جواهر آل سعود لـ«الشرق الأوسط»: الإمارة الصغيرة زلزلت أركان الدولة العثمانية وهددت نفوذ بريطانيا

أكدت أن السعوديين سعوا إلى تكوين إمبراطورية عربية حرة تحت سلطتهم بالتخلص من العثمانيين

وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)
وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)
TT

جواهر آل سعود لـ«الشرق الأوسط»: الإمارة الصغيرة زلزلت أركان الدولة العثمانية وهددت نفوذ بريطانيا

وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)
وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)

أكدت متخصصة سعودية في مجال الأبحاث والدراسات التاريخية أن الوثائق العثمانية والسجلات البريطانية والكتابات المحلية المعاصرة لحقبة تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، كشفت المسمى الحقيقي للدولة الفتية التي شغلت أهدافها القوى العظمى في المنطقة، معتبرة أن مسمى «السعوديين»، لم يكن مستحدثاً أو مرتبطاً بتوحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز عام 1932م، بل إن مسمى السعودية عرفته البلاد منذ 3 قرون بمسميات «الدولة السعودية الحنفية»، و«الطائفة السعودية»، و«السعوديين»، في حين أن الغزاة العثمانيين أطلقوا «الوهابيين والخوارج»، في وصفهم للسعوديين، ونقله بعض المستشرقين والكتاب والمؤرخين بهذين اللفظين ضمن الحرب الإعلامية المبرمجة لتشويه فكرة وهوية وهدف الدولة الفتية، التي بدأت من إمارة صغيرة وسط نجد لتمتد سلطتها إلى العراق وعُمان واليمن والشام، وزلزلت أركان الدولة العثمانية، وتقاطعت مع المصالح البريطانية، وهددت نفوذها حيث تطلعت إلى الهند لضمّها إلى الدولة السعودية، كما مثّلت خطراً في البحر والبر.

خطاب من الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد إلى علي باشا والي بغداد ذكر فيها دخول عدد من الولاة العثمانيين تحت حكمه ومعاهدتهم له. وترجمتها: «وقد تعاهد هذا العام 4 باشوات على أيدي أفرادنا، كانوا قد ذهبوا للحج، وأسلم الشريف وأسلم عبد الله باشا ابن عظم وتعاهد» (الأرشيف العثماني)

وكشفت الباحثة في التاريخ السعودي جواهر بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن قوة الدولة السعودية مكّنتها من بثّ أعلى درجات الرعب والذعر في نفوس الباشوات الأتراك في جميع أنحاء آسيا، بل وصل ذلك إلى نفس سيدهم السلطان في القسطنطينية، كما كشفت أن الحكومة البريطانية لم تتجاهل الوجود السعودي القوي، خاصة بعد وصوله لمناطق نفوذها وإدراكها لمدى التفوق السعودي. لذا كانت التحركات البريطانية في المنطقة تسودها الحيطة والحذر مستخدمة الدبلوماسية في تعاملها مع الإمام سعود بن عبد العزيز، وعدم إثارة غضب السعوديين، وجاءت الخطابات والمراسلات المتبادلة بين المقيم البريطاني في بوشهر إلى الإمام سعود حاملة أعلى درجات الود والصداقة، لكنها صدمت الحكومة البريطانية بردّ الإمام سعود على خطاب المقيم البريطاني بشأن تحريك أسطولها نحو الخليج، في محاولة لوقف النشاط البحري لأتباع الإمام، معتبرة أنه في حالة رغبة الإمام سعود في استمرار الصداقة والود فإن ذلك مرهون بمنع أتباعه في الخليج من القيام بأعمال بحرية، حيث شدد الإمام سعود على أن ما حدث كان رداً على ما بدر من الحكومة البريطانية، منهياً خطابة بصورة غير متوقعة عكست مدى قوته، إذ طلب من المقيم البريطاني في بوشهر ألا يعتريه الابتهاج بحرق أعداد صغيرة من السفن الخاصة لأتباعه، فهي ليست ذات قيمة له أو لملاكها من رعاياه، محذراً من التدخل بينه وبين أتباع ملته، ومبدياً عدم وجود نوايا للقيام بأعمال ضد بريطانيا في حال لم تتعاون مع أعدائه أو تدخل في حرب ضده.
ولفتت الباحثة جواهر آل سعود من خلال الوثائق والسجلات البريطانية والعثمانية التي تملكها إلى أن سلطان آل عثمان أيقن انقلاب موازين القوى، بعد أن أصبحت القوة بيد السعوديين، وأدركت الدولة العثمانية ومستشاروها وولاتها أن الإمام سعود لن يتوقف حتى يتم تخليص الدول العربية تباعاً من الحكم العثماني، وإدخالها تحت سلطته، بهدف تكوين إمبراطورية عربية حرة، ما دفع السلاطين العثمانيين للقضاء على الدرعية وتدميرها، وكان هذا الأمر هاجساً لهم عدة أعوام. وجاء الحوار كما يلي:

