متى يظهر مثل «ذاك الولد» الذي غيّر تاريخ العالم؟

تشرتشل، صاحب التمثال في لندن، كان يقول «من شبّ على شيء شاب عليه» (رويترز)
تشرتشل، صاحب التمثال في لندن، كان يقول «من شبّ على شيء شاب عليه» (رويترز)
TT

متى يظهر مثل «ذاك الولد» الذي غيّر تاريخ العالم؟

تشرتشل، صاحب التمثال في لندن، كان يقول «من شبّ على شيء شاب عليه» (رويترز)
تشرتشل، صاحب التمثال في لندن، كان يقول «من شبّ على شيء شاب عليه» (رويترز)

لا يمكن لمن يتابع الأوضاع في بريطانيا والأزمات التي تتخبط بها هذه الأيام، أن يتساءل: هل أصبحت تلك الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس عاجزة عن إنتاج شخصية مثل تشرشل الذي لمع في قيادة تلك الإمبراطورية التي امتد استعمارها إلى الهند، وشمال وجنوب أفريقيا، ونيجيريا، وآسيا، والشرق الأوسط؟
ربما من المفيد تذكير الذين يتولون القيادة في بريطانيا، وربما تعريف الأجيال الجديدة في بريطانيا وغيرها من الدول، بتلك الشخصية التي تشعبت ميزاتها في عدة اتجاهات متجانسة أحياناً ومتناقضة أحياناً أخرى. لم تعرف الانكسار يوماً حتى عندما كانت في أحلك الظروف وفي خضم الحروب والأخطار حيث الفشل كان مؤكداً.
عرفناه سياسياً ورجل دولة وعرفناه مراسلاً صحافياً حربياً، عرفناه وزيراً وعرفناه كاتباً وأديباً، عرفناه رئيس وزراء وعرفناه مؤرخاً، عرفناه خطيباً قائداً وعرفناه رساماً فناناً، فكان رجلَ علم وعمل، ورئيس وزراء أوحد نال جائزة نوبل للآداب، وأول من منحته الولايات المتحدة الأميركية الجنسية الفخرية في عهد الرئيس جون كينيدي. إنه الرجل الذي ترك بصمة راسخة في قيادة الإمبراطورية البريطانية العظمى والكومونولث في سنوات الحرب العالمية الثانية العصبية الحرجة، فكان صاحب الرؤية والشجاعة والحنكة والذكاء لجعل النصر ممكناً عندما شعر بأن الخطر بات قريباً من بلاده.
وينستون ليونارد سبنسر تشرشل، الولد البكر الذي ينحدر من سلالة الدوقات الأرستقراطية لعائلات مارلبورو، وهي أحد فروع عائلة سبنسر الأشهر في بريطانيا، كان مستعجلاً للخروج إلى الدنيا في ولادة مبكرة في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1874 وقبل شهرين من موعدها في «قصر بلانهايم»، الذي وهبه البرلمان الإنجليزي إلى جون تشرشل الدوق الأول لعائلة مارلبورو في أكسفورد شاير في إنجلترا، وعاش فيه والده اللورد راندولف تشرشل، بعد دوق مارلبورو السابع، الوالد السياسي ذو الشخصية الكاريزمية الذي تبوّأ منصب وزير خزانة وأسس الحزب الرابع في البرلمان البريطاني وهو حزب «التوري - المحافظون الديمقراطيون» إلى جانب الأحزاب الثلاثة القائمة آنذاك: «المحافظون»، و«الليبراليون»، و«الآيرلنديون الوطنيون». أما والدته جيني فهي ابنة الرجل البارز في المجتمع الأميركي ليونارد جيروم المشهور في حلبات سباق الخيل ونوادي اليخوت، والجد الذي أحبه وينستون كثيراً وقال عنه: «إنه رجل رائع حقاً، يحب ما يفعل ويفعل ما يحب. أما جيروم فهي عائلة بغيضة ما عداي، فأنا العضو الوحيد الأليف بينهم».
وينستون، المولود الجديد البكر لعائلة عريقة معروفة، كيف ستكون طفولته؟ بالطبع، سيكون طفلاً محبوباً ومدلّلاً والعطف والحنان يحيط به من الجميع، خصوصاً من والديه. لكن للأسف، لم يكن الأمر كذلك، إن هذا الطفل الجميل جداً، كما وصفه أبوه، أُهمل وتُرك وحيداً في غرفته، فأبواه اللذان أحبا أحدهما الآخر كثيراً كانا مغرمين بحياة اللهو والسهر والسياسة بحضور أمير ويلز وفي عهد الملك إدوارد الثاني، أكثر مما كانا مغرمين بطفلهما الصغير ونادراً ما كانت الأم تدخل غرفة حضانته لتلقي نظرة خاطفة عليه، والأب كذلك. هكذا تُرك الطفل المسكين منذ ولادته برعاية مربيته التي أحبته كثيراً، رعته أكثر من والديه وكانت بمثابة أُم ثانية. إنها السيدة أفرست التي عوّضته عن حنان أمه وأبيه واهتمت به وهو صغير، وبنشأته وهو ينمو ويكبر، وبمتابعة دراسته وهو في المدرسة. وعندما دعتها المدرسة في هارو للحضور واصطحابه لقضاء العطلة الصيفية في منزله، طلبت منها إحضار أفضل بنطال لديه من أجل إلقاء قصيدة في منافسة شعرية لم يحضرها والداه المنهمكان بحياتهما فكان اللهو أهم لديهما من مشاهدة وسماع ولدهما ذي الاثنى عشر ربيعاً وهو يلقي قصيدة مؤلَّفة من ألف ومائتي بيت نال على أثرها الجائزة الوحيدة التي حازها في حياته وهي «جائزة ماكولي» للمنافسة الشعرية، كانت السيدة أفرست السيدة الوحيدة الموجودة من العائلة لتشجيعه.
إننا نتساءل: كيف كان شعوره حينئذٍ يا تُرى، هذا الولد الذكي الذي كان والده المتنمّر اللورد راندولف تشرشل يصفه بـ«ذاك الولد» البليد الكسول الذي لم يجده نافعاً في شيء؟!
أُرسل وينستون إلى مدرسة سانت جورج البريطانية، في أسكوت، في بيركشاير لمدة سنتين (1882 – 1884) أمضى خلالهما أسوأ سنين حياته. فمدير المدرسة، القس الساديّ هربرت ويليام، كان يؤمن بالعنف، وذات مرة ضربه ضرباً مبرحاً بالعصا مسبباً له بقعاً حمراء وندوباً وربما جروحاً، وكل ذلك من أجل سرقة حفنة من السَّكر. لكنَّ وينستون الذي لا يسكت عن ضيم، انتظر حتى تعافى ثم استغلّ الفرصة ليتسلّل إلى غرفة القس ويسرق قبعته القشّية التي يرتديها في المناسبات الرسمية وأخذ يركلها حتى مزّقها إرباً ورماها في الغابة. ثار وينستون ضد السلطة والظلم في المدرسة لذلك لم يأبه للاجتهاد والعمل والنجاح فيها. كل هذا ولّد لديه نقمة ليجعل منه تلميذاً متمرداً ثورياً عنيداً سيئ السلوك كسولاً مهملاً. فطبيعته الثورية لم تتأقلم مع النظام والانضباط والسلطة. وهكذا، جاء في الفصل الأول في المرتبة الحادية عشرة في صف كان عدده أحد عشر تلميذاً. عاش وينستون بين أبٍ متنمّر ومدير معنّف وما يحبس في داخله من كرهٍ ورفضٍ وخيبة أمل، والمأساة هي أن والده تأخر ليكتشف الحقيقة. فأرسله إلى مدرسة في برايتون تديرها سيدتان، لكنَّ وينستون سرعان ما أُصيب بالتهاب رئوي وكاد يفارق الحياة في سن الحادية عشرة. لدى شفائه، عاد والده اللورد راندولف بذاكرته إلى الوراء، أيام كان يراه وهو يلعب بألعاب الجنود باهتمام وتركيز لافت وهو جالس على أرض غرفة حضانته، فقرر إرساله إلى مدرسة هارو لإلحاقه بالكلية العسكرية الملكية البريطانية فيما بعد.
ذهب وينستون إلى المدرسة الرسمية الكبرى في هارو القريبة من لندن، وللمفارقة التقى فيها تلميذاً آخر هو اللورد بايرون فأصبحا اللوردين الوحيدين فيها. وأيضاً، اتّسم الفصل الأول بالإهمال، لكن الشيء الإيجابي الوحيد كان تفوّقه في مادة التاريخ التي أحبها كثيراً. وفي هذه المدرسة بالذات شعر لدى سماعه الأغاني الحماسية والأناشيد المدرسية بشيء رائع في داخله. تحرّك فيه الحس القومي وحبه للوطن لذا حفظ القصيدة المؤلفة من ألف ومائتي بيت عن ظهر قلب، والتي تتحدث عن أن الجميع يعمل من أجل الدولة لا من أجل الحزب والناس كلهم سواسية يحب بعضهم بعضاً ولا فرق بين فقير وغني.
بعد تخرّجه في هذه المدرسة، ولا أدري كم كان معدله، قرر والده إرساله إلى الكلية الحربية في ساندهرت وكان وينستون في سن السادسة عشرة حينها، لكن في الواقع أن السيدة أفرست هي التي شجعته على الانضمام إلى الكلية قائلةً: «أتمنى أن تحاول وتجتهد جيداً يا أعز الناس كي تسعد أمك وأباك، وتخيّب آمال الذين يتنبأون لك بمستقبل غير باهر. وهكذا تقدم وينستون للامتحان ثلاث مرات قبل أن ينجح في المرة الأخيرة وينضم إلى الكلية ويتخرج بعدها في المرتبة العشرين».
السؤال الذي يجول في البال: هل أثّر إهمال والديه في تطوّر حياته؟
أحب وينستون أمه كثيراً ولم يُلقِ اللوم عليها أبداً، بل بالعكس، أقنع نفسه بأنها أحبته كثيراً، فقال لها: «الآن، أنا حبيبك...». لكن بعد سنوات مضت أخذ يتذكر علاقته بأمه بطريقة أكثر صدقاً وعيناه الزرقاوتان تشعُّ فرحاً قائلاً: «كانت أمي أميرتي الجميلة المتألقة دائماً، ونورها يسحرني (كنجمة المساء). أحببتها كثيراً من بعيد». كذلك فعل أبوه أيضاً فأبقى المسافة بعيدة بينهما. يتذكر وينستون أنه، ذات مرة، عندما حاول تقديم المساعدة لأبيه، تجّمد مكانه متفاجئاً بعد أن شاهد ردة فعل أبيه السلبية الباردة، وفي وقت لاحق في أثناء قيادة السيارة آخر مرة إلى المحطة وبرفقته هو وأمه، ربت أبوه على ركبته وكانت تلك المرة الوحيدة التي أظهر فيها اللورد راندولف حبه لابنه، حيث توفي عن عمر يناهز خمسة وأربعين عاماً بعد معاناة من شلل دام سبع سنوات عانت بعدها العائلة من ظروف مادية صعبة وكان وينستون حينئذٍ في الحادية والعشرين من عمره.
كتب وينستون لأمه وهو في الثمانية عشر ربيعاً قائلاً: «لا أستطيع أن أقوم بشيء بشكل صائب... أظن أنني سوف أكون دائماً (ذاك الولد)، حتى ولو أصبحت في الخمسين».
يمكن أن يقال كثيراً عن السير وينستون تشرشل مما نعرفه ومما لا نعرفه، وكما يقول المثل: «في السادسة كذلك في الستين»، أو «من شبّ على شيء شاب عليه»، فإن هذه الطفولة البائسة الحزينة والمعاناة من حرمان عاطفي وتعنيف معنوي وجسدي وهذه الحياة التي تميّزت بالقهر والظلم، وللمفارقة، انعكست إيجاباً، ولحسن الحظ، على شخصية مستقلة قوية في قراراتها كما ظهر في رفضه الخضوع لألمانيا في أثناء الحرب العالمية الثانية رغم خضوع بعض دول الحلفاء لها، شخصية قادرة على الصبر والتحمّل وعدم السكوت عن ضيم، وهذا ما سبَّب له فشلاً عدة مرات كان المسؤول عن بعضها اتخاذ قرارات خاطئة عائدة لسياسيين آخرين، شخصية لا تنكسر ولا تتقبّل الإحباط، وعند شعوره بذلك كان وينستون يلجأ إلى الكتابة والرسم، شخصية ذات قدرة على الإقناع كالخطابات التي ألقاها أمام الشعب الإنجليزي إبّان وفي أثناء الحرب العالمية الثانية وقدرته على إقناع الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس روزفلت لدخول الحرب مع الحلفاء بعد غارات الطائرات اليابانية على قاعدة «بيرل هاربر» البحرية وتدمير الأسطول الأميركي فيها وإلحاق الهزيمة بدول المحور، ما غيّر مسار الحرب ومجرى التاريخ أيضاً. إنّ «ذاك الولد غيّر تاريخ العالم»، وغيرها من الأحداث المشهود لها.
يمكن أن يُقال الكثير عن هذا الطفل وهذا الرجل الذي تميّز بصفات قلّ نظيرها، فأين نحن من شخصية كهذه تظهر فجأة كمعجزة في بلد ما لتنقذه من محنته؟!
- باحثة لبنانية


مقالات ذات صلة

لماذا علينا أن نسامح الآخرين؟

تحقيقات وقضايا لماذا علينا أن نسامح الآخرين؟

لماذا علينا أن نسامح الآخرين؟

بعد ظهر أحد أيام ربيع عام 1985 في مدينة غاري بولاية إنديانا، الولايات المتحدة الأميركية، قتلت فتاة تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً امرأة مسنّة بعد أن اقتحمت منزلها. مدينة غاري لها تاريخ طويل من التوترات العرقية بين السكان البيض والسود، وحيث إن الفتاة، واسمها بولا كوبر، كانت سوداء البشرة والضحية، روث بيلك (77 سنة)، من العرق الأبيض، سارعت الصحافة المحلية لتغطية الحادثة لصب الزيت على النار وفسرت الجريمة على أنها ذات بعد عرقي. لكن الشرطة قالت حينها، إن الجريمة حدثت بدافع السرقة، وإن ثلاث فتيات أخريات شاركن في ارتكاب الجريمة، إلا أن الفتيات الأخريات قلن إن بولا كانت زعيمة العصابة.

تحقيقات وقضايا الصوم... قاسم مشترك للضمير الإنساني

الصوم... قاسم مشترك للضمير الإنساني

يكاد يكون الصوم الشعيرة التعبدية الوحيدة في مختلف الأديان والمعتقدات ذات الالتصاق الوثيق بالضمير الإنساني؛ إذ لاحظ باحثون في تاريخ الحضارات القديمة أن ظاهرة الصوم كانت حاضرة بقوة لدى مختلف الشعوب. وتُجمِع معظم الأديان والثقافات على اعتبار الصوم فرصة للتجدّد الروحي والبدني. فقد كان الصوم عبادة يتبارك بها البشر قبل الذهاب إلى الحروب، ولدى بعض الحضارات ممارسة جماعية لاتقاء الكوارث والمجاعات. شعوب أخرى حوّلته طقساً للإعلان عن بلوغ أفرادها اليافعين سن الرشد.

