عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

رئيس الوزراء الأردني الأسبق روى شهادته على عقد ونصف العقد في مركز القرار (2 من 3)

TT

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)
لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي» عبر مجموعة تابعة لوديع حداد، قائد «المجال الخارجي»، ذراع العمليات السرية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

كما يعرج عبيدات الذي تولى أيضاً رئاسة المخابرات ووزارتي الداخلية والدفاع، على كواليس المواجهة بين القوات الإسرائيلية والجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين في بلدة الكرامة الحدودية في مارس (آذار) 1968، مؤكداً أن الجيش الأردني «هو الذي حسم المعركة»، لكنه خرج «بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين».

رحل عبيدات مطلع الشهر الجاري. وكانت الشهادة سجلت قبل «طوفان الأقصى» الذي حالت تداعياته دون نشرها. وفي ما يلي نص الحلقة الثانية:

نحتاج إلى أن نعود قليلاً إلى الوراء ونتحدث عن ظروف «معركة الكرامة»؟

- «الكرامة» نقطة مفصلية في غاية الأهمية، أهميتها للجيش أولاً؛ لأن الجيش العربي عاش هزيمة 1967 وشعر بمراراتها؛ لأنه انسحب من الضفة الغربية ولم يستطع لأسباب عدة أن يدافع عنها، وبالتالي يشعر بمسؤوليته الأخلاقية والوطنية والقومية عن هذه الهزيمة.

وجاءت فرصة «معركة الكرامة» لاستعادة الروح المعنوية القتالية للجيش ويسترد فيها بعض اعتباره. جاءت «معركة الكرامة» فرصة مواتية لفعل شيء مهم.

إذن، برأيك أن الجيش الأردني هو الذي لعب الدور الأكبر في «معركة الكرامة»؟

- هو الذي حسم المعركة، هو أفشل بناء العدو جسوراً في مناطق عدة للدخول، ودُمّرت آلياتهم في الأرض الأردنية، وبالتالي لأول مرة بتاريخ إسرائيل يطلبون وقف إطلاق النار. وكان الراحل الملك الحسين هو من رفض.

إسرائيل لم تعترف بخُمس قتلاها، وعند السماح بإجلاء جرحى المعركة كانت الطائرات العامودية (تسيل) منها دماء الجرحى والقتلى.

هناك ضباط من كتيبة المدفعية الذين كانوا يسمون «ضباط الملاحظة»، وقد عرّضوا أنفسهم للموت، فقد كانوا يتقدمون بأقرب نقطة من العدو، ويعطون إحداثياتها بدقة، ثم يطلبون قصف الموقع الذي تم إرساله، أي أنهم أعطوا نقاط وجودهم كمواقع يتمركز فيها العدو، وبالتالي قصف الموقع. أي أن الجندي الأردني كان يحدد موقعه القريب من الجيش الإسرائيلي ليتم قصفه. وبذلك يتم قصف الجندي الأردني الذي يريد الشهادة دفاعاً عن أرضه واسترداداً لكرامته بعد هزيمة النكسة. لكن إعلان «الكفاح المسلح» ألغى دور الجيش في المعركة، وظهر الفدائيون بوصفهم أبطالاً حققوا النصر على إسرائيل. وكانت لذلك تداعيات كثيرة؛ لأنهم احتكروا النصر وتجاهلوا دور الجيش الأردني تماماً.

طبعاً «الكفاح المسلح» بعد هذا الادعاء، جمعوا مئات الملايين من التبرعات، وكانت الأموال الأكثر من حصة تنظيم «فتح». لقد سيطرت ماكينة الفدائيين على الإعلام العربي. وخرجنا من المعركة بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين.

وبالمناسبة، جميع التبرعات التي حصلت عليها التنظيمات الفلسطينية من دول عربية عدة لم تصل للشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها.

إذن، برأيك تداعيات «معركة الكرامة» والحرب الإعلامية انسحبت على أحداث أيلول؟

- الجيش عندما دخل إلى عمّان في أحداث سبتمبر (أيلول) كان يريد أن يُخلّص الشعب الأردني من حالات فوضى السلاح والاستعراض بالقوة وحالة الفلتان الأمني في الشوارع.

فلما دخل الجيش وبدأ في طرد الفدائيين من عمّان أخذ كل شيء في طريقه. وحتى منزلي الذي استأجرته حديثاً بعد حادثة اختطافي وكان قريباً من مقر قيادة الجيش دخله الجيش الأردني ليفتش عن فدائيين، وكانت أسرتي تقيم في المنزل ساعة المداهمة. وقالت زوجتي لهم إن زوجي ضابط مخابرات، فرد عليها العسكري الأردني: بلاش كذب. ولم يخرجوا من البيت إلا بعد اتصالها معي، فكلفت ضابطاً عندنا قائد سرية المخابرات يتفاهم مع الجيش، وبعدها تركوا البيت وخرجوا. والمعنى هو أن الجيش قام بمسح المناطق من دون أن يفرّق بين هذا أردني أو فلسطيني. يريد استعادة السيطرة على الأمن وفقط.

كل ذلك اضطرني إلى إرسال أسرتي إلى منزل والدي ووالدتي في محافظة إربد شمال المملكة.

الملك حسين يتفحص دبابة إسرائيلية خلفتها قوات الاحتلال خلال معركة الكرامة (غيتي)

ألم يتدخل الجيش السوري وأدخل قوات عسكرية إلى محافظات الشمال؟

- نعم. عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق من شمال البلاد، كانوا يرفعون أعلام منظمة التحرير الفلسطينية على الدبابات السورية. عرفنا لاحقاً بأن قرار تحرك الجيش السوري كان قراراً سياسياً من حزب «البعث»، وأن حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع استجاب للقرار مضطراً، وبالأخير تراجعت الدبابات السورية.

وماذا عن تدخل العراقيين؟

- العراقيون كانوا موجودين، لكنهم لم يتدخلوا، هناك ما يجب قوله في هذا المجال.

أولاً: ما سمعته من العراقيين بأن الدولة والقوات العراقية الموجودة، لم يكن في خاطرها أو نواياها أي مشاركة في عملية تستهدف إنهاء الحكم الملكي الهاشمي في الأردن. وذلك قطعاً بسبب أن العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية وأعبائها من اتصالات سياسية دبلوماسية أو من حيث التعامل مع الفدائيين؛ لذلك كان تقديرهم بأنهم لا يريدون المشاركة في مغامرة غير محسوبة.

