الأسواق متذبذبة مع غياب المحفزات

الذهب يسجل أكبر خسارة شهرية منذ يونيو 2021

شعار «غولدمان ساكس» على زي أحد المتداولين في بورصة وول ستريت (رويترز)
شعار «غولدمان ساكس» على زي أحد المتداولين في بورصة وول ستريت (رويترز)
TT

الأسواق متذبذبة مع غياب المحفزات

شعار «غولدمان ساكس» على زي أحد المتداولين في بورصة وول ستريت (رويترز)
شعار «غولدمان ساكس» على زي أحد المتداولين في بورصة وول ستريت (رويترز)

فتحت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت على انخفاض يوم الثلاثاء مع ارتفاع عائدات سندات الخزانة مدفوعة برهانات على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) لأسعار الفائدة.
وهبط مؤشر داو جونز الصناعي 15.62 نقطة أو 0.05 في المائة إلى 32873.47 نقطة، وانخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 5.05 نقطة أو 0.13 في المائة إلى 3977.19 نقطة، كما هبط المؤشر ناسداك المجمع 15.93 نقطة أو 0.14 في المائة إلى 11451.05 نقطة.
واستهلت الأسهم الأوروبية تعاملات يوم الثلاثاء على انخفاض وسط هبوط حاد لسهم ترافيس بيركنز البريطانية لمواد البناء بعد أرباح سنوية مخيبة للآمال، فضلا عن بيانات من فرنسا وإسبانيا أكدت أن كبح التضخم أصعب مما كان متوقعا.
وهبط مؤشر ستوكس 600 الأوروبي 0.4 في المائة بحلول الساعة 08:10 بتوقيت غرينيتش، وأظهرت بيانات أولية أن التضخم ارتفع على أساس سنوي في فرنسا إلى 7.2 في المائة في فبراير (شباط)، مقابل سبعة في المائة في يناير (كانون الثاني)، لأسباب من بينها زيادة أسعار المواد الغذائية.
وفي إسبانيا، أظهرت بيانات أن أسعار المستهلكين ارتفعت 6.1 في المائة على أساس سنوي في فبراير، مقابل 5.9 في المائة في يناير، وهو ما جاء أعلى من المعدل الذي توقعه محللون استطلعت «رويترز» آراءهم عند 5.7 في المائة.
وهوى سهم ترافيس بيركنز 7.6 في المائة بعدما انخفضت الأرباح السنوية لأكبر مورد لمواد البناء في بريطانيا 16 في المائة، في ظل انخفاض عوائد العقارات وتكاليف إعادة الهيكلة.
وكانت الأسواق الأوروبية أغلقت على ارتفاع حاد يوم الاثنين، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن مواصلة رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو لكبح التضخم الذي لم تفلح التدابير في كبحه بعد.
كما تخلى مؤشر نيكي الياباني عن معظم مكاسبه المبكرة ليغلق على ارتفاع طفيف يوم الثلاثاء، إذ أقبل المستثمرون على بيع الأسهم ذات الأداء القوي لمتصيدي الصفقات وسط غياب محفزات واضحة.
واختتم نيكي التعاملات على ارتفاع 0.08 في المائة عند 27445.56 نقطة بعد ارتفاعه 0.6 في المائة، كما صعد المؤشر توبكس الأوسع نطاقا 0.03 في المائة إلى 1993.28 نقطة.
وسجلت الأسهم الأميركية مكاسب طفيفة الليلة الماضية بعد خسائر الأسبوع الماضي التي كانت الأكبر بالنسبة المئوية للمؤشرات الرئيسية في وول ستريت منذ بداية العام، وسط استمرار المخاوف بشأن الرفع التالي لأسعار الفائدة لكبح التضخم.
وقادت أسهم التكنولوجيا مؤشر نيكي للارتفاع، بعدما زاد سهم مجموعة «سوفت بنك» 0.88 في المائة وسهم «أدفانست» لمعدات تصنيع الرقائق 0.46 في المائة. وصعد سهم «إم 3» للخدمات الطبية عبر الإنترنت 2.2 في المائة.
وقفز قطاع العقارات 1.19 في المائة ليصبح الأفضل أداء من بين 33 مؤشرا فرعيا في بورصة طوكيو للأوراق المالية. أما قطاع الشحن فكان الأسوأ أداء بانخفاض 2.74 في المائة.
ومن جانبها، انخفضت أسعار الذهب الثلاثاء متجهة صوب أكبر خسارة شهرية لها منذ يونيو (حزيران) 2021 مع تراجع جاذبية المعدن الذي لا يدر عائدا في ظل توقعات بأن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة قريبا.
وتراجع الذهب في المعاملات الفورية 0.3 في المائة إلى 1811.74 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 07:35 بتوقيت غرينتش، بعد أن سجل أدنى مستوى له في شهرين يوم الاثنين. وانخفضت العقود الآجلة الأميركية للذهب 0.4 في المائة إلى 1817.30 دولار للأوقية.
وينظر إلى الذهب على أنه وسيلة للتحوط من التضخم، لكن رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم يزيد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازته. وفقد المعدن الأصفر نحو ستة في المائة حتى الآن في فبراير، مسجلا تراجعا حادا عما كان عليه في وقت سابق من هذا الشهر عندما سجل أعلى مستوياته منذ أبريل (نيسان) 2022، وتتوقع الأسواق أن يصل سعر الفائدة المستهدف من مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى ذروته عند 5.415 في المائة في سبتمبر (أيلول) المقبل.
وتراجعت الفضة في السوق الفورية 0.2 في المائة إلى 20.58 دولار للأوقية في طريقها لتسجيل أكبر خسارة شهرية منذ سبتمبر 2020، وارتفع البلاتين 0.1 في المائة إلى 939.33 دولار، وزاد البلاديوم 0.2 في المائة إلى 1432.84 دولار للأوقية. ومن المنتظر أن يسجل المعدنان انخفاضاً شهرياً في الأسعار.


