الأزمة القضائية في لبنان تشعل انقساماً سياسياً يصل إلى البرلمان

السنيورة يدعو «مجلس القضاء الأعلى» لمعالجة الخلاف بين البيطار وعويدات

من الاعتصام أمام «قصر العدل» في بيروت أمس للمطالبة بإقالة مدعي عام التمييز (إ.ب.أ)
من الاعتصام أمام «قصر العدل» في بيروت أمس للمطالبة بإقالة مدعي عام التمييز (إ.ب.أ)
TT

الأزمة القضائية في لبنان تشعل انقساماً سياسياً يصل إلى البرلمان

من الاعتصام أمام «قصر العدل» في بيروت أمس للمطالبة بإقالة مدعي عام التمييز (إ.ب.أ)
من الاعتصام أمام «قصر العدل» في بيروت أمس للمطالبة بإقالة مدعي عام التمييز (إ.ب.أ)

تصاعدت الدعوات لمجلس القضاء الأعلى في لبنان؛ لمعالجة الأزمة القضائية الناشئة عن الإجراءات القضائية المتصلة بملف التحقيق بمرفأ بيروت، في ظل انقسام قضائي توسع إلى انقسام سياسي، أدى إلى اصطفافات بين نواب البرلمان.
وانفجرت التوترات القضائية عندما وجه المحقق العدلي في الملف القاضي طارق البيطار استدعاءات قضائية، وادعى على شخصيات جديدة، بينها مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات، رغم أن دعاوى المتضررين كفت يد البيطار منذ سنة وأربعة أشهر، مما دفع عويدات، الأربعاء، لاتهام البيطار بأنه يغتصب السلطة. ورد عويدات على البيطار بإجراءات تضمنت إطلاق سراح سائر المحتجزين في الملف.
وانقسمت البلاد على مختلف المستويات بين فريقين؛ أحدهما يدعم البيطار، والآخر يدعم مدعي عام التمييز. ونفّذ عدد من الناشطين، أمس السبت، اعتصاماً رمزياً أمام قصر العدل للمطالبة بإقالة عويدات، بغياب أهالي الضحايا. ورفع الناشطون لافتات تطالب بإقالة القاضي عويدات، وبرفع يد السياسيين عن القضاء، وبتوقيع مرسوم التشكيلات القضائية، وبتعديل المواد القانونية التي تقف عائقاً أمام عدالة التحقيق.
من جهتهم، نبه أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت في بيان، السبت، لدعوات متقابلة، مؤيدة لعويدات ومعارضة له، ورأوا أنها «تهدف إلى العنف وإراقة الدماء في الشارع».
وفي ظل تلك المخاوف، تصاعدت الدعوات لمجلس القضاء الأعلى لمعالجة الأشكال، جاء أبرزها في بيان أصدره رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، وصف فيه الأزْمة القضائية بـ«الخطيرة وغير المسبوقة»، ورأى أن المواطنين اللبنانيين الصابرين «ينتظرون موقفاً حازماً من مجلس القضاء الأعلى ورئيسه، وهو المرجعية القضائية التي أولاها القانون السهر على حسن سير العمل القضائي وانتظام العمل في المحاكم».
وقال: «لهذا، فإن مجلس القضاء مدعو للاستجابة فوراً لنداء رئيس مجلس الوزراء، من موقعه الدستوري والوطني، وبالتالي الانكباب بكل مسؤولية على معالجة هذه الأزْمة القضائية والوطنية التي خضت وجدان اللبنانيين، وتركت آثاراً سلبية خطيرة على مسيرة الحياة العامة في البلاد».
وأضاف: «يكون ذلك بالمسارعة إلى الاجتماع فوراً لإنهاء التباين الحاصل، ومعالجة كل ما نتج من هذه الأزمة القضائية من ذيول ومخاطر، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح عبر القيام بالدور المنوط به في الحفاظ على العدالة والانتظام العام في الدولة، والالتزام بأحكام الدستور والقوانين النافذة، وبما يسهم في استعادة الثقة بالجسم القضائي، وكذلك في استعادة الثقة والاطمئنان إلى نفوس المواطنين، ولا سيما بما يتعلق بالتشديد على سلامة التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، توصلاً لاكتشاف الحقيقة الكاملة، وكي لا تستمر الأمور نهباً للامبالاة والشعبوية وأصحاب مشاريع تفكيك الدولة اللبنانية ومؤسساتها».