أحمد الفاضل
تحقيقات وقضايا هل يجوز أن تتحوّل الحقيقة إلى موضوع حواريّ؟

هل يجوز أن تتحوّل الحقيقة إلى موضوع حواريّ؟

لا ريب في أنّ أشدّ ما يهزّ الوجدان الإنسانيّ، في بُعدَيه الفرديّ والجماعيّ، أن يجري تناولُ الحقيقة الذاتيّة على لسان الآخرين، وإخضاعُها لمقتضيات البحث والنقد والاعتراض والتقويم. ما من أحدٍ يرغب في أن يرى حقيقته تتحوّل إلى مادّةٍ حرّةٍ من موادّ المباحثة المفتوحة. ذلك أنّ الإنسان يحبّ ذاتَه في حقيقته، أي في مجموع التصوّرات والرؤى والأفكار والاقتناعات التي تستوطن قاعَ وعيه الجوّانيّ.

باسيل عون (مشير)
تحقيقات وقضايا مجموعة احتجاجية تطلق على نفسها «بقيادة الحمير» تصب طلاء أصفر على طريق في لندن 23 فبراير الماضي (رويترز)

هل يجب أن نقبل ما يقوله الآخرون في امتداح هويّتهم؟

غالباً ما نسمع الناس يمتدحون ما هم عليه، سواءٌ على مستوى هويّتهم الفرديّة أو على مستوى هويّتهم الجماعيّة. لذلك نادراً ما وقعتُ على إنسانٍ يعيد النظر في هويّته الذاتيّة الفرديّة والجماعيّة. ذلك أنّ منطق الأمور يقتضي أن يَنعم الإنسانُ بما فُطر ونشأ عليه، وبما انخرط فيه والتزمه، وبما اكتسبه من عناصر الانتماء الذاتيّ. فضلاً عن ذلك، تذهب بعض العلوم الإنسانيّة، لا سيّما علوم النفس، مذهباً قصيّاً فتوصي بامتداح الأنا حتّى يستقيم إقبالُ الإنسان على ذاته، إذ من الضروريّ أن نتصالح وذواتنا حتّى نستمرّ في الحياة.

باسيل عون (مشير)
تحقيقات وقضايا أناس يشاهدون انطلاق مركبة «سبيس إكس» إلى الفضاء في 27 فبراير الماضي (رويترز)

عن «الإنتروبيا» والجدل والتسبيح

من نقطة «مُفرَدة» أولى، لا «أين» فيها ولا «متى»، فيها كل الزمان وكل المكان وكل الطاقة، مدمجين بنظام لا عبث فيه ولا خلل. كانت البداية، ومنها كانت كل البدايات، ينبعث من عِقالِ المفردة الأولى وتراتبيتها الصارمة فوضى كبيرة في انفجار كبير. ومن تلك الفوضى ينبت الزمكان وتنبعث الطاقة وتتخلق المادة، منها كان الكون بأجرامه ومخلوقاته، بل وكانت الأكوان وأجرامها ومجراتها ومخلوقاتها. فكأن قصة الكون وقصتنا معه، «هي أن تراتبية ونظاماً مكثفاً مدمجاً.


يوم تأسيس الدولة السعودية... أو كيف ولدت دولة مركزية في الجزيرة العربية

مقاتلون من جيش الملك المؤسس
مقاتلون من جيش الملك المؤسس
TT

يوم تأسيس الدولة السعودية... أو كيف ولدت دولة مركزية في الجزيرة العربية

مقاتلون من جيش الملك المؤسس
مقاتلون من جيش الملك المؤسس

تحتفل المملكة العربية السعودية في 22 فبراير (شباط) من كل عام بذكرى يوم تأسيس الدولة السعودية على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727. وهي الذكرى التي ربطت الأجيال السعودية بتاريخ دولتها الممتد لـ3 قرون والزاخر والمتنوع بموضوعاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

وبهذه المناسبة، تقدم «الشرق الأوسط» لقرائها ملفاً خاصاً يتضمن تحقيقات ومقالات ومقابلات تتناول أثر التحولات الجيوسياسية والثقافية التي استدعت ولادة دولة مركزية في الجزيرة العربية على يد المؤسس، بالإضافة إلى طرح أسئلة الهوية والتراث والمجتمع والمنجز الحضاري للدولة السعودية الأولى.

كذلك يتناول الملف خلفيات استسلام الإمام الرابع عبد الله بن سعود للقوات الغازية، ثم أسره، وقصة مقولته وهو ضمن الأسرى في طريقه إلى مصر: «فاتت يا ونيان» التي أصبحت مثلاً دارجاً، برواية حفيد ونيان الحربي، أحد أبطال تلك القصة.

ولا يغفل الملف البحث في مقومات استمرارية الدولة، رغم محاولات إنهائها وتدمير عاصمتها ومحو تراثها والتنكيل بأبنائها، ومقارنة التحولات الاجتماعية في الدولة السعودية الأولى بما حصل في عهد الملك عبد العزيز، وبما يحصل اليوم في المملكة.


قصة الإمام عبد الله بن سعود من حصار الدرعية الأخير حتى مقتله في إسطنبول

قافلة تسير خارج الدرعية (الشرق الأوسط)
قافلة تسير خارج الدرعية (الشرق الأوسط)
TT

قصة الإمام عبد الله بن سعود من حصار الدرعية الأخير حتى مقتله في إسطنبول

قافلة تسير خارج الدرعية (الشرق الأوسط)
قافلة تسير خارج الدرعية (الشرق الأوسط)

تحدثت الأميرة الدكتورة جواهر بنت عبد المحسن بن جلوي آل سعود، الباحثة المتخصصة في الدراسات الوثائقية المتعلقة بالتاريخ السعودي، عن شجاعة الإمام عبد الله بن سعود أثناء الحصار الأخير للدرعية ومفاوضاته مع العسكر العثماني، ثم استسلامه وأسره ونقله إلى إسطنبول، حيث قتل، فقالت إنه وبعد خمسة أشهر من الحصار، كانت الدرعية لا تزال صامدة تقاوم نقص الغذاء والسلاح والرجال وبقيت تقاوم شراسة هجمات إبراهيم باشا الذي عانى هو أيضاً من صلابة السعوديين وشجاعتهم، رغم الأسلحة الحديثة والمستشارين العسكريين الذين صاحبوا الحملة ومن انضم إليها.

الإطباق على آخر المعاقل

وكان للمعلومات الاستراتيجية التي قدّمها الفارون من الدرعية دور كبير في إطباق إبراهيم باشا على حي الطريف آخر معاقل الدرعية والتضييق عليه من خلال قصف المدافع، ما أدى إلى تهاوي مبانيه. وذكرت الوثائق العثمانية أن الإمام عبد الله بن سعود لم يتحمل هذا المشهد، فبادر بحشد ما تبقى من قواته، ووقعت بينه وبين القوات العثمانية معركة عنيفة وصفتها الوثائق العثمانية بالقتال العظيم.

واستمر الإمام عبد الله في مجالدة قوات إبراهيم باشا، ما يوضح عدم نيته للاستسلام. وذكر إبراهيم باشا في خطابه لوالده أنه «تم الاستيلاء على كل الأماكن في الدرعية، ما عدا القصر الذي تحصن فيه (الإمام) عبد الله»، الذي استمر قصفه ثلاثة أيام متتالية حاول فيها الإمام عبد الله مقاومة ضراوة الحصار بطريقة وصفتها السجلات البريطانية أنها كانت أشد عناداً، ولكنه تلفَّت فلم يجد حوله سوى نفر قليل ممن تبقى على ولائه. فأرسل لإبراهيم باشا يطلب التفاوض، فخرج مبعوث من قبله لإبراهيم باشا في (8 من ذي القعدة 1233هـ/ 9 سبتمبر/أيلول 1818م)، وما إن وصل حتى توقفت مدافع العثمانيين عن القصف. وبعد بضع ساعات قدم الإمام عبد الله بن سعود لمعسكر إبراهيم باشا للتفاوض.

تباين السجلات البريطانية والعثمانية

وأشارت السجلات البريطانية إلى أن سلوك إبراهيم باشا اتسم بالتعالي والتعجرف أثناء استقبال الإمام عبد الله، الذي كان في مرحلة التفاوض للاستسلام، الذي ربطه بأربعة بنود: الحفاظ على حياة المقاتلين الذين لا يزالون على ولائهم له، والإبقاء على أفراد أسرته، وعدم هدم الدرعية، وضمان سلامته. إلا أن الوثائق العثمانية لم تتطرق لأي منها، في حين أن الوثائق البريطانية أكدت موافقة إبراهيم باشا على جميع البنود، بينما أشارت السجلات البريطانية إلى أنه تم التحفظ على شرطين؛ هما سلامة الدرعية والإمام عبد الله، الذي طلب مهلة 24 ساعة لحسم أمره.

ولم تمر تلك الليلة على إبراهيم باشا كغيرها، فقد جافاه النوم بعد أن انتابه القلق لإدراكه أن إسقاط الدرعية لا يتوِّجه سوى القبض على الإمام عبد الله أو استسلامه، خصوصاً بعد أن قدّم هو ووالده محمد علي باشا وعوداً بذلك للسلطان العثماني. فمرت ساعات المهلة طويلة وثقيلة عليه خوفاً من أن تراود الإمام عبد الله فكرة الفرار، أو أن يقتل نفسه قبل أن يحزم أمره على الذهاب إلى القاهرة، لهذا أصدر أوامره إلى جميع قادة الفرسان بتشديد الحراسة في المواقع كافة.

وأخطأ إبراهيم باشا في تقدير الإمام عبد الله الذي كانت فرصة الهروب متاحة أمامه قبل الإطباق على قصره. ولو أن الإمام عبد الله نجح في الخروج من الدرعية وتفرق أفراد أسرته، لتوجب على العثمانيين أن يبقوا في الجزيرة العربية، وينتشروا على شكل فرق صغيرة لاقتفاء آثارهم في صحاري الجزيرة كما فعلت المسوّدة مع بني أمية، ولكان من الممكن أن ينجو البعض منهم بعد أن يستنزف العثمانيون.

وثيقة بريطانية لرسالة من الإمام عبد الله بن سعود يحتج فيها على تقديم بريطانيا الحماية لرعايا الحكومة التركية (الشرق الأوسط)

الفرار... فكرة مستحيلة

والسؤال الذي يتبادر للذهن: هل كانت فكرة فرار الإمام عبد الله تحت جنح الظلام قبل مرور المهلة ممكنة؟ فتركي بن عبد الله وأخوه زيد استطاعا الخروج من الدرعية أثناء المفاوضات، ولكن الإمام عبد الله قرر تحمل مسؤوليته بوصفه إماماً للسعوديين، ولم يكن ممكناً أن يُعرِّض شعبه وأفراد أسرته أو مَن تبقى منهم للخطر الأكيد بينما أصبحت فكرة فراره مستحيلة بعدما شدد عليه إبراهيم باشا الحراسة. فلن يغفر إبراهيم باشا ووالده حرب سنوات طويلة قد تُعرِّض مكانتهما لدى السلطان محمود الثاني للخطر، للحد الذي يفقد به محمد علي ولايته ونفوذه ومخططاته التوسعية. في حين أن السلطان محمود الثاني لن يكون أكثر رأفة به منهما، ولن يغفر له ما حققه أسلافه من سلب الدولة العثمانية نفوذها الديني والسياسي، بعد فشلها لأعوام عديدة في مجابهة النشاط السعودي الذي كاد يؤدي إلى إلغاء لقب «الخلافة» من سلطنة آل عثمان.

وهنا يتضح أن شجاعة الإمام عبد الله لم تقتصر على مواجهته حملات طوسون باشا ووالده محمد علي باشا ثم إبراهيم باشا منذ وطئت أقدامهم الجزيرة العربية عام 1226هـ / 1811م حتى حصار الدرعية عام 1233هـ / 1818م، بل إنه قرر تحمل مسؤوليته والذهاب إلى الأستانة وهو يدرك المصير المظلم والأكيد الذي ينتظره.

والمطلع على الوثائق العثمانية يجد أن مصطلح القبض على الإمام عبد الله قد تكرر في الوثائق العثمانية في العديد من مراسلات إبراهيم باشا. وهذا ينافي الوقائع التاريخية، لأنه في حالة القبض عليه فلن يكون هناك تفاوض أو شروط، وبذلك تستبعد هذه الفكرة.

ولم يكن الإمام عبد الله وأسرته يدركون مدى الرغبة الملحة للسلطان محمود الثاني ورجال دولته في استعجال مغادرتهم من الدرعية لحسم انتصارهم وعدم إعطاء فرصة لأي حراك عسكري. وغادر الإمام عبد الله الدرعية مكبلاً بالأغلال وسط حراسة مشددة، ترافقه كتيبة تتكون من 300 فارس و400 مقاتل من القوات العثمانية، وقد شُدد عليهم بضرورة منعه من الفرار إن حاول ذلك، ما يعكس مخاوف إبراهيم باشا حتى بعد إبرام الاتفاق مع الإمام عبد الله ومغادرته الدرعية مخترقاً هضاب نجد وسهولها أسيراً بعدما كان صاحبها وسيدها. فالفرصة التي أتيحت لأخيه مشاري بن سعود، الذي نجح في التسلل من قافلة الأسرى، لم تكن متاحة أمامه بأي شكل من الأشكال.


«فاتت يا ونيان»... قصة هروب لم يتم ودفاع عن الدرعية حتى الرمق الأخير

حصن من حصون الدرعية (الشرق الأوسط)
حصن من حصون الدرعية (الشرق الأوسط)
TT

«فاتت يا ونيان»... قصة هروب لم يتم ودفاع عن الدرعية حتى الرمق الأخير

حصن من حصون الدرعية (الشرق الأوسط)
حصن من حصون الدرعية (الشرق الأوسط)

«فاتت يا ونيان» عبارة أطلقها الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، الإمام الرابع للدولة السعودية الأولى، وأصبحت مقولة سائدة في الجزيرة العربية منذ إطلاقها قبل عشرات العقود، وتستخدم للدلالة على ما لا يمكن تداركه أو تنفيذه في حينه، ولم يُنتبه إليه إلا وقد فات الأوان.

هذا المثل له قصة بل قصص أقرب إلى الخيال منها للواقع، ولكنها بسيناريو وشخصيات حقيقية وأحداث واقعية وإمام أشغل الأعداء، ومستشار مخلص وجيش عرمرم من القتلة والمجرمين يطوقون الأسرى فلا يمكنهم التنفس أو الهروب. إمام وحاكم دولة كبرى، وفارس ووزير وكاتم أسرار هذا الحاكم كانوا ضمن الأسرى. وترتب على عدم الأخذ بهذا المثل مقتل الحاكم بعد أسره، وتضعضع دولته على أثر معارك طاحنة مع الغازي، وتدمير عاصمة الدولة القوية لإخفائها من الخريطة بعدما سيطرت الدولة السعودية الأولى على معظم مناطق الجزيرة العربية.

مسافرون في الصحراء (الشرق الأوسط)

قصة المثل

عادت الدولة ونهضت للمرة الثالثة وأصبحت لاعباً مؤثراً في المشهد العالمي وقبلة سياسية، عندما أعاد الملك عبد العزيز سفينة دولته لشاطئ الأمان، وأسّس دولته الثالثة. وخلال عقود بقيت تتطور حتى بلغت اليوم مرحلة من التكامل يمكن أن يطلق عليها دولة المستقبل، وذلك على يد سابع ملوك الدولة الثالثة الملك سلمان بن عبد العزيز، وبمعاونة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وبالعودة إلى المثل القائل «فاتت يا ونيان»، التقت «الشرق الأوسط»، بمحمد بن راشد أبو نيان، أحد أحفاد ونيان بن نصر الحربي الذي رد عليه الإمام عبد الله بن سعود عندما وصل إلى أحد الجبال المنيعة، وذكر قصة الغزال التي تعد الأوثق. وعن ذلك يقول أبو نيان: ارتبطت قصة هذا المثل المتداول في الجزيرة العربية بالإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الإمام الرابع للدولة السعودية الأولى، ووزيره وكاتم أسراره، وأحد فرسان جيش الدولة السعودية الأولى والثانية ونيان بن نصر العلوي الحربي.

وقصة المثل مشهورة ومتداولة حتى وقتنا الحالي، ومفادها أنه خلال فترة حكم الإمام عبد الله بن سعود كان هناك مد عسكري عثماني بقيادة إبراهيم باشا عام 1231هـ. واتجه إلى المدينة المنورة حيث تتمركز قوات الدولة. وسار بهذه القوات قاصداً مقر الدولة السعودية الأولى في الدرعية.

وفي الثالث من جمادى الأولى 1233 كان إبراهيم باشا على مشارف الدرعية وبدأ في حصارها. وأطلقت نيران المدافع بكثافة باتجاه مزارع الدرعية وأسوارها، واستبسل الإمام عبد الله بن سعود ورجاله في مواجهة هذه القوات التركية والدفاع عن الدرعية وأهلها.

حصار حتى نفاذ المؤن

وقامت عدة مواجهات بين الجيشين، وبقي الوضع على ما هو عليه لوقت غير وجيز، حيث لم يستطع إبراهيم باشا التقدم باتجاه الدرعية، حتى وصله الدعم بالمعدات والأسلحة الثقيلة، فانعكس الأمر ورجحت كفة القوات التركية.

مع ذلك صعب عليهم اقتحام أسوار الدرعية وطالت محاصرتها، وتمركز الإمام عبد الله بن سعود ورجاله مقاومين الحصار وسط الدرعية حتى نفدت المؤن والذخائر، وبات الخطر يهدد المدينة وأهلها، فقرر الإمام عبد الله بن سعود أن يخرج ويسلم نفسه شرط ألا يمس أحد من أهالي الدرعية بمكروه. وبالفعل سلّم الإمام نفسه لإبراهيم باشا وقواته، وكان معه في الأسر رفيقه ووزيره وكاتم أسراره ونيان بن نصر الحربي.

استراحة في بطن الوادي

وفي طريق نقلهم من نجد إلى الحجاز تمهيداً لترحيلهم إلى مصر مرّت قافلة الجيش التركي بمنطقة المطلاع، غرب منطقة القصيم بين جبال مشهورة أبان الأحمر وأبان الأسمر، فتوقفت قافلة الجيش للاستراحة في بطن الوادي، فألمح ونيان للإمام عبد الله بن سعود بالهروب من الأسر. وقال وكأنه يحدث الإمام عبد الله ورفقته أحاديث السفر المعتادة:

«يا إخواني، قبل سنوات كنت ماراً بأبان الأحمر، هذا الذي عن يسارنا فرأيت قطيعاً من الوعول، فأطلقت نار بندقيتي على أحدها فجرحته جرحاً بليغاً بدليل أثر الدماء التي رأيتها على الأرض فتبعته، ولكنه لجأ إلى أبان الأحمر. دخلت الجبل خلفه، فدهشت لسعته، وصعوبة مداخله، ومنعة من يلتجئ إليه، ولم أستطع الاهتداء إلى الوعل الجريح بعدما دخل في شعاب أبان». وكان بذلك يوحي بفكرة الالتجاء إلى جبل أبان الأحمر والإمام لم ينتبه لذلك، فيما ونيان لا يستطيع أن يفصح عن قصده؛ خوفاً من الحراس والجنود المرافقين.

ولما ابتعد الموكب عن الجبل بحيث لم يعد ممكناً للإمام عبد الله بن سعود اللجوء إليه، ذكر ونيان ما كان يرمي إليه من قصة الوعل الجريح، وقال الإمام مخاطباً حاشيته: «فاتت يا ونيان!»، فأصبح ذلك قولاً مأثوراً لدى أهل نجد.

واستكمالاً لسيرة ونيان، فقد عاد وانضم تحت لواء الإمام تركي بن عبد الله ومن بعده الإمام فيصل بن تركي طيلة قيام الدولة السعودية الثانية. واستقرت أسرة آل ونيان من أحفاد ونيان بن نصر الحربي في بلدة العويند التي منحت لجدهم ونيان من الإمام فيصل بن تركي، وأيد ذلك جلالة الملك عبد العزيز بوثيقة أكد فيها ما أمضاه ومنحه الإمام فيصل بن تركي، وحدّد حدود المنح، وذلك في شهر رجب عام 1363ه.

يُشار إلى أن جبل «أبان» بشقيه الأحمر والأسمر الذي شهد قصة المثل ذكره الشعراء الأقدمون، ومنهم امرؤ القيس، فكان أول من قال الشعر عن العرب:

كَأَنَّ أَبَانًا فِي أَفَانِينِ وَدْقِهِ

كَبِيْـرُ أُنَاسٍ فِي بِجَـادٍ مُزَمَّـلِ

كما ذكره الشاعر لبيد بن ربيعة في قوله:

دَرَسَ المَنا بِمُتالِعٍ فَأَبانِ

وَتَقادَمَت بِالحُبسِ فَالسوبانِ

ولم يكن رأس الإمام الرابع للدولة السعودية الأولى عبد الله بن سعود مطلوباً في حصار الدرعية فحسب، بل في كل معركة من المعارك الكثيرة التي واقعهم فيها بمناطق مختلفة من الجزيرة العربية، وفي ظروف بيئية واقتصادية بالغة الصعوبة. وعلى تباعد مناطق الصراع وتعددها، أظهر السعوديون قوة وبسالة في الدفاع عن الأرض، وطرد الغازي شر طردة.

أحد أعيان الجزيرة في الدولة السعودية الأولى (الشرق الأوسط)

وقائع حرب وصلح وخيانات

وفي تاريخه الحولي «تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد» لمؤلفه إبراهيم بن صالح بن عيسى، ذكر في إشارات متناثرة في كتابه عن وقائع بين الجيش السعودي في عهد الإمام عبد الله بن سعود، الذي نحن في صدد الحديث عنه وبين عساكر الأتراك ومن ولاهم، يقول ابن عيسى: «وفي سنة 1230هـ، أي بعد عام - من تولي عبد الله بن سعود مقاليد الحكم بوصفه الإمام الرابع للدولة السعودية الأولى بعد وفاة والده الإمام الثالث سعود بن عبد العزيز بن محمد - قدم أحمد طوسون بن محمد علي بالعساكر العظيمة ونزل الرس والخبرا، وكان عبد الله بن سعود إذ ذاك في المذنب، فلما علم بذلك رحل من المذنب ونزل بلد عنيزة، وأميرها إذ ذاك من جهة عبد الله بن سعود نزل الحجناوي، وهي مزارع لأهل بلدة الرس تقع شرقها، وأقام عليها نحو عشرين يوماً يصابر عساكر الترك، ويقع بينهم مقاتلات ومجاولات من بعيد، ثم إن الصلح وقع بين أحمد طوسون وأحمد بن نابرت وبين عبد الله بن سعود على وضع الحرب، وأن عساكر الترك يرفعون أيديهم عن نجد، ويرفع عبد الله بن سعود يده عن الحرمين ولك منه يحج آمناً، وكتبوا بذلك سجلات فرحل أحمد طوسون ومن معه من العساكر غرة شعبان من هذه السنة (1230هـ)، وتوجهوا إلى المدينة المنورة».

كما أشار ابن عيسى إلى وقائع عام 1231هـ التي تمت بين الطرفين، وتم فيها الصلح، وانتقض بينهما لوجود خيانات وعدم امتثال الأتراك للصلح، مضيفاً في سياق آخر أن إبراهيم باشا نزل ببعض المدن في نجد ليصل ضرما، فحاربه أهلها فأخذها عنوة، وقتل من أهلها نحو 1300 رجل ونهب البلاد وأخلاها من أهلها، ثم ارتحل منها إلى الدرعية ونزلها في الثالث من جمادى الأولى من السنة المذكورة (1231هـ)، وجرى بينه وبين أهلها عدة وقعات.

وحاصل الأمر - والكلام لإبراهيم بن عيسى - أنه وقع الصلح بينه وبين أهل الدرعية على أن عبد الله بن سعود يخرج إليه ويرسله إلى السلطان، فيحسن إليه أو يسيء، فخرج عليه عبد الله بن سعود على ذلك. وذلك في تاسع ذي القعدة من السنة المذكورة، ولما كان بعد المصالحة بيومين، أمر الباشا عبد الله بالتجهز بالمسير إلى السلطان، فتجهز ثم أرسله مع رشوان أغا والدويدار، ومعهم عدد كثير من العسكر، فساروا به إلى مصر ثم إلى اصطنبول (كتبت هكذا)، وقتل هناك رحمه الله تعالى. وكانت هذه السنة كثيرة الاضطراب من نهب الأموال وسفك الدماء، وقد أرّخها محمد بن علي الفاخري المتوفى عام 1277هـ، وله رسالة دوّن فيها بعض حوادث نجد، نقل ابن عيسى أغلب ما فيها إن لم يكن كلها.

ويضيف ابن عيسى «ثم دخلت سنة 1234هـ، وإبراهيم باشا في الدرعية، ثم أمر أهلها أن يرتحلوا منها فرتحلوا منها، فأمر بهدمها وقطع أشجارها فهدموها وأشعلوا فيها النيران وتركوها خاوية، وتفرّق أهلها في البلدان، فلما فرغ إبراهيم باشا من هدم الدرعية رحل عنها، وترك في ثرمدا خليل أغا ومعه الكثير من العسكر وقصد المدينة المنورة. وأمر بنقل آل سعود وآل الشيخ بأولادهم ونسائهم إلى مصر، فنقلوا إليها. فلما وصل إلى القصيم أخذ معه حجيلان بن حمد، رئيس بلد بريدة، وسار به إلى المدينة المنورة».

معابر «حافة العالم»

وتقع بلدة العويند في أحضان سفح جبل طويق من الناحية الغربية، وكانت في الماضي قبل فتح الطرق المعبدة همزة الوصل بين اليمامة والبطين عبر طريق الحيسية المسماة سبع الملاف، التي يعبرها المسافرون بين الرياض والحجاز، وكان المغفور له جلالة الملك عبد العزيز يسلك هذه الطريق في رحلاته بين الرياض والحجاز، ويمكث في العويند للراحة، وأحياناً يقيم في العويند لعدة أيام في الرحلات الماطرة.

«وتُمثل بلدة العويند مكانة مهمة لاحتوائها على بعض المواقع الأثرية، منها الموقع المسمى حجيلا، الذي يعود إلى يحيى بن أبي طالب، والذي ذكره في قصيدته قبل وفاته في العراق في العصر العباسي، بالإضافة إلى المعابر الجبلية مثل معبر فهرين المسمى حالياً حافة العالم، ومعبر حجهور، ومعبر أبا الغبطان، التي يُذكر أن خالد بن الوليد قد سلكها أثناء حروب الردة».


الشقير لـ«الشرق الأوسط»: تراث الدولة السعودية الأولى تعرض للطمس والتهميش

 تجمع في أحد الأسواق ويبدو طراز الملبس والزي (الشرق الأوسط)
تجمع في أحد الأسواق ويبدو طراز الملبس والزي (الشرق الأوسط)
TT

الشقير لـ«الشرق الأوسط»: تراث الدولة السعودية الأولى تعرض للطمس والتهميش

 تجمع في أحد الأسواق ويبدو طراز الملبس والزي (الشرق الأوسط)
تجمع في أحد الأسواق ويبدو طراز الملبس والزي (الشرق الأوسط)

أكد الباحث السعودي المتخصص في علم الاجتماع والإنثروبولوجيا، الدكتور عبد الرحمن الشقير، أن الدولة السعودية الأولى عند قيامها سعت إلى دعم الإبقاء على التجانس الاجتماعي بتعزيز الأمن وفرض العقوبات الصارمة ضد الجريمة والسرقة وتهديد الأمن الاجتماعي، ما كان له أثر كبير في إيجاد بيئة صحية للمجتمع المنجز والحيوي والمتفاعل مع العالم من حوله.

وشدّد الشقير، في حوار مع «الشرق الأوسط»، بمناسبة ذكرى يوم التأسيس على يد الإمام محمد بن سعود، على أن هذا التراث الضخم تعرض للطمس والتهميش، ما جعل كثيراً من المؤرخين يصف المجتمع بالكسل وعدم الإنجاز والفقر، كنوع من «الاستشراق الذاتي» أو «المحلي». ويقصد بذلك تسلط المؤرخين المحليين بالاعتداء على تاريخهم، إذ تأثروا بما تم تأسيسه لهم من تاريخ مضلل لـ3 عقود، وكأن «الميت يقبض على الحي»، وهي قبضة رمزية منغرسة في اللاوعي، تمثلت في متابعة النصوص بلا فحصها، وهيمنة المؤرخ السابق على اللاحق. ولفت الشقير أن التراث المحلي السعودي هو في الحقيقة بوابة عبور للعالمية.

واعتبر الشقير أن البحث في النواحي الاجتماعية وممارسة الحياة اليومية للناس العاديين في زمن الدولة السعودية الأولى يعدّ من أهم دراسات علم الاجتماع المعاصر، لأن ذلك من مقاييس المجتمع المنجز للهوية والثقافة والتراث والقيم.

وكان المجتمع السعودي، قبل ضمّ بلدانه للدولة السعودية وبعدها، يعيش حياته اليومية بقوة العادات والتقاليد والتعاون، ويقوم نشاطه على الزراعة والرعي والتجارة والعلم والمهن والصناعات البسيطة، وكان لذلك دور كبير في تجانس المجتمع وضبط دورة حياته.

الدرعية على الخارطة وامتدادات علاقاتها في المحيط (الشرق الأوسط)

وعندما برزت الدولة السعودية الأولى، سعت إلى دعم الإبقاء على التجانس الاجتماعي بتعزيز الأمن وفرض العقوبات الصارمة ضد الجريمة والسرقة وتهديد الأمن الاجتماعي، ما كان له أثر كبير في إيجاد بيئة صحية للمجتمع المنجز والحيوي والمتفاعل مع العالم من حوله.

وحول ما إذا كان الأمن أحد مكونات هوية المجتمع وعن علاقته بالتراث، رأى الشقير أنها علاقة عضوية. وذكّر بفكرة أن الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وذلك يبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه عوامل الإبداع والإنتاج. لذا، فإنه بعد تأسيس الدولة السعودية الأولى، واكتمالها، برز الأمن كأحد أهم المعايير التي تمت المحافظة عليها. وكان عهد الإمام عبد العزيز بن محمد مضرب مثل في الأمن، وشهد بذلك خصوم الدولة قبل مؤرخيها، فيذكر المؤرخ أحمد زيني دحلان اعترافاً بالفضل في التجانس الاجتماعي بسبب تأمين حياة الناس، ويذكر المؤرخ عثمان بن سند الفيلكاوي البصري أن الدولة السعودية الأولى أمنت جزيرة العرب، ومنعت قتال القبائل، وأصبح الناس من حضرموت إلى الشام أبناء رجل واحد.

