غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
TT

غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»

أكثر من مائة وثلاثين رواية وكتاباً «كوميكس» وروايات مُصَوَّرة وكتبٍ عن أحداث حقيقية وجرائم، تتحول إلى مسلسلات درامية ستبثها شبكات التلفزيون التقليدية (تلفزيون الكيبل) ومنصات البث التدفقي الأميركية، وفقاً لتقرير نُشر في موقع «الطماطم الفاسدة».
دشنت منصة البث التدفقي «هولو» هذه القائمة الطويلة من المسلسلات بعرض الموسم الأول من مسلسل «أقرباء (Kindred)» في الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. المسلسل تكييف وإعداد عن رواية «أقرباء» (1979) لكاتبة الخيال العلمي، الروائية أوكتافيا إِ. بتلر. تتبعها «نتفلكس» في الرابع من يناير (كانون الثاني) 2023 بمسلسل باللغة الإيطالية عن رواية بالعنوان نفسه صدرت في عام 2019 للروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي، وترجمها إلى العربية معاوية عبد المجيد، وصدرت عن «دار الآداب» في بيروت في 2020.
وتفصل ساعات قليلة بين مسلسل «نتفلكس» ومسلسل «ساحرات مايفير» لشبكة «إي إم سي»، الذي يبدأ عرضه في الخامس من الشهر نفسه. وستتوالى العروض الجديدة خلال عام 2023.
مائة وثلاثون مسلسلاً وزيادة، مقتبسة ومستلهمة من كتب... عدد كبير ومدهش بضخامته حتى بالمعايير الأميركية، فما بالك عندما ينظر إليه بعيون من يعيشون في واقع تُنَظَّمُ فيه الندوة بعد الندوة، وتُنْشَرُ المقالة تلو الأخرى، التي تناقش ضعف الإقبال، أو بالأحرى عزوف منتجي الدراما وصُنّاع الأفلام عن الأعمال السردية المحلية أو العربية، باعتبارها مواد جاهزة ومتوفرة للتكييف والإعداد للإنتاج الدرامي التلفزيوني أو السينمائي.
يكمن وراء تدافع وإقبال شبكات التلفزة الأميركية غير المسبوقين كَمياً عوامل عدة في مقدمتها، من وجهة نظري، التنافس الشديد والمحموم بينها على الظفر بأكبر عدد ممكن من المشاهدين والمشتركين في الداخل وعبر العالم، خصوصاً من جانب منصات البث التدفقي متعدد وسائط الإرسال والاستقبال. وتلعب عوامل أخرى كالإمكانات المادية والخبرات الفنية والتقنية والتطورات التكنولوجية دوراً حاسماً يذكي روح المنافسة ويطيل أمدها.
تظهر هذه المنافسة بأنصع حالاتها في حرص تلك الشبكات على إغراء الزبائن المشتركين والمشاهدين من كل الفئات العمرية (الأطفال، والمراهقين، والكبار)، ومن الشرائح الاجتماعية والعرقية المختلفة؛ وعلى تقديم ما يرضي ويشبع الرغبات والميول لدى المشاهدين المستهدفين والمحتملين، كما تظهر في تعدد أنواع الأعمال السردية التي حُوِّل بعضها إلى أعمال درامية بدأ عرضها، والبعض الآخر في مرحلة التحضير أو الإنجاز: دراما، أو دراما/ كوميديا «dramedy»، ومسلسلات إثارة وتشويق، ورعب وغموض وتاريخية... إلخ، منتقاة من فترات زمنية وثقافات مختلفة.
أعتقد أنه بالإمكان إضافة هذا التنافس غير المسبوق إلى الملامح المميزة لصناعة الدراما في القرن الواحد والعشرين، الذي تعيش فيه الدراما عصرها الذهبي الثالث، حسب إيمي إم. داميكو، وسارا إِ. كِويي في كتابهما الموسوم «الدراميات التلفزيونية في القرن الواحد والعشرين: استكشاف العصر الذهبي الجديد، 2016». إنه، في حقيقة الأمر، تَنافسٌ ينتج عنه تنافسٌ آخر، فالتنافس على المُشَاهِد يُوَلِّدُ تنافساً على الأعمال الأدبية السردية وتسابُقاً إليها، وإلى أي كتب أخرى يمكن استغلالها واستثمارها في صناعة أعمال درامية. فما الذي يدفعُ شبكةً ما إلى الرجوع للقرن الثامن عشر، إلى رواية «توم جونز» للروائي الإنجليزي هنري فيلدنغ، أو شبكات أخرى إلى شراء الحقوق الفكرية لروايات هندية، وإيطالية، أو لروايات فازت بجوائز أو حققت أرقام مبيعات مرتفعة؟ ليس سوى التنافسِ محركاً لهذا التسابق إلى النص الأدبي.