> كباحثة متخصصة في التاريخ السعودي والوثائق التاريخية، هل مسمى السعوديين مستحدث ومرتبط فقط بتوحيد المملكة العربية السعودية؟
- «السعوديون» تلك الهوية التي نفتخر بها جميعاً. لم يكن هذا المسمى مستحدثاً ومرتبطاً بتوحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز عام 1351هـ - 1932م، بل استُخدم منذ عهد الدولة السعودية في دورها الأول، وقد وردت هذه التسمية بعد نجاح المؤسس الإمام محمد بن سعود في تأسيس الدولة عام 1139ه - 1727م ومن خَلَفَه من أئمة البيت السعودي الذين نجحوا في فرض الأمن ونقل أبناء الوطن من عهد الفوضى والاحتراب والتنافس، والتطلع إلى ما هو أبعد من ذلك، وقد ظهرت الرابطة الوثيقة بين أئمة البيت السعودي وأبناء شعبهم، فجاءت هذه التسمية «السعوديون» انعكاساً للُّحمة الوطنية، فأصبحت رمزاً لهذا الوطن وأبنائه منذ 300 عام، لتحل محل الهوية المرتبطة بالمكان الجغرافي.
أكدت وثائق الأرشيف العثماني سعي الدولة العثمانية لحرب الدولة السعودية، بعدما أصبح خطرها تهديداً لاستمرار وجودها كإمبراطورية عثمانية. ولم يقتصر رد فعل سلاطين آل عثمان على الحملات العسكرية المتتالية، التي عكست ثقلها السياسي والعسكري والمادي، بل شنّت حرباً إعلامية مبرمجة لتشويه فكرة وهدف تلك الدولة الفتية التي انبعثت من وسط نجد على يد الأئمة السعوديين في الدور الأول، خوفاً من وصول تأثيرها على العالم العربي والإسلامي، خاصة في ولاياتها العربية، بعد إدراكها أن هدفهم إنشاء إمبراطورية تفرض وجودها كقوى عظمى في المنطقة، فألصقت بهم التهم وأطلقت عليهم الشائعات، ومنها نعتهم بالخوارج والوهابيين، وقد أكدت ذلك الوثائق البريطانية التي أشارت إلى أنه «تم نعتهم بالوهابيين من قبل العثمانيين، في حين أنه لو سُئل أحد أتباع الإمام السعودي هل أنت وهابي؟ فلن يدرك ماذا تعني هذه الكلمة».
وقد جانب الصواب المستشرقين والكُتّاب والمؤرخين، سواء العرب أو الغربيون، حين اكتفوا بالنقل عن الغزاة العثمانيين لفظ الوهابيين واستخدموه في وصفهم للسعوديين في كتاباتهم ومؤلفاتهم، ولم يبذلوا الجهد الكافي في البحث والتقصي، في حين أن الوثائق المحلية المعاصرة لتلك الحقبة كشفت الستار عن المسمى الحقيقي لهذه الدولة الفتية التي شغلت أهدافها القوى العظمى في المنطقة.
وقد أطلق عليها المؤرخ حمد بن لعبون، المتوفي بعد عام 1257هـ - 1842م، في مؤلفه (نسب آل سعود): «الدولة السعودية الحنفية». أي أنه نسب الدولة إلى الأسرة السعودية من بني حنيفة. كما ذكرت بعض الكتابات المحلية المعاصرة للعهد السعودي الأول مسمى «الطائفة السعودية»، أو مسمى «السعوديين»، وغيرها الكثير. وبهذا يكون من الخطأ ربط مسمى السعودي أو السعوديين بعام 1351هـ - 1932م، فنحن سعوديون منذ 300 عام.
«ولذلك إن سألت اليوم واحداً من أتباع ابن سعود عن كونه وهابياً فلن يفهم، حيث وفقاً لطريقة تفكيره، يعتبر نفسه مسلماً». الأرشيف البريطاني.
«وبعد وفاته (أي الإمام سعود بن عبد العزيز) هاجم المصريون أبناءه، وبعد أن كسروا شوكة العائلة نعتوهم بالوهابيين». الأرشيف البريطاني.

وثيقة من الأرشيف العثماني تؤكد قوة الدولة السعودية الأولى وأن الحملة عليهم خارج الجهد البشري، وترجمتها: «ولكن الوصول بالحملة عليهم من هذه المنطقة (العراق) خارج الجهد البشري وطاقتهم»