ويعدّ الأمن المادي على الممتلكات أحد أسباب الأمن الروحي والنفسي، وهي الأرضية الصلبة التي تبني فيها الشعوب هويتها الثقافية وحضارتها وتراثها المادي وغير المادي.

تاريخ مضلل غيّب المنجز

وعن الهوية الثقافية، قال الشقير إنه حيثما يوجد مجتمع متفاعل ونشط، توجد الهوية الثقافية، وينشأ بداخله تراث وعادات ومصفوفة قيم تحكم سلوكه. ومرّ تراثنا المحلي بـ3 مراحل أساسية...

أولاً؛ أن أكثر تراثنا المادي وغير المادي قد تأسس في ما يمكن تسميته بـ«مجتمع العصر الوسيط» (بين عامي 600 - 1139هـ) وبدأ قبل قيام الدولة السعودية. وعندما برزت الدولة، عززت ذلك التراث ورسخته.

وثانياً؛ أن هذا التراث الضخم تعرض للطمس والتهميش، ما جعل كثيراً من المؤرخين يصف المجتمع بالكسل وعدم الإنجاز والجهل والفقر، وهذا يشكل «الاستشراق الذاتي» أو «المحلي»، ويقصد به تسلط المؤرخين المحليين بالاعتداء على تاريخهم.

وثالثاً؛ تأثر المؤرخين والباحثين السعوديين على مدى 3 قرون بما تم تأسيسه لهم من تاريخ مضلل، وهذا ما أسميته بحالة «الميت يقبض على الحي»، وهي قبضة رمزية منغرسة في اللاوعي، تمثلت في متابعة النصوص دون فحصها، وهيمنة المؤرخ السابق على اللاحق.

وهذا ما حفز للإسهام البسيط في توثيق مشروع «الذاكرة الشعبية»، من خلال استكشاف الممارسات اليومية للإنسان العادي في المجتمع السعودي، مثل: تحولات قيم الفلاح والراعي والصياد، و«طقوس العبور» وهي العادات الاجتماعية للتعامل مع المراحل الحاسمة للإنسان، كالولادة والزواج والموت، وسياحة الصيف المتمثلة في المقياض، وسياحة الشتاء المتمثلة في المكشات، وسياحة الربيع المتمثلة في المقناص، ما يؤكد على أن المجتمع ديناميكي ومتفاعل مع البيئة وقادر على صناعة بهجته بإمكاناته المحلية.

وهذا يعني أن تاريخ المملكة كان يسير على مسارين تاريخيين مختلفين خلال 3 قرون. هما مسار رؤية المجتمع من منظور ديني، وهي الرؤية المهيمنة سابقاً، ومسار رؤية المجتمع من منظور الحياة اليومية، وهي التي تنتمي إلى روح الدولة السعودية. والدليل على ذلك أن أئمة الدولة أقروا المذاهب الدينية، واستمرت بعض البلدان في الانتماء لمذاهب فقهية غير المذهب الحنبلي، وعينت الدولة قضاة للشيعة في أماكنهم، وأمنت الأهالي لممارسة نشاطهم الاجتماعي والاقتصادي دون تغيير. وذلك التاريخ طال إهماله، على رغم أنه ينتمي لطبيعة الدولة، ويؤكد انفتاحها وسياستها التي أسهمت في بقائها قوية. فإن خسرت معركة أو سقطت عادت قوية بقادتها وسواعد أبنائها.

وعن مصادر الهوية المحلية، يشرح الشقير أن جوهر الهوية والثقافة والفنون والتراث المادي وغير المادي الذي ينظم سلوك إنسان اليوم يكمن في مجتمع العصر الوسيط؛ وذلك لوقوع العصر الوسيط بين عصرين كبيرين، بينهما تمايزات معرفية وواضحة مع الحقب التاريخية التي بعدهما وما قبلهما، وهما الحقبة الزمنية الطويلة التي تفصل بين العصر الإسلامي، وعصر الدولة السعودية الأولى. فبقي العصر الوسيط بينهما مجهولاً ومهملاً، ولكنه واضح الملامح والسمات لمن يمتلك أدوات منهجية جديدة.

أولاد يلهون قرب سور من أسوار الأحساء يظهر جانباً من الحياة اليومية (الشرق الأوسط)

وبالتالي عند الحديث عن بعض أوجه الحياة الشعبية المعاصرة، مثل: عادات الزواج، والعرضة أو رقصة الحرب وبعض الفنون والألعاب والأمثال الشعبية، والتراث غير المادي عامة، فإننا نتحدث عن منجزات المجتمع في العصر الوسيط؛ لأنها لا تنتمي للعصر الإسلامي الذي سبقها، ولا للتراث السلفي. فقامت الدولة السعودية على تراث موجود، واحتوته بدعم ثقافتها الرئيسة، والثقافات الفرعية التي تنتمي لمختلف المناطق والقبائل.

منجز حضاري للدولة الأولى

ولا شك أن مصادر الهوية الثقافية متعددة وتنبع من الذاكرة الجمعية المتراكمة على مدى أجيال، التي أطلق عليها الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو «الهابيتوس». وبدأت معالمها بوضوح مع العصر الثمودي قبل 3 آلاف عام تقريباً، بممارسات الإنسان العادي وتفضيلاته للإبل والنخل والصيد مثلاً، وقد صدر مؤخراً كتاب «حضارة منقوشة على حجر... الشعب الثمودي» للتأكيد على الانتماء المكاني والثقافي.

كما سنّت القبائل العربية في الجاهلية بعض العادات والقيم، وجاء الإسلام وأضفى الروح الدينية ونبذ بعض قيم الجاهلية وعزّز بعضها الآخر، وكل عصر تاريخي يضفي شيئاً من التراث غير المادي.

كما أن منجزات الإنسان في الدولة السعودية الأولى تبرز بوضوح المعاني الاجتماعية والنفسية المثقلة بالبيئة الحية كالإنسان والحيوان والنبات، والبيئة غير الحية، كالجبال والأودية والرمال والنجوم والماء والمناخ، حيث انعكس تعامل الإنسان معها بوصفها كائنات حية، وخطّط بلدانه ونظم أشعاره وتصوراته عن العالم في محيطها.

«نجد... القصة الكاملة»

في دراسة العصر الوسيط نصل إلى قناعة كبيرة بأن المستقبل لا يمكن أن يفهم إلا بفهم التاريخ وتشخيص الواقع، بحسب الشقير. وذلك وفق مناهج بحثية متقدمة وقادرة على تجاوز ركام التضليل. ولإيمان الشقير بهذه الفلسفة، فقد انشغل 8 سنوات بدراسة المجتمع النجدي على مدى مئات السنوات، وأسماه مبدئياً «نجد... القصة الكاملة». ويقول: «حاولت الإمساك بالسلك الناظم للمجتمع عبر خط الزمن الطويل باستخدام مناهج وأساليب بحث جديدة، ووجدت نظريات جديدة على مستوى العالم العربي وليس المحلي فقط».

من أبرز الخلاصات أن المجتمع هو الأصل، وأن الدولة تكتسب رسوخها برعايتها للمجتمع وتعزيز قيمه وثقافاته الفرعية، وهذا ما حققته الدولة السعودية، ولم يحققه من كان قبلها.

كما أن سقوط الدولة العباسية في منتصف القرن السابع الهجري كان إيذاناً بنهوض حضارة نجدية غير مسبوقة. وهي أنه عندما ضعفت الدولة العباسية الثانية، منذ القرن الثالث الهجري وما بعده، تسبب هذا الوضع الجديد في إهمال منطقة نجد وكثير من مناطق جزيرة العرب، وبعد انهيار الحضارة الإسلامية في القرن السابع الهجري، كانت منطقة نجد تعيش عزلتها. لذلك لم تستفد من النهضة ولم تتأثر من السقوط، وكان تهميشها إيذاناً لها باستقبال زيادة كثيفة من السكان الذين يبحثون عن الأمان البعيد عن مناطق الصراع، والبدء ببناء نهضتها الخاصة بها بعدما أصبح العالم الإسلامي مشتتاً.

وبدأت منطقة نجد تعيش في مطلع القرن السابع الهجري طفرة سكانية واجتماعية واقتصادية وعمرانية غير مسبوقة، وتحولت إلى معمل ضخم لإنشاءات البلدان والقرى الزراعية وترميم شبكة الطرق وشقّ طرق جديدة. وربما كانت تلك أكبر عملية إنشاء حواضر في المنطقة العربية، وبالتالي فإن سقوط الدولة العباسية شكّل مرحلة مخاض عربية وإسلامية كبيرة، تركت فراغاً حاول المماليك ملأه، ثم العثمانيون. ولكن الدولة السعودية كانت الأوفر حظاً لتقبلها من العالم الإسلامي، لقوة العروبة والقرب المكاني من الحرمين الشريفين والوعي السياسي السعودي بهذا الفراغ.

وهذه الرؤية الجديدة من الأفكار الأساسية، على اعتبار أنها تنقض وجهات النظر السائدة حول التاريخ النجدي، بتحويل مؤشر النهضة النازل إلى مؤشر صاعد بمقاييس التحضر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديني، وتقدم نقداً لكثير من الآراء السائدة والمتداولة، وهنا جوهر الفرق بين النتائج المستندة إلى نقل النصوص المتداولة، والنتائج المستندة إلى دلائل وتحليل ومناهج بحث مبتكرة وموثوقة.

وعلى المستوى المصغر، فقد درس الشقير بعض المحاور وكتب عن؛ إسكان الغريب وتاريخ الفنادق في نجد، وتواريخ الغرفة، والباب، والإضاءة، والقيمة المضافة وأجرة العامل والضريبة، وتحليل المجتمع من الفتاوى والشعر الشعبي والأساطير الشعبية، واستنطاق المعاني والرموز الاجتماعية المرفقة بها.

الدرعية تجمع هوية المجتمع السعودي

يحمل الاهتمام بقضايا الهوية والتراث قيمة مضافة ومستدامة تصبّ في مشروع متكامل. فالشعوب التي تمتلك المخزون التاريخي والحضاري الحي، يمكنها الصمود أمام الأزمات فتستمد قوتها المعنوية من تاريخها.

ولدى مناطق المملكة مخزون حضاري وتراث كبير شامل لكافة عصورها التاريخية وجميع مناطقها؛ فهي تمتلك منتجاً لغوياً وتراثاً أدبياً كبيراً في الجاهلية، ومساهمة في الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام، وهذه لا تزال محفوظة على رغم أنها تتعرض للاستلاب التاريخي والفني والإعلامي، كما حققت حضارة عمرانية ومنظومة قيمية في العصر الوسيط، وهذه ما زالت مجهولة.

ولهذه التداعيات التاريخية والسياسية، يرى الشقير أن الدرعية ما زالت تمتلك روحاً مشعة تجمع هوية المجتمع السعودي، كما كانت عليه في زمن الدولة السعودية الأولى، ولا يستبعد أن تعود عاصمة للدولة كما كانت، ويعاد دمجها وفق مخطط تاريخي ثقافي أوسع لعواصم الدولة التاريخية، وأن تشكل توأمة مع يوم التأسيس الذي انطلق عام 1139هـ - 1727م ليحكي قصة تاريخ متصل منذ 6 قرون.

ويمتلك الشقير منتجاً معرفياً قيماً وعشرات من الدراسات والأبحاث التي تجمع بين الاجتماع والتاريخ والإنثروبولوجيا، فجمع تلك الخبرات ووظفها في دراسة المجتمع السعودي. وعن ذلك، يقول: «في الواقع بدأت مسيرتي الفكرية واهتمامي بالتطور التاريخي للمجتمع منذ نشأتي. وكنت كثير الترحال بين مناطق المملكة ومجالسة الرواة والأعيان في كل بلد أزوره، وقراءة تاريخها وتراثها وأدبها، وقد كتبت كثيراً عن المجتمع، ولكن لفت انتباهي في السنوات الأخيرة ظهور أجيال من القراء المنصهرين في التراث الأدبي العالمي، يتابعون بشغف الروايات والقصص الأميركية والأوروبية والروسية وما فاز منها بجائزة نوبل للأدب وغيرها. وراهنت على أن تراثنا المحلي وأدبنا الشعبي هو بوابة العبور للعالمية. وسبق لكثير من الباحثين أن أكدوا على أن العالمية تبدأ من المحلية، وبدأت في الكتابة عن العادات والظواهر المنغرسة في المجتمع، وكل ما يبدو أنه لا يستحق التحليل، وحققت قبولاً بين أجيال الشباب السعودي، وأخبرني بعضهم أنه عاد لقراءة الروايات السعودية، وبعضهم عاد لقراءة الأساطير الشعبية والأدب الشعبي، وهم مندهشون لما في مجتمعهم مما يوازي الأدب العالمي من الإبداع».


الحفيد السابع لكبير بنائي قصور الدرعية يشرح سمات مؤسس السعودية

أحد القلاع والحصون التي استخدمت لحماية المدن والقرى (الشرق الأوسط)
أحد القلاع والحصون التي استخدمت لحماية المدن والقرى (الشرق الأوسط)
TT

الحفيد السابع لكبير بنائي قصور الدرعية يشرح سمات مؤسس السعودية

أحد القلاع والحصون التي استخدمت لحماية المدن والقرى (الشرق الأوسط)
أحد القلاع والحصون التي استخدمت لحماية المدن والقرى (الشرق الأوسط)

أكد باحث سعودي في التاريخ وتحديداً تاريخ الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى التي انطلقت منها أكبر دولة مركزية في الجزيرة العربية أن أحد عوامل صناعة القادة الأبطال بعد نظرية «السمات الشخصية ونداء الزمان»، هو «ظرف المكان»، وما حدث فيه من تحولات جيوسياسية وأنثروبولوجية تستدعي ولادة دولة مركزية. فقد سئم الناس من غياب سلطة القانون والتناحر المحلي وفقدان الأمن والاقتصاد ناهيك عن التغير السوسيولوجي الكبير تدريجياً حتى قيام دولة.

وأوضح الدكتور يوسف بن عثمان بن حزيم في حوار مع «الشرق الأوسط»، بمناسبة يوم التأسيس، أن عهد الإمام محمد بن سعود لم يكن عهداً سياسياً ودينياً فحسب وإنما هو ميلاد أمة على يد آباء مؤسسين سيدوم عقدهم الاجتماعي ثلاثمائة عام ولا يزال. وهذا ما يسمى بالتحولات الكبرى في التاريخ بعدما أثّر هذا الانقلاب في الاجتماع السياسي على مجمل العالم الإسلامي وبلغ ذروته في دوره الثالث مع الملك عبد العزيز وأبنائه الملوك من بعده سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، ثم عهد الملك سلمان بن عبد العزيز وعنوانه الكبير: التجديد وإعادة البناء.

جدير بالذكر أن الباحث الدكتور يوسف بن حزيم هو الحفيد السابع لكبير بنائي قصور الطريف محمد الحزيمي الذي كان أحد وجهاء الدرعية ثم أخرجوا منها إلى منفوحة بعد جسارتهم وبلائهم في الدفاع عنها عام 1234هـ بعد الغزو البربري التركي.