وأعتقد أيضاً أن التنافسَ، أو بالتعبير الصحيح والدقيق غياب التنافس، أحد المفاتيح إلى فهم ظاهرة مجافاة الدرامي للمنجز الإبداعي السردي محلياً، وحتى عربياً، فليس الحال أفضل في المنطقة العربية كلها. وستستمر المجافاة ما دام التنافسُ مستمراً في غيابه؛ وإن كان هذا لا يحول دون حدوث الاستثناء بمشروعات قليلة ومتباعدة زمنياً لتحويل بعض الروايات والقصص إلى مسلسلات أو أفلام. فعلى المستوى المحلي، على سبيل المثال، شهدنا في 2020، تحويل ثلاثية «ضرب الرمل» للروائي السعودي محمد المزيني إلى مسلسل «ضرب الرمل»، لكن لسوء الحظ، عُرِضَ «ضرب الرمل» على شاشة قناة لا أظنها تستطيع الادعاء بأنها تحظى بدرجةِ مُشَاهَدَةٍ عالية. لكنها كانت خطوة جديرة بالتقدير والالتفات إليها عند التحدث أو البحث في موضوع الرواية والقصة القصيرة في السعودية على الشاشتين الصغيرة والكبيرة. أما على المستوى العربي، فالوضع ليس مختلفاً تماماً وليس وردياً كما يقال، فالتنافسُ على النص الأدبي معدوم تماماً. ويمكن القول إن شبكة «إم بي سي» السعودية تنفرد في ميدان الإنتاج والبث دون منافسٍ يشكل وجوده تحدياً لها؛ فهي المنتج الأقوى حالياً، والمنصة الأولى بكثافة البث الدرامي بغض النظر عن الكيف والجودة.
وليس ثمة ما يدل، أيضاً، على احتمال اهتمامها والتفاتها، بشكل كبير، إلى الرواية والقصة في السعودية، أو في الوطن العربي مصدراً لموضوعات وثيمات لمشروعات درامية. وهذا ما يثير الاستغراب من شبكةٍ أنتجت وعرضت من البرامج ما يؤكد ميلها إلى محاكاة التلفزة الأميركية واستنساخ برامجها، لكنها لم تبادر، لأسباب غير واضحة، إلى المتح من معين الأدب السردي العربي، وإن على سبيل الاقتداء بالشبكات الأميركية، كما فعلت في تقديم نُسَخٍ من برامج أميركية مثل مسابقات المواهب، والمسابقات المعلوماتية، أو في تجربة مسلسل «الميراث»، وأخيراً المسلسل المقبل «قيامة الساحرات» الذي سيسبقه إلى الشاشة الصغيرة في الخامس من يناير 2023 مسلسل الشبكة الأميركية (إي إم سي) «ساحرات مايفير» الذي تشارك هيفاء المنصور في إخراج عدد من حلقاته.
لحسن المصادفة كان هنالك كاتب سعودي اسمه أسامة المسلم، وله سلسلة روايات أعد منها «سكريبت» مسلسل يمثل حلقة جديدة من حلقات المحاكاة.
وعلى الرغم من أنني قد أبدو مبالغاً كثيراً، فإني لا أستبعد أنه حتى مسلسل «رشاش» كان محاكاة للدراما الأميركية بتقديم «رشاش» نقيضاً للبطل (antihero).
إن «نقيض البطل» أحد الملامح البارزة للدراما الأميركية في عصرها الذهبي الثالث الذي أُستهل، في 1999، بمسلسل قدّمَ أول «نقيض بطل» في العصر الجديد: توني سوبرانو في مسلسل «آل سوبرانو». وتكرر «نقيض البطل»، كمثال آخر، في شخصية والتر رايت في مسلسل «الانحراف (Breaking bad)».
ربما يكون «قيامة الساحرات» بداية التفات «إم بي سي» إلى الأعمال السردية المحلية والعربية. أقول ربما لأنني لست متفائلاً بذلك، وكما أنه لا يمكن التعويل على «إم بي سي» في هذا الشأن، لا يمكن التعويل، أيضاً، على قطاعات ومؤسسات الإنتاج الدرامي في الوطن العربي. فقطاع الإنتاج الدرامي في مصر، مثلاً، خارج المنافسة كونه ينوء تحت ثقل أزمة في الإنتاج أدت أخيراً إلى إلغاء عدد من مسلسلات موسم الدراما الرمضانية المقبل، وإلى تخفيض حلقات بعضها حسب أحمد جمال (العرب، 23/12/2022). وحال الإنتاج أشد سوءاً في الأردن الذي يشهد هجرة الفنانين إلى الدول المجاورة (العرب،23/12/2022).
لم أتطرق إلى مؤسسات الإنتاج التي يملكها فنانون وفنانات في المملكة والخليج العربي؛ لأنه من الخطأ مطالبتها بتوجيه اهتمامها إلى النص الأدبي. يكفيها البحث عن قصص تُكْتَبُ وتُفَصَّل على مقاسات مُلاّكِها، وحسب أمزجتهم، لتهيئ لهم أدوار البطولة الدائمة والمتكررة في مسلسلاتها في كل موسم درامي رