مبادرات شعبية لاستعادة مكانة البن اليمني وتسويقه عالمياً

في مواجهة الجفاف وظروف المناخ والإهمال الرسمي

مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)
مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)
TT

مبادرات شعبية لاستعادة مكانة البن اليمني وتسويقه عالمياً

مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)
مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)

تواجه سمعة البن اليمني العالمية مختلف الظروف التي تهدد زراعته وانتشاره، مثل: الجفاف، وقسوة الظواهر المناخية، ومنافسة نبتة «القات»، وضعف التسويق، والإهمال الرسمي، وعدم الاهتمام المحلي بصناعة القهوة. وفي مقابل ذلك برزت في السنوات الأخيرة مبادرات شبابية وجهود شعبية لإعادة التركيز على زراعته وتسويقه عالمياً.

وعلى الرغم من أن اليمن هو الأول في اكتشاف وإنتاج وتصدير البن، كما تقول المرويات التاريخية، فإن تقديرات كثيرة تضعه في مراكز متأخرة ضمن قائمة الدول المنتجة والمصدرة، فهو يأتي في المرتبة 42 حسب بيانات حكومية تعود لعدة أعوام، في حين يقع في المرتبة 30 وفق جهات دولية قدرت الإنتاج بأقل من 22 ألف طن سنوياً، من مساحة مزروعة تصل إلى 35 ألف هكتار.

تجفيف حبوب البن في منطقة حراز غرب العاصمة صنعاء (رويترز)

وعلى الرغم من تعدد المبادرات والفعاليات الشبابية لزراعة البن وتصديره وصناعة القهوة؛ فإن هذا النشاط الاقتصادي لا يزال يثير مخاوف المزارعين والمستثمرين اليمنيين، نظراً لعدة اعتبارات وظروف قد تحول دون النجاح فيه، رغم أن أسعار بعض البن اليمني تصل إلى 500 دولار للكيلوغرام الواحد في الأسواق العالمية.

ويقول مدرس الآثار في جامعة تعز، سامي الشهاب، إن عدداً من النقوش اليمنية القديمة ذكرت شجرة البن، وربطتها بأحداث زراعية هي بمثابة مشاريع استراتيجية منذ القرن الثالث الميلادي على الأقل، مرجحاً أن ثمة نقوش أقدم حول ذلك قد تظهر مستقبلاً، رغم أن تحول البن إلى مشروب راج في القرون الوسطى بالتزامن مع النشاط المحموم للبعثات الأوروبية.

وفي السياق نفسه، نظم نادي البن اليمني أخيراً مهرجاناً احتفالياً وندوة علمية حول البن اليمني، في مدينة المخا التابعة لمحافظة تعز (جنوب غرب)، وهي المدينة التي اشتهرت بكونها الميناء الذي انتقل من خلاله البن إلى مختلف دول العالم، محققاً شهرته وشعبيته ابتداءً من العصور الوسطى، مشتقاً له اسماً منها (موكا).

دعوة لتدخل الدولة

يستعرض المهندس الزراعي خيري الأبيض المشكلات والمعوقات التي لها تأثير اقتصادي على محصول البن في اليمن، مثل الاختلافات في توزيع الأمطار على مدار السنة، ووعورة التضاريس التي يزرع فيها، وصغر الحيازات الزراعية التي تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، وغياب الإرشادات الزراعية، وانتشار الأمراض والحشرات ومسبباتها المختلفة.

يعد البن اليافعي (نسبة إلى منطقة يافع التابعة لمحافظة لحج جنوباً) من أجود أنواع البن عالمياً (فيسبوك)

كما يشير الأبيض إلى قلة الدراسات البحثية الاقتصادية والفنية من قبل المختصين، وضعف الترويج لمميزات البن اليمني عالمياً، وغياب الأدوات والمعدات المناسبة الحديثة لما بعد الحصاد للحفاظ على جودة البن، إلى جانب استغلال التجار والكيانات الخاصة للمزارعين بشراء البن بأسعار رخيصة، إلى جانب تأثير الحروب والأزمات التي حدثت في العالم والمنطقة، ومنافسة زراعة نبتة «القات».

ويدعو رئيس مركز الأصول الوراثية في جامعة صنعاء، محمد الأسودي، إلى جمع كل التنوعات الوراثية والطرز من البن من مختلف مناطق اليمن، وحفظها في مدخرات نباتية بمناطق مختلفة للحفاظ عليها، وإيجاد آلية لتشجيع وتمويل الأبحاث والرسائل الجامعية المتعلقة بالبن اليمني، بعد وضع أولويات الأبحاث اللازمة لتطوير المحصول.