خارطة الطريف وتبدو فيها المعالم الرئيسية للمنطقة (الشرق الأوسط)

ولدى سؤاله عن كيفية تمكن الإمام محمد بن سعود من تأسيس هذا الكيان الكبير الذي أصبح اليوم لاعباً مؤثراً في العالم، قال الدكتور بن حزيم «إن الإمام محمد بن سعود وعشيرة آل سعود هم نتاج روح الجماعة التي سكنت وادي حنيفة منذ عام 850هـ/1446م مع عودة الجد مانع، ومن تلك الروح القيادة والتأثير والجسارة والحكم خلال 600 عام». وأضاف «بل تجد أن فرعاً منهم، آل وطبان، خرجوا منفيين بعد تولي الأمير محمد بن سعود الإمارة عام 1139هـ إلى بلد الزبير بالعراق. ثم نجدهم يحكمون ناهيك عن تمددهم الدائم في جزيرة العرب حتى أصبحوا حجر أساس فيها».

وبحسب جوستاف لوبون فإن الجماعات بالمعنى المتعارف عليه هي لفيف من القوم مطلقاً وإن اختلفوا جنساً وحرفة ذكوراً كانوا أو إناثاً وعلى أي نحو اجتمعوا. أما في علم النفس، فلها معنى آخر، ففي بعض الظروف يتولد في جمع من الناس صفات تخالف كثيراً صفة الأفراد، حيث تختفي الذات الشاعرة وتتوجه مشاعر الأفراد نحو صوب واحد؛ فتتولد من ذلك روح عامة.

وبحسب بن حزيم، فإن حركاتنا المقصودة لنا أو الشعورية هي مجموع أسباب لا شعورية متولدة على الأخص من تأثير الوراثة فينا، وهذا المجموع يشتمل على بقايا الآباء والأجداد التي لا يحصيها العد، ومنها تتألف روح الشعب أو الأمة التي نحن منها.

القائد يصنع ظرفه

وحول ما إذا كان الزمان والجغرافيا هما ما يستدعيان القائد، أم أن ثمة عوامل محددة صنعت البطل الإمام المؤسس محمد بن سعود قال بن حزيم «في دراسات علم الإدارة والقيادة يُطرح سؤال حول المتسبب في ظهور البطل القائد. هل هي سماته الشخصية؟ أم غير ذلك؟ لو أن الأمر كذلك، لما حُرمت شخصيات قيادية مرت علينا من تسلم القيادة والمناصب والتأثير. إنما لم تكن ساعتهم أو قل، زمنهم».

وبحسب بن حزيم يذهب آخرون إلى القول بأن القائد يصنع ظرفه بغضِّ النظر عن زمنه أو أن ظرف الزمان تأثيره محدود، وما نحن بصدده في هذا البحث: هل ظهور وبروز الإمام محمد بن سعود كان سببه سماته الشخصية أم زمنه الذي استدعاه.

صورة لأحد الأسواق القديمة (الشرق الأوسط)

يقول المفكر السعودي تركي الحمد «مفكرون مثل توماس كارليل - ولعل عباس محمود العقاد من أبرز أتباع مدرسته في عالمنا العربي - يرون أن التاريخ لا يمكن أن يكون ما كان لولا العظماء من الأفراد. فالبطل، أو الفرد الفذ، عند كارليل، هو المسيّر الأوصى للتاريخ وما كان للإنسان أن ينجز ما أنجزه في التاريخ لولا هؤلاء الأفذاذ الأبطال».

ثم يقول «عند مفكرين آخرين، مثل كارل ماركس - ولعل حسين مروة والطيب تيزيني من أبرز ممثلي تياره في عالمنا العربي - نجد توجهاً مختلفاً تماماً، فالفرد هنا لا قيمة له في التاريخ. فالقوى التي تُسيّر التاريخ ليست الفرد والأبطال، بقدر ما هي قوانين وآليات تاريخية موضوعية وإن كانت مادية الجوهر تسيّر الأفراد والمجتمعات ولا تتأثر في النهاية بحياة الأفراد أو بوجود هذا البطل من عدمه».

ويرى بن حزيم أنه بين هذين التيارين المبجل للفرد من ناحية والمُهمّش له من ناحية أخرى نجد تياراً يمكن القول إنه يمثّل الوسط والوسطية في هذا المجال كمثل جورج فيلهلم هيفل - ولعل الدكتور إمام عبد الفتاح إمام من أبرز ممثلي فلسفته في العالم العربي - . فالفرد هنا فاعل في التاريخ وغير فاعل في الوقت ذاته ولا تناقض بين القولين والظروف هي التي تصنع البطل ولكنه أيضاً يصنع الظروف.

ظرف المكان وصناعة القائد

العامل الثالث من عوامل صناعة القادة الأبطال بعد نظرية السمات الشخصية ونداء الزمان، بحسب بن حزيم، هو ظرف المكان وما حدث فيه من تحولات جيوسياسية وأنثروبولوجية ثقافية تستدعي ولادة دولة مركزية بعدما سئم الناس من غياب سلطة القانون والتناحر المحلي وضياع وفقدان الأمن والاقتصاد ناهيك عن التغير السوسيولوجي والتحول الكبير نحو قيام الدولة.

أحد القلاع والحصون التي استخدمت لحماية المدن والقرى (الشرق الأوسط)

ويقول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز: «بعد ظهور الدولة الأموية وانتقال العاصمة من المدينة إلى دمشق ثم بغداد في عهد الدولة العباسية، دخلت الجزيرة العربية عصراً مختلفاً عن عصرها الزاهي الأول؛ حيث انتشرت فيها الفوضى، وغابت الدولة، وظهرت إمارات متعددة اشتغلت بقتال بعضها بعضاً، وأصبح الحاج لا يأمن على نفسه في طريقه لأداء ركن مهم من أركان الإسلام. وعاشت الجزيرة العربية قروناً من قرون الظلام أصبحت بعيدة عن الأحداث التاريخية في عصرها الحديث، ولم تعد مركزاً للاهتمام والعناية، سوى القدوم إليها للحج أو زيارة الأماكن المقدسة مع المخاطر الشديدة. وأصبح قلب الجزيرة العربية منعزلاً عن العالم من حوله، منقسماً إلى إمارات متناحرة يعيش في غالبه حياةً ملأى بالخرافة وانعدام الوحدة التي عاشتها الجزيرة العربية في أيام الدولة الإسلامية الأولى، وأصبحت كل بلدة يحكمها فرد ينازعه آخر، وأصبحت القبيلة في حروب ضد الأخرى، وغابت الولاية وانعدم الأمن، لقد أصبح في كل إقليم دولة، وفي كل قبيلة دولة، وداخل كل دولة من هذه دول متنافرة ومتناحرة، بسبب غياب الدولة المركزية القائمة على راية الدين كما حدث في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين».

التحولات الكبرى... القوة النافذة

وبالسؤال عن القوة النافذة التي تخلق التحولات كما فعل الإمام محمد بن سعود وأبناؤه وأحفاده والمؤسسون والملوك خلال مراحل الدولة الثلاث يقول بن حزيم: يمكن التأكيد على أن عهد الإمام محمد بن سعود لم يكن عهداً سياسياً ودينياً فحسب بل هو ميلاد أمة على يد آباء مؤسسين سيدوم عقدهم الاجتماعي بعدها ثلاثمائة عام ولا يزال. وهذا ما يسمى بالتحولات الكبرى في التاريخ بعدما أثّر هذا الانقلاب في الاجتماع السياسي على مجمل العالم الإسلامي وبلغ ذروته في دوره الثالث مع الملك عبد العزيز وأبنائه الملوك من بعده سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، ثم عهد الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله-، الذي عنوانه الكبير: التجديد وإعادة البناء.

وبحسب بن حزيم، فإن القوة النافذة هي التي تنبثق من فكرة فلسفية عقلانية دافعها مقتضى الحاجة أو الألم أو الأمل، فكيف إذا ترافقت بصبغة دينية لتشكل أيديولوجيا يعرّف فيها الإنسان والمجتمع والسلطة نفسه والآخر، ثم يضع رؤاه للمستقبل لتكوين مشروع استقرار وتنمية وازدهار.

وقال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز: «ما قامت به الدولة السعودية أشار إليه المؤرخ الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون في رؤيته التاريخية العامة حين قال إن العرب لا يحصل لهم ملك إلا بصبغة من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم على الجملة، وهذا هو الذي تحقق حيث قامت الدولة السعودية على أساس هذه الصبغة وكان لها الأثر الكبير من حيث الأمن والاستقرار والازدهار».


تاريخ الدولة السعودية في مراحلها الثلاث... البناء على ما بنى الأوائل

TT

تاريخ الدولة السعودية في مراحلها الثلاث... البناء على ما بنى الأوائل

مسجد في الطائف (الشرق الأوسط)
مسجد في الطائف (الشرق الأوسط)

بين روايات التأسيس والتوحيد وحكايات البناء والتطوير روابط ووشائج، وتاريخ دولة متصل لأكثر من 300 عام فيه الكثير من الصفحات المضيئة والقصص الملهمة، ومن يغص في أعماقه وينقب في وثائقه ويستجلي أوضاعه، ويقرأه وفق سياقه التاريخي وظرفه الزماني والمكاني، يدرك أبعاد اتجاهاته السياسية وتحولاته الاجتماعية ونهضته الفكرية، وملاحمه التنموية بل وحتى رؤيته الممتدة. كيف لا وهو تاريخ دولة وسيرة أمة.

أمة غُيّب دورها فنهضت من كبوتها لاستعادة أمجادها، ودولة أعادت لجزيرة العرب اعتبارها ووصلت ما انقطع من تاريخها العربي، أشرقت شمسها ثم أفلت وتكرر ذلك مرتين في حالة نادرة؛ بل فريدة.

من هنا أطلق المؤرخون المعاصرون على الحقب أو الأدوار الثلاثة للدولة السعودية مصطلحات «الأولى والثانية والثالثة» وتداولوها بوصفها حقباً تاريخية مع أنها لم تكن أسماءً رسمية، وبمحاولة تتبع متى بدأ استخدام هذا التقسيم يتبين أنه حديث نسبياً (في عهد الملك فيصل) وأن أول من استخدمه القانوني والمؤرخ الدكتور منير العجلاني. وإن كان ذلك يتطلب مزيداً من التدقيق والبحث، لكن سبق وأن استخدم مصطلح (الدور الأول) و(الدور الثاني) في عهد الملك عبد العزيز عند مؤرخين مثل أمين الريحاني وفؤاد حمزة.

مراحل بناء الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة (الشرق الأوسط)

لكن ماذا عن سنوات ضعف أو غياب الدولة؟ لأنها هي سبب هذا التقسيم المنطقي من الناحية التاريخية، مع أنني أراها سنوات الربط بين الأدوار. ولا بد - قبل ذلك - من إدراك «حجم الرصيد التاريخي الذي أسسته الدولة (الأولى)» والذي استفادت منه «الثانية» و«الثالثة» وبنتا عليه. من هنا تأتي أهمية استذكار تاريخ الدولة السعودية بكل مراحله وتحولاته، واستحضار إرثه العريق ورصيده الكبير وجذوره الراسخة في ذكرى يوم التأسيس، وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب لم تستوف حقها من ذلك التاريخ العريق.

مبادئ الدور الأول من الدولة السعودية

يرى الكاتب والباحث السياسي جبران شامية أن مشروع الدولة النهضوي في دورها الأول تضمن مبادئ لا يمكن تجاهلها، منها «الاهتمام بالعلم والمعرفة بالمعنيين الديني والدنيوي، والإصلاح القضائي وتوفير الأمن، وكسر التقليد وإعلان حق العقل في فهم النصوص، وتقييد القرار والإدارة السياسية بالأصول الدستورية، والإصلاح التربوي والاجتماعي، والكفاح من أجل الوحدة أو الاتحاد وتجاوز الإقليمية وتوسيع الاتصال بالعالم الخارجي».

ويوجز شامية حديثه عن «الدولة السعودية الأولى» فيما يلي من نقاط:

أولاً، إنها «كانت دولة عربية إسلامية ونداً عربياً قوياً على مستوى الحكم للشعوبية التركية وغيرها. وثانياً أنها نشأت في ظروف عالمية وعربية ومحلية شديدة التعقيد، وصمدت في وجه حملات القمع والتخذيل. ثالثاً أنها قدمت صورة جديدة بالنسبة للقرون الماضية من صور الحكم الإسلامي، ونمطاً متقدماً من أنماط الحكم السعودي في الجزيرة العربية. ورابعاً أنها تركت بصماتها الواضحة في التطورات العقلية والاجتماعية التي حدثت في جزيرة العرب من بعد، كما تركت آثارها العميقة في محيطها الأقرب (الخليج العربي)، ودائرتها المحيطة (الوطن العربي)، ومجالها العريض (العالم الإسلامي)».

ويؤيد ذلك السير هارفرد جونز بريدجز المقيم السياسي في بغداد (1798 - 1806م) بقوله: «إن النظام الذي سارت عليه الدولة السعودية هو نظام حر بكل ما في الكلمة من معنى. وأن العدل والأمن والانضباط كان أهم عناصر التحول التي أدخلتها تلك الدولة في حياة عرب الصحراء». ويقارب ذلك أستاذ التاريخ الدكتور عبد الكريم الغرايبة بقوله: لقد نجح آل سعود بنقل عرب الجزيرة نحو المدنية، «الأمر الذي لم يحققه أي نظام حكم في التاريخ، واستتب الأمن والنظام والوحدة في بلاد لم تعرف هذه الأمور من قبل».

 

أفراد من المجتمع السعودي بأزيائهم المختلفة (الشرق الأوسط)

وهذه التوطئة مهمة لفهم أسباب استمرارية الدولة رغم محاولات إنهائها وتدمير عاصمتها ومحو تراثها والتنكيل بأبنائها، والمفارقة الكبرى أننا أمام حالة نادرة في التاريخ فيما يتعلق باستمرار الدولة السعودية حضوراً وغياباً. فعمر الدولة منذ تولي الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية 297 عاماً ومجموع سنوات ضعفها أو غيابها لا يتجاوز 17 عاماً على أعلى التقديرات، أي بنسبة أقل من 6 في المائة من إجمالي عمر الدولة، وتلك السنوات وإن كانت غياب الحكم على الأرض، فإنها كانت سنوات الاستعداد لاسترداد الحكم وحضور رمزية الدولة مع حكامها الشرعيين بغض النظر عن مكانهم. ويقول المؤرخ عبد الرحمن الرويشد:

«كان آل سعود في غيبتهم يحملون الراية السعودية ولا يتخلون عنها»، وأورد عدة قصص عن ذلك، منها ما رواه عن القبطان البريطاني آي أر بيرس، ووصفه لراية آل سعود قرب الكويت عام 1901: «كانت راية آل سعود خضراء اللون، وكتب عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)».

سنوات الضعف

وفي سنوات ضعف الدولة (وأؤكد هنا على كلمة ضعف لأنني أرى أن الشرعية لم تسقط)، كان غياب آل سعود قسرياً لكن دورهم كان حاضراً ومحاولاتهم لاسترداد الحكم لم تنقطع، وقد يكون هذا ما قصده أستاذ التاريخ الدكتور عبد الفتاح أبو علية بقوله إن «المفهوم الزمني للدور (السعودي) أوسع وأعم من مفهوم الدولة الزمني».

وإذا كانت أسباب غياب الدولة مفهومة، فالسؤال الذي يجب أن يُسأل لماذا عادت الدولة؟

يجيب الدكتور أبو علية: «مع أن الدولة السعودية الأولى انهارت من الوجهة والمفهومية السياسية، فإنها تركت في البلاد النجدية مقومات الدولة السعودية الثانية، إذ ظلت أفكار دعوتها ماثلة في أذهان الناس، وظل المجتمع النجدي يكن الولاء للأسرة السعودية». كذلك يرى الدكتور الغرايبة: «إن الدرعية انتصرت بانتحارها المشرف لا بجيوشها»، وأن «تضحياتها لم تذهب عبثاً... فلولا البطولات التي أبداها آل سعود دفاعاً عن بلدهم، ولولا سمو الفكرة التي دعوا إليها»، لما استطاع عبد العزيز آل سعود أن يؤسس ملكه في القرن العشرين».