ثانياً: ما فهمته من رواية أخرى، لكن لا أستطيع تبنيها. وهي أن قيادة العمليات في الجيش تسلمتها شخصية باكستانية، فكان الرئيس ضياء الحق يتسلم العمليات في القيادة، وكان يرسل برقيات وضعت كثيراً من القوات العراقية وغيرها في حالة ارتباك أوهمتهم أن هناك وحدات عسكرية ضاربة سيصطدمون معها أو ستهاجمهم، فأخذت القوات العراقية وضع الاحتياط والتحفز أكثر من وضع الهجوم.

وعرفنا لاحقاً أن وفداً من «فتح» وكان من بينهم أبو إياد زار العراق معاتباً. فقابلهم أحمد حسن البكر وتحدثوا بصراحة متناهية، مقدمين اللوم على الحكومة العراقية، فرد عليهم البكر: «إحنا يا إخوان دولة لها روح واحدة. إذا غلطت غلطة جوهرية تنتهي، أنتم مثل (البزون) على رأي العراقيين أي القطط، لكم سبع أرواح إذا راحت روح تيجي غيرها، فتستطيعون عمل ما بدا لكم. أما نحن لا نستطيع نكون مثل البزون. نحن دولة مش قطة لها سبع أرواح. الغلطة تأخذنا إلى الأبد؛ ولذلك ما حد يعطينا نصائح، ومع السلامة».

هل تعتقد أن ظلم الجيش الأردني برواية «معركة الكرامة» والترويج للفدائيين فقط جعلها مصدر الشرعية لعرفات وللمنظمة؟

- والله لا أعلم، إن كانت فقط بحدود الشرعية لياسر عرفات بعد «معركة الكرامة». المشكلة أن عرفات نال شرعيته على حساب الجيش الأردني الذي قاتل ببسالة وصمود. وأعيد وأكرر أن الجيش الأردني، بسلاح مدفعيته وليس بسلاح الجو والطيران، هزم إسرائيل.

لقد روى لي المرحوم محمد بشير إسماعيل، وكان مديراً للاستخبارات العسكرية، أن إحدى آليات الجيش الإسرائيلي التي تمركزت في منطقة الشونة الجنوبية، وهي تابعة للقيادة الإسرائيلية، والتي تركها الإسرائيليون قبل تراجعهم، وجدوا داخلها وثائق، وبعد مصادرتها وتحليلها تكشفت الخطة الإسرائيلية التي أرادت أن يتحرك الجيش الإسرائيلي من الكرامة ثم غور الأردن ارتفاعاً نحو جبال السلط، وصولاً إلى منطقة السرو القريبة من عمّان، ومن هناك يتم فرض التفاوض مع الحكومة الأردنية.

جندي إسرائيلي يفخخ موقعاً فلسطينياً في الأردن خلال معركة الكرامة في 21 مارس 1968 (غيتي)

كانت هذه خطتهم بعد أن ينهوا موضوع المنظمات الفدائية كاملة؛ لأن المنظمات الفدائية تركت مواقعها التي قاتلت بالكرامة. هنا لا ننكر بأن بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية قاتل عناصرها ببسالة، ومنهم من استشهد ومنهم من ترك موقعه وتراجع، ومنهم من اختفى. هناك بطولات كانت من الجانبين، لكنها كانت فردية من قِبل الفدائيين والمقاومة؛ وهذا حتى لا نكون ظلمنا أحداً.

من يتحمَّل مسؤولية ما حدث في أيلول؟

- الذي أعلن نفسه سلطة فوق السلطة. بمعنى أن لا سلطة فوق سلطة المقاومة. الذي أراد قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة، ومن تدخل في كل شيء حتى بالمحاكم الشرعية بالزواج والطلاق. الذي يقطع الطريق على الناس في المدن والقرى والذي يعتقل الضباط والجنود وهم متوجهون إلى أسرهم خلال إجازاتهم. كل هؤلاء يتحمّلون المسؤولية. الذين حاولوا التصرف كأنهم أمن وجيش داخل مقار التنظيمات والتي أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة.

لقد كانت هناك دولة موازية، من الأغوار بصفتها خط مواجهة مع العدو إلى عمّان. من فعلوا ذلك هم الذين يتحمّلون المسؤولية.

من كان يُهدّد من يرتكب مخالفات في عمّان بإنزال المخالف لمنطقة الغور، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن عنصر المقاومة الذي يرتكب مخالفة في عمّان يُهدّد من أبي عمار وجماعته والقيادات التابعة له بإنزاله للأغوار لمواجهة إسرائيل. هذا من يتحمّل مسؤولية. من فتح مقار له ومكاتب مارست نشاطاتها بالطول والعرض في عمّان بعد نقلها من الأغوار. هذا الذي يتحمل المسؤولية.

هل كان لديكم قلق في أحداث 1970 من سقوط الدولة؟

- في المخابرات العامة لم يكن هناك قلق من ذلك، وكنا نعتقد أن هذه أزمة أيام وستنتهي وسيُفرض النظام وكل شيء سيعود لطبيعته.

لقد وقعت بيد الجيش الأردني خطة وجدوها عند قائد جيش التحرير في عمّان قائد «الكفاح المسلح» تفيد بتقسيم عمّان لمناطق لمنع الجيش من دخولها. لذلك؛ كان الدور للجيش في «معركة الكرامة» وأحداث أيلول.

هل كان صعباً على الملك أخذ القرار بهذا الشأن؟

- القرار تأخر كثيراً، هذا الكلام كنا نسمعه دائماً وأبداً، وكان يسمعه من الجيش وكان يسمع عبارات قاسية من الجنود وضباط الصف. كان الراحل الحسين يسمع شبه إهانات، مثل: شو اللي قاعد بتعمله فينا؟ ليش تارك الأمور هيك؟

وبهذا الشكل حسم القرار بالمواجهة. فالجيش شعر بمرارات الإهانة من مسلكيات الفدائيين وسلوكهم في بث الفوضى وأنهم سلطة فوق سلطة الدولة.