وفي السياق نفسه، قال عضو كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب بلال عبد الله، إن «وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى يشكلان المرجع الوحيد لمعالجة الإشكالات والإرباكات القضائية، خارج إطار حسابات ورغبات الكثيرين، في الداخل والخارج على حد سواء، على قاعدة إحقاق العدالة في جريمة العصر في المرفأ».
وأضاف: «موقفنا كان ولا يزال مع تأمين كل موجبات الوصول إلى الحقيقة الكاملة، ورفع كافة أنواع الحصانات السياسية والأمنية والقضائية، ونحن باقون على هذا الموقف خارج إطار الاستثمار والتجيير والتمييع».
وتابع عبد الله: «في الإطار المتعلق بالتهجم والتجريح والتهديد، والتمادي بالتطاول على المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات وما يمثل، إننا ننتمي إلى منطقة، لم تتقوقع يوماً في أطر فئوية، بل أبدعت في عطائها للوطن، وقدمت له خيرة كفاياتها في كل الميادين، وهي لن تسمح أو تقف مكتوفة الأيدي تجاه تطاول واستسهال البعض كيل الاتهامات والتخوين». وقال إن «الجهات الرسمية المولجة معالجة الخلل الحاصل، مطالبة اليوم قبل غد بالبتّ في هذا الملف؛ حفاظاً على آخر حصن للعدالة ومفهوم الدولة، أي القضاء»، مضيفاً: «من يعتقد أنه يمكنه الانقضاض، واستغلال الأزمة القضائية الخطيرة، للنيل من كرامة من يمثل غسان عويدات، فنقول له إنه واهم ومخطئ».
وفي دليل آخر على تطور الانقسامات الشعبية والقضائية والسياسية، انقسم النواب في البرلمان أيضاً؛ فعلى ضفة مؤيدي البيطار، اعتبر النائب إبراهيم منيمنة أن «ما حصل في العدلية هو نوع من انقلاب وتجسيد للتدخل السياسي الذي حذرنا منه، ومن الممكن أن يتحول إلى طائفي». وقال في حديث تلفزيوني: «من الواضح أن هناك تدخلاً سياسياً في قضية انفجار المرفأ، وهناك مسار سياسي ومحاولة لتعطيل القضاء»، لافتاً إلى أن «أي قانون أو ملف يهدد قدرة هذه المنظومة السياسية على ضبط المؤسسات لمصلحتها ستعرقله». ورأى أن «هناك تقاطعاً كبيراً بمجلس النواب، وبين الكتل السياسية، على أهمية قضية انفجار المرفأ، وأن يكون التحقيق فيها علمياً ومحايداً».
وانسحبت التباينات على نواب يتقاطعون في ملفات كثيرة، بينهم النائبة حليمة القعقور والنائب وضاح الصادق الذي تحدث عن القعقور من غير تسميتها بالقول: «أنصح بعض زملائي النواب أن ينسوا لبعض الوقت الحسابات المناطقية الانتخابية الضيقة أمام ما نواجه من خطر على مصير البلد. توقّفوا قليلاً عن عدّ الأصوات وفكّروا أكثر كيف ننقذ لبنان».
ولم توقع القعقور على البيان الذي أصدره 40 نائباً معارضاً طالبوا فيه، يوم الجمعة، بمحاسبة القاضي عويدات. لكنها أثنت أمس السبت، في بيان، على «موقف الزملاء والزميلات بشأن الانقلاب على التحقيق في جريمة تفجير بيروت، ورفض المساس بالمحقق العدلي، وضرورة محاسبة المدعي العام التمييزي عن خطواته غير القانونية الهادفة إلى دفن التحقيق». وقالت: «أؤكد أن المشكلة هي في تدخل السلطة السياسية بالقضاء، وصولاً إلى تحلل النظام القضائي استتباعاً للانهيار الكامل للدولة بظل هذا النظام».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

