، من خطورة أسطول الطائرات المسيّرة الإيراني. وقال: «النظام الإيراني لديه الآن أكبر قوة من الطائرات المسيرة في المنطقة وأكثرها قدرة».
واستهدفت ثلاث طائرات مسيّرة قاعدة أميركية في منطقة التنف السورية في يناير (كانون الثاني). وقال الجيش الأميركي آنذاك إنه أسقط منها طائرتين، بينما قصفت الثالثة القاعدة؛ ما أسفر عن إصابة اثنين من قوات «جيش سوريا الحرة».
ويعتقد مسؤولون أميركيون أن الهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ تتم بتوجيه من جماعات مسلحة مدعومة من إيران، في تذكرة بالمشهد الجيوسياسي المعقد في سوريا، حيث يعتمد الرئيس بشار الأسد على دعم إيران وروسيا، ويعد القوات الأميركية محتلة.
وجاء الهجوم بعد أسابيع قليلة من زيارة رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارك ميلي لشمال شرقي سوريا؛ لتقييم مهمة قوات بلاده لمواجهة تنظيم «داعش»، والمخاطر التي يتعرض لها الجنود الأميركيون هناك. ولدى سؤاله من الصحافيين الذين رافقوه عما إذا كان يعتقد أن نشر نحو 900 جندي أميركي في سوريا يستحق المخاطرة، ربط ميلي بين مهمة القوات الأميركية في سوريا وأمن الولايات المتحدة وحلفائها، قائلاً: «إذا كنت تعتقد أن هذا الأمر مهم فالإجابة هي نعم... أعتقد أن هذا مهم».
والقوات الأميركية في سوريا، التي أوشك الرئيس السابق دونالد ترمب في 2018 على إنهاء وجودها هناك قبل أن يقلص خطط سحب القوات، هي ما تبقى من حرب دولية أوسع نطاقاً ضد الإرهاب، شملت في وقت من الأوقات، الحرب في أفغانستان، ونشر قوات أميركية أكبر بكثير في العراق.

خريطة السيطرة في دير الزور

وأوضح تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، أن السيطرة على محافظة دير الزور في شرق سوريا تتقاسمها فصائل موالية لطهران من جنسيات متعددة من جهة، و«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة أميركياً من جهة ثانية.
وأشار التقرير إلى أن قوات النظام السوري تسيطر على الضفة الغربية لنهر الفرات، التي تُعد أبرز مناطق نفوذ إيران والمجموعات الموالية لها في سوريا. ويقدّر «المرصد السوري» وجود نحو 15 ألف مقاتل من المجموعات العراقية والأفغانية والباكستانية الموالية لإيران في دير الزور، وتحديداً المنطقة الممتدة بين مدينتي البوكمال الحدودية مع العراق، ودير الزور مروراً بالميادين.
والمجموعات الموالية للنظام تضم «الحرس الثوري الإيراني»، الذي ينشر آلاف المقاتلين والمستشارين العسكريين في سوريا، وفصائل عراقية تقاتل إلى جانب القوات الحكومية السورية بطلب إيراني، وتتخذ من مدينة البوكمال مقراً لها (من أبرزها «كتائب حزب الله» و«كتائب سيد الشهداء» و«كتائب الإمام علي» و«حركة حزب الله النجباء»). كما ينشر «حزب الله» عناصره في سوريا منذ عام 2013. وقد انخفض عدد قواته خلال العامين الماضيين مع تراجع حدة المعارك، واستعادة قوات النظام السيطرة على نحو ثلثي مساحة البلاد. كذلك ينتشر في سوريا لواء «فاطميون» الأفغاني، ولواء «زينبيون» الباكستاني اللذان أسسهما «الحرس الثوري» الإيراني، ويضمان مقاتلين من الأفغان والباكستانيين الشيعة. وتفرض واشنطن منذ عام 2019 عقوبات على الفصيلين.
وفي المقابل، تتمركز «قوات سوريا الديمقراطية»، وعلى رأسها «وحدات حماية الشعب» الكردية المدعومة من الولايات المتحدة، على الضفة الشرقية للفرات. وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» من السيطرة على كامل تلك المنطقة بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، إثر معارك عنيفة مع تنظيم «داعش»، كان آخرها في عام 2019 في آخر معقل للتنظيم في سوريا في قرية الباغوز الحدودية.
وتتولى الإدارة الذاتية الكردية إدارة المنطقة عبر مجالس محلية.
وتنتشر قوات التحالف الدولي، وأبرزها القوات الأميركية، في المنطقة، وتوجد في قاعدة في حقل العمر النفطي، أو ما بات يعرف بـ«المنطقة الخضراء»، فضلاً عن حقل كونيكو للغاز.
وتنتشر القوات الأميركية في قواعد أخرى في سوريا في محافظة الحسكة (شمال شرق) والرقة (شمال)، فضلاً عن قاعدة التنف جنوباً التي أنشئت في عام 2016، وتقع بالقرب من الحدود الأردنية والعراقية، وتتمتع بأهمية استراتيجية كونها تقع على طريق بغداد – دمشق.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.


مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

عرضت وزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء» العراقية المسلحة المدعومة من إيران هاشم فنيان رحيمي السراجي، التي تعتبرها واشنطن منظمة إرهابية.

وقالت وزارة الخارجية في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، الخميس، إن البحث جارٍ عن السراجي المعروف أيضاً باسم أبو آلاء الولائي، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وجاء في المنشور أن «كتائب سيد الشهداء»، «قتلت مدنيين عراقيين وهاجمت منشآت دبلوماسية أميركية في العراق، بالإضافة لمهاجمة قواعد عسكرية أميركية وأفراد في العراق وسوريا».

وعرض المنشور إمكان الإقامة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المكافأة المالية لمن يدلي بمعلومات عنه.

والسراجي أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي» المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من إيران ويشكّل الكتلة الأكبر في البرلمان.

وتستهدف جماعات مدعومة من إيران السفارة الأميركية في بغداد ومنشآتها الدبلوماسية واللوجستية في المطار، بالإضافة إلى حقول نفط تديرها شركات أجنبية.

ولم يسلم العراق من تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي استمرت أكثر من 40 يوماً. وخلالها، تعرّضت مقار للحشد الشعبي ولفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فيما استهدفت مصالح أميركية بهجمات تبنتها فصائل عراقية، ونفّذت طهران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارِضة في شمال البلاد.

وكثّفت واشنطن ضغطها على بغداد لمواجهة الفصائل الموالية لطهران من خلال تعليق شحنات النقد وتجميد تمويل برامج أمنية في العراق.