- قوة عربية لطرد الغازي العثماني
> هل من إيضاح ورصد موثّق للخطر الذي مثّلته الدولة السعودية على الممالك والإمبراطوريات وأقطاب المرحلة، الأمر الذي دفع الدولة العثمانية للتحرك للقضاء عليها؟
- لم يتبادر في ذهن سلطان آل عثمان الهدف الحقيقي الذي يسعى له الأئمة السعوديون، لهذا حاول جاهداً في بداية نشاطهم العسكري نتيجة ما يتعرض له السعوديون من هجمات بتحريض والي بغداد وأشراف مكة أن ينصح ولاته باستقطابهم ووضعهم تحت مظلته، غير مدرك أنه يتعامل مع قوة عربية حرة تهدف إلى توحيد عرب شبه الجزيرة وتخليص المنطقة من المستعمر الأجنبي وإنشاء كيان موحد يتطلع للأمن والاستقرار والتقدم.
كشفت الوثائق العثمانية أن تولي الإمام عبد العزيز بن محمد سدة الحكم عام (1179ه- 1765م) كان نقطة تحول جذري في السياسة الخارجية للدولة السعودية الأولى، فكانت جيوشه تتحرك في جميع الاتجاهات في ذات الوقت، متجهة غرباً نحو الحرمين الشريفين، وشرقاً باتجاه الخليج العربي والولايات العثمانية في العراق، وشمالاً باتجاه الشام، وجنوباً نحو اليمن وعمان، ما عكس ما وصلت إليه قوته العسكرية. وعزز نشاط ابنه البكر الأمير سعود، الذي استطاع بسط رقعة الدولة، حتى نجح في تغيير موازين القوى في المنطقة تحت توجيهات والده. وتزامن ذلك مع تواتر الرسائل من الولايات العربية العثمانية للسلطان العثماني حول الخطر المقبل من وسط نجد، وتهافت القبائل والمدن والقرى بسرعة غير مسبوقة للدخول تحت سلطة الإمام السعودي، ما أدى إلى فقدان الدولة العثمانية تأييد جميع القبائل والأمصار، حيث أكدت الوثائق العثمانية أن الإمام السعودي قد امتدت سلطته من بغداد حتى مسقط، ومن اليمن حتى الشام وحلب. وبذلك تكون الدولة العثمانية قد واجهت تحدياً حقيقياً هزّ مكانتها الإسلامية والدولية، خاصة بعد قضاء السعوديين على النفوذ العثماني في الحرمين الشريفين، وطرد الأمير السعودي للموظفين العثمانيين، ومنع الدعاء للسلطان وحرمانه أخيراً من أغلى لقب على قلبه، وهو خادم الحرمين الشريفين، ومنع قدوم المحمل.
عندها أدرك السلطان العثماني أن الأمر أكبر من إمارة صغيرة منعزلة وسط صحراء الجزيرة العربية، وأن ما وصله من تحذيرات لا تدخل في التهويل والمبالغات، بل هي الحقيقة المرّة التي وجب عليه التعامل معها. وقد ألقت تلك التطورات بظلالها على جميع أركان الدولة العثمانية، حتى ولاتها قد تأثروا بتلك التطورات غير المسبوقة، وقد أكد ذلك خطاب الإمام سعود لعلي باشا والي بغداد حيث ذكر دخول عدد من الولاة العثمانيين تحت حكمه، وهذا ما أكدته التقارير العثمانية، ما أثار الرعب في جميع أنحاء الدولة.

- فشل عثماني في مواجهة السعوديين
> ما موقف السلطان العثماني من تلك التطورات التي أحدثتها الدولة الصاعدة؟
- أدرك السلطان العثماني فشل ولاة بغداد في مواجهة قوة الإمام السعودي الضاربة، ورغم ذلك استمر السلطان في الإلحاح عليهم بضرورة التحرك للقضاء على الدرعية بأي ثمن وبأي طريقة، إلا أن ردود ولاته حملت له خيبة الأمل لما حوته من أعذار وتسويف ومماطلة، في محاولة للنجاة بأنفسهم من ملاقاة السعوديين وإمامهم القوي الذي سيطر على معظم أنحاء الجزيرة العربية، حيث خطره ليس في اليابسة فقط، بل قائم في البر والبحر على السواء. وقد ذكر والي بغداد في أحد خطاباته «أن الوصول بالحملة على السعوديين من العراق خارج الجهد البشري وطاقته».
أما ولاة الشام الذين لجأ لهم السلطان العثماني فلم يكونوا أفضل حالاً من ولاة بغداد، فبعد المماطلة والتسويف واجهوا السلطان بالحقيقة التي لم يكن ينتظرها، فليست لهم قدرة على مواجهة الإمام السعودي، ما دفعه لعزل عدد من الولاة نتيجة تهربهم من تحقيق أمنيته بالقضاء على القوة السعودية الصاعدة. ومنهم يوسف باشا، أحمد جزار باشا، صالح بك، عبد الله باشا العظم، يوسف باشا كنج.
ووضّحت الوثائق العثمانية ما كتبه السلطان العثماني بخط يده تعليقاً على أحد الخطابات التي وردته من الشريف غالب، شريف مكة المكرمة، عام 1218ه - 1803م، الذي دلّ على مدى الرعب الذي أصاب السلطان، حيث كتب: «معاذ الله لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله».
كما أكدت كلمات السلطان سليم الثالث، التي يبث فيها غضبه وحزنه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين الشريفين وعدم انصياع ولاته لأوامره، قائلاً: «كتبت كثيراً العام الماضي عن مصلحة الحرمين، ونبهت شفوياً أيضاً، ولم يحدث حتى الآن أن وجدت وسيلة لذلك. ولم ترد إلينا أخبار منذ شهرين. إنني لا أذوق طعم النوم، والله أعلم. لا ينبغي البكاء رغم كل هذا الحزن، ألا ينبغي الإقدام في هذا السبيل وبذل الغيرة. ماذا نصنع؟ لقد كُتبت لنا تقارير تفيد أن الأمر جد عظيم، ولكن مضت أشهر، ولم نتلق أي خبر، وحسبنا الله ونعم الوكيل». وأيّدت ذلك السجلات البريطانية، التي ذكرت في وصفها للسعوديين: «إن حكومة هذه الدولة الفريدة من نوعها، التي بعد أن كانت ضعيفة وهزيلة، وصلت في وقت من الأوقات لدرجة من القوة مكّنتها من بثّ أعلى درجات الرعب والذعر في نفوس الباشوات الأتراك في جميع أنحاء آسيا، بالإضافة إلى بثّ الرعب في نفس السلطان في القسطنطينية».
عندها أيقن سلطان آل عثمان انقلاب موازين القوى، فالقوة الآن بيد السعوديين. وفي الحقيقة كانت الدولة العثمانية ومستشاروها وولاتها، وعلى رأس كل ذلك السلطان العثماني، يدركون أن الإمام السعودي لن يتوقف حتى يخلّص الدول العربية تباعاً من الحكم العثماني وإدخالها تحت سلطته بهدف تكوين إمبراطورية عربية حرة. لهذا سعى السلطان العثماني للقضاء على الدرعية التي لم يكن سقوطها بالأمر السهل أو الهين على سلاطين آل عثمان، فقد أمضوا أعواماً كثيرة يراودهم ذلك الهاجس.