مقالات ذات صلة

نشاطات محدودة بالأسواق وترقب لـ«الفيدرالي»

الاقتصاد نشاطات محدودة بالأسواق وترقب لـ«الفيدرالي»

نشاطات محدودة بالأسواق وترقب لـ«الفيدرالي»

وسط تعاملات محدودة نتيجة إجازات عيد العمال في كثير من الدول حول العالم، انخفضت أسعار الذهب يوم الاثنين متأثرة بارتفاع الدولار؛ إذ ينتظر المستثمرون بحذر قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بشأن رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وبحلول الساعة 0531 بتوقيت غرينتش، انخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.5 في المائة إلى 1980.42 دولار للأوقية (الأونصة)، وتراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.5 في المائة إلى 1989.10 دولار. وارتفع مؤشر الدولار 0.2 في المائة؛ مما جعل المعدن الأصفر المقوم بالدولار باهظ التكلفة للمشترين في الخارج.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نتائج الأعمال تدعم الأسواق في ختام أبريل

نتائج الأعمال تدعم الأسواق في ختام أبريل

ارتفعت الأسهم الأوروبية يوم الجمعة لتسير على درب المكاسب التي حققتها وول ستريت الليلة السابقة، مدعومة بنتائج قوية للشركات. وصعد المؤشر ستوكس 600 الأوروبي 0.3 في المائة، لكنه في طريقه لأول انخفاض أسبوعي له في ستة أسابيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أصداء الأزمة المصرفية تزيد قلق أسواق العالم

أصداء الأزمة المصرفية تزيد قلق أسواق العالم

استقر الدولار والين، وكلاهما من أصول الملاذ الآمن، دون تغير يذكر يوم الأربعاء بعد ارتفاعهما الليلة السابقة مع تراجع الإقبال على المخاطرة، نتيجة لتجدد المخاوف حيال القطاع المصرفي والاقتصاد الأميركيين. وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام ست عملات رئيسية منافسة بنسبة 0.01 في المائة إلى 101.80 نقطة، بعدما زاد 0.5 في المائة الليلة السابقة. والمؤشر منخفض 0.76 في المائة هذا الشهر. وتراجعت أسهم بنك «فيرست ريبابليك» نحو 50 في المائة الثلاثاء بعدما أعلن البنك انخفاض ودائعه أكثر من 100 مليار دولار في الربع الأول؛ متأثرا بتراجع الثقة في القطاع المصرفي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قلق الأسواق المالية يزداد مع اقتراب تخلف أميركا عن سداد ديونها

قلق الأسواق المالية يزداد مع اقتراب تخلف أميركا عن سداد ديونها

يزداد شعور الأسواق المالية بالقلق كلما تأخر حسم الخلاقات بين إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن والجمهوريين في الكونغرس، حول رفع سقف الدين الأميركي، مع اقتراب موعد استحقاقات سندات الخزانة الأميركية يوليو (تموز) المقبل، وهو التوقيت الذي قد تتخلف فيه الولايات المتحدة عن سداد ديونها في ظل غياب توافق على إجراء تشريعي واتفاق بين الطرفين. يمارس الجانبان لعبة عض الأصابع انتظاراً لمن يصرخ أولاً ويتنازل، لكن تداعيات هذه اللعبة السياسية تقع على حاملي السندات الذين سيعجزون عن الحصول على أموالهم المستحقة في الوقت المحدد. وقد حذر بنك جيه بي مورغان من مخاطر حقيقية من التخلف عن سداد سندات الخزانة الأميركية.

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد الأسواق العالمية تترقب «مستقبل الفائدة»

الأسواق العالمية تترقب «مستقبل الفائدة»

تراجعت الأسهم الأوروبية الخميس بعد تباين نتائج عدد من الشركات المدرجة في بورصة وول ستريت، بينما كان المستثمرون يترقبون مزيدًا من البيانات الاقتصادية من منطقة اليورو ونتائج الشركات لتقييم قوة المنطقة. وانخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي 0.2 في المائة، وقادت أسهم المرافق وأسهم شركات السيارات المؤشر الرئيسي نحو التراجع بعد انخفاضهما 1.2 و2.1 في المائة على التوالي، لكن أسهم البنوك ارتفعت 1.0 في المائة مما حد من الخسائر. وفي آسيا، ارتفع المؤشر نيكي الياباني يوم الخميس معوضاً خسائره في اليوم السابق، إذ قفزت أسهم شركات التجزئة مدعومة بزيادة الزوار الأجانب، وتعافت أسهم شركات تصنيع أشباه الموصلات بعد انخفاض

«الشرق الأوسط» (لندن)

لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)

حثَّ الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأحد، على معاملة جميع الدول على قدم المساواة، وذلك بعد أن فرض الرئيس الأميركي تعريفةً جمركيةً بنسبة 15 في المائة على الواردات عقب قرار غير مواتٍ من المحكمة العليا.

وقال لولا للصحافيين في نيودلهي: «أريد أن أقول للرئيس الأميركي دونالد ترمب إننا لا نريد حرباً باردة جديدة. لا نريد تدخلاً في شؤون أي دولة أخرى، نريد أن تُعامل جميع الدول على قدم المساواة».

وقد قضت المحكمة العليا، ذات الأغلبية المحافظة، يوم الجمعة، بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، بأن قانوناً صدر عام 1977، استند إليه ترمب لفرض رسوم جمركية مفاجئة على دول بعينها؛ مما أدى إلى اضطراب التجارة العالمية، «لا يُخوّل الرئيس فرض تعريفات جمركية».

وأضاف لولا أنه لا يرغب في التعليق على قرارات المحكمة العليا لدولة أخرى، لكنه أعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات البرازيلية مع الولايات المتحدة إلى طبيعتها» قريباً.

ومن المتوقع أن يسافر الزعيم اليساري المخضرم إلى واشنطن الشهر المقبل للقاء ترمب.

وقال لولا، البالغ من العمر 80 عاماً: «أنا على يقين بأن العلاقات البرازيلية - الأميركية ستعود إلى طبيعتها بعد محادثاتنا»، مضيفاً أن البرازيل لا ترغب إلا في «العيش بسلام، وتوفير فرص العمل، وتحسين حياة شعبنا».

يختلف لولا وترمب، البالغ من العمر 79 عاماً، اختلافاً جذرياً في وجهات النظر حول قضايا مثل التعددية، والتجارة الدولية، ومكافحة تغير المناخ.

ومع ذلك، يبدو أن العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة في طريقها إلى التحسُّن بعد أشهر من التوتر بين واشنطن وبرازيليا.