«شاهد قبر» يروي جانباً من لغز القاعدة الإسرائيلية في العراق

قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
TT

«شاهد قبر» يروي جانباً من لغز القاعدة الإسرائيلية في العراق

قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)

قامت القوات العراقية في الأيام الأخيرة بتمشيط المناطق الصحراوية في البلاد، بحثاً عن قواعد أو قوات إسرائيلية، قِيل على نطاق واسع إنها تمركزت خلال حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وقال تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية إنها استدلت على شاهد قبر قد يكون للراعي الذي تعرف بالصدفة على مكان القاعدة الإسرائيلية قرب صحراء النخيب، الواقعة بين النجف وكربلاء، جنوب غرب العراق. ورغم ذلك يقول مسؤولون عراقيون إنهم «يتعاملون مع الواقعة على أنها شائعة».

وسرت تقارير عن أن قوات أجنبية كانت موجودة في صحراء النجف بجنوب غرب العراق في الأيام الأولى من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط).

ومنذ أن كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأسبوع الماضي، عن إنشاء إسرائيل موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية بين محافظتي كربلاء والنجف في مارس (آذار) الماضي؛ لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير 2026، أثيرت أسئلة كثيرة بشأن قدرة السلطات على فرض السيادة ومنع الاختراقات الأجنبية، وفق معلقين سياسيين من توجهات مختلفة.

قوات من الجيش العراقي خلال تفتيش صحراء النخيب جنوب غربي كربلاء والنجف في العراق في 17 مايو 2026 (أ.ب)

هوية القوات

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين أمنيين عراقيين وشهود عيان أن راعي أغنام أبلغ عن رؤيته تحركات عسكرية في المنطقة، قُتل لاحقاً حين قصفت مروحية مركبته.

وفيما تقرّ بأن قوات «مجهولة» و«غير مرخّص لها» وجدت لما لا يزيد على 48 ساعة في صحراء النجف، لم تجزم السلطات العراقية بعد بهوية تلك القوات.

وأكّد مسؤولان أمنيان عراقيان أن قوات إسرائيلية استحدثت موقعاً سرياً في صحراء النجف واستخدمته خلال الحرب. وقال أحدهما إن «القوات الإسرائيلية بنت قاعدة في مدرج طيران مهجور بني في زمن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين».

وفي التاسع من مايو (أيار)، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، نقلاً عن مصادر بينها مسؤولون أميركيون، بأن «إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران».

وأشارت الصحيفة إلى أن المنشأة «ضمت قوات خاصة واستخدمت كمركز لوجستي لسلاح الجو الإسرائيلي، قبل اندلاع الحرب مباشرة، بعلم الولايات المتحدة».

وقال مسؤول أمني عراقي ثانٍ إن السلطات العراقية سألت الولايات المتحدة عمّا إذا كانت القوات التي وجدت في صحراء النجف تابعة لها، لكن «قالوا ليست قواتنا نحن».

ويتوجب عادة على الولايات المتحدة التي تنشر حالياً قوات لها في إقليم كردستان بشمال العراق في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، إبلاغ بغداد بأي نشاط عسكري لها داخل الأراضي العراقية.

من جهته، رجّح مسؤول أمني عراقي ثالث أن تكون «القوات الأجنبية أميركية وضمنها فريق تقني إسرائيلي». ولفت إلى أنه تم رصد تحليق مروحيات من طراز «شينوك» في المنطقة خلال تلك الفترة.