وثيقة بريطانية تؤكد قوة الدولة السعودية وإثارتها الرعب في نفوس العثمانيين والباشوات الأتراك. جاء فيها: «وحكومة هذه الطائفة الفريدة من نوعها، التي بعد أن كانت ضعيفة وهزيلة، وصلت

- المقاومة السعودية في كل مكان
> ما أبرز محطات المقاومة السعودية للقوات العثمانية؟
- لا توجد محطات للمقاومة، فمنذ أن وطئت أقدام القوات العثمانية شواطئ الجزيرة العربية، وهم يواجهون مقاومة لا تنقطع، فكل خطوة هي محطة مقاومة، ومن الصعب اختزالها هنا، فالمقاومة تتحرك بتقدم القوات العثمانية. أما المعارك الطاحنة فكانت المدن السعودية التي استعصت على العثمانيين خير مثال لها. وقد عانت القوات العثمانية أثناء مواجهتها للقوات السعودية في المعارك من شراسة مقاومة المقاتلين السعوديين في جميع الحاميات السعودية، بعد أن كشفوا عن فنون القتال التي يتقنونها وأظهروا مهارات أكثر مما أبداه الجنود العثمانيون، وشجاعة أذهلت القادة العثمانيين الذين لم يستطيعوا تجاهلها أثناء كتابة تقاريرهم. ورغم ما رافق الحملة من خبراء أجانب عسكريين ومهندسين وأطباء وصيادلة، وتدفق الدعم العسكري المستمر من الولايات العثمانية، سواء الجنود والعتاد والتموين، بالإضافة إلى من انضم إليهم من بعض قبائل الجزيرة العربية، فإن شجاعة المقاتلين السعوديين جعلت فكرة الانتصار عليهم ليست بالأمر السهل أو اليسير، ما دفع بعض القادة العثمانيين إلى إطلاق النار على الجنود العثمانيين الفارين من مواجهة القوات السعودية، ولم تقتصر خسائر العثمانيين الفادحة على الأرواح فقط، بل كلفت خزينة الدولة أموالاً يصعب حصرها، ما أدى إلى شغور خزائن الدولة، ودفعهم إلى الاستدانة من الولايات الأخرى.

- الوجود السعودي وصل إلى مناطق نفوذ بريطانيا
> في ظل تنامي القوة السعودية، كيف تعاملت بريطانيا مع الخطر السعودي الذي يهدد مناطق نفوذها؟
- لم تتجاهل الحكومة البريطانية الوجود السعودي، خاصة بعد وصوله إلى مناطق نفوذها، فكان أول إجراء اتخذته هو بثّ عيونها في الدرعية وجميع المناطق السعودية عن طريق وكلائها لرصد التحركات السعودية. وبداية، قدّمت الدعم العسكري لحلفائها في مناطق نفوذها، ولكنها أدركت مدى التفوق السعودي، لذلك جنحت لرفض تبني فكرة محاربة السعوديين بشكل مباشر، وأوصت حلفاءها أن يقبلوا بالنفوذ السعودي طالما كان في حدود حفظ الأمن وماء الوجه لهم، وعدم إقحام بريطانيا أو الاعتماد على مساعدتها لمواجهتهم، لأنها لن تدخل في مواجهة مباشرة مع السعوديين.
فالحكومة البريطانية كانت أكثر دهاء من إقحام قواتها في صراع مباشر ضد الإمام السعودي، وذلك لإدراكها مدى القوة التي وصل إليها، لهذا كانت التحركات البريطانية تسودها الحيطة والحذر، مستخدمة الدبلوماسية في تعاملها مع الإمام السعودي. وقد أكدت الوثائق البريطانية مخاوفها من الخطر الحقيقي على مصالحها في الهند، لهذا اضطرت لضرب أتباعه في الخليج.
وقد أكد ذلك الخطاب المرسل من المقيم البريطاني في بوشهر إلى الإمام سعود بن عبد العزيز، الذي كشف عن مدى حرص بريطانيا على عدم إثارة غضب الإمام السعودي، فقد حوى الخطاب عبارات الود والصداقة، محاولاً تبرير السبب الذي دفع الحكومة البريطانية لتحريك أسطولها نحو الخليج بمحاولة وقف النشاط البحري لأتباعه، وأنه في حال رغبة الإمام سعود في استمرار الصداقة لا بد من منع أتباعه في الخليج من القيام بأي أعمال بحرية.
وقد صُدمت الحكومة البريطانية بردّ الإمام سعود بن عبد العزيز على خطاب المقيم البريطاني في بوشهر، الذي أشار إلى أن ما حدث كان رداً على ما بدر من الحكومة البريطانية، وأنهى الإمام سعود خطابه بصورة غير متوقعة عكست مدى قوته، إذ طلب من المقيم البريطاني في بوشهر ألا يعتريه الابتهاج بحرق تلك الأعداد الصغيرة من السفن الخاصة بأتباعه، فإنها ليست ذات قيمة له أو لملاكها من رعاياه، وألا يتدخلوا بينه وبين أتباع ملته، وأنه ليست لديه نوايا للقيام بأي أعمال ضد بريطانيا في حال أنها لم تتعاون مع أعدائه أو تدخل في حرب ضده.