ونتيجة لذلك، أعفت إدارة ترمب صادرات برازيلية رئيسية من الرسوم الجمركية البالغة 40 في المائة التي فُرضت على الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية العام الماضي.

تقارب

وقال لولا، الذي وصل إلى الهند يوم الأربعاء لحضور قمة حول الذكاء الاصطناعي ولقاء ثنائي مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي: «العالم لا يحتاج إلى مزيد من الاضطرابات، بل يحتاج إلى السلام».

تدهورت العلاقات بين واشنطن وبرازيليا في الأشهر الأخيرة، حيث أثارت غضب ترمب محاكمةُ وإدانةُ حليفه، الرئيس البرازيلي السابق اليميني المتطرف جايير بولسونارو.

وفرض ترمب عقوبات على عدد من كبار المسؤولين، من بينهم قاضٍ في المحكمة العليا، لمعاقبة البرازيل على ما وصفها بـ«حملة اضطهاد» ضد بولسونارو الذي حُكم عليه بالسجن 27 عاماً لدوره في محاولة انقلاب فاشلة بعد خسارته انتخابات عام 2022 أمام لولا.

وقال لولا، بوصفهما أكبر ديمقراطيتين في الأميركتين، إنه يتطلع إلى علاقة إيجابية مع الولايات المتحدة. وأضاف: «نحن رجلان في الثمانين من العمر، لذا لا يمكننا التهاون بالديمقراطية. علينا أن نأخذ هذا الأمر على محمل الجد. علينا أن نتصافح وجهاً لوجه، ونناقش ما هو الأفضل للولايات المتحدة والبرازيل».

كما أشاد لولا بمودي بعد أن اتفقت الهند والبرازيل على تعزيز التعاون في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، ووقَّعتا مجموعةً من الاتفاقات الأخرى يوم السبت. قال: «أكنّ كثيراً من المودة لرئيس الوزراء مودي».


لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن خروج رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، المفاجئ من مأدبة عشاء منتدى دافوس الشهر الماضي مجرد تعبير عن غضب عابر، بل كان رسالةً سياسيةً واضحةً تعكس الضيق الأوروبي من نبرة واشنطن الجديدة، وإعلاناً مبكراً عن ولادة نهج أوروبي جديد لا يقبل التوبيخ ولا ينتظر الإجماع. فبينما كان وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، يشنُّ هجوماً حاداً على سياسات القارة العجوز وطاقتها، قرَّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن «الصمت لم يعد خياراً»، فغادرت القاعة متبوعة بشخصيات قيادية أخرى، في مشهد اختصر حالة «الطلاق النفسي» والتوتر المتصاعد بين ضفتَي الأطلسي.

وفي مقابلة موسَّعة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، حوَّلت لاغارد ذلك الموقف الاحتجاجي إلى عقيدة عمل سياسية؛ مؤكدة أن القارة قد استيقظت بالفعل على وقع ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقرَّرت «المضي قدماً بمَن حضر». ومن خلال تبني استراتيجية «تحالفات الراغبين»، تسعى لاغارد إلى تحرير القرار الأوروبي من قيود التبعية والبيروقراطية، لتعلن رسمياً أن أوروبا الجديدة ستبني مستقبلها بعيداً عن الوصاية، أو انتظار الموافقات الجماعية المعطلة.

ففي إطار سعيها لكسر الجمود الاقتصادي، حثت لاغارد الحكومات الأوروبية على الاعتماد على ما أسمتها «تحالفات الراغبين» لدفع الإصلاحات الاقتصادية المتعثرة منذ زمن طويل. وتتبنى لاغارد رؤيةً جريئةً ترى أن الاتحاد الأوروبي لا يحتاج بالضرورة إلى إجماع الدول الـ27 للمضي قدماً؛ بل يمكن لمجموعات أصغر من الدول أن تقود قاطرة التغيير في ملفات حيوية، مثل توحيد أسواق رأس المال.