وفي سنوات ضعفها وغيبتها لم تكن الدولة حاضرة في ذهن قادتها فحسب، بل أيضاً في وجدان الناس. ومن جميل ما مر علي في هذا الباب، ما سمعته من أستاذ التاريخ السعودي الدكتور عبداللطيف الحميد: «أن عدداً من تجار نجد وأغنيائها كانوا يحملون زكاتهم للكويت أثناء إقامة الإمام عبد الرحمن فيها ويدفعونها له، بصفته الحاكم الشرعي». ولعل ذلك هو ما دفع المؤرخ الفرنسي فيلكس مانجان إلى القول، بعد تدمير الدرعية:

«مع أن أسرة سعود قد تفرقت، ومع أن الفوضى تعم بين الزعماء، فما زال هناك أس خصب يمكن للزمن والأحداث أن تجعله يتفتح من جديد». ويواصل مانجان توقعاته عن عودة الحكام الشرعيين: «وإذا كان الرعب الذي تنشره اليوم جيوش محمد علي يضمن خضوع المهزومين، فإنه مما لا شك فيه أنهم بعد موت ذلك الأمير سيستفيدون من الحماسة الحربية التي هي الميزة الطبيعية لكل الأجيال الجديدة لاستعادة مملكة كانوا يستطيعون الدفاع عنها أمداً طويلاً».

لم تخب توقعات مانجان، فاسترد الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود الحكم الذي أسسه جده الإمام محمد بن سعود بعد مدة قصيرة من ذلك التنبؤ، كما استرده عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بعد ذلك، فالأس الخصب الذي أشار إليه مانجان تَفَتَحَ من جديد. لكن مملكة عبد العزيز أتت متفوقة بتجاوزها الإمارة والسلطنة، وحكمه كان مختلفاً. فلم يركن إلى الإرث والرصيد التاريخي لأجداده فقط وإنما قرأ التاريخ أيضاً، ووعى مساره واستوعب دروسه واستفاد من تجارب أسلافه فبنى هياكل دولته وطور أدواتها وممارساتها تماشياً مع مقتضيات عصره، مع المحافظة على أصالتها وركائزها. والأهم يبقى أنه أسس مدرسته الفريدة في الحكم والسياسة التي تلقى فيها أبناؤه الملوك مهارات الحكم وفنون السياسة، ناهيك عن كونهم امتداد لبيت ملك عريق ينتمي لأرض الجزيرة العربية، يؤمن بمبادئها ويعرف قيمها وشمائلها وحاجات إنسانها، ويستحضر كل منهم فلسفة عبد العزيز التي كانت مختلفة فعدلّت أبيات المتوكل الليثي:

لسنا وإن أحسابنا كرمت يوماً على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل (فوق) ما فعلوا

«نحن نبني يا حضرة الأستاذ كما كانت تبني أوائلنا، ولكننا نفعل فوق ما فعلوا»، هكذا قال مخاطباً الأديب المهجري أمين الريحاني الذي يلخص اختلاف عبد العزيز عن سابقيه:

«الحق يقال إن السلطان عبد العزيز آل سعود استعاد في دوره الأول، دور الفتوحات، ملك أجداده، وعزز هذا الملك بالعدل والأمن، وبالدين الذي هو في نجد مصدر الاثنين، فلا يخطئ ولا يموه إذا قال: نبني كما كانت تبني أوائلنا، ولكنه في تحضيره البدو، وفي تأسيس الجديد من المدن والقرى التي تدعى الهجر، وفي استخدامه من يحسن الخدمة مهما كان مذهبه، وفي إعطاء امتياز (الأحساء) لشركة أجنبية، وفي إرساله فتياناً من نجد إلى مصر ليتلقنوا فيها العلوم الحديثة، وفي استحضاره إلى الرياض السيارات وبعض الأطباء والمهندسين؛ في كل هذا ما يثبت قوله إنه يفعل فوق ما فعل أجداده ولا يبالي إذا كان المشايخ والعلماء لا يرضون دائماً عن هذه الخطة. إذ ليس لهم أن يعترضوه بشيء في سياسته الداخلية والخارجية التي لا تمس الدين. وهو، وإن قيل إنه شديد التعصب لمذهبه، يحسن المداراة فيتجاهل فيما لا يضر، ويتساهل فيما هو مفيد لبلاده. قد يفوه أحد العلماء أحياناً بكلمة فيها بعض ما يكنه من الوجد والأسى فيقول مثلاً: في أيام أجدادكم يا طويل العمر كانت الدنيا مستريحة من هذه المشاكل الجديدة كلها، فيسمع عبد العزيز ويبتسم ثم يسير في سبيله ليتم مقاصده. وقلما يكترث مما يشيعه عنه الأعداء وفيهم من الأدباء من يجهلون نجد الحديث. لذلك تضاربت الآراء في كثير من الشؤون التي تتعلق به وببلاده».

كتب الريحاني كلامه هذا عام 1924، أي قبل 100 عام بالتمام، ويظل كثير مما قاله ينطبق على واقعنا اليوم، ولا بد من التأكيد على نقطتين جوهريتين تتعلقان بمنجز الملك عبد العزيز لم تنل حقهما من الدراسة والإبراز: الأولى أنه أسس نهجاً دستورياً لانتقال الحكم في الدولة، والثانية أن التغيير الاجتماعي الذي أحدثه كان كبيراً بمقاييس عصره، وبالمقارنة مع التطورات الاجتماعية التي حدثت في الدور الأول للدولة السعودية.

أعراف متطورة

وسار أبناء عبد العزيز على نهجه مستحضرين فلسفته في التفوق، فأدى كل ملك من ملوك المملكة العربية السعودية دوره وسلم الأمانة كاملة وأفضل مما تسلمها. وهذه مفارقة أخرى لا نراها في كثير من الدول، لذا علينا ألا ننسى أن المملكة العربية السعودية دولة عريقة لكنها ليست جامدة؛ بل مُجددة ومتجددة، طورت عبر قرون تاريخها وعقود دولتها الحديثة كماً من الأعراف والتقاليد الملكية، التي تتميز بها الأنظمة ذات الجذور الراسخة، واستفادت من كل ما هو جديد ومفيد، متكئة على إرثها العظيم ورصيدها التاريخي الكبير. وهي تتميز الآن بتوجهات تجديدية وإبداعية تكرس تقاليدها الملكية وتزيد عليها أو تعيد تقديم بعضها بما يتناسب وتوجهات العصر.

ولا أدل على ذلك من النهضة الكبرى التي تعيشها اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبإشراف ومتابعة من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، كما أن التحولات الاجتماعية التي يمر بها المجتمع السعودي الآن تفوق أي تحول سابق. لذا أرى أن محاولة فصل هذه الإنجازات عن أبعادها التاريخية، تعد تجاوزاً لطبيعة هذه المآثر الملكية العريقة والمتصلة لثلاثة قرون، ولتاريخها الممتد لستة قرون، والذي يحتفل السعوديون بأحد إنجازاتها الفريدة وأيامها المجيدة، يوم التأسيس.

وعن مراجعة تقسيمات تاريخ الدولة التي أرى أنها وضعت لاستيعاب حقب التاريخ، فأدت ببعض المؤرخين المتأخرين أن يجعلوه تاريخ ثلاث دول بينما هو تاريخ متصل لدولة واحدة مرت بأدوار وعهود عدة وظلت مستمرة على مبادئها التي أسست عليها رغم كل ما مرّ بها.


التركية لغة الأمر الواقع والأحلام في مناطق الشمال الغربي

صف مدرسي في ريف حلب (أ.ف.ب)
صف مدرسي في ريف حلب (أ.ف.ب)
TT

التركية لغة الأمر الواقع والأحلام في مناطق الشمال الغربي

صف مدرسي في ريف حلب (أ.ف.ب)
صف مدرسي في ريف حلب (أ.ف.ب)

يفاجأ من يقطع الحدود من تركيا باتجاه سوريا، عبر معابر ريف حلب الشمالي، بالعلم التركي يستقبله عند كل حاجز عسكري أو دائرة خدمية وإدارية، بالإضافة إلى الكتابة باللغة التركية على لافتات المرافق الحيوية. بالطبع لن يخطئ الزائر بأنه في سوريا بسبب الفرق الواضح في المشهد العام والبنية التحتية بين الجانبين، لكن حظر اللافتات العربية على الجانب التركي والحضور الواسع للغة التركية على الجانب السوري سيلفت انتباهه.

وتدير تركيا منطقة ريف حلب الشمالي منذ أن سيطرت عليها بحملات عسكرية نفذتها مع قوات «الجيش الوطني»، وكانت حريصة على إضافة صبغتها على المكان من خلال توظيف المستشارين الأتراك في الدوائر الخدمية والمشافي والمجالس المحلية كافة، إضافة إلى نقاطها العسكرية الموزعة على خطوط التماس مع مناطق واقعة تحت سيطرة الحكومة السورية.

مدخل حديقة عامة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

مدرس اللغة التركية المقيم في ريف حلب، فراس قاسم، قال إن الإقبال على تعلم اللغة التركية كان «كبيراً جداً خلال السنوات الأولى من سيطرة تركيا على المنطقة». لكن ذلك الإقبال عاد وتأثر بدوره بالسياسة، ولا سيما معاداة اللاجئين السوريين والتحريض ضدهم في تركيا فتراجع نسبياً، ثم استعاد زخمه مع تكثيف انتشار المعاهد التركية.

وقد افتتح أخيراً معهد «يونس إمرة» الثقافي التركي أفرعاً جديدة في ريف حلب الشمالي، موفراً ما افتقدته المنطقة من قبل من معلمين أتراك ومناهج تؤمن إتقان المحادثات والقواعد بمناهج متينة، وواعداً بتعليم اللغة لـ300 ألف طفل سوري.

اللغة الأجنبية «الأولى»

منذ تقلصت رقعة سيطرة المعارضة السورية واقتصارها على منطقة الشمال الغربي، ومعاناة سكانها من حصار مطبق نتيجة إحاطتها من قبل قوات النظام من جهة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من جهة أخرى، لم تبق إلا تركيا منفذاً وحيداً لها على العالم. فكانت حدودها شريان حياة لعبور المساعدات الإغاثية الدولية والأعمال التجارية، كما وفرت مشافيها علاجات إسعافية وجراحية، فيما أمنت جامعاتها ومعاهدها شهادات علمية باعتراف دولي.

وبحسب كثيرين مما استطلعنا رأيهم، يشكل تعلم اللغة التركية خطوة أولى لمتابعة الدراسة في الجامعات التركية، وإيجاد فرص عمل في المنظمات الإغاثية والدوائر الخدمية والمدارس التي انتشرت في سوريا، وتدرج التركية بوصفها لغة أجنبية ضمن منهاجها التعليمي.

ويرى فراس، معلم اللغة التركية، أنها اللغة الأجنبية «الأولى» في ريف حلب، لأنها مدرجة ضمن المناهج التعليمية ومطلوبة في امتحان الشهادة الثانوية التابع للمجالس المحلية، إضافة إلى أن وجود الموظفين والمستشارين الأتراك يفرض وجود المترجمين، ويدعو المدنيين لإتقان اللغة للتواصل وإنجاز معاملاتهم.

أما في إدلب، الخاضعة لسيطرة «هيئة تحرير الشام»، لا وجود للموظفين الأتراك، لكن توجد النقاط العسكرية التركية، ويتوفر تعليم اللغة في المدارس الخاصة، في المرحلتين الابتدائية والإعدادية فقط.

مريم أبو حمدان، طالبة في السنة الأولى ضمن معهد اللغات التابع لجامعة إدلب، تدرس الأدب التركي الذي اختارته؛ لأنها تجد أن «فرص العمل التي يوفرها كثيرة». وقالت: «بما أن أغلب تعاملنا في المنطقة هو مع تركيا فحاجتنا للغة كبيرة، ويمكن العمل في مجال الترجمة وغيرها».

إقبال سكان إدلب على تعلم اللغة التركية كبير أيضاً، بحسب معلم اللغة والمترجم محمد القاسم، الذي قال إن التركية مادة مرغوبة بوصفها نوعاً من الثقافة للطلاب، والحاجة للتجار والعاملين مع المنظمات الإغاثية المتمركزة في تركيا. ولفت إلى أن الموظفين والجنود الأتراك لا يرغبون في تعلم اللغة العربية، ويريدون من السوريين تعلم لغتهم للتواصل معهم.

إلى ذلك، يرى البعض أن إتقان اللغة التركية يسهل سعيهم للانتقال إلى البلد المجاور والعمل فيه، علماً أن القوات الأمنية التركية تنفذ حملات متواصلة لترحيل السوريين وإعادتهم أو زجهم في الشمال الغربي بحجة أنه «آمن».

وتعد مغادرة منطقة الشمال الغربي السورية حلماً لدى غالبية السكان، الذين أرهقتهم سنوات الحرب الـ12 بقصفها المستمر وفوضاها الأمنية وتفجيراتها العشوائية، ونقص فرص العمل، وضعف الخدمات، وغياب أفق بناء المستقبل المستقر.

محاولات تتريك

أثار اهتمام المعاهد التركية بمنطقة ريف حلب الشمالي شكوك الأهالي حول نيات الحكومة التركية، التي لم تبذل جهوداً جدية لتعليم لغتها للسوريين المقيمين على أرضها منذ سنوات، كما فعلت الدول الأوروبية مع اللاجئين والمهاجرين الذين استقروا فيها. كما لم يتضح إن كان قرار إدراج اللغة التركية بوصفها مادة أساسية في مناهج التعليم المعتمدة للحصول على الشهادة الثانوية من المجالس المحلية، قرارا تركيا أم سوريا.

غرافيتي منتشر في بلدات ريف حلب الشمالي (الشرق الأوسط)

الجهات المعنية بالتعليم في ريف حلب الشمالي لم تستجب لاستفساراتنا، وأما مديرية التربية في إدلب، التابعة لـ«حكومة الإنقاذ»، التي تعد الواجهة المدنية لـ«تحرير الشام»، نفت نية إدراج اللغة التركية في مناهج المدارس العامة. وقال رئيس دائرة التوجيه الإداري وليد حمادي لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا حاجة لها في الوقت الحالي».

وبرأي معلم اللغة التركية فراس فإن خطط «التتريك» تعني «فرض» تعلم اللغة، وهو أمر غير موجود في المنطقة. وحتى بالنسبة للشهادة الثانوية يملك الطلاب خيار الحصول عليها من مراكز «الحكومة المؤقتة»، التي لا تضم اللغة التركية إلى امتحانها، وقال: «الطالب يدرسها لتأمين فرص العمل، ولتسهيل حياته بالتواصل مع الأتراك، بلا إجبار على ذلك».