ما حصل في الصحراء

خلال الأسبوع الأول من الحرب، تحدثت تقارير صحافية عراقية عن راعي أغنام رصد تحركات عسكرية في صحراء النجف الشاسعة المحاذية للحدود مع السعودية.

وأشارت مصادر أمنية عراقية إلى أن الراعي قُتل بضربة شنتها مروحية على مركبته، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الراعي يتنقلّ لبيع الأغنام والتزود بالوقود عندما فوجئ، حسبما قال لوكالة الصحافة الفرنسية، بأشخاص يعرفونه بقوات أجنبية.

ولا تزال مركبته المتفحّمة متروكة في الصحراء وإلى جانبها هيكل عظمي لخروف، حسبما أفادت الوكالة.

وثمة شاهد قبر للراعي في الصحراء يُعتقد أنه رمزي، كُتب عليه اسم الرجل وتاريخ مقتله: الثالث من مارس.

في الخامس من مارس، أعلن نائب قائد العمليات المشتركة قيس المحّمداوي للإعلام الرسمي العراقي، حصول «عملية إنزال» في النجف و«تقديم مذكرة احتجاج للتحالف الدولي» بشأنها.

وأفاد بأنه بعد ورود اتصالات حول «وجود أشخاص أو حركة في صحراء النجف»، تم إرسال قوة للتقصي، لكنها «تعرضت لإطلاق نار كثيف من الجو، وأدى الحادث إلى استشهاد مقاتل وجرح اثنين»، وأضاف أنه «تم تعزيز القوة بفوجين من (جهاز) مكافحة الإرهاب» الذي قام بتمشيط المنطقة «ولم يجد شيئاً».

مركبات تابعة للجيش العراقي وقوات «الحشد الشعبي» خلال عملية عسكرية في المناطق الصحراوية قرب الحدود مع سوريا في 17 مايو 2026 (أ.ف.ب)

«لا نستطيع التكلم»

رغم انتشار التقارير الصحافية، لم تعلن السلطات العراقية حتى الآن هوية القوات الأجنبية المعنيّة. وقال أحد المسؤولين الأمنيين العراقيين إن «القوات العراقية لم تلتحم مع القوات المجهولة، وإسرائيل لم تعلن رسمياً أنها نفذت إنزالاً في العراق»، وأضاف: «هناك أمور لا نستطيع أن نتكلّم بها».

في 11 مايو، قالت قيادة العمليات المشتركة العراقية إن القوات العراقية نفذت عمليات تمشيط في المناطق الصحراوية، مؤكدة «عدم وجود أي قوة أو قواعد غير مصرح بها في الوقت الحالي على الأراضي العراقية». وحذرت من تقارير «تسيء إلى سمعة العراق».

من جهته، لم يعلّق الجيش الإسرائيلي على طلب التعليق على هذه التقارير، وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار المسؤول الأمني إلى ورود تقارير أخرى عن وجود قوات إسرائيلية في منطقة صحراوية في محافظة نينوى في شمال غرب العراق، لافتاً إلى أنه تم إرسال قوات عراقية إلى هناك للكشف. وأوضح أنهم «يتعاملون مع هذه القضية على أنها شائعة».


تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
TT

تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)

دخلت العلاقة بين الممثل الأعلى لمجلس السلام في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، وحركة «حماس»، مرحلة شدّ وجذب لا تتوقف عن تبادل الاتهامات وتحميل كل طرف المسؤولية للآخر، وسط تعثر لاتفاق وقف إطلاق النار منذ أشهر.

تجاذبات زادت وتيرتها بعد تعثر مفاوضات جرت بالقاهرة بين الجانبين، وكان أحدثها تقرير ملادينوف لمجلس الأمن «يعتبر (حماس) عقبة أمام تنفيذ الاتفاق»، قبل أن ترد الحركة وتفند ذلك، وهو مسار يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» سينعكس سلباً على تنفيذ الاتفاق كاملاً ويعمق التعثر الحالي.

وأفاد «مجلس السلام بغزة» في تقرير قدّمه إلى مجلس الأمن الدولي بأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة صمد لمدة 7 أشهر رغم الانتهاكات والتحديات المستمرة، مؤكداً أن «العقبة الرئيسية أمام تنفيذ الخطة الشاملة رفض حركة (حماس) نزع السلاح والتخلي عن السيطرة على القطاع».

فيما رفضت «حماس»، في بيان، الثلاثاء، ما ورد في تقرير مجلس السلام المُقدم لمجلس الأمن، مؤكدة أنه «احتوى على جملة من المغالطات التي تُعفي حكومة الاحتلال من مسؤولياتها عن الانتهاكات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والتركيز على مسألة نزع السلاح، بهدف خلط الأوراق، وتعطيل اتفاق وقف إطلاق النار الواضح في مساره ومراحله». ولفتت إلى أن «الحركة أكدت مراراً وتكراراً جاهزيتها لتسليم إدارة غزة للجنة الوطنية».

وبعد تعثر مفاوضات جرت أخيراً بالقاهرة قبل نحو أسبوع، توسع نطاق الخلافات العلنية بين «حماس» وملادينوف، حيث شنّ عضو المكتب السياسي لـ«حماس»، باسم نعيم، هجوماً على المسؤول البارز في «مجلس السلام».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أحمد فؤاد أنور يرى أن «التباينات بين ملادينوف و(حماس) تزداد، وبشكل أكيد ستنعكس سلباً على اتفاق غزة، خاصة وذلك المسؤول بمجلس السلام يحاول تبييض وجه إسرائيل والتمهيد لها بشنّ ضربات شاملة ضد القطاع». ويشير إلى أن «حماس» لم ترد على مقتل قائد «القسام» عز الدين الحداد، ورغم ذلك تستمع لنقد من ملادينوف، وهذا «لا يساعد على نجاح أي وسيط أو مسار اتفاق».

وأكّد أنور «أنه لا يمكن القبول بتنفيذ نزع سلاح (حماس) بينما إسرائيل تواصل خروقاتها يومياً، وليس هناك أي ضمانات على جديتها للالتزام بالاتفاق»، داعياً إلى «ضرورة مراجعة ملادينوف مواقفه لعدم إفشال مسار المفاوضات والاستقرار بالمنطقة خاصة؛ إذ صار عبئاً على مسار المفاوضات، وليس مسهلاً لها».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

واعتبر المحلل السياسي الفلسطيني، حسام الدجني، أن «ملادينوف يتبنى بشكل كامل الرؤية الإسرائيلية التي تركز بشكل حصري على قضية السلاح، وتتجاهل جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال وحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره»، ويشير إلى أن هذا الانحياز «يعرقل أي تقدم حقيقي لتنفيذ الاتفاق، وقد يقود إلى سيناريوهات خطيرة، بما في ذلك انهيار التهدئة وعودة التصعيد العسكري».

ويشدد على أن المشكلة ليست في شخص ملادينوف، لكن المشكلة تكمن في طبيعة الوظيفة التي يشغلها حالياً، والتي تلزم أي من كان يشغلها بسحب السلاح ورسم واقع جديد لقطاع غزة لا يتوافق مع تطلعات شعب يعيش تحت الاحتلال.

يأتي هذا في وقت أشار وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي خلال لقاء مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، في لندن، الثلاثاء، إلى «أهمية مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة مهامها من داخل القطاع، وسرعة نشر قوة الاستقرار الدولية».

ويرى أنور أن مصر تواصل التأكيد على أهمية دخول لجنة التكنوقراط وقوات الاستقرار للدفع بالاتفاق للأمام، وتجاوز أي مناورات تهدده حالياً.

فيما يتوقع الدجني سيناريوهات، أولها أن «يتدخل الوسطاء بمقاربة جديدة لجميع الأطراف تلقى قبولاً، خاصة أن مصر تحاول إيجاد نافذة للحل بدخول اللجنة ونشر قوات الاستقرار؛ لكن هذا يحتاج أولاً لوقف التصعيد الإسرائيلي وفتح باب المساعدات، وتهيئة مناخ إيجابي»، لافتاً إلى أن السيناريو الثاني بقاء الوضع كما هو عليه، أما الثالث فهو عودة الإبادة والنزوح والقتل، لكن إسرائيل تفضل السيناريو الثاني، خاصة مع احتمالية عودة الحرب على إيران.


تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
TT

تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)

يبدو «حزب الله» في موقع متناقض حيال ملف التفاوض المرتبط بالحرب على لبنان. فالحزب الذي يرفض بشدة أي مفاوضات مباشرة تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ويعدّها مساراً يقود إلى التنازلات، لا يبدي الموقف نفسه تجاه التفاهمات الإيرانية - الأميركية التي تقول طهران إنها تشمل لبنان، بل يذهب إلى اعتبارها مدخلاً أساسياً لوقف الحرب. هذا التباين يطرح تساؤلات سياسية حول خلفية موقف الحزب، وما إذا كان اعتراضه يرتبط بطبيعة التفاوض نفسه، أم بالجهة التي تتولى التفاوض، وبالنتائج المحتملة على سلاحه ودوره داخل لبنان.

وفي هذا الإطار، جاء إعلان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، الثلاثاء بأن الاقتراح الإيراني يشمل «إنهاء الحرب على كل الجبهات بما في ذلك لبنان»، ليعيد فتح النقاش حول موقع لبنان داخل أي تسوية إقليمية محتملة، وحول كيفية تعاطي «حزب الله» مع مسارات التفاوض المختلفة.

التناقض في موقف «حزب الله»

فالحزب الذي يهاجم باستمرار أي مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، يعوّل في المقابل على المفاوضات الإيرانية - الأميركية عندما تتصل بوقف الحرب على لبنان.

وكان الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، قد أكد في وقت سابق أنَّ «الاتفاق الإيراني - الأميركي الذي يتضمَّن وقف العدوان على لبنان يكاد يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان»، شاكراً إيران على «اهتمامها بلبنان وشعبه».

كما قال النائب في كتلة «حزب الله»، حسن فضل الله: «إن الجميع يعلق آمالاً على مسار إسلام آباد»، مضيفاً أن «إيران علقت المفاوضات لأجل لبنان»، قبل أن يهاجم في المقابل «المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل» عادّاً أنَّها «مأزق، ومسار مسدود الأفق».

لبنانية توثّق الدمار بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال جولة للصحافيين نظّمها «حزب الله» الأربعاء (أ.ف.ب)

بدوره، رأى النائب عن الحزب، حسين الحاج حسن، أن «المفاوضات المباشرة التي أجرتها السلطة في لبنان مع إسرائيل أدخلتها في مأزق، وأوصلتها إلى مسار مسدود لن يؤدي بها إلا إلى تنازلات دون نتيجة».

هذه الازدواجية بين موقف الحزب من التفاوض اللبناني المباشر وموقفه من التفاوض الإيراني - الأميركي يدفع، إلى طرح سؤال أساسي: هل يرفض الحزب مبدأ التفاوض بحدِّ ذاته، أم يرفض فقط المسار الذي تقوده الدولة اللبنانية وما قد ينتج عنه داخلياً؟

مصدر وزاري: موقف «حزب الله» مستغرق ومتناقض

وفي هذا الإطار، وصف مصدر وزاري مقرَّب من الرئاسة اللبنانية موقف «حزب الله» الرافض لأي تفاوض مباشر بين الدولة اللبنانية وإسرائيل بأنَّه يتسم بـ«التناقض الواضح»، عادّاً أنّ «ما هو مسموح لإيران يبدو ممنوعاً على لبنان، رغم أنَّ الدولة اللبنانية تفاوض حصراً حول قضايا تتصل بالسيادة اللبنانية، ومعالجة تداعيات الاحتلال الإسرائيلي».