- موسوعة عن التاريخ السعودي بأدواره الثلاثة
> ما سبب توجهك إلى مجال الدراسات الوثائقية؟ وما أهم المنجزات في رحلتك الطويلة مع الأبحاث والدراسات التاريخية الموثقة؟
- المتخصصون في مجال الأبحاث والدراسات التاريخية يدركون أهمية الوثائق، التي هي عبارة عن مراسلات رسمية وتقارير ومذكرات وقرارات واستراتيجيات وخطط سياسية ومعلومات استخباراتية، والتي تعد أهم مصدر للتاريخ، ولا يمكن بحال من الأحوال الاستغناء عنها، ولتقديم دراسة جادة لا بد من الاعتماد على الوثائق، وبالتالي المسألة ليست مسألة جمع، بل مسألة بحث عن المعلومات، وهي عملية شاقة تتطلب الصبر والمثابرة، لأن الباحث يواجه كماً هائلاً من الوثائق المحفوظة في السجلات التي يستغرق الاطلاع عليها ثم استخراجها وترجمتها وقتاً طويلاً.
أما بشأن الموضوعات التي أعمل عليها فجميعها متعلقة بالتاريخ السعودي بأدواره الثلاثة، وهي محاولة متواضعة لتقديم دراسة وثائقية من 8 مجلدات ستكشف بين طياتها عن معلومات غير مسبوقة وشيقة ومثيرة للدهشة أحياناً، اعتمدت فيها على آلاف الوثائق العربية والعثمانية والبريطانية والفرنسية، وسوف يتم إصدارها على مراحل.


مقالات ذات صلة

أمير منطقة الرياض يتوج الفائزين بـ«كأسي المؤسس»

الرياضة أمير منطقة الرياض يتوج الفائزين بـ«كأسي المؤسس»

أمير منطقة الرياض يتوج الفائزين بـ«كأسي المؤسس»

توج الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض بطلي الشوطين الرئيسيين في كأس المؤسس، التي نظمها نادي سباقات الخيل في ميدان الملك عبد العزيز. وحقق «عسفان الخالدية» ابن «ليث الخالدية» المملوك لأبناء الأمير خالد بن سلطان بن عبد العزيز لقب الشوط العاشر للخيل العربية، وحقق جائزة الخمسة ملايين ريال، وبلغت مسافة هذا الشوط 1600 متر، ونجح الجواد في وصول خط النهاية خلال 1:46 دقيقة، وذلك تحت قيادة المدرب سعد مطلق والخيال عبد الله العوفي.

فهد العيسى (الرياض)
السعودية تحتفي بعلمها الذي ظل شامخاً عالياً خفاقاً على مدى 3 قرون

السعودية تحتفي بعلمها الذي ظل شامخاً عالياً خفاقاً على مدى 3 قرون

احتفت المملكة العربية السعودية في جميع مناطقها، يوم أمس (السبت)، بـ«يوم العلم»، الذي يصادف 11 مارس (آذار)، والذي أقره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ليكون ذكرى سنوية خاصة بهذه المناسبة، حين أصدر في مطلع الشهر الحالي، أمراً ملكياً ليكون هذا التاريخ يوماً خاصاً بالعلم. وجاء في سياق الأمر الملكي: «وحيث إن يوم 27 من ذي الحجة 1355هـ الموافق 11 مارس 1937م، هو اليوم الذي أقر فيه الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه ـ العلم بشكله الذي نراه اليوم يرفرف بدلالاته العظيمة التي تشير إلى التوحيد والعدل والقوة والنماء والرخاء، أمرنا بما هو آتٍ: أولاً: يكون يوم (11 مارس) من كل عام يوماً خاصاً بال

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سارية العلم في جدة تزيح طاجيكستان من «غينيس» وتحتل المركز الثاني

سارية العلم في جدة تزيح طاجيكستان من «غينيس» وتحتل المركز الثاني

من أفضل المشاهد التي يمكن أن تراها من نافذة الطائرة، وأنت قادم إلى جدة، «سارية العلم»، التي تحمل راية التوحيد، والتي رُفعت على السارية لأول مرة في اليوم الوطني السعودي في 23 سبتمبر (أيلول) 2014، وتُرفرف على ارتفاع 171 متراً، حيث تغطي النباتات مساحة 9 آلاف متر مربع من حولها، ويحيط بها 13 ضوءاً يمثل عددها مناطق المملكة الـ13. وبتثبيت العلم السعودي ورفعه عليها، كُسر الرقم القياسي في موسوعة «غينيس» لطاجيكستان البالغ 165 متراً، بفارق 6 أمتار، لتصبح بهذا المشروع ثاني أكبر سارية علم في العالم بعد سارية العاصمة الإدارية الموجودة في مصر.