دمشق تتعلم الفارسية والروسية في سنوات الهيمنة

صورة أرشيفية لكلية الشريعة في جامعة دمشق (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية لكلية الشريعة في جامعة دمشق (الشرق الأوسط)
TT

دمشق تتعلم الفارسية والروسية في سنوات الهيمنة

صورة أرشيفية لكلية الشريعة في جامعة دمشق (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية لكلية الشريعة في جامعة دمشق (الشرق الأوسط)

«احتلال اللغة هو السبيل الأقصر لاحتلال الوعي، وبالتالي احتلال القرار المستقل، وتهتيك المجتمعات ومحو هويتها»، هذا ما قالته عقيلة الرئيس السوري أسماء الأسد، لطلاب الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين خلال زيارتها مع الرئيس السوري إلى الصين نهاية صيف 2023.

الاهتمام الذي أبدته الأسد بالتمسك باللغة الأم في ذلك اللقاء، جاء مع دخول فرض روسيا تعليم اللغة الروسية ضمن مناهج المدارس الحكومية السورية عامها التاسع. يأتي ذلك وسط تنافس حثيث مع إيران على التغلغل في المجتمع السوري، والهيمنة على التعليم في مناطق سيطرة الحكومة، كأداة لإنشاء بيئة حاضنة، وتدعيم النفوذ العسكري بركائز ثقافية واجتماعية في ظل تردي العملية التعليمية، ومن ضمنه تعليم اللغة الأم، أي العربية.

الغلبة للروسية

مع أن طهران سبقت روسيا بسنوات في محاولة نشر تعليم الفارسية في سوريا، فإن الغلبة كانت لموسكو بتسللها إلى قطاع التعليم الحكومي، بالترافق مع التدخل العسكري عام 2015. ونجحت روسيا في فرض لغتها لغة ثانية اختيارية إلى جانب الإنجليزية والفرنسية في مراحل التعليم الأساسي. واليوم، بعد 9 سنوات يمكن القول إن موسكو قطعت شوطاً بعيداً. فعندما انطلق مشروع تعليم الروسية، تجريبياً عام 2015، تم تطبيقه على نحو 400 تلميذ في منطقة الساحل، ثم عممت التجربة لتشمل 217 مدرسة موزعة على 12 محافظة في مناطق سيطرة الحكومة، مع إتمام العام السابع، وتجاوز عدد الطلاب 35 ألف طالب، وعدد مدرسين بلغ 200 مدرس، بحسب تقارير حكومية سورية.

غزو التعليم الحكومي

حاولت إيران السير على خطى روسيا وفرض إدخال الفارسية إلى مناهج التعليم الحكومي تنفيذاً لاتفاقية بين طهران ودمشق، تتعلق بتبادل الخبرات والتجارب في المجالات العلمية والتعليمية والتربوية وتقديم الخدمات الفنية والهندسية وترميم المدارس. وفي عام 2021، تمكنت طهران من فرض تعليم الفارسية في المدارس الحكومية التي رممتها وأعادت تشغيلها فقط. وترافق ذلك مع تعزيز التوجه نحو التعليم الجامعي الحكومي، وشهدت السنوات الخمس الأخيرة افتتاح مراكز لتعليم الفارسية في جامعات دمشق والبعث في حمص، والكلية العسكرية السورية، لتضاف إلى المراكز التابعة لحوزة الخميني وفروعها في المحافظات السورية، وحسينية المهدي في حي زين العابدين بدمشق وجامعة السيدة رقية ومركز «الحجة» في محافظة طرطوس وغيرها، وذلك بالإضافة إلى افتتاح فروع لعدد من الجامعات الإيرانية؛ مثل جامعة «تربية مدرس»، وجامعة «المصطفى» وجامعة «الفارابي» وجامعة «أزاد إسلامي» وكلية المذاهب الإسلامية. كذلك ركزت إيران نشاطها في محافظة دير الزور، لا سيما في مناطق نفوذها بمدينتي البوكمال والميادين المحاذية للحدود مع العراق، الذي يعد منطقة نفوذ إيراني سياسي وثقافي واجتماعي.

بوابة الفقر

منذ عام 2018 وبعد طرد تنظيم «داعش» من المنطقة، شهدت مدن دير الزور والميادين والبوكمال، افتتاح كثير من المدارس ورياض الأطفال والمراكز الثقافية التي تعنى بتعليم الفارسية والفكر الديني الإيراني، كتلك التي سبق وافتتحتها المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق واللاذقية ومدن الساحل. وأفاد تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان في أيار (مايو) الماضي، بأن تدهور المنظومة التعليمية ونقص الكوادر التدريسية جراء تدني الرواتب والفساد، في محافظة دير الزور، حفز طهران على التسلل إلى قطاع التعليم. وبحسب المرصد، تشهد المراكز التعليمية الثقافية الإيرانية انتعاشاً «يثير القلق» بالنظر إلى تأثيرها الكبير على الناشئة. مع الإشارة إلى أن الحرب أدت إلى تدمير عدد كبير من مدارس دير الزور، في حين تفتقد مدارس أخرى للمرافق الأساسية مثل قاعات الدروس الملائمة والمختبرات العلمية والمكتبات.

استقطاب الأطفال والشباب

وأفادت مصادر محلية في دير الزور باستغلال طهران لحالة الفقر والأزمة المعيشية في مناطق سيطرتها شرق سوريا، لتستقطب الأطفال والناشئة، عبر تقديم منح مالية ورواتب شهرية ووجبات طعام وسلال غذائية ورحلات ترفيهية، كما تقيم دورات مجانية تعليم مهني كالتمريض والإسعافات الأولية وصيانة الأجهزة الكهربائية ودورات محاسبة وإدارة أعمال تجارية، وغير ذلك من دورات تقيمها مراكز متخصصة بـ«تمكين الشباب».

وبحسب المصادر نفسها، التي فضلت عدم كشف هويتها، هناك 3 مدارس في مدينة البوكمال وواحدة في مدينة الميادين للأطفال من سن 9 إلى 15، تضم أكثر من 500 تلميذ، بالإضافة إلى مراكز تدريس اللغة الفارسية في ريفي دير الزور والرقة بمناطق سيطرة الحكومة، منها مركز «النور الساطع» في الميادين، ومركز «الأخوة» في البوكمال. ولفتت المصادر إلى أن إيران تأتي بمدرسين من عرب وإيرانيين شيعة يتقنون العربية، بينهم معممون، للتدريس في تلك المراكز، كما تقيم دورات لتدريب مدرسين سوريين على تعليم الفارسية في إيران أو سوريا. وهذا دأب روسيا أيضاً، إذ توفد مدرسين سوريين إلى موسكو لتعلم الروسية وطرائق تعليمها، لسد الحاجة لمعلمي الروسية في المدارس السورية. وتهدف طهران من خلال النشاطين الثقافي والاجتماعي، إلى «تكوين حاضنة اجتماعية محلية تكون بمثابة خزان بشري يرفد ميليشياتها بمجندين محليين».

أنشطة دينية ودورات مهنية

يقول حازم (17 عاماً) من دير الزور، إن الحرب أخرت دراسته ونال هذا العام شهادته الإعدادية، وهو واحد من نحو 130 طالباً وطالبة ممن حصلوا على الشهادة الإعدادية العام الحالي ويستفيدون من خدمات المركز الثقافي الإيراني، بمدينة دير الزور. ويعلم المركز الإنجليزية إلى جانب الفارسية، بالإضافة إلى إقامة دورات صيانة أجهزة الكهربائية وحدادة للذكور ودورات لتعلم الفنون الجميلة والطبخ والخياطة للإناث. وقال حازم إن المركز يقدم منحة مالية شهرية للمتعلمين لديه تقدر بـ30 ألف ليرة سورية (أقل من 3 دولارات)، وهي وإن كانت «ضئيلة، لكن الأهم هو التعليم المجاني». وبالتوازي مع التعليم، تنظم المراكز الإيرانية ندوات وأنشطة ثقافية دينية يقول حازم إنه يحضرها أحياناً مع كثر ممن يستفيدون من الخدمات والمساعدات الإيرانية.

وتتعاون المراكز الثقافية الإيرانية مع المنظمات الرديفة لحزب البعث كـ«الشبيبة» و«الطلائع»، لحضّ تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات على المشاركة في الأنشطة الثقافية، كالمسابقات والرحلات، وحضور مناسبات واحتفالات دينية شيعية.

الغذاء مقابل التعليم

الأهالي من أبناء العشائر العربية في دير الزور يبدون مخاوف من تسلل إيران إلى تعليم أبناء المنطقة عبر بوابة الفقر، ويقول محمد من الموحسن في ريف دير الزور، إن «البعض يقبل بتعليم أولاده في المدارس الإيرانية، بهدف الحصول على المساعدات، لا حباً بالثقافة الإيرانية»، لكن ذلك لن يمنع غسل الأدمغة الذي تمارسه المؤسسات الإيرانية على الأطفال والناشئة.

مصادر أخرى في دمشق قللت من فرص نجاح إيران في نشر ثقافتها بالمحافظة الشرقية، لأن البيئة هناك «معادية للثقافة الفارسية تاريخياً»، كون غالبية الأهالي من العرب السنّة. فبحسب هذه المصادر، «لا يمكن أن يشكل هؤلاء بيئة حاضنة اجتماعية سليمة وآمنة لإيران»، خصوصاً مع دخول روسيا على خط المنافسة بمجال التعليم. ولفتت المصادر إلى تقديم روسيا مع بداية العام الدراسي الحالي، 3 أطنان من المساعدات للمعلمين في دير الزور تضمنت قرطاسية وكتباً لتعليم اللغة الروسية للمعلمين، إلى جانب المواد التموينية، استفاد منها نحو 300 معلم ومعلمة.

الروسية تتقدم على الفارسية

وقارنت المصادر بين تجربة إيران التعليمية وتجربة روسيا في الساحل السوري، وقالت: «المدارس الشرعية الإيرانية (مدارس وثانويات الرسول الأعظم) التي افتتحتها إيران في ريف الساحل السوري خلال سنوات الحرب، باءت بالفشل، وتم إغلاقها عام 2017، لاشتراط وزارة الأوقاف السورية تدريس المناهج الشرعية السورية الرسمية بعد تذمر الأهالي من نشر التشيع». وبذلك، تميل كفة المقارنة لصالح تجربة تعليم الروسية التي تشهد إقبالاً نسبياً في المدارس والمراكز التعليمية، مع تفاوت النسب طبعاً بين منطقة وأخرى. فترتفع تلك النسب في الساحل، حيث تتمركز القوات الروسية ويكثر الاحتكاك بين الأهالي والعسكريين الروس سواء في الأسواق والأماكن العامة. وكذلك الأمر في حلب بصفتها مدينة صناعية وتجارية، يجد طلّابها في اللغة الروسية، عاملاً مساعداً للحصول على فرصة للسفر إلى روسيا لإكمال الدراسة أو العمل في الموانئ والمطارات والاستثمارات الصناعية الروسية داخل سوريا نفسها.

في المقابل، يتراجع الإقبال على تعلم الروسية في ريف دمشق والسويداء جنوب البلاد، حيث يوجد العسكريون الروس في نقاط ومواقع محددة، وينظر إليهم بأنهم قوة «احتلال» ولم ينخرطوا في الحياة اليومية كثيراً، رغم تفضيل وجودهم على الوجود الإيراني. فالعداء لإيران لا يقارن بالتوجس من روسيا، وإن كان يصح على كلا الطرفين ممارسة ما تحدثت عنه عقيلة الرئيس الأسد في بكين، من أن «احتلال اللغة هو السبيل الأقصر لاحتلال القرار المستقل وتهتيك المجتمعات ومحو هويتها»، مع تأكيدها «أننا جميعاً نواجه محاولات طمس الثقافات الوطنية للشعوب».


كرد سوريا يدرسون اللغة الأم دون اعتراف... وبأجندة سياسية

الطالبة مزكين دلو تمسك كتاب الرياضيات بعد ترجمته إلى لغتها الأم الكردية (الشرق الأوسط)
الطالبة مزكين دلو تمسك كتاب الرياضيات بعد ترجمته إلى لغتها الأم الكردية (الشرق الأوسط)
TT

كرد سوريا يدرسون اللغة الأم دون اعتراف... وبأجندة سياسية

الطالبة مزكين دلو تمسك كتاب الرياضيات بعد ترجمته إلى لغتها الأم الكردية (الشرق الأوسط)
الطالبة مزكين دلو تمسك كتاب الرياضيات بعد ترجمته إلى لغتها الأم الكردية (الشرق الأوسط)

على منصة مرتفعة في ساحة إعدادية «شجرة الدر» للبنات في بلدة «الدرباسية» الحدودية مع تركيا، وقفت المديرة «ستيره أيو» لتردد الشعار اليومي بلغتها الكردية الأم: Roj baş (صباح الخير بالعربية)، ومن بعدها تردد الطالبات بصوت عال: Roj baş Mamoste (صباح الخير أستاذة)، إيذاناً ببدء الفصل الثاني من العام الدراسي الحالي.

من بين 1770 مدرسة، تُدرس هذه الإعدادية المنهاج الكردي منذ مطلع 2016 بعدما اعتمدت «الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق» سوريا الكردية بصفتها لغة رسمية إلى جانب العربية والسريانية، وطبقته تدريجياً على جميع المراحل التعليمية في مدن وبلدات الدرباسية وعامودا والقامشلي والمالكية والقحطانية وغيرها من مناطق الغالبية الكردية التابعة لمحافظة الحسكة، إضافة إلى عين العرب «كوباني» ومنبج، الواقعتين بريف حلب الشرقي، وبعض مدارس الرقة، شمال البلاد، التي يرتادها تلاميذ وطلبة من القومية الكردية.

تقول ستيره أيو، التي تشرف على نحو 400 طالبة في «شجرة الدر»، إن الطالبات يتعلمن اليوم ألف باء الكردية ونطقها السليم، ويدرسن العلوم المختلفة بهذه اللغة على نحو لم تكن هي نفسها تتمتع به خلال التسعينات، حينما كانت تتلقى الدروس بغير لغتها الأم.

«كنت أدرس باللغة العربية عند والدي الذي كان مدرساً قبل 3 عقود. كان من المحزن أن أتحدث معه بالعربية في المدرسة، ونعود إلى لغتنا الكردية في المنزل (...) في الحقيقة كنت أواجه صعوبة في فهم الدروس بغير لغتي الأم»، تقول ستيره.

اليوم في إعدادية «شجرة الدر»، تُلقى المحاضرات باللغة الكردية، وبين أيدي الطالبات كتب ومطبوعات بلغتهن الأم. تشعر ستيره بالغبطة وهي تصف مشهداً نادراً بالنسبة لها: «صرنا نتحدث الكردية في كل مكان».

المدرسة بيريفان حسين مدرسة اللغة الكردية تعطي دروسها بلغتها الأم (الشرق الأوسط)

لغة محظورة

على مدى عقود حُرم كرد سوريا، البالغ عدهم نحو مليوني ونصف نسمة، من القراءة والكتابة بلغتهم الأم، وبعد تولي نظام حزب «البعث» الحاكم السلطة بسوريا في سبعينات القرن الماضي بلغت ذروة سياساته العنصرية عندما منع الرئيس الراحل حافظ الأسد والد الرئيس الحالي بشار الأسد؛ الكرد من التحدث بلغتهم الأم في المدارس والدوائر الحكومية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

مع انسحاب القوات النظامية من أنحاء كثيرة من سوريا بداية عام 2014، توفرت للكرد فرصة لتشكيل إدارات ذاتية في 3 مناطق يشكلون فيها غالبية سكانية: الجزيرة السورية، عفرين، وعين العرب «كوباني» بريف حلب.