هل تعاملت مع ملف وديع حداد؟

- وديع حداد كان مشهوراً عندما كنت مديراً للمخابرات، وهو من كان وراء إرسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين خلال أعوام 1975 و1976 و1977. أرسل حداد صاروخاً للأردن مع مجموعة يقودها مواطن أردني الجنسية اسمه بريك الحديد، وهو من عشيرة معروفة في عمّان، وكان منتمياً إلى «الجبهة الشعبية». وقد كانت مجموعة تابعة له ترصد طائرة الملك حسين. وكان المقصود ضرب الطائرة بصاروخ بمعرفة القذافي وموافقته.

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

هل هذه معلومات المخابرات وقتها؟

- 100 في المائة. القذافي شخصياً زوَّدهم بهذا الصاروخ وتم نقله إلى الأردن، وقد رصدت المخابرات جميع تحركات المجموعة بقيادة بريك الحديد منذ اللحظة الأولى. وقد ألقي القبض على المجموعة لاحقاً، واضطررنا إلى إبلاغ الملك حسين.

وبالفعل، طارت طائرة الحسين في الموعد المقرر لها من مطار ماركا العسكري؛ وتحسباً لأي مفاجأة طارت بعكس الاتجاه الذي كان محدداً لمسارها، مع استخدام أجهزة للتشويش على أي صاروخ يستهدف الطائرة التي على متنها الراحل الحسين.

هل عرف القذافي بأنكم كشفتم محاولة اغتيال الملك الحسين؟

- في تلك الأيام كان مضر بدران - رحمه الله - رئيساً للديوان، وطلب جميع الوثائق المتعلقة بالمحاولة وصورة الصاروخ الذي تم ضبطه. وغادر إلى ليبيا لمقابلة القذافي، وعند مواجهته بكل ما بحوزة بدران من معلومات، أنكر القذافي علمه بالأمر. وقال: أنا ما معي خبر.

جماعة وديع حداد يحركها القذافي؟

- ساعدهم في هذا الموضوع؛ لأنه من المهم عند القذافي وجود أشخاص يقومون بمثل هذه العمليات.

هل كنتم كمخابرات تخترقون جماعة وديع حداد؟

- عندما نكون مسيطرين على مثل هذه العملية من الألف إلى الياء ماذا يمكن أن تقول!

ألم يكن كارلوس تحت متابعتكم؟

- طبعاً؛ لأن كارلوس كان يبحث عن أذرع في المنطقة ولم يكن يعمل منفرداً.

كانت المخابرات الأردنية تتابع كارلوس حتى بالسودان؟

- طبعاً، هناك تحديث للمعلومات أولاً بأول.

ماذا عن وديع حداد وخطف الطائرات؟

- تلك الحادثة كانت بمثابة «القشة التي قسمت ظهر البعير». ولا شك بأن تلك الحادثة كانت وراء دخول الجيش، وما تبع ذلك من تداعيات. ولك أن تتخيل أي حال وصلنا إليه، فبعدما خطفوا الطائرات، عقد الخاطفون مؤتمراً صحافياً في فندق الأردن، وتحدث جورج حبش في المؤتمر الصحافي في عمّان ليعلن عن العملية.

ألم يكن لدى دائرة المخابرات أي معلومات عن خطة خطف الطائرات؟

- لا. ثم أمام كل تلك الفوضى في تلك الأيام ماذا ستقول عن حالة أشبه بالفلتان الأمني.

كانت هناك مجموعة يابانية ومجموعة ألمانية. هل كان هناك تنسيق مع المخابرات الألمانية وتبادل معلومات حول تلك المجموعات؟

- أي معلومات متوفرة لدينا كانت متاحة للقنوات مع كل الأجهزة التي نتبادل معها المعلومات.

ما هي قصة أبو داود وتخطيطه لخطف وزراء رهائن في الأردن؟

- في تلك الفترة شهدت الحركات الإرهابية ازدهاراً في العالم، وأذكر جيداً بأني زرت روما تمهيداً لزيارة الراحل الملك الحسين للفاتيكان. غادرت وكنت وقتها نائباً لمدير المخابرات، ومعي فتحي أبو طالب، وكان وقتها نائباً لمدير الاستخبارات العسكرية ولاحقاً تسلم رئاسة هيئة الأركان وحمل رتبة مشير - رحمه الله. طبعاً زيارتنا هي زيارة أمنية وكانت في عام 1973؛ تمهيداً لزيارة الملك الحسين. وبعد وصولنا زرنا في روما شخصاً يماثل مدير المباحث العامة وهو جنرال.

وعندما دخلنا عليه وكأننا قادمون لقبض روحه، كان متشائماً جداً عند دخولنا، فطلب لنا قهوة وكان متوتراً للغاية، فسألناه عن تقديره للموقف الأمني خلال فترة زيارة الراحل الحسين ونصيحته؛ لأن الوضع الأمني صعب والحركات الإرهابية كانت في عنفوانها.

فكان جواب الرجل مختصراً ومفيداً. وقال أرغب في إجابتكم من الآخر. أنتم متخصصون وتعلمون بمواضيع الأمن، خصوصاً لكبار الضيوف من كبار الشخصيات. وزاد بقوله: أنا أجلس في هذه العمارة بالطابق الخامس، ولا أدري بأي لحظة ستنفجر بي، فلا أملك أي ضمانة حيال ما طلبتم مني. فلا سيطرة لنا على الأمن بأي صورة من الصور.

طبعاً شكرناه وغادرنا وبعثنا ببرقية مشفرة للقيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ننصح بعدم زيارة الملك للفاتيكان.

هل اخترقتم مجموعة وديع حداد، وهل استطعتم اختراق منظمة «أيلول الأسود»؟

- نعم، بالتأكيد.

من كان زعيم «أيلول الأسود»؟

- أبو إياد كان مسؤول «أيلول الأسود» ومعه أبو يوسف النجار.

لا أتذكر الآن، لكن هذه خلية أُنشئت لغرض محدد، وهو اغتيال وصفي التل، وتنفيذ عمليات أخرى. لكنهم بالأردن لم ينفذوا أي شيء؛ لأنهم لم يقدروا.

هل تعتقد أن أبو إياد كان مسؤولاً عن اغتيال وصفي التل؟

- لا أدري، لكنه هو مسؤول «أيلول الأسود»، وهذه المسؤولية مسؤولية قيادة «فتح».