أسماء الغابري (جدة)
«معرض العلم» السعودي يحاكي سيرته وتطوراته عبر 4 مراحل تاريخية

«معرض العلم» السعودي يحاكي سيرته وتطوراته عبر 4 مراحل تاريخية

استذكاراً ليوم 11 مارس (آذار)، يحتفل السعوديون للمرة الأولى بيوم العلم، وبقيمته الوطنية والتاريخية الممتدة منذ 3 قرون. وأعاد يوم العلم السعودي، الذي صدر بأمر ملكي، صلة السعوديين برمز الوحدة والسيادة الوطنية، وفتح نوافذ إلى التاريخ الشاهد على مراحل تطوره، متزامناً مع حقب مفصلية من تاريخ البلاد وهي تواجه شروط الاستدامة واستحقاقات التنمية. وفي ساحة العدل، المقابلة لجامع الإمام تركي بن عبد الله المعروف في منطقة قصر الحكم، ومن قصر المصمك التي تمثل الرياض القديمة، ومنطلق نهضة السعودية المعاصرة، نظمت وزارة الثقافة السعودية فعاليات فنية وثقافية وإثرائية تُرسي الارتباط الوثيق بين المواطن وبين العَلَم،

محمد هلال (الرياض)
«الدرعية» تستعيد أقدم أسواقها التاريخية وتحتفي بتراثها الثقافي

«الدرعية» تستعيد أقدم أسواقها التاريخية وتحتفي بتراثها الثقافي

بالتزامن مع يوم العلم الوطني السعودي، الذي تحتفل به السعودية لأول مرة تعزيزاً لقيمته التاريخية والوطنية، تستعيد الدرعية مهد الدولة السعودية الأولى، إحدى أعرق أسواقها التاريخية، حيث أحيت دوي حركتها التجارية وعبقها العلمي، إذ كانت محلاً لتبادل البضائع والتعليم في آن معاً. وتقع «سوق الموسم» التاريخية في الدرعية على ضفاف وادي حنيفة، واشتهرت بكثرة الحوانيت فيها، حيث يجتمع الناس لتبادل البضائع، والبيع والشراء، وتلبية احتياجاتهم المعيشية. السوق التي تتخذ موقعاً استراتيجياً، بتوسطها بين أهم أحياء منطقة الدرعية (الطريف والبجيري) على طرفي وادي حنيفة، كانت حوانيتها مبنيّة من القصب وسعف النخل، وكانت زاخرة

عمر البدوي (الرياض)

محمد بن سلمان يستقبل زيلينسكي في جدة

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جدة الجمعة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جدة الجمعة (واس)
TT

محمد بن سلمان يستقبل زيلينسكي في جدة

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جدة الجمعة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جدة الجمعة (واس)

التقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، الجمعة، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

كان الرئيس زيلينسكي وصل إلى جدة في وقت سابق، الجمعة؛ حيث استقبله بمطار الملك عبد العزيز الدولي الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، وصالح التركي أمين محافظة جدة وسفيرا البلدين، وعدد من المسؤولين.

من جانب آخر، تلقَّى الأمير محمد بن سلمان رسالةً خطيةً من أندريه بابيش، رئيس وزراء التشيك، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين. تسلّم الرسالة الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال استقباله في جدة، بيتر ماتسينكا، نائب رئيس الوزراء وزير خارجية التشيك.


سفير لبنان بالرياض: السعودية لعبت الدور الأساسي في وقف إطلاق النار

سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)
سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)
TT

سفير لبنان بالرياض: السعودية لعبت الدور الأساسي في وقف إطلاق النار

سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)
سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)

أكد سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح، أن اتصال الرئيس اللبناني جوزيف عون بولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، الثلاثاء، إلى جانب بيان رئيس الحكومة نواف سلام، جاءا تتويجاً للجهود السعودية التي ساهمت بالاستفادة من دور المملكة ووزنها الإقليمي والدولي في أن يكون لبنان مشمولاً ضمن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، مضيفاً أن ولي العهد السعودي أكد وقوف المملكة إلى جانب لبنان لبسط سيادته، ودعم مساعيه للحفاظ على مقدراته وسلامة ووحدة أراضيه.

الأمير محمد بن سلمان لدى استقباله الرئيس جوزيف عون بقصر اليمامة في الرياض العام الماضي (واس)

السفير قرانوح الذي باشر مهامه في السعودية قبل أقل من 6 أشهر، بعدما كان مستشاراً دبلوماسيّاً لرئيس مجلس الوزراء، قال لـ«الشرق الأوسط» في حديث هاتفي موسّع، إن الأيام الماضية خلال الحرب كانت صعبة على لبنان والمنطقة مع تسجيل عدد كبير من الضحايا والتدمير، وعرّج على موقف بلاده الذي يدين بشكل قاطع الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، مشدّداً على حاجة بلاده لكافة الأصدقاء، وعلى رأسهم السعودية؛ لما تمثّله من وزن إقليمي ودولي، على حد وصفه، ولافتاً إلى أن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار يعد في حد ذاته إنجازاً؛ نظراً لتعقيدات الأوضاع في المنطقة وتعقيدات الوضع اللبناني.