منذ ذلك الوقت، باتت المناهج في هذه المناطق منفصلة تماماً عن التعليم الحكومي في سوريا، إذ اعتمدت اللغة الكردية بشكل كامل في جميع الدروس، فيما يمكن للطالب المتخرج الالتحاق بكليات ومعاهد خاصة بالإدارة، وفقاً لرئيس هيئة التربية والتعليم بمقاطعة الجزيرة مصطفى فرحان.

يقول فرحان لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 1774 مدرسة مؤهلة، من الأول الابتدائي حتى الـ12 الثانوي بفرعيه الأدبي والعلمي، يرتادها 204 آلاف طالب وتلميذ، يدرسون بثلاث لغات رئيسية، وهي لغات سكان وشعوب المنطقة، العربية والكردية والسريانية.

وفصلت «الإدارة الذاتية» عمليتها التربوية في مناطق نفوذها عن وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السورية، كما حظرت توزيع المناهج الحكومية في المدارس الخاضعة لها، وألفت مناهج جديدة شملت جميع المراحل التعليمية، بما فيها المراحل الجامعية والمعاهد المتوسطة، لكن الشهادة الصادرة من هيئاتها غير معترف بها من قبل وزارة التربية بدمشق. يقول فرحان: «ربطنا حلقات الإعدادية والثانوية بالجامعات والمعاهد التابعة للإدارة، ليتمكن الطلبة من إكمال تعليمهم العالي».

هناك 3 جامعات تابعة للإدارة الذاتية؛ «روج أفا» في القامشلي بريف الحسكة، و«كوباني» في «عين العرب» بريف حلب، وجامعة «الشرق» في الرقة.

مع ذلك، يشدد المسؤول الكردي على أن النظام التعليمي في مناطق الإدارة سيكُمل مستقبلاً النظام التربوي للدولة السورية. يقول فرحان: «الكردية ستصبح جزءاً من النظام التربوي لأنها لغة مكملة للعربية (...) الحركة الكردية بسوريا كانت تسعى منذ عقود للاعتراف الدستوري باللغة الكردية وتعليمها بالمدارس الرسمية».

تلميذات قبل دخولهن الصفوف الدراسية في مدرسة «شجرة الدر»... (الشرق الأوسط)

«حلم تحقق»

في فصل دراسي داخل مدرسة «شجرة الدر» جلست طالبات يرتدين قميصاً فضي اللون، وهو اللون الرسمي المعتمد لطلبة المرحلة الإعدادية؛ أمام كل طالبة كتاب مطبوع باللغة الكردية وكانت المدرّسة «مايا معيشي» المتحدرة من الدرباسية، تقرأ صفحات من منهج التاريخ، وخلال سردها محطات من تاريخ سوريا والشرق الأوسط عموماً، دونت على السبورة عبارات كردية بأحرف لاتينية.

قبل 15 عاماً، كانت «مايا معيشي» طالبة في المدرسة نفسها، وقضت سنوات تعليمها باللغة العربية، وتقول «كان حلماً لكل كردي الوقوف هنا للتعلم بلغتنا الكردية، حتى الأمس القريب كنت أتعلم بالعربية وأعاني الأمرين من طريقة الفهم وأسلوب المدرس لأنها لم تكن لغتنا الأم (...) كان حلماً وتحقق».

في فصل دراسي آخر، زميلة مايا، المدرسة نيرمين، تعطي مادة الرياضيات باللغة الكردية، رغم أنها درست هذه المادة بالعربية. ومنذ 6 سنوات تمكنت أخيراً من استعمال لغتها الأم بحرية.

لم يكن الأمر سهلاً على نيرمين، التي تقول إن تدريس الرياضيات بالكردية يتطلب ترجمة دقيقة للمصطلحات العلمية من العربية واللاتينية.

«التدريس بالكردية تجربة حديثة. كنت أعاني كثيراً في تجهيز المحاضرات، لكن بعد الاستعانة بخبراء اللغة تمكنت من إعطاء المادة بالكردية 100 في المائة».

وعلى ما تقول نيرمين، فإن استخدام الكردية في المناهج خلال السنوات الأولى واجه صعوبات جدية، بسبب قلة المهارات اللغوية وتعدد الأقسام التعليمية والافتقار لمختصين لغويين، لكن الحال تغير بعدما توفر كادر متخصص لجميع المواد والأقسام.

وبدا أن الطالبات في «شجرة الدر» سعيدات بتداول الكردية سواء في الفصول الدراسية أو في مناقشتها مع المدرسات. تقول الطالبة شيلان قادر (13 سنة)، إنها تتعلم بالكردية وتطمح إلى أن تصبح طبيبة، بينما كانت تبتسم وهي تحمل كتاب مادة اللغة الكردية.

«منذ صفوفي الأولى وأنا أحب الكتابة والقراءة بلغتي الكردية، حلمي أن أصبح مدرسة حتى أعلم تلاميذي لغة شعبنا»، تقول طالبة أخرى تدعى ميادة التي تدرس في الصف التاسع، بينما تتحدث زميلتها بالفصل، دلال حسين، عن حبها لمادة الكردية: «لأنها تاريخنا وحضارتنا، وهذه لغتنا الأم التي نحب أن نحافظ عليها».

يستخدم كرد سوريا الأحرف اللاتينية في القراءة والكتابة، بينما تندرج ضمن مجموعة اللغات الهندو – أوروبية في الشرق الأوسط، وضع قواعدها الأمير جلادت بدرخان، حين نشر عام 1932 كتابه المعروف: «الأبجدية الكُردية وأسس القواعد الكُردمانجية»، الذي صدرت طبعته الأولى في دمشق، وما زال يعد مرجعاً لتدريس قواعد اللغة الكردية.

وتعتمد «الإدارة الذاتية» اللهجة الكرمانجية، وهي توازي العربية الفصحى، يتقنها ويفهما جميع الكرد في العالم.

بحسب الإدارة الذاتية، يبلغ الكادر التدريسي في مناطق الجزيرة السورية نحو 17 ألفاً خضعوا لدروات في مؤسسة «اللغة الكردية» التابعة للإدارة، أحد هؤلاء رزكار سليمان محمد، الذي يعمل في إدارة هذه المؤسسة منذ تأسيسها نهاية 2011.

اكتسب رزكار مهارات اللغة في أكاديمية «جلادت بردخان» أكبر جهة كانت تدرس الكردية سراً خلال سنوات حكم نظام «حزب البعث»، وبعد تخرجه في قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق التحق بالكادر التدريسي الكردي لتأسيس «جيل جديد»، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «تعمل المؤسسة في البحث عن معاني اللغة وتجميع مفرداتها الأصيلة الضائعة، وهي بمثابة قاموس لجميع أبناء الشعب الكردي للعودة إليه عند الحاجة».

ويأمل الخبير الكردي أن تعترف الحكومة السورية بالشهادات الصادرة عن مدارس الإدارة: «لحماية دراسة الطالب الكردي أينما وجد وأينما سافر، هذا مستقبل أبناء البلد ومن حق أي طفل الدراسة بلغته الأم، ونأمل أن تعترف منظمة الأمم المتحدة واليونيسيف بها»؛ خصوصاً بعد أن دخلت الكردية محرك البحث «غوغل».

«مؤسسة المناهج» التابعة للإدارة الذاتية، التي توازي «مديرية الكتب والمطبوعات» بالحكومة السورية، هي من تؤلف وتطبع المناهج المدرسية لجميع المراحل التعليمية، باللغتين الكردية والعربية، وتضم مؤلفين ومختصين بجميع المواد العلمية والأدبية.

هفند إبراهيم هو المسؤول عن هذه المؤسسة، ويحمل إجازة بقسم علم الاجتماع من جامعة دمشق، قبل أن ينضم وآخرون إلى أولى حلقات مؤسسة «رشيد كرد» التي تحولت فيما بعد لنواة مؤسسة «اللغة الكردية» التي انطلقت نهاية 2011 من مدينة عامودا المجاورة لبلدة الدرباسية.

تتحمل هذه المؤسسة عبء تحديث المناهج وتطويرها، ويقول هفند إبراهيم، إنها تخضع للتعديلات بشكل دوري لأنها كلاسيكية وتعتمد على التلقين.

«نعمل على تطوير هذه المناهج عبر إدخال الوسائل والأدوات الحديثة، وتقوية مهارات التفاعل بين الطالب والمدرس (...) خطة التغيير ستستمر حتى عام 2025».

تلميذات داخل صف دراسي يتفاعلن مع درس باللغة الكردية في «شجرة الدر»... (الشرق الأوسط)

أجندة سياسية

ينتقد أكاديميون ومختصون تجربة الإدارة في تدريس اللغة الكردية وأدلجة المناهج وانحيازها لـجهة سياسية، لا سيما نشر صور تمجد شخصيات حزبية ومقاتلين يظهرون بزي عسكري موالين لجهات سياسية، بينما تفتقر المدارس إلى قاعات الدروس الملائمة والمختبرات العلمية والمكتبات المتخصصة.

ورغم الشغف باللغة الكردية، يفضّل قسم من أهالي بلدة الدرباسية، أن يتعلم أبناؤهم في مدارس تعتمد المنهاج الحكومي بدلاً من منهاج الإدارة غير المعترف به، ولهذا الغرض سجلوا قيود أبنائهم بمدارس حكومية في الحسكة أو القامشلي، وافتتحوا دورات خاصة لدى معلمين يعطون الدروس النظامية.

من بين هؤلاء الأهالي سردار (47 سنة)، الذي أرسل جميع أبنائه إلى مدارس الحكومة في الحسكة، ويتلقون دروسهم عبر دورات خصوصية.

يقول سردار: «أنا مع الكردية وكانت حلماً لنا، لكن لا أريد مستقبلاً مجهولاً لأبنائي، فشهادات مدارس الإدارة غير معترف بها (...) الكردية لغة غير رسمية لا في سوريا ولا في أي دولة ثانية».

وترفض هيفي (37 عاماً) هي الأخرى إرسال ابنتيها لمدارس الإدارة بسبب «تدني المستوى التعليمي»، كما تقول: «نحن لا نجيد الكتابة والقراءة بالكردية بشكل سليم، فكيف للمدرس أن يلقن بناتي الكردية».

على مدار عقود اقتصر التدريس الحكومي في سوريا على اللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية في البلاد، أضيف إليها لاحقاً في تسعينات القرن الماضي الإنجليزية والفرنسية بوصف كل منهما لغة أجنبية ثانية، ولم تجد اللغات المحلية في البلاد مثل الأرمنية والسريانية والكردية مكانها في المدارس الحكومية، وبينما كانت دور عبادة تدرس الأرمنية والسريانية حُرم الكرد حتى من هذا الامتياز الثانوي.

ولطالما مُنعت اللغة الكردية في سوريا، حتى مع محاولات الحركة السياسية للكرد انتزاع اعتراف دستوري بأحقية تعليمها في المدارس، لا سيما في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية سكانية على أن تكون مفتاحاً لحل قضيتهم العالقة والتعاطي الإيجابي معها.

لكن حداثة تجربة التدريس بالكردية، وصعوبات إدارية تتعلق بالاعتراف الرسمي بالشهادات، إلى جانب تسلل أجندة الأحزاب الكردية إلى مناهج التعليم، ستبقى تحديات تعيق نمو تجربة التعليم بهذه اللغة في منطقة يتحول التنوع فيها إلى بؤرة نزاع ثقافي واجتماعي.


العراق بعد «طوفان الأقصى»... خطة إيران للانهيار السريع

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي براون خلال مراسم استقبال جثامين جنود أميركيين قُتلوا في الأردن (أ.ب)
وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي براون خلال مراسم استقبال جثامين جنود أميركيين قُتلوا في الأردن (أ.ب)
TT

العراق بعد «طوفان الأقصى»... خطة إيران للانهيار السريع

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي براون خلال مراسم استقبال جثامين جنود أميركيين قُتلوا في الأردن (أ.ب)
وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي براون خلال مراسم استقبال جثامين جنود أميركيين قُتلوا في الأردن (أ.ب)

يكشف تحقيق شامل لـ«الشرق الأوسط» عن نشأة المجموعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق»، وأظهرت عشرات المقابلات مع مسؤولين وشخصيات ضالعة في المشهد العراقي، «خطة إيران» لـ«تبادل الأدوار» بين الفصائل المسلحة الموالية، وأقطاب في تحالف «الإطار التنسيقي» الذي يقود الحكومة، التي انتهت إلى مواجهة مباشرة بلا قواعد اشتباك. ويستعرض التحقيق الخط الزمني للأحداث من مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حتى نهاية يناير (كانون الأول) الماضي.

وبدأ تشكل هذه المجموعة التي تطلق على نفسها «فصائل المقاومة الإسلامية» وتبنت منذ نوفمبر الماضي أكثر من 160 هجوماً، عندما شجع مسؤولون إيرانيون قادة فصائل شيعية على «احتكار الشيعة لسرية تحرير القدس» كمدخل لـ«حكم المنطقة». وانخرطت فصائل مثل «النجباء» و«كتائب حزب الله» العراقي في هذه المجموعة؛ لأن إيران كانت تعتمد عليها لسنوات في سوريا، عندما شعرت بأن انشغال روسيا بالحرب الأوكرانية قد يضعف «جبهة دمشق».

وقال مسؤولون وشخصيات نشطة في تلك الفصائل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «طهران صممت عملية خاصة للعراق منذ مجيء رئيس الحكومة محمد شياع السوداني تضمنت توزيع الأدوار بين تصعيد عنيف تقوده فصائل لا تشترك في السلطة، وتنفيس لضغط الأميركيين تتولاه أحزاب شيعية لديها تمثيل رسمي في الحكومة».

ويقدم التحقيق تفاصيل ميدانية عن كيفية تشكل المجاميع التي تنفذ الهجمات، وطرق التحرك والتخفي، إلى جانب «رقعة الانتشار» التي قسّمت الجغرافيا العراقية إلى ثلاث مناطق لكل منها وظائف تكتيكية في الميدان.

وبحسب المقابلات، فإن التغييرات التي طرأت خلال الشهرين الأخيرين من عام 2023 كانت تقضي بإعادة الانتشار إلى مواقع تضمن المسافة المطلوبة لإصابة القواعد العسكرية في أربيل وسوريا.

ومع تصاعد الهجمات، أسهمت خطة «تبادل الأدوار» الإيرانية إلى تسريع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة، عندما رفضت إيران مقترحات عراقية بتخفيف الضغط على الحكومة العراقية، حتى تبقى متمتعة بالمرونة في التعامل مع الأميركيين.

ومن بين جملة الأفكار التي رفضتها طهران «تقديم كبش فداء للأميركيين حتى يتراجعوا عن المواجهة السريعة في العراق».

وقال مسؤولون لـ«الشرق الأوسط»، إن إيران دفعت بالأمور إلى أن تطغى «صفة المقاومة» على الحكومة التي تتمتع بفائض قوة سياسية وموازنة مالية تزيد على 450 مليار دولار.

ويعتقد هؤلاء أن استراتيجية تبادل الأدوار ارتدت على طهران، بعدما فتحت باب التطاحن بين قادة الأحزاب الموالية، وأن الطريق مفتوحة إما أمام انهيار كبير أو تفاوض على صفقة مبتكرة، وهذا الأخير «ليس واعداً على الإطلاق».

لقراءة التحقيق كاملاً: 

العراق بعد «طوفان الأقصى»…خطة إيران للانهيار السريع
كيف ظهرت «المقاومة الإسلامية» ولماذا ارتد «تبادل الأدوار» على طهران؟

Enter

keywords