هل قابلت أبو داود؟

- بالمناسبة، أبو داود من الذين عملوا نقداً ذاتياً لحركة «فتح» هو ومجموعة معه. وكان موضوعياً إلى حد كبير جداً في عملية النقد الذاتي.

إذن، دعنا نتذكر قصة أبو داود بقليل من التفاصيل؟ فمتى عرفتم بأن أبو داود يخطط لعملية بالأردن؟

- قد يكون ذلك في منتصف عام 1972. فقد توفرت معلومات أن أبو داود ومعه مجموعة تريد دخول الأردن من بغداد.

وأن مجموعة من قيادة «فتح» خططت لهذه العملية، وتم اختيار أبو داود لقيادتها.

هل عرفتم أنه تم اختيار أبو داود لقيادتها؟

- نعم، من البداية.

أي أنكم اخترقتم «أيلول الأسود»؟

- نحن اخترقنا «فتح». فهذه العملية لا علاقة لها بـ«أيلول الأسود»، وهي عملية خاصة، فقد أُسنِدت إلى أحد الضباط في العمليات ولمساعد نائب مدير المخابرات للعمليات وكان طارق علاء الدين - رحمه الله. وكان نذير رشيد - رحمه الله - مديراً للمخابرات، وكنت نائباً لمدير المخابرات.

وباختصار، تمت متابعة العملية قبل دخولها للأردن من بغداد، وقد دخلت المجموعة تركب سيارات مرسيدس، وكانوا يلبسون اللباس العربي التقليدي. وكان مع أبو داود امرأة ادَّعى أنها زوجته وهي ليست زوجته.

وكانوا يخبئون أسلحة بالسيارات الثلاث، وقد أخفوا الأسلحة بطريقة فنية؛ لكي لا ينكشف الأمر، وقد خزَّنوا الأسلحة بمقاعد السيارات نفسها.

بطبيعة الحال، كانوا يحملون جوازات سفر مزورة. لكن مع ذلك تم ترتيب إلقاء القبض عليهم. وبحكم تفتيش المركبات من جهتنا الحدودية مع العراق، اشتُبه بهم، وبالتالي تم اقتيادهم للدائرة. وجرى تفتيش المركبات تفتيشاً دقيقاً وتفككت كل المركبات، وتم جمع الأسلحة كاملة، فسلم أبو داود بالأمر.

وبطبيعة الأمر، عندما تكتمت المخابرات على العملية ولم تعلن عن إلقاء القبض على عناصرها، ولم تكن قيادة «فتح» تعلم أن العملية انكشفت وقد تم توقيف جميع عناصرها. حاولت «فتح» عبر إذاعتها التمويه على مكان وجود أبو داود وزعموا بأن أبو داود بطل عمليات طبرية والقدس. وبعد أن انكشفت العملية أطلقوا على أبو داود لقب «نخلة عمّان». ثم بدأ التحقيق معه، وكان رجلاً واقعياً ولم نحتج إلى وقت طويل حتى قدّم اعترافاته. فعندما شعر بأن الأمور كانت مكشوفة لنا بالكامل كان الرجل واقعياً. فقال: «يا جماعة خلص. يعني الأمور واضحة».

أبو إياد يقول إن أبو داود تعرَّض لتعذيب؟

- لم يمس أحد شعرة منه. وهو رجل كان يفهم تماماً طبيعة الظروف بعد العثور على الأسلحة وجوازات السفر المزورة. لذلك؛ أدلى باعترافات كاملة، وأن العملية كانت تهدف إلى احتجاز مجلس الوزراء الأردني أثناء انعقاده ووضعهم رهائن؛ من أجل التفاوض على إطلاق متهمين خطرين كانوا معتقلين بالأردن وهم من منظمة «فتح». وتم تدوين إفادته كاملة وانتهى الموضوع.

لم تنته الأمور عند ذلك. بل قيل عن لقاء جمع الملك الحسين بأبو داود في دائرة المخابرات العامة؟

- في تلك الأيام كان محمد رسول الكيلاني، وهو أول مدير لجهاز المخابرات عند تأسيسه، في زيارة للملك الحسين. وطلب منه إعادة فتح ملف التحقيق مع أبو داود؛ لأن لدى الرجل معلومات مهمة. الملك حسين لسبب أو لآخر اقتنع وطلب من مدير المخابرات نذير رشيد أن يسمح لمحمد رسول الكيلاني بالاطلاع على ملف الاعترافات. لم يعجب ذلك المرحوم رشيد؛ لأن الأمر فيه تقليل من شأن الضباط المحترفين الذين حققوا مع أبو داود.

في تلك الأثناء قام والد ووالدة أبو داود بزيارة لمنزل محمد رسول، طالبين منه أن يلتقيا بالملك الحسين، ليطلبا منه العفو عن ولدهما، وفعلاً بعدها جاء الراحل الحسين وقابل أبو داود وسمع اعترافه.

أبو داود اعترف أمام الملك حسين؟

- الملك الحسين قرأ اعترافات أبو داود كاملة وبعدها قابله.

بماذا تحدثنا عن تفاصيل هذه اللحظات الإنسانية؟

- قابل الراحل الملك الحسين والد ووالدة أبو داود في دائرة المخابرات العامة، وقبلها كان الوالدان التقيا ولدهما الذي ظل سجيناً لفترة من الوقت. استجاب الراحل الحسين لاسترحام الأب والأم. وبعدها التقى أبو داود بمفرده.

وبعدما أحيل نذير رشيد إلى التقاعد وأعيد محمد رسول الكيلاني للخدمة مرة ثانية حاول إعادة فتح التحقيق والتوسع، لكنه لم يجد ثغرة تسمح له بإعادة فتح الملف. لكن الملك الحسين كان قد وعد الأب والأم بالإفراج عن ابنهما. وبعد فترة قصيرة تم الإفراج عنه.

وبتقديري، وهذا ما لمسته، بأن أبو داود تأثر من موقف الراحل الحسين ومعاملته الطيبة لوالديه وعفوه عنه. ولم يعد بأي تهديد للأردن أو القيام بأي عمل مستقبلي ضد الأردن.

أبو داود بين شرطيين فرنسيين بعد توقيفه لفترة قصيرة في مطار أورلي بباريس عام 1977 (أ.ف.ب)

بالنسبة لمحمد رسول لم يمكث طويلاً بفترته الثانية في إدارة الجهاز. فالمدة التي غاب فيها عن الدائرة شهدت الكثير من التطورات، وقد تقدمنا فنياً في العمل الاستخباري، كما أن التحديات اختلفت عما كان موجوداً في زمنه. كما زاد عدد الضباط زيادة ملحوظة وأصبح في الجهاز فرق وخبراء مختصون، أي أن المناخ اختلف وأصبح هناك احترافية في العمل.