مفاوضات لبنانية - إسرائيلية برعاية أميركية الخميس

ولفت قرانوح إلى جولة مفاوضات منتظرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة، الخميس، وأضاف أن الأجواء تشير إلى إمكانية تمديد وقف إطلاق النار، وكشف أن الموقف اللبناني «يطمح لتحرير أرضه وحفظ حقوقه، والوصول للأمن والاستقرار بشكل مستدام»، معرباً عن أن هذه المفاوضات هي الأمل الوحيد للبنان؛ نظراً للوضع الصعب والحرب التي أُقحم فيها وهو لا يريدها ولا يريدها أبناؤه، في حين يدفع الثمن غالياً، وتابع أن بلاده تأمل أن تفتح المرحلة القادمة من خلال عودة الأمن والاستقرار إلى إكمال المسار الذي بدأه لبنان قبل الحرب، الطريق لإعادة بناء الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها.

السفير اللبناني بحث مع وكيل الخارجية السعودي الثلاثاء الموضوعات ذات الاهتمام المشترك (واس)

وحول ما أُشيع من زيارات لسياسيين لبنانيين إلى السعودية مؤخراً، أكد السفير اللبناني أن المملكة لديها علاقات مع كافة الأطراف في لبنان، وتدعو للوحدة والأمن والاستقرار في لبنان، والحفاظ على السلم الأهلي، كما أنجزت سابقاً «اتفاق الطائف» ومرحلة إعادة الإعمار التي تلت الاتفاق، وأوضح أن هذه الزيارات جاءت في هذا الإطار. وبيّن أن ذلك انعكس حتى في الوضع الداخلي من خلال تخفيف حدة الخطابات وتهدئة الأوضاع الداخلية خلال الفترة الماضية، لمصلحة الخطاب الجامع والوحدة الوطنية، الأمر الذي انعكس على الوضع الداخلي للبنان الذي يأتي السلم الأهلي ووقف إطلاق النار في قمة أولوياته.

جدّية في معالجة الملفات التي أثّرت على العلاقات مع الخليج

السفير اللبناني أكّد أن هناك جدية حقيقية اليوم في التعامل مع الملفات التي أثرت على علاقات لبنان مع الدول العربية والخليجية، لرفع الحظر عن استيراد الصادرات اللبنانية، وإعادة ترميم الثقة، موضّحاً أن الجانب اللبناني عقد العديد من الاجتماعات مع موفدين عرب، واستمع إلى هواجسهم، ويعمل من جانبه على معالجة الكثير من هذه الهواجس، مضيفاً أن هناك تقدماً كبيراً في هذا الاتجاه، وأنه تمت معالجة عدد كبير منها، واستدرك أن هناك مسار حوار وتعاون مع السعودية في هذا الإطار، منوّهاً بأن الهاجس الأمني يؤرّق الجميع في هذه المرحلة.

قرانوح قال إن عودة الأمن والاستقرار هي شرط لعودة الخليجيين إلى لبنان، وأعاد التأكيد على جدّية الحكومة الحالية في تأمين ذلك، خاصةً منذ بداية العهد الحالي برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، مبرهناً بالتعاون في مكافحة المخدرات، وضبط المعابر والمطارات، وأوضح أن الحرب التي اندلعت جمّدت تلك الجهود اللبنانية، وأصبحت الأولوية هي الحفاظ على حياة الناس.

الرئيس اللبناني والأمير يزيد بن فرحان في اجتماع سابق بحضور عدد من السفراء والمبعوثين الدوليين مطلع العام الحالي (الرئاسة اللبنانية)

وقال السفير إن هناك مسؤولية مطلوبة من الجيش اللبناني لبسط سلطته على كامل أراضي البلاد، معرباً عن تطلّع لبنان لدعم السعودية ودول الخليج، ليؤدي الجيش المهام الكبيرة على عاتقه، إلى جانب دعم إعادة الإعمار والاستقرار والازدهار للاقتصاد اللبناني، وقائلاً إن دول الخليج بمنزلة الروح للبنان، وإن «عودة الخليجيين إلى لبنان هي بمنزلة عودة الروح للبنان واقتصاده».

تسهيلات سعودية لـ1500 لبناني عالق في دول الخليج

وختم السفير اللبناني حديثه بتقديم الشكر على تعاون وزارة الخارجية السعودية مع السفارة اللبنانية لدى السعودية والسفارات اللبنانية لدى دول الخليج، بتسهيل دخول أكثر من 1500 من اللبنانيين العالقين في دول الخليج خلال الحرب وإغلاق معظم المطارات والرحلات في المنطقة، عبر تأمين تأشيرات عبور لهم وتسهيل عودتهم إلى بلادهم أو خروجهم إلى المملكة ووجهات أخرى.

وحول الندوة التي عقدها مجلس التعاون الخليجي، الثلاثاء، بحضور أمين عام المجلس وعدد من السفراء والخبراء، أكد قرانوح أن الندوة في حد ذاتها هي رسالة اهتمام بلبنان وتأكيد على الدعم، موضحاً أن جاسم البديوي أمين عام المجلس أكد وقوف دول المجلس إلى جانب لبنان، وتطبيق القرارات الدولية، وحصر السلاح بيد الدولة، وبسط سيادتها على كامل أراضيها، ومشدّداً على أن هذا الموقف يتوافق مع المطالب اللبنانية، ومع «اتفاق الطائف»، خاصةً موضوع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، إلى جانب أنه أساس خطاب قسم رئيس الجمهورية، وهو أساسي في البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، على حد تعبيره.

