تركيا وسوريا... إنهاء التشكيلات المسلحة يعزز استقرار المنطقة

فيدان والشيباني ندّدا بالانتهاكات الإسرائيلية المتزايدة

مباحثات بين وزيرَي الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)
مباحثات بين وزيرَي الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)
TT

تركيا وسوريا... إنهاء التشكيلات المسلحة يعزز استقرار المنطقة

مباحثات بين وزيرَي الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)
مباحثات بين وزيرَي الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

أكدت تركيا وسوريا العمل معاً من أجل أمن واستقرار المنطقة، ونددتا بانتهاكات إسرائيل واستغلال الحرب في إيران لتوسيع نطاق هذه الانتهاكات.

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن «سوريا برزت كدولة تُسهم في الحفاظ على الاستقرار في منطقتنا طوال فترة حرب إيران، وهذا أمرٌ جديرٌ بالذكر؛ لذا فإن حماية أمنها وسلامها مسؤولية مشتركة تقع على عاتقنا جميعاً كدول في المنطقة».

ومن جهة أخرى، فإن الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها تشكّل أحد أكبر التهديدات التي تواجه استقرار البلاد، وإن مواصلة إسرائيل هجماتها رغم التوصل إلى تفاهم بشأن اتفاق غزة تؤكد مجدداً أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لا يريد السلام، بحسب الوزير التركي.

وقال فيدان، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السوري أسعد الشيباني في ختام مباحثات عقداها في أنقرة، الخميس، إن على المجتمع الدولي أن يرد بقوة أكبر على عقلية الاحتلال الإسرائيلي، وأن يمارس الضغط اللازم لضمان الالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، واحترام سيادة سوريا.

ولفت إلى أنه ناقش مع الشيباني الوضع في فلسطين ولبنان بشكل شامل، وقال: «لبنان جار لسوريا، وكل ما يحدث هناك يهمها بشكل مباشر، ويهمنا نحن أيضاً».

من اجتماعات وزراء خارجية الدول الإسلامية الأربعاء في الأردن لدعم القدس (الخارجية التركية)

وقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن عن خريطة طريق المرحلة الثانية من خطته للسلام، ومع ذلك أظهرت الهجمات الإسرائيلية المتواصلة مرة أخرى أن نتنياهو لا يريد السلام، كما أظهرت حرب إيران استغلال إسرائيل لها في توسيع انتهاكاتها في فلسطين.

وأشار إلى الاجتماع الموسع لوزراء خارجية أكثر من 20 دولة إسلامية حول القدس في الأردن، الأربعاء، كما عُقد اجتماع لوزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان «واتخذنا بعض القرارات بشأن التحركات الدبلوماسية، وربما نجتمع في سبتمبر (أيلول) مرة أخرى».

وتابع فيدان: «من جهة أخرى، يُعد لبنان أحد التحديات التي تواجه منطقتنا حيث تسعى إسرائيل لتحقيق طموحاتها العدوانية والتوسعية. وقُتل آلاف الأبرياء ونزح أكثر من مليون مدني من ديارهم، ويعد إرساء بيئة آمنة ومستقرة في لبنان أمراً بالغ الأهمية لسلام منطقتنا».

ورحب بالخطوات التي اتُّخذت باتجاه تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا، وتقييم مجالات التعاون، لافتاً إلى أنه ناقش هذا الأمر بالتفصيل مع الشيباني.

دعم استقرار سوريا

وقال فيدان: «في هذه الحقبة الجديدة، تتحول سوريا إلى بلدٍ يُمثل مصدراً للحلول لا للمشاكل، وإن وجود سوريا على طاولات التعاون التي عقدناها مع إخواننا في المنطقة يُشعرنا بالفخر، وسنواصل أنا ونظيري السوري العمل معاً خلال الفترة المقبلة لتعزيز علاقاتنا الثنائية، ودعم السلام والأمن الإقليميين».

وأضاف أن الفرصة أتيحت خلال اجتماعه مع الشيباني لمناقشة قضايا إقليمية، معرباً عن الارتياح للتصريحات المتعلقة بإمكانية استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وعن الأمل في استعادة وقف إطلاق النار في أقرب وقت ممكن وفتح مضيق هرمز، الذي يشكّل إغلاقه مشكلة كبيرة تؤثر بشدة على أسعار الطاقة. وقال: «نواصل في هذه المرحلة دعمنا للمفاوضات».

فيدان والشيباني خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

فيدان أكد أن بلاده وسوريا ستعملان على تعميق التعاون والتنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب والدفاع والأمن، وقال إن استكمال عملية الاندماج الجارية في سوريا دون انقطاع، في إشارة إلى اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الدولة السورية، هو أمر بالغ الأهمية لتركيا، وأضاف أن «دمج جميع العناصر المسلحة، وما يُسمى بالمنظمات والميليشيات، تحت مظلة هيكل وطني مركزي وشرعي، هو أمرٌ جوهري لوحدة سوريا واستقرار منطقتنا».

وذكر أن «تركيا تعمل على تطوير علاقاتها الاقتصادية مع سوريا بما يتماشى مع متطلبات العصر الجديد، بهدف زيادة حجم التبادل التجاري. وتُعدّ تسهيلات الإجراءات الجمركية، ورفع كفاءة المعابر الحدودية، وتفعيل القنوات المصرفية، وتنسيق البنية التحتية للنقل من بين أولوياتنا. وتعمل فرقنا على تحقيق هذه الأهداف. كما تُسهم مؤسساتنا العامة والقطاع الخاص في إعادة إعمار سوريا، وتطوير بنيتها التحتية للطاقة، وتأهيل شبكة النقل فيها».

واعتبر فيدان أن «المشاريع الإقليمية ستلعب دوراً مهماً في هذا الصدد؛ إذ تُعدّ مبادرة الربط البري والسككي التي أطلقناها بين تركيا وسوريا والسعودية والأردن بالغة الأهمية في هذا السياق. وقد بدأنا العمل على تنفيذ هذه المبادرة الاستراتيجية في أسرع وقت ممكن بناءً على قرار قادتنا».

ونوّه باكتمال إجراءات الحصول على التراخيص اللازمة لافتتاح مدرسة تركية في دمشق، وقال: «نسعى جاهدين لجعلها جاهزة للعام الدراسي الجديد، كما تتسارع وتيرة العمل لإنشاء جامعة تركية - سورية مشتركة. ويُعدّ القطاع الصحي أحد المجالات التي نعمل فيها بكثافة مع سوريا، وفي الوقت نفسه نسعى للمساهمة في اندماج سوريا في النظام المالي العالمي. ويُعدّ السماح للبنك المركزي السوري بفتح حساب بالليرة التركية لدى بنكنا المركزي، خطوة بالغة الأهمية في هذا الصدد. وسنُنفّذ خلال الفترة المقبلة مشاريع جديدة تتماشى مع هدفنا المتمثل في تعزيز العلاقات التركية - السورية».

اتفاق دمج «قسد»

من جانبه، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن التعاون بين بلاده وتركيا مهم بالنسبة لأمن واستقرار المنطقة، لافتاً إلى اتفاق البلدين مؤخراً على تشكيل آلية تنسيق، ومجلس تأسيسي استراتيجي للعلاقات، لترجمة الإرادة السياسية باتجاه تعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية، والتعاون بين البنكين المركزيين للبلدين، وغير ذلك.

وأضاف أن دمشق وأنقرة تتعاونان في مكافحة الإرهاب، وأن هذا التعاون يشكّل حجر الزاوية في الشراكة بين البلدين، ويتجسد هذا الأمر في قرار دمشق بسط سلطة الدولة وإنهاء وجود السلاح خارج إطار القانون، وهو ما تم من خلال الحوار والاتفاق القانوني الذي وحّد المؤسسات، في إشارة إلى اتفاق دمج قوات «قسد» في مؤسسات الدولة، ليكون الاستثمار الأكبر في أمن الجوار.

جانب من مباحثات فيدان والشيباني (رويترز)

وأكد الشيباني أن سوريا الموحدة الخالية من الإرهاب والميليشيات المسلحة تشكل الجدار الأمثل لحماية الحدود المشتركة، لافتاً إلى «التنسيق مع أنقرة لضمان نجاح هذا المسار تحقيقاً لمصالحنا الوطنية المشتركة».

وأوضح أن «هذا الإنجاز السوري بحصر السلاح في يد الدولة يبشّر بمرحلة جديدة لجارنا الإقليمي (تركيا)، فالمنطقة تتجه إلى إرساء قاعدة وحيدة هي الاستقرار، قوامها إنهاء وجود أي تشكيلات مسلحة خارج الإطار الشرعي».

وأضاف أنه ونظيره التركي اتفقا على «دعم المساعي والخطوات التي يقودها أشقاؤنا في العراق ولبنان لتعزيز سيادة الدولتين، وحصر السلاح بيد المؤسسات الوطنية بما ينهي أي زعزعة أو اضطراب لاستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن «نجاح هذا المسار في الدول الشقيقة يضمن استقرارها الداخلي المستدام، ويشكّل مع الإنجاز السوري شبكة أمان إقليمية متكاملة تحصّن منطقتنا، وتدفع بها نحو التنمية والازدهار».

ضمن هذه الرؤية الشاملة للأمن لفت الشيباني إلى ترافق «جهودنا لترسيخ الهدوء شمالاً مع عقل دبلوماسي حازم لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة في جنوبنا السوري، ونحن نعمل بثبات لترسيخ الاستقرار هناك، ونؤكد إدانتنا واستنكارنا لأي اعتداء يمس أرضنا وسيادتنا، وينعكس سلباً على أمن واستقرار المنطقة بأسرها».

وجدّد الدعوة للعودة إلى اتفاقية وقف الاشتباك لعام 1974 والانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، ودعا الدول الشقيقة والصديقة والمجتمع الدولي إلى «تحمُّل مسؤولياتها من أجل إنفاذ القانون الدولي، والحفاظ على الاستقرار في سوريا والمنطقة».

التعاون الإقليمي

وتابع الشيباني أن تحقيق الاستقرار الأمني يمهد بثبات لملف الربط الإقليمي، لافتاً إلى أنه ناقش مع فيدان تفعيل اتفاقية البحار الأربعة، وأن «الحقائق التاريخية والجغرافية تحتّم أن تكون سوريا هي العقدة الرئيسية في خرائط التجارة العالمية، وندفع بثقة باتجاه استكمال مشروع الربط السككي بين سوريا والسعودية وتركيا والأردن، والذي يمثل دور سوريا فيه جسراً اقتصادياً وتجارياً فعلياً، يعزز دورها كجسر دبلوماسي فاعل في المنطقة. ومن هذا المنطلق سيتم البناء على هذا النموذج الإيجابي مع تركيا لتفعيل اللجان الفنية المشتركة وإدارة الموارد المائية بما يخدم مصلحة الشعبين».

وفيما يتعلق بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أكد الشيباني أن موقف سوريا ينطلق من الدبلوماسية الفاعلة لحماية مصالحها الوطنية، وتجنيب المنطقة ويلات الانزلاق نحو الصراع المفتوح.

وعبّر عن «استنكار سوريا الشديد لأي ضربات أو اعتداءات تطول دول الخليج العربي، ونؤكد أن تحييد أمن الخليج عن هذه المواجهة هو ضرورة قصوى، واستقرار هذه الدول الشقيقة هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي»، داعياً دول المنطقة لتعزيز التعاون السياسي والأمني والعسكري لحماية مصالح الجميع وضبط الحدود.

وأشار إلى أن أمن سوريا يتعرض لتهديدات من جانب ميليشيات تستخدم حدود الجوار وتحمل السلاح خارج إطار الدولة، وأن مؤسسات الدولة السورية تعمل على مواجهة هذه التهديدات بكل حزم بما يحفظ أمنها وسلامة شعبها، مؤكداً أنه سيتم العمل على تعزيز أمن الحدود بالطرق التقنية، وبالتنسيق مع الدول المجاورة في مواجهة هذه التهديدات.

بدأ السوريون بتركيا العودة إلى بلادهم منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وذكر أن المباحثات مع فيدان تطرقت إلى عودة السوريين إلى بلادهم بوصفها أولوية وطنية عليا لدمشق، وقال: «نعتبر العائدين هم طاقة البناء الأساسية لسوريا، وندرك أن استدامة هذه العودة تتطلب تهيئة الأرضية التنموية والبنى التحتية الضرورية من خدمات وكهرباء ومدارس وصحة وغيرها»، لافتاً إلى المسار العملي مع الجانب التركي لربط مشاريع العودة ببرامج التعافي المبكر بشكل مباشر وفعّال. وشدد على أن الحدود المشتركة مع تركيا، وهي الأطول، ستبقى مساراً للتجارة والازدهار والأمن المتبادل، وجسراً بين الشعبين والبلدين.


مقالات ذات صلة

دول «الرباعية» تدين بأشد العبارات الهجمات الحوثية ضد السعودية

الخليج مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس)

دول «الرباعية» تدين بأشد العبارات الهجمات الحوثية ضد السعودية

أدانت دول المجموعة الرباعية (السعودية ومصر وباكستان وتركيا) في بيان مشترك، الأحد، بأشد العبارات الهجمات العدائية المستمرة التي تشنها ميليشيا الحوثي ضد المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية يحتاج الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى دعم نواب أحزاب أخرى غير حزبه الحاكم لفتح الطريق أمام ترشحه للرئاسة (الرئاسة التركية)

تركيا: حزب كردي يطرح «شرطاً تعجيزياً» لدعم ترشيح إردوغان

طالب حزب «الديمقراطية والمساوة للشعوب» المؤيد للأكراد بتعديل مادتين أساسيتين في الدستور، لدعم ترشح الرئيس رجب طيب إردوغان للرئاسة مجدداً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية لاعبو طرابزون يحيون جماهيرهم الزائرة بعد الفوز على سامسون (نادي طرابزون)

«الدوري التركي»: صلاح يصنع... وطرابزون يهزم سامسون بثلاثية

فاز طرابزون سبور على مضيّفه سامسون سبور 3/صفر، السبت، ضمن منافسات الجولة السابعة من الدوري التركي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (سامسون (تركيا))
شؤون إقليمية شهدت تركيا سلسلة هجمات دامية بعدد من مدارسها بينها حادث داخل مؤسسة تعليمية بكهرمان ماراش في أبريل 2025 (رويترز)

تركيا تحظر منصات التواصل على الأطفال دون الـ15 عاماً

فرضت تركيا حظراً على تقديم منصات التواصل الاجتماعي خدماتها للأطفال دون سنِّ الـ15 عاماً، يسري اعتباراً من مطلع الشهر المقبل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عدد من تطبيقات مواقع التواصل على شاشة هاتف (رويترز)

تركيا تمنع منصات التواصل الاجتماعي من تقديم خدمات للأطفال تحت سن 15 عاماً

منعت تركيا منصات التواصل الاجتماعي من تقديم خدمات للأطفال تحت سن 15 عاماً، طبقاً للائحة تم نشرها في الجريدة الرسمية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.


إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
TT

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

​نقلت وسائل إعلام حكومية في إيران، الأحد، عن ‌الأمين العام ‌للمجلس ​الأعلى ‌للأمن القومي ⁠محسن ​رضائي قوله ⁠إن رد الولايات المتحدة على الشروط ⁠السبعة التي طرحتها ‌طهران ‌لإعادة ​فتح ‌مضيق ‌هرمز «غير كافٍ». وأضاف رضائي أن على واشنطن ‌توضيح القضايا التي لا تزال ⁠غامضة بالنسبة ⁠لطهران. وكان الوفد الإيراني المشارك في الاجتماع السنوي لقادة العالم بالأمم المتحدة، الشهر الماضي، قد اقترح اتفاقاً معجلاً يشبه مذكرة التفاهم التي انهارت بعد أيام من توقيع الولايات المتحدة وإيران عليها في يونيو (حزيران). ورُفض الاقتراح الجديد، لكن الجانبين واصلا التواصل عبر وساطة. كما هدد رضائي باستهداف «الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى في المنطقة» إذا اندلع قتال عنيف مجدداً.

ورأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات». وقال بزشكيان في كلمته خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان: «إن الحوار لا يكتسب معنى، ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا قام على الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وإذا كان خالياً من الضغوط والتهديدات». وكان بزشكيان قد التقى، الخميس، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد وصولهما إلى تركمانستان للمشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة، وهي منظمة تضم جمهوريات سوفياتية سابقة. وانطلقت القمة، الجمعة، في منتجع أفازا المطل على بحر قزوين. وتعد إيران وروسيا من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات. وقال بوتين، وفق ما نقلت وكالات أنباء روسية: «نحن مستعدون لبذل كل ما بوسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، معتبراً أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب» التي اندلعت مع ضربات أميركية إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط) الماضي.


هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
TT

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)

تتسارع مؤشرات التصعيد بين واشنطن وطهران على أكثر من جبهة، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

فبينما كشفت تقارير أميركية عن استعداد البنتاغون لخيارات تسمح باستئناف عمليات قتالية واسعة ضد أهداف إيرانية، أعلنت وزارة الدفاع رفع الحصيلة الرسمية للعسكريين الأميركيين الذين تُوفوا في العمليات المرتبطة بالحرب إلى 21، وعدد الجرحى إلى 865، وسط انتقادات في الكونغرس لطريقة إعلان الخسائر وتكلفة المواجهة.

وتزامن ذلك مع انتقال الحصار البحري ضد إيران إلى مرحلة أعلى صرامة، بعدما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» تعطيل سفينة حاولت مغادرة ميناء إيراني واختراق الحصار في خليج عُمان، في مؤشر على استعداد واشنطن لاستخدام القوة لوقف حركة الصادرات. وفي المقابل، واصلت طهران تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يجعل الممر النفطي الأهم في العالم ضمن ساحات الضغط المتبادل.

وعلى الجبهة الاقتصادية، شددت وزارة الخزانة الأميركية العقوبات على «أسطول الظل» وشبكات نقل النفط وتمويله، في محاولة لإغلاق المنافذ التي استخدمتها إيران سنواتٍ للالتفاف على العقوبات. وتراهن واشنطن على أن تراجع عائدات النفط، وتضييق قنوات التعامل مع الصين والإمارات وتركيا، سيزيدان الضغوط على النظام.

وهكذا؛ تبدو الاستراتيجية الأميركية كأنها تتحرك على 3 مسارات متوازية: الاستعداد العسكري، وخنق صادرات النفط، وملاحقة الأموال وشبكات الالتفاف. لكن السؤال يبقى عمّا إذا كان تراكم هذه الضغوط قادراً على تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية؛ أي تغيير حسابات طهران الاستراتيجية.

وكان هذا السؤال محور ندوة نظمها برنامج «إيران إنترناشيونال إنسايت» بالشراكة مع مؤسسة «أميركا أبرود ميديا»، بمشاركة كيري بيتسوف، المسؤولة السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية، وباتريك كلاوسون، الباحث البارز مستشار الأبحاث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، ومحمد ماشين تشيان، كبير المحللين الاقتصاديين في «إيران إنترناشيونال».

واتفق الخبراء الثلاثة على أن إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية أعلى تعقيداً من جولات العقوبات السابقة، لكن تقديراتهم أظهرت فارقاً مهماً بين إضعاف قدرة النظام في الحصول على الموارد، وإجباره على تغيير أهدافه السياسية والأمنية.

النفط في قلب المعركة

وزير النفط الإيراني المستقيل محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

يرى كلاوسون أن أحد أهم المتغيرات في المواجهة الحالية يتمثل في تزامن القيود على صادرات النفط مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة؛ مما يجعل قدرة طهران على امتصاص الضغوط أقل مما كانت عليه في مراحل سابقة.

وأشار إلى أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أقر بتعذر تصدير النفط خلال المرحلة الأولى من الحصار، قبل أن تتمكن إيران من إيجاد وسائل لتصدير كميات محدودة. ووفق كلاوسون، فقد استطاعت طهران لمدة الاعتماد على النفط المخزن على متن ناقلات، إضافة إلى مخزونات موجودة في الصين، لكن هذه الكميات لا تمثل بديلاً دائماً عن تدفق الصادرات.

ولا تقتصر المشكلة على النفط؛ إذ تعتمد إيران بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الطاقة. وقد تصبح الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز أخطر مع دخول فصل الشتاء، خصوصاً إذا اضطرت السلطات إلى زيادة الاعتماد على زيت الوقود الثقيل، أو «المازوت»، لتشغيل محطات الكهرباء.

وهنا تتحول أزمة الطاقة من مشكلة بشأن الإيرادات الحكومية، إلى أزمة تمس الصناعة والكهرباء والاستهلاك اليومي، بما يضاعف التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للمواجهة.

أما ماشين تشيان، فيرسم صورة أشد قتامة لحجم الضغوط المالية، مقدراً أن ما بين 21 و23 مليار دولار من عائدات الصادرات لم تعد إلى إيران، وأن استمرار الحصار قد يحرمها من عشرات المليارات الإضافية من الإيرادات النفطية.

وتكمن أهمية هذه الخسائر في أن النفط لا يمول الموازنة الحكومية فقط، بل يوفر أيضاً العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد، ويساعد السلطات في الدفاع عن العملة المحلية، وتمويل المؤسسات العسكرية والأمنية وشبكات النفوذ الإقليمي.

«تجار العقوبات» المستفيدون من الالتفاف

يعترض «الصقور» على رفع العقوبات عن إيران من دون تنازلات منها (رويترز)

لكن النقاش الذي شهدته الندوة تجاوز السؤال التقليدي عن مقدار النفط الذي تستطيع إيران بيعه، إلى سؤال أعقد: مَن المستفيد داخل إيران من العقوبات نفسها؟

يرى ماشين تشيان أن سنوات العقوبات أوجدت طبقة من الوسطاء المختصين في الالتفاف على القيود الدولية، سواء أكان عبر تهريب النفط، أم استخدام الشركات الوهمية، أم إدارة التحويلات المالية المعقدة. وأطلق عليهم وصف «تجار العقوبات»، في إشارة إلى رجال أعمال ووسطاء راكموا ثروات من العمولات الكبيرة التي يحصلون عليها مقابل نقل الأموال والسلع عبر قنوات غير رسمية.

وتطرح هذه الظاهرة مفارقة مهمة؛ إذ إن العقوبات التي يُفترض أن تضغط على النظام قد تؤدي، في الوقت نفسه، إلى نشوء جماعات اقتصادية تستفيد من استمرارها. وكلما ازدادت صعوبة التجارة الرسمية، ارتفعت قيمة الأشخاص والشركات القادرين على تجاوز القيود.

وهنا تبرز النقطة التي ركزت عليها بيتسوف، انطلاقاً من خبرتها السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية. ففي تقديرها، ينبغي عدم قياس نجاح العقوبات بعدد الأفراد والشركات المدرجين على قوائمها، بل بقدرة واشنطن على تنفيذها فعلياً وضرب الشبكات التي تتيح للنظام الحصول على الأموال.

وحذرت بأن العقوبات التي لا تُنفذ بفاعلية قد تنتهي بتحميل المواطنين الإيرانيين العبء الأكبر، بينما تستمر النخب المرتبطة بمراكز القوة في الاستفادة من الاقتصاد غير الرسمي. ولذلك؛ تركز الاستراتيجية الأعلى فاعلية، من وجهة نظرها، على الوسطاء والبنوك والشركات وشبكات النقل التي تمثل حلقة الوصل بين الاقتصاد الإيراني والأسواق العالمية.

الصين منفذ تحت الضغط

وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني في بكين يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

تحتل الصين موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، بعدما أصبحت السوق الأهم للنفط الإيراني. لكن بيتسوف تحذر من النظر إلى هذه العلاقة بوصفها شرياناً مفتوحاً تستطيع طهران الاعتماد عليه دون قيود. فالمصافي الصينية المستقلة تشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة، بينما تبقى أجزاء من العائدات داخل النظام المالي الصيني وباليوان؛ مما يحد من قدرة إيران على استخدامها بحرية. كما تتجنب المؤسسات المالية الصينية الكبرى التعرض للعقوبات الأميركية؛ مما يدفع إيران نحو بنوك أصغر وشركات وسيطة وقنوات مالية أعقد.

وتساعد هذه المعطيات، وفق كلاوسون، في تفسير أهمية الحصار البحري. فبدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسات المالية الصينية الكبرى، تستطيع الولايات المتحدة استهداف حركة النفط نفسها قبل وصوله إلى المشترين. وبذلك يصبح «الحصار» أداة مكملة لـ«العقوبات»: يستهدف الأول حركة السلعة، فيما تستهدف الثانية حركة الأموال.

وتشير الإجراءات التي اتخذتها دول في المنطقة ضد الشركات والوسطاء المرتبطين بإيران إلى تقلص المساحات التي كانت تستخدمها طهران للوصول إلى النظام المالي العالمي. وبالتالي، لا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى إيران على العثور على دولة مستعدة للتعامل معها، بل تتمثل أيضاً في إيجاد نظام مالي وتجاري قادر على استيعاب حجم اقتصادها من دون الخضوع للضغط الأميركي.