نتيجة لذلك؛ حدث ارتباك في العمل وصرنا قلقين على مصير العمليات الاستخبارية نفسها؛ لأن العقلية القديمة مع الحداثة التي حصلت في الجهاز تسبب بإرباكات كثيرة. وقد حصل جفاء بيننا كضباط وأفراد، ولم نعد مرتاحين في هذه الأجواء، ففكرت مع المرحوم طارق علاء الدين بالاستقالة. وعندما وصل هذا الكلام للراحل الحسين زار دائرة المخابرات بشكل مفاجئ. وكان مكتبي يقع مقابل مكتب محمد رسول، وكان مكتب طارق بعدي مباشرة. دخل الحسين لمكتب محمد رسول وكان معه الشريف زيد بن شاكر. بعد نحو نصف ساعة خرج الحسين وقد استقبلته أمام مكتبي، فسلم عليّ وعلى وطارق علاء الدين. وقف معنا وجاملنا بكلمات لطيفة وغادر.

بعد أسبوع صدرت الإرادة الملكية بإحالة محمد رسول الكيلاني - رحمه الله - على التقاعد، وتعيينه مستشاراً للأمن القومي في الديوان الملكي، كما صدرت الارادة الملكية بتعييني مديراً للمخابرات في الأول من سبتمبر 1974.

هل كان الملك الحسين حريصاً على زيارة الجهاز واللقاء مع كبار ضباطه؟

- كانت علاقته بالدائرة علاقة مباشرة، ويجتمع بنا باستمرار ويستمع ليس لمعلوماتنا، بل لآرائنا الشخصية كذلك.

ثم بعد ذلك أصبحت علاقة الراحل مع الجهاز من خلال المدير، وهو الذي يرفع التقرير للملك مباشرة، كما يقدم التقرير الأمني لرئيس الوزراء بموجب أحكام القانون.

بالنسبة لي كنت أقدم تقارير لرئيس الحكومة وأقابل الملك أيضاً. لكن أمام الملك قد يكون من الواجب التوسع في شرح بعض القضايا شفاهة؛ حتى لا يتم تداول تلك المعلومات بين الموظفين. وكنت أقابل الملك باستمرار.

عندما يُطلب مني تقديم عرض أمني أمام الملك، كان الراحل الحسين يستدعي وقتها ولي عهده الأمير الحسن، كما يحضر مستشارو الملك وقيادات الجيش والأمن العام ورئيس الديوان ورئيس الحكومة. وطبعاً يكون العرض للتقرير الأمني فيه شرح للأوضاع الأمنية وأي تحديات خارجية أو داخلية.


مقالات ذات صلة

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

شؤون إقليمية عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

نفت تركيا ادعاءات بشأن عودة عناصر أجنبية نشطت ضمن «قسد» إليها بعد إعلان حلها وانتهاء دمجها في مؤسسات الدولة السورية، مجددةً دعمها لدمشق في هذه المرحلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية على اليمين وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير وعلى اليسار عدد من الأسيرات الفلسطينيات خلال زيارة تمت قبل أسابيع (حساب بن غفير عبر «إنستغرام»)

معتقلات فلسطينيات: نتعرض لظروف احتجاز قاسية... وغفير: فخور بذلك

قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إنه «فخور» بخفض ظروف احتجاز المعتقلات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية عناصر سابقة في «قسد» خلال دورية حراسة في الحسكة بعد انضمامهم إلى الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تُرحّب بإعلان انتهاء دمج «قسد»... وتترقب التطبيق العملي

رحّبت تركيا بإعلان اكتمال دمج «قسد» في مؤسسات الدولة، عادةً أنها خطوة نحو تعزيز سلطة الدولة، ومتعهدة باستمرار دعم بناء الجيش السوري.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية قصفت إسرائيل مطار «أبو الظهور» العسكري في شمال غربي سوريا بزعم الاستعداد لنشر قوات تركيا في قاعدة جوية بداخله (رويترز)

براك: إسرائيل سعت لاختبار تركيا بـ«لعبة خطيرة» عبر قصفها مطار «أبو الظهور»

رجّح السفير الأميركي في أنقرة، المبعوث الرئاسي توم برّاك، احتمال أن تكون إسرائيل أرادت اختبار تركيا بالهجوم على مطار أبو الظهور العسكري في سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية قصف إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري في شمال غربي سوريا واتهاماتها لتركيا رفعت حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب (رويترز)

حليف لإردوغان يدعو لـ«موقف قوي» من إسرائيل بعد هجوم «أبو الظهور»

تعتقد أنقرة أن استفزازات نتنياهو لتركيا هدفها محاولة اصطناع عدو جديد لإسرائيل لأهداف تتعلق بالانتخابات المقبلة التي لو خسرها فسيحاكم مباشرة بتهم الفساد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

جرائم «الثأر» تهدد مسار الدمج والسلم الأهلي في شرق وشمال سوريا

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
TT

جرائم «الثأر» تهدد مسار الدمج والسلم الأهلي في شرق وشمال سوريا

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)

توفي سبعة من نزلاء سجن عين العرب (كوباني) بريف حلب، ذات الغالبية الكردية، وأصيب عدد آخر بالاختناق، جراء ‏حريق اندلع داخل السجن السبت، «خلال حالة من الفوضى أثارها عدد من النزلاء، ‌‏على خلفية أعمال الشغب التي شهدتها المدينة الجمعة» وفق وكالة «سانا» الرسمية.‏

وحسب مصدر أمني، فإن السجن لا يزال يُدار من كوادره السابقة «الأسايش»، ولم تتسلمه قوى ‌‏الأمن الداخلي حتى الآن، فيما أشارت مصادر محلية إلى أن مسألة «الثأر» من «أخطر العقبات التي تواجه عملية الدمج الجارية شرق وشمال البلاد».