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «لبنان يفاوض حول ملفات لبنانية بحتة مرتبطة بواقع قائم فرضه الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة اللبنانية تتحرَّك انطلاقاً من مصلحة لبنان فقط، وبالتالي فإنَّ أي محاولة لتصوير الأمر بشكل مختلف تبقى غير مفهومة».

وأشار المصدر إلى أنَّ موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون والحكومة كان ثابتاً منذ البداية، ومفاده أنَّ «لا أحد يفاوض بالنيابة عن لبنان، وهو المبدأ الذي يحكم المقاربة الرسمية الحالية».

ورداً على من يعدّ أنّ «إيران تفاوض الولايات المتحدة وليس إسرائيل»، أوضح المصدر أنّ «الوضع اللبناني مختلف بالكامل، لأنَّ إسرائيل تحتل أراضي لبنانية ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون التفاوض مع العدو بهدف الانسحاب وإنهاء الاحتلال، وهذا ما تقوم به كل الدول عندما تكون أراضيها محتلة».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

التفاوض اللبناني يهدّد معادلة السلاح

وفي قراءته لموقف «حزب الله»، يرى رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية، الدكتور عماد سلامة، أن «حزب الله» يرفض المفاوضات المباشرة؛ لأنَّه يدرك أنَّ أي مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية، وبدعم عربي ودولي، سيفرض تدريجياً إخراج ملف المواجهة مع إسرائيل من التداول لمصلحة دعم مؤسسات الدولة وبياناتها الوزارية، بما يتضمَّن ترتيبات أمنية، وضبط الحدود، وحصرية السلاح بيد الدولة، وحصر قرار السلم والحرب بالمؤسسات الرسمية.

من هنا يقول سلامة: «وهذا يعني عملياً إنهاء الحالة العسكرية المستقلة للحزب، وتقليص النفوذ الإيراني داخل لبنان».

ويلفت سلامة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنَّ «غالبية القوى والطوائف اللبنانية باتت تميل إلى مقاربة مختلفة تقوم على أولوية الاستقرار الداخلي، وإعادة الإعمار، والانفتاح على الحلول الدبلوماسية، حتى لو قاد ذلك مستقبلاً إلى تفاهمات أمنية أو مسارات سلام تدريجية مع إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه يعكس تباعداً متزايداً بين حزب الله، وبقية المكونات اللبنانية حول معنى السيادة، ودور الدولة، ومستقبل لبنان الإقليمي».

لبنانية توثّق الدمار بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال جولة للصحافيين نظّمها «حزب الله» الأربعاء (أ.ف.ب)

من هنا يعدُّ سلامة أن «جوهر اعتراض الحزب لا يقتصر على شكل التفاوض أو طبيعته، بل يرتبط أيضاً بما يمكن أن يفرضه أي تفاوض مباشر برعاية دولية وعربية من إعادة ترتيب للتوازنات الداخلية في لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بحصرية السلاح ومرجعية قرار السلم والحرب».

لماذا يفضّل الحزب التفاوض الإيراني؟

وفي المقابل، يقبل «حزب الله» بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية لأنه يعدُّ، بحسب سلامة، أن «طهران تفاوض من موقع إقليمي أشمل يربط ملفات لبنان وغزة والعراق واليمن بالأمن الإقليمي وبمصالح الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، يراهن الحزب على أنَّ أي تفاوض إيراني لن يؤدي إلى تفكيكه، بل إلى تثبيت دوره بوصفه جزءاً من توازنات المنطقة وقوةً سياسيةً وأمنيةً داخل لبنان. لذلك يفضِّل الحزب أن يبقى مصير سلاحه ودوره مرتبطاً بتفاهمات إقليمية تقودها إيران، لا بمفاوضات لبنانية مباشرة قد تضعه في مواجهة إجماع داخلي ودولي يسعى لإعادة بناء الدولة اللبنانية على حساب ازدواجية السلطة والسلاح».