ويمتد أثر الضغوط، وفق المشاركين، إلى شبكة حلفاء طهران في المنطقة. وأشارت بيتسوف إلى مؤشرات على ضغوط مالية تواجه «حزب الله» اللبناني في الوفاء ببعض التزاماته المالية والاجتماعية، فيما يرى ماشين تشيان أن قدرة إيران في المحافظة على بعض علاقاتها الإقليمية تعتمد جزئياً على استمرار تدفق الأموال.

لكن تراجع الموارد لا يعني تلقائياً انهيار هذه الشبكات. فالجماعات التي بنت، على مدى سنوات، مصادر تمويل محلية ومصالح اقتصادية خاصة، يمكنها الاحتفاظ بقدرتها على العمل حتى مع تراجع الدعم الإيراني؛ وإن بمستوى أقل. ويُبرز ذلك المعضلة بين تقليص القدرات وإنهاء النفوذ.

هل يتغير سلوك النظام الإيراني؟

تتباين تقديرات الخبراء بشأن قدرة الضغوط الاقتصادية على إحداث تحول سياسي أو استراتيجي في طهران.

تحذر بيتسوف من افتراض أن تدهور الوضع الاقتصادي سيؤدي تلقائياً إلى تغيير في سلوك النظام. فالتاريخ يقدم نماذج لأنظمة استطاعت تحميل مجتمعاتها تكاليف اقتصادية كبيرة مع المحافظة على أولوياتها الأمنية. لكنها ترى أن الضغط يصبح أكبر تأثيراً عندما يصل إلى المؤسسات والنخب التي يعتمد عليها النظام نفسه، خصوصاً إذا بدأت قدرة الدولة على دفع الرواتب، وتوفير الامتيازات، وتمويل الأجهزة المرتبطة بها، في التراجع.

أما كلاوسون، فيرى مساحة أكبر للمساومة. ويشير إلى أن القيادة الإيرانية سبق أن تراجعت عن مواقف أعلنت في البداية أنها غير قابلة للتفاوض، ولذلك لا يستبعد قبول طهران بتنازلات في «الملف النووي» إذا أصبحت تكلفة الرفض مرتفعة بما يكفي. ومن بين السيناريوهات التي طرحها إمكان قبول تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية، خصوصاً في ظل الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية.

في المقابل، يبدو ماشين تشيان أكبر تشككاً في إمكانية تحقيق تحول استراتيجي شامل بالضغط الاقتصادي وحده. فمن وجهة نظره، يرتبط «البرنامج النووي» و«النفوذ الإقليمي» بطبيعة النظام الإيراني ورؤيته دورَه، وليس بمجرد حسابات اقتصادية يمكن تغييرها مقابل تخفيف العقوبات.

ويلخص هذا الاختلافُ المعضلةَ التي تواجه واشنطن. فالولايات المتحدة تستطيع رفع تكلفة السياسات الإيرانية، وخفض عائدات النفط، وملاحقة الوسطاء، وتقييد الوصول إلى الدولار والأسواق الدولية، وربما إضعاف قدرة طهران على تمويل حلفائها. لكنّ أياً من هذه الإجراءات لا يضمن وحده أن تختار القيادة الإيرانية تغيير أهدافها، بدلاً من خفض الإنفاق الداخلي وتحميل المجتمع تكلفة المواجهة.

ومع ارتفاع الخسائر الأميركية واستمرار الاستعداد العسكري في المنطقة، يبرز سؤال بشأن الخطوة التالية إذا لم ينجح الحصار والعقوبات في تغيير حسابات طهران. ويتفق الخبراء الثلاثة على أن العقوبات لا يمكن عدّها بديلاً بسيطاً عن الحرب، بل هي جزء من معركة استنزاف أوسع تتوقف نتائجها على دقة الاستهداف، وتعاون الشركاء، وإغلاق منافذ الالتفاف، والأهم قدرة الضغط الاقتصادي على الوصول إلى دوائر صنع القرار.

وبذلك؛ قد لا يكون المقياس الحقيقي لنجاح استراتيجية واشنطن عدد براميل النفط التي تمنع إيران من بيعها، ولا حجم الأموال التي تُجمدها، بل ما إذا كانت هذه الخسائر ستغير في نهاية المطاف الحسابات التي تتخذ طهران على أساسها قراراتها النووية والعسكرية والإقليمية.