واندلع الحريق فجر السبت في السجن إثر ورود أنباء عن نقل سجناء إلى حلب. وقالت مصادر محلية إن السجناء أشعلوا النيران لرفضهم النقل إلا أن القائمين على السجن من «الأسايش» تأخروا في فتح الأبواب ما أدى إلى وقوع وفيات وإصابات، وذلك وسط اتهامات لتنظيم «الشبيبة الثورية» بافتعال الحريق وإثارة الفوضى.

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

ورغم إعلان الحكومة السورية تسلم السجون من «قسد» في أبريل (نيسان) الماضي، فإن بعض السجون لم تسلم بسبب تأخر الإجراءات الميدانية للتسليم والتسلم، وما يرافقها من احتجاجات رافضة كما سبق أن حصل لدى تسليم «قصر العدل» في الحسكة والقامشلي.

ووصلت تعزيزات أمنية كبيرة ليل الجمعة ـ السبت إلى مدينة عين العرب لضبط الانفلات الأمني فيها، حسب بيان لمديرية الأمن الداخلي، أوضحت فيه أن دوريات قوى الأمن انتشرت ‏في المدينة لتأمين وقفة احتجاجية على خلفية مقتل الشاب سامي شيخموس حسو (قيادي سابق في «قسد»)، على أيدي متورطين تواصل قوى الأمن الداخلي ملاحقتهم.

وأضاف البيان أنه «وخلال الوقفة، أقدم عدد من المشاركين على رشق عناصر الأمن بالحجارة، بالتزامن مع إطلاق النار وإضرام النيران في عدد من المقرات الأمنية في المدينة، ما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف قوى الأمن الداخلي، التي تدخلت بعد ذلك ‏لضبط الوضع وألقت القبض على عدد من المتورطين في الاعتداءات، فيما تتواصل عمليات البحث والملاحقة لضبط بقية المتورطين».

ودعت مديرية الأمن أهالي عين العرب «إلى التحلي بالهدوء وضبط النفس وعدم الانجرار وراء أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو الإخلال بالسلم الأهلي».

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (متداول فيسبوك)

كما اندلعت احتجاجات في المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظتي الحسكة وحلب، بعد حادثة قتل شيخموس حسو عقب اختطافه في العاشر من الشهر الحالي، في حادثة تعد الثالثة من نوعها.

وأصدر محتجون في القامشلي بياناً أشاروا فيه إلى وجود «قوى تسعى لإفشال عملية الاندماج والحيلولة دون حصول الشعب الكردي على حقوقه ومكانته القانونية ضمن الدولة السورية، بالوقوف وراء هذه الحوادث والتخطيط لها وتنفيذها».

وطالب البيان الحكومة السورية «بتوضيح ملابسات الجريمة، وفتح تحقيق شفاف ومحاسبة مرتكبيها ومعاقبتهم وفق القانون»، داعياً الأهالي إلى «اليقظة والتكاتف والحفاظ على وحدتهم وعدم السماح لأي جهة باستغلالهم لخدمة أجنداتها السياسية».

مهمة شاقة

ووصفت مصادر محلية متقاطعة الحادثة بأنها جريمة «ثأر». وأكدت أن الفريق الرئاسي يبذل جهوداً «شاقة» لإزالة العقبات التي تعترض مسار الدمج، «إلا أن مسألة الثأر لا يمكن الحد منها ما لم تجرِ محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات من العناصر التي كانت تتبع لقوات (قسد) خلال السنوات الماضية، أو على الأقل عزلهم عن مسار الدمج، وفتح الباب لمحاسبتهم أمام القضاء».

وكان «مركز إعلام الحسكة» قد أعلن، في وقت سابق الجمعة، أن مقتل شيخموس حسو «كان بدافع الثأر، لشخصين شقيقين من أبناء المنطقة قتلا قبل نحو عامين عند أحد الحواجز في محافظة الحسكة».

ونقل المركز عن مصادر محلية إفادتها بإقامة عدد من عناصر قوات «قسد» المنحلة حواجز طيارة عند المدخل الجنوبي لمدينة القامشلي، وتوقيف المارة وتفتيشهم. وذلك في ظل توتر متصاعد تشهده المحافظة.

نائب محافظ الحسكة يترأس اجتماعاً في المحافظة لتهدئة الأوضاع (مركز إعلام الحسكة)

وسعياً لاحتواء التوتر، ترأس نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي اجتماعاً السبت مع وجهاء وشخصيات عشائرية في مبنى المحافظة، لمناقشة التطورات الأخيرة. وأفادت «مديرية إعلام الحسكة» بأن الاجتماع تناول أهمية «تعزيز التواصل والتنسيق بين الفعاليات الاجتماعية والعشائرية، ودورها في دعم الاستقرار والسلم الأهلي وترسيخ التماسك المجتمعي» إلى جانب توحيد الجهود وتعزيز التعاون بين مختلف الفعاليات بما يخدم أمن واستقرار المحافظة.

وتسلمت الحكومة السورية إدارة مدينة عين العرب (كوباني) في مايو (أيار) 2026 من قوات «قسد» التي سيطرت عليها منذ عام 2019، تنفيذاً لاتفاق 29 يناير (كانون الثاني) مع الحكومة السورية.

وتتركز غالبية كردية في مدينة عين العرب (كوباني) فيما يتركز أبناء العشائر العربية في ريف المنطقة بالإضافة إلى أقليات من الأرمن والتركمان والسريان.

وأعلن قائد «قسد» مظلوم عبدي من دمشق رسمياً حل قوات «قسد» في 25 أغسطس (آب) 2026. ليتسلّم بعدها مهامه مستشاراً في القصر الرئاسي.


العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
TT

العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، السبت، عن ضبط 47 طائرة مسيّرة و46 مقذوفاً في موقع مهجور غرب المحافظة، يرجح أنه تابع لأحد الفصائل المسلحة التي تتمتع بنفوذ عسكري واسع في تلك المناطق.

ويتزامن التطور الأمني في الأنبار مع هجمات نفذتها فصائل مسلحة ضد المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يراه مراقبون، بقدر من التفاؤل الحذر، أن السلطات جدية في وضع حد لتلك الهجمات.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان، إنه «بناءً على معلومات استخبارية دقيقة، تمكنت مفارز قيادة شرطة محافظة الأنبار من ضبط موقع مهجور في منطقة الـ35، كان يُستخدم سابقاً محلاً لتصليح إطارات العجلات، وعثرت بداخله على كميات من الطائرات المسيّرة والمقذوفات والمعدات المرتبطة بتشغيلها».