ويشدد الأسودي على أهمية تسجيل الأصناف والتنوعات الوراثية لدى الهيئات والمنظمات الدولية، وتشكيل أو إنشاء لجنة أو أي إطار قانوني لمتابعة تسجيل الأصناف لدى الهيئات الدولية؛ لأن الإعداد للتسجيل يحتاج إلى جمع كثير من البيانات والمعلومات والمتابعات لدى الجهات المختلفة، كما أنه يحتاج إلى وقت كافٍ.

وطالب بتدخل الدولة للعمل على حل الإشكاليات القائمة والموجودة بقوة بين المنتجين وصغار المزارعين وبين شركات تصدير البن العاملة في اليمن، لتحديد الأسعار، وإصدار تشريعات للحد من دخول البن المستورد من نوع «روبوستا» منخفض الجودة الذي يخلط مع حبوب البن العربي، ويعاد تصديره إلى الخارج باسم البن اليمني الذي تتأثر مكانته بسبب هذا الغش.

شهدت الأعوام الأخيرة توجهاً لدى قطاع كبير من المزارعين اليمنيين لاقتلاع «القات» واستبدال البن به (رويترز)

واتفق معه في هذا التوجه المختص والباحث الزراعي سعيد الشرجبي الذي يرى أن الجهات الحكومية معنية بوضع حد للأنشطة التي تساهم في مفاقمة التغيرات المناخية، واتباع حزمة إجراءات تخدم عملية النهوض بهذا القطاع، منها ما يتعلق بالبنى التحتية، كربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية، وكذا الطرق الزراعية، لتسهل الحركة بين المناطق وتقليل تكاليف النقل.

جهود رسمية محدودة

تتضمن الإجراءات المنشودة لتحقيق نهضة في زراعة البن، إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية، ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء مشاتل البن بمواصفات فنية، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، وتبني برامج تدريبية مستمرة للمنتجين ووسطاء الإرشاد، وتوفير أدوات الإنتاج، وإعادة تأهيل المدرجات الزراعية، وفقاً للشرجبي.

إلا أن مسؤولاً في وزارة الزراعة اليمنية نبه إلى صعوبة تنفيذ تلك التوصيات التي وردت في الندوة وغيرها من الفعاليات، رغم أن الحكومة اليمنية لديها استراتيجية خاصة في هذا الشأن تعمل عليها الوزارة، إلى جانب عدد من الوزارات والمؤسسات، موضحاً أن التحديات التي تواجه الحكومة تجعل الاهتمام بدعم زراعة البن في مرتبة متدنية.

مزارع في منطقة بني حماد التابعة لمحافظة تعز يبدأ ري شتلات البن التي زرعها (إكس)

المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه، لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أشار إلى أن الصندوق الزراعي التابع للوزارة أنشأ ودعم أكثر من 10 مشاتل خلال العام الجاري لإنتاج شتلات البن اليافعي، المشهود له بأنه الأجود عالمياً، وذلك في سبيل دعم إنتاجه، نظراً للعوائد الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن تتحقق من تصديره.

وأفاد بأن وزارة الزراعة تعمل بالتنسيق مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي على إعداد مشاريع وبرامج للحصول على تمويل دولي للمساعدة في زراعة وإنتاج البن، وتوعية المزارعين بأهميته والتشجيع على مزاولة هذا النشاط الذي يعاني من ركود كبير سببته موجات الجفاف منذ أواخر القرن الماضي.

ونوه إلى أن الوزارة مهتمة بدراسة جودة أصناف البن اليمني المطلوبة حول العالم، والقيام بأبحاث لزيادة جودتها وكميات إنتاجها والظروف الطبيعية والجغرافية والمناخية الملائمة لها، منبهاً إلى أن التحدي الرئيسي يكمن في كيفية إقناع المزارعين اليمنيين بإحلال شجرة البن مكان نبتة «القات» التي شبَّهها بالوباء.

ووفقاً للمسؤول اليمني، تحقق نبتة «القات» بالنسبة للمزارعين أرباحاً سريعة ومباشرة، بينما يحتاج البن إلى فترة طويلة قد تصل إلى سنوات لاكتشاف أفضليته على «القات».


مقالات ذات صلة

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

العالم العربي اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

تصاعدت الانتهاكات الحوثية ضد المعلمين في 4 محافظات يمنية، شملت الاعتقال والاعتداء، وسط تحذيرات حقوقية من تأثيرات خطيرة على مستقبل التعليم واستقراره

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الحوثيون... «حساب المكاسب» يطغى على «وحدة الساحات»

كشف موقف الجماعة الحوثية خلال حرب إيران عن تغليب البراغماتية على الآيديولوجيا، إذ تجنّبت التصعيد الواسع وفضّلت حماية نفوذها الداخلي، رغم خطاب «وحدة الساحات».

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

تكثف الحكومة اليمنية تحركاتها في واشنطن لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، مع التركيز على تمكين السلطات المحلية، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة أزمة المياه الحادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.