واستشهدت رئيسة البنك المركزي بتجربة «منطقة اليورو» التي تضم 21 دولة فقط دليلاً قاطعاً على نجاح التكامل العميق دون الحاجة إلى الإجماع الشامل، قائلة بوضوح: «ليس لدينا الـ27 دولة حول الطاولة، ومع ذلك، فإن النظام يعمل بنجاح». وترى لاغارد أن هذا النموذج هو المَخرج الوحيد لتجاوز «عنق الزجاجة» السياسي في بروكسل.

وفي رسالة شديدة اللهجة وجَّهتها للقادة الأوروبيين هذا الشهر، حدَّدت لاغارد 5 إصلاحات عاجلة تحت عنوان «وقت العمل»، شملت توحيد التنظيمات الشركاتية، وتنسيق الإنفاق على البحث والتطوير، مؤكدة أن تنفيذ نصف هذه الإصلاحات فقط كفيل برفع إمكانات النمو الاقتصادي في أوروبا بشكل مذهل.

إرث التغيير

منذ توليها رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019، خاضت لاغارد معارك داخلية لتغيير ثقافة المؤسسة؛ فكان أول قرار رمزي لها هو استبدال الطاولة البيضاوية لتحل محلها طاولة مستديرة لإلغاء التراتبية بين أعضاء المجلس الـ25. ورغم البدايات الصعبة التي اتسمت ببعض الارتباك في الأسواق، فإنها نجحت في قيادة البنك لخفض التضخم إلى مستويات أدنى من المستهدف البالغ 2 في المائة دون التسبب في أزمات ديون في دول هشة مثل إيطاليا.

وتطمح لاغارد في سنواتها الأخيرة بالمنصب إلى تحويل اليورو إلى «عملة عالمية حقيقية» قادرة على المنافسة بوصفها عملة احتياط دولية، خصوصاً مع ازياد التساؤلات حول دور الدولار في ظل سياسات ترمب. وتؤكد لاغارد أن هذا الأمر «لا يحدث بالخطابات، بل بالعمل الجاد»، مشيرة إلى توسيع مرافق «الريبو» لتشمل البنوك المركزية العالمية، في رسالة ضمان بأن «السيولة باليورو ستكون متاحة دائماً لمَن يتعامل بها».

سيادة رقمية

تعد «السيادة الرقمية» حجر زاوية آخر في إرث لاغارد المرتقب، حيث تدفع بقوة نحو إطلاق «اليورو الرقمي» العام المقبل. والهدف بالنسبة إليها ليس مجرد مواكبة التكنولوجيا، بل تقليل اعتماد أوروبا على الشركات الأميركية الكبرى مثل «فيزا» و«ماستر كارد» في معالجة المعاملات المالية الأوروبية، وضمان استقلالية النظام المالي للقارة.

ومع اقتراب نهاية ولايتها في أبريل (نيسان) 2027، تتردَّد تقارير حول إمكانية استقالتها المبكرة لمنح الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة اختيار خليفتها قبل الانتخابات الفرنسية. ورغم رفضها التعليق المباشر، فإنها أكدت أن «مهمتها لم تنتهِ بعد»، مشيرة إلى رغبتها في تعزيز ما أنجزته ليكون «صلباً وموثوقاً». وبينما تلوح في الأفق خيارات مستقبلية مثل قيادة «منتدى الاقتصاد العالمي»، تظل لاغارد حالياً مركز الثقل الذي يراقب العالم من فرانكفورت، محاولةً حماية «قارتها» من رياح التغيير المقبلة من الغرب.


الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

حددت واشنطن يومي الرابع عشر والخامس عشر من مارس (آذار) المقبل موعداً لانعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي» (IPEM) في العاصمة اليابانية طوكيو.

ويأتي هذا الإعلان، الذي كشفت عنه السفارة الأميركية يوم الأحد، ليمهد الطريق لتعاون استراتيجي واسع بين واشنطن وحلفائها الإقليميين؛ حيث يسعى «المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة» من خلال هذا الحدث إلى بناء جسور جديدة للتعاون في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم.

وتهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال هذه القمة إلى تعزيز أمن الطاقة عبر شراكات موثوقة ومستدامة، تضمن استقرار سلاسل التوريد، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمارات المشتركة، بما يواكب الطموحات الاقتصادية لدول المنطقة، ويؤسس لمستقبل طاقي أكثر أماناً وازدهاراً.