وأضافت الوزارة أن «عملية التفتيش أسفرت عن ضبط 47 طائرة مسيّرة (درون) و46 مقذوفاً معداً للربط والاستخدام مع هذه الطائرات، فضلاً عن أجهزة تحكم وبطاريات ومعدات ومواد أخرى ذات صلة في منطقة الـ35 في الأنبار».

وجرى تأمين الموقع والتحفظ على جميع المضبوطات، فيما باشرت الجهات المختصة إجراءاتها التحقيقية والفنية لمعرفة مصدر هذه المواد والجهات المرتبطة بها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وفق الأصول والضوابط، وفق البيان.

وترجح مصادر أمنية في المحافظة عائدية الطائرات والمواد المضبوطة إلى أحد الفصائل المسلحة الموالية لإيران والتي تعمل تحت مظلة «الحشد الشعبي».

وتؤكد المصادر أن «القيادات الأمنية تسعى لمنع تحول محافظة الأنبار إلى منصة لإطلاق الصواريخ على دول الجوار».

وترتبط محافظة الأنبار بمساحتها الشاسعة وحدوها بثلاث دول عربية، هي الأردن وسوريا والمملكة العربية السعودية. نتيجة لذلك، تؤكد المصادر أنها «تمثل أولوية استراتيجية بالنسبة للفصائل المسلحة وإيران، حيث كانت الممر الرئيس لنقل الأسلحة إلى نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد ولـ(حزب الله) اللبناني».

وطبقاً لمعلومات أمنية، فإن جهات عديدة تعمل داخل المحافظة، إلى جانب قوات الجيش والشرطة الرسمية، توجد قوات من جماعات وعشائر محلية، بعضها تحت مظلة «الحشد الشعبي»، كما تعمل فصائل معروفة بارتباطاتها مع إيران، مثل «كتائب حزب الله»، ولها ثلاثة ألوية في «الحشد الشعبي»، وتعد الأكثر نفوذاً في غرب الأنبار.

كما تنشط حركة «النجباء»، وكذلك «كتائب سيد الشهداء»، في الأنبار، وتشير المصادر إلى أنهما يوجدان في المناطق القريبة من الحدود العراقية - السورية بالتنسيق مع التشكيلات الأمنية الأخرى. وهناك وجود لمقاتلين تابعين لـ«عصائب أهل الحق» ومنظمة «بدر» في مناطق مختلفة في المحافظة، لكنها بعيدة نسبياً عن الشريط الحدودي مع سوريا، بحسب المصادر

الداخلية العراقية قالت إنها ضبطت عشرات المسيرات في منطقة الـ35 في الأنبار (إعلام أمني)

وتوفر الطبيعة الجغرافية للمحافظة، المتمثلة بالصحاري الممتدة، والوديان الوعرة، والمواقع العسكرية المهجورة، بيئة مثالية للفصائل لإنشاء مستودعات أسلحة، وقواعد لإطلاق وتخزين الطائرات المسيّرة والمقذوفات الصاروخية، بعيداً عن الرقابة المباشرة لمركز الدولة.

وخلال الحرب الإيرانية - الأميركية في مارس (آذار) الماضي، قالت تقارير محلية إن قوات تابعة لـ«الحشد الشعبي» والفصائل غادرت مواقعها، وأعادت انتشارها بعيداً عن المناطق الحدودية.

وفي 31 أغسطس (آب) الماضي، نفى قائد عمليات قاطع الأنبار لـ«الحشد الشعبي»، قاسم مصلح، إخلاء مقرات «الحشد» في الأنبار، مؤكداً استمرار القطعات في أداء مهامها الأمنية بصورة طبيعية.

وقال مصلح، في بيان، إن قطعات قيادة عمليات قاطع الأنبار تواصل تنفيذ واجباتها ضمن مناطق المسؤولية، وبمستويات عالية من الجاهزية والاستعداد، مشيراً إلى أن جميع المقرات والقطعات تعمل وفق الخطط الأمنية المعتمدة.


قراءة فرنسية في اجتماع باريس... واستعداد أوروبي واضح لمساعدة لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)
TT

قراءة فرنسية في اجتماع باريس... واستعداد أوروبي واضح لمساعدة لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)

برئاسة ثلاثية فرنسية - لبنانية - أردنية يلتئم في باريس يوم الخميس المقبل اجتماع دولي غرضه التمهيد للمؤتمر المؤجل لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية. وتفيد مصادر على صلة بالملف بأن المرتقب مشاركة 17 بعثة عسكرية على مستوى رؤساء الأركان ومجموعة من الخبراء. بيد أن فرنسا، الجهة الداعية، لم تعلن، حتى اليوم، رسمياً، عن الأطراف المشاركة. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن اجتماع باريس سيضم، إلى جانب فرنسا ولبنان والأردن، بعثات أوروبية (ألمانية، وإيطالية، وبريطانية، وآيرلندية، وبعثة تمثل الاتحاد الأوروبي)، وبعثات عربية (السعودية، ومصر، والكويت، والإمارات، وقطر)، وأخرى دولية على رأسها الولايات المتحدة، وتشمل كندا وتركيا وباكستان. وستحضر بعثة تمثل الأمم المتحدة؛ نظراً للملف الرئيسي المعنية به، وعنوانه انتهاء مهمة «اليونيفيل» الحالية نهاية العام الحالي في جنوب لبنان، والبحث عن بديل عنها حتى لا تُترك المنطقة خالية من أي حضور دولي.

ثلاثة محاور لاجتماع باريس

رغم الطابع «التقني - التمهيدي» للاجتماع الذي حرصت باريس عليه لإبقاء سقف التوقعات منخفضاً بانتظار انعقاد المؤتمر «الرسمي» الذي تأجل بداية شهر مارس (آذار) الماضي بسبب اشتعال الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن مشاركة الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون، واللبناني جوزيف عون، والعاهل الأردني عبد الله الثاني، توفر له قوة دفع إضافية بحيث لن يكون اجتماعاً عابراً.