وزير الخارجية السعودي يتحدث بحضور الرئيس اللبناني بقصر بعبدا في يناير 2025 (رويترز)

وأعرب عن أمله في أن تفضي جهود الجانبين إلى عودة الأمن والاستقرار للبنان والمنطقة، وأن يؤدي ذلك إلى عودة الاستثمارات وزيارات السياح الخليجيين إلى لبنان.

سلسلة مشاورات سياسية ثنائية

وشهدت الـ48 ساعة الماضية جملة من المباحثات السياسية بين البلدين، وبحث السفير قرانوح، الأربعاء، مع وكيل وزارة الخارجية السعودية، سعود الساطي، الموضوعات ذات الاهتمام المشترك. وأعلنت الرئاسة اللبنانية، الخميس، أن الرئيس جوزيف عون استقبل مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان، وناقش الأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة، ودور السعودية في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها.

وفي اليوم نفسه، ‏شكر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي، في اتصال مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، المملكة على جهودها في مساعدة لبنان، ووقف العدوان عليه، كما ناقش مع الأمير فيصل بن فرحان تطورات الوضع في لبنان والمنطقة.


الكويت تعلن عن هجوم جديد استهدفها من العراق

أرشيفية لدخان يتصاعد من أحد المباني في الكويت جراء الهجمات الإيرانية أخيراً (أ.ف.ب)
أرشيفية لدخان يتصاعد من أحد المباني في الكويت جراء الهجمات الإيرانية أخيراً (أ.ف.ب)
TT

الكويت تعلن عن هجوم جديد استهدفها من العراق

أرشيفية لدخان يتصاعد من أحد المباني في الكويت جراء الهجمات الإيرانية أخيراً (أ.ف.ب)
أرشيفية لدخان يتصاعد من أحد المباني في الكويت جراء الهجمات الإيرانية أخيراً (أ.ف.ب)

كشفت الكويت عن هجوم جديد استهدفها انطلاقاً من العراق، في تكرار لهجمات عديدة مماثلة حصلت في الأسابيع الماضية خلال الحرب الإيرانية.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الكويتية، العقيد الركن سعود عبدالعزيز العطوان، في بيان يحمل الرقم 60، إن موقعين من المراكز الحدودية البرية الشمالية لدولة الكويت، تعرضا صباح اليوم لـ «هجوم عدواني آثم بواسطة عدد (2) طائرة درون مفخخة، موجّهة بسلك الألياف الضوئية، قادمة من جمهورية العراق، ما أسفر عن أضرار مادية، دون تسجيل أي إصابات بشرية».

وتابع البيان الكويتي: «تؤكد وزارة الدفاع أن الجهات المختصة باشرت فوراً اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادث».

ولم يصدر تعليق عراقي فوري على الإعلان الكويتي. وسبق أن تعرضت الكويت ودول خليجية أخرى لهجمات بطائرات مسيّرة مصدرها العراق، خلال الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وقالت مصادر خليجية إن هذه الهجمات استمرت حتى بعد وقف النار. وعملت إيران على إقامة شبكة من الميليشيات الوكيلة في العراق على مدار سنوات عديدة، ونفذ العديد منها هجمات ضد القوات الأميركية والدولية في العراق منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في نهاية فبراير (شباط الماضي).

وفي الفترة الأخيرة استدعت الكويت والسعودية والبحرين والإمارات الممثلين الدبلوماسيين في السفارة العراقية لدى هذه البلدان لإبلاغهم باحتجاج الدول الخليجية على النهج العدواني الذي تنهجه الميليشيات المتنفذة في العراق والتي تتلقى أوامرها من إيران، خصوصاً استهداف الدول الخليجية.

وكانت وزارة الخارجية الكويتية قد أعلنت يوم الأربعاء 4 مارس الماضي، استدعاء القائم بالأعمال العراقي لدى الكويت، وتسليمه مذكرة احتجاج على خلفية استهداف الأراضي الكويتية من قبل الفصائل العراقية.

كذلك شدد مجلس الوزراء السعودي، في 14 أبريل (نيسان) الجاري، على رفضه القاطع لانتهاك سيادة الدول، ومحاولة تهديد أمن المنطقة واستقرارها، مُجدداً إدانته بأشد العبارات الاعتداءات السافرة التي طالت البلاد ودول الخليج بـ«مسيّرات» انطلقت من الأراضي العراقية، مؤكداً أهمية أن تتعامل حكومة العراق بمسؤولية مع تلك التهديدات.

كذلك استدعت وزارة الخارجية الإماراتية القائم بأعمال السفارة العراقية لدى البلاد، عمر العبيدي، وسلّمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، عبّرت فيها عن إدانتها واستنكارها لما وصفته بـ«الاعتداءات الإرهابية» التي انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت حيوية في دول مجلس التعاون الخليجي، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة.

وأكدت الإمارات، في المذكرة التي سلّمها مدير إدارة الشؤون العربية في الوزارة أحمد المراشدة، رفضها المطلق لهذه الهجمات، مشيرة إلى أنها نُفذت من قبل فصائل وجماعات مسلحة موالية لإيران، وشكّلت انتهاكاً لسيادة الدول المستهدفة ومجالها الجوي، وخرقاً واضحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.