وأوضح بيان صادر عن السفارة الأميركية في طوكيو، أن الشهر المقبل سيشهد وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى طوكيو، يضم أركان «عقيدة الطاقة» في إدارة ترمب؛ حيث يترأس الوفد وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة، دوج بورغوم، ويرافقه وزير الطاقة ونائب رئيس المجلس كريس رايت، بالإضافة إلى مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين.

ومن المقرر أن يعقد هؤلاء المسؤولون لقاءات مكثفة مع ممثلي ما يقرب من 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتركز حول صياغة رؤية مشتركة لأمن الطاقة، تتوافق مع أهداف الأمن القومي الأميركي والحلفاء.

ويُعد هذا المنتدى ثمرة تعاون استراتيجي تشارك في استضافته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) والمجلس الوطني للهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة، وبدعم من وكالة التجارة والتنمية الأميركية، ووزارات «الخارجية» و«التجارة» و«الداخلية».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مؤتمر صحافي في مكتب رئيس الوزراء في طوكيو (أ.ب)

برنامج المنتدى ومساراته الاستراتيجية

وتتمحور أجندة المنتدى حول دمج مفاهيم الأمن القومي بأمن الطاقة، من خلال جدول أعمال مكثف يمتد ليومين، يهدف إلى تحويل الحوارات السياسية إلى مشروعات استثمارية ملموسة.

وتنقسم الأجندة إلى مسارات متوازية تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على بناء سلاسل إمداد مرنة وموثوقة بعيداً عن الاعتماد على القوى المنافسة:

يركز المسار الأول من الأجندة على تأمين سلاسل التوريد وتقنيات الطاقة النظيفة، لضمان استمرارية تدفق موارد الطاقة والتقنيات الحيوية. ويهدف النقاش إلى استكشاف سُبل حماية المسارات البحرية والبرية للإمدادات، مع التركيز على «تقنيات الطاقة الموثوقة» التي تضمن للدول الحليفة استقلالاً ذاتياً، بما في ذلك تطوير الهيدروجين، والطاقة النووية المتقدمة، وتقنيات التقاط الكربون، بوصفها حلولاً تضمن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في آنٍ واحد.

وفي المسار الثاني المتعلق بفتح آفاق الاستثمار وتمويل البنية التحتية، تُخصص الأجندة مساحة واسعة لربط صناديق الاستثمار بمشروعات الطاقة الكبرى. والهدف هو إيجاد آليات تمويل مبتكرة تكسر حواجز المخاطر، ما يُشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس الأموال في مشروعات الربط الكهربائي ومحطات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح المنطقة وجهة جاذبة للاستثمارات الأميركية واليابانية المباشرة.

أما الجلسات المغلقة، فستبحث التعاون الوزاري وتوحيد المعايير السيادية؛ حيث يجتمع الوزراء لصياغة معايير مشتركة لـ«حوكمة الطاقة» تتماشى مع «عقيدة الهيمنة» التي تروج لها واشنطن، بما يضمن منع استخدام الطاقة بوصفها أداة للابتزاز السياسي.

ولا تقتصر الأجندة على الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل «رأس المال البشري». ويركز هذا المحور على برامج التدريب والتعاون التقني لنقل الخبرات من الولايات المتحدة واليابان إلى الدول النامية في المحيطين الهندي والهادي. ويهدف هذا التوجه إلى إيجاد جيل من المهندسين والخبراء القادرين على إدارة منشآت الطاقة الحديثة، ما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى، ويضمن ولاءً تقنياً واقتصادياً للمحور الغربي.

وعلى الرغم من الطابع التعاوني للمنتدى، فإنه ينعقد وسط تحديات جيوسياسية واضحة وتدابير معقدة في سوق الطاقة، لعل أبرزها ملف الغاز الروسي. فمن المتوقع أن يلقي هذا الملف بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد أن كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد أبلغت ترمب في وقت سابق بصعوبة فرض حظر شامل على استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي، نظراً للاحتياجات الطاقية الملحة لليابان، وهو ما يجعل من قمة طوكيو المقبلة منصة حاسمة لمحاولة التوفيق بين متطلبات الهيمنة الأميركية على الطاقة والواقعية الاقتصادية للحلفاء الآسيويين.