ووضعت فرنسا، رسمياً، ثلاثة محاور متصلة له: الأول، يتناول تقييم الوضع الأمني العام في لبنان. والمحور الثاني يقوم على توفير الفرصة للجانب اللبناني لكي يعرض بالتفصيل احتياجات قواته الأمنية المختلفة، سواء بالنسبة للجيش أو بالنسبة لقوى الأمن الداخلي. أما المحور الثالث، وهو الأهم، فيتناول النظر في كيفية الاستجابة بالشكل الأفضل للاحتياجات العسكرية اللبنانية، والتعرف على ما تستطيع كل بعثة تقديمه، والتنسيق في ما بينها لجهة تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية. وفي هذا الخصوص، أفاد مصدر متابع للاتصالات التي سبقت موعد الاجتماع بأن المطلوب تحديداً هو «الانتقال من الوعود إلى الالتزامات الجدية والدقيقة» التي بمقدور كل طرف مشارك تقديمها لمساعدة الدولة اللبنانية على الوفاء بالتزاماتها، وفرض سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية.

ترى باريس أن الغرض النهائي للاجتماع يتمثل، من جهة، في تمكين الجيش اللبناني من امتلاك القدرات والموارد اللازمة ليضطلع بمسؤولياته بفاعلية. وثمة قناعة نهائية مفادها أن أمراً كهذا لن يتحقق من غير توافر الدعم الدولي، وجهد جماعي لتلبية حاجاته العملية، وتزويده بالمعدات اللوجستية، والتدريب وبناء القدرات، وفقاً للأولويات وخطة العمل والحاجات التي حددها الجيش اللبناني. ومن جانب آخر، ترى باريس أن تعزيز القوى الأمنية اللبنانية من شأنه تمكين الجيش من التفرغ لمهامه الأساسية ذات الأولوية بدل توجيه جزء مهم من قواه للمحافظة على الأمن الداخلي.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال زيارته التفقدية لمدينة النبطية السبت (الرئاسة اللبنانية)

قوة دفع إضافية

بانتظار أن تكشف المصادر الرئاسية عن مجريات وتفاصيل الاجتماع، وقبله عن المحادثات التي ستُجرى في قصر «الإليزيه» بين القادة الثلاثة، فمن المؤكد أن حضورهم يوفر عنصر دفع لاجتماع قادة أركان الجدول والمؤسسات المشاركة. وأفادت مصادر دبلوماسية متابعة بأن ملف «اليونيفيل» سيكون حاضراً على طاولة المحادثات، وأن باريس التي لعبت على الدوام دوراً رائداً في مجلس الأمن منذ سبعينيات القرن الماضي بالنسبة للقوة الدولية، وقد «حملت القلم» الذي دوّن القرارات الدولية، ومنها الخاصة بـ«اليونيفيل»، هناك تشديد على ضرورة مواصلة مهامها في جنوب لبنان رغم الانتقادات العديدة التي تعرضت لها، وستواصل القيام بهذا الدور، خصوصاً أنها ترأس في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مجلس الأمن الدولي. وتوفر لها هذه الرئاسة موقعاً إضافياً لمساعدة لبنان الذي سيكون حاضراً بقوة خلال ما يسمى «أسبوع القادة» التقليدي في الأمم المتحدة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يتصافحان خلال قمة الفضاء الدولية التي استضافتها باريس يومَي 8 و9 سبتمبر في «القصر الكبير» (رويترز)

آليتا الدعم الأوروبي

لكن المشاورات التي حصلت مؤخراً في مجلس الأمن أبقت الوضع ضبابياً، وفاقمت المخاوف من حدوث فراغ أمني تترتب عليه تبعات سلبية. بالتوازي، فإن وجود بعثة تمثل الاتحاد الأوروبي مهم من جانبين: الأول، أن بروكسل عازمة على تفعيل آليتين لدعم قدرات الجيش اللبناني: الأولى تندرج في إطار ما يسمى «سياسة الأمن والدفاع المشتركة» التي تتيح للاتحاد الأوروبي إرسال بعثات عسكرية أو مدنية خارج حدوده تعمل على تأهيل القوات المسلحة، وتوفير المشورة وإصلاح القطاع الأمني وتعزيز الاستقرار، وتُتخذ قرارات إرسالها بإجماع مجلس الاتحاد. أما الآلية الثانية فتُسمى «المرفق الأوروبي من أجل السلام»، وهو آلية مالية يمكن أن تستخدم لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية مالياً بالتوازي مع المهمة الأولى. وقالت باريس إنها «تدفع في الاتجاهين» لمساعدة لبنان.

«العتب» الفرنسي

تبقى في الأجواء أربع ملاحظات، ومفاد الأولى أن مجيء الرئيس عون إلى فرنسا والتئام الاجتماع من شأنهما إعادة الحرارة إلى العلاقات اللبنانية - الفرنسية بعد ما شاع عن «عتب» باريس على لبنان؛ لأنه «لم يتمسك» بحضور فرنسي في المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق يونيو (حزيران) الماضي مع إسرائيل برعاية أميركية خالصة. والثانية، معرفة ما إذا كانت المساعدات المرتقبة من الاجتماع ستكون مربوطة بـ«إنجازات» لبنانية على صعيد حصرية السلاح، أم أنها ستوضع في خانة مساعدة الدولة لإنجاز حصرية السلاح. والثالثة، معرفة ما إذا كانت فرنسا ستعلن موعداً جديداً لانعقاد المؤتمر الدولي المؤجل، أم أن الوضع المضطرب في المنطقة والحرب المتواصلة بين الولايات المتحدة وإيران سيبقيان الانتباه مشدوداً إلى ما يجري في الخليج ومضيق هرمز وباب المندب. ورابعاً، فإن المستجد انضمام الأردن إلى رعاية الاجتماع، والأرجح لاحقاً المؤتمر، علماً بأن عُمان لم تكن من ضمن المجموعة الخماسية التي كانت تتابع الوضع اللبناني، ويبدو أن باريس أرادت شريكاً عربياً في رعايته.

وأخيراً، ليس معلوماً اليوم ما سيكون عليه مضمون وشكل مخرجات الاجتماع، وهل ستكون هناك إشارات لدعم مالي أو سيبقى الاجتماع في إطار توفير الوسائل والقدرات للجيش اللبناني والقوى الأمنية. والشيء الثابت اليوم أن الجيش اللبناني سيستفيد من غالبية أسلحة ومعدات ووسائل النقل التي تستخدمها «اليونيفيل» التي ستتركها للبنان عند رحيلها باعتبار أن تكلفة نقلها ستكون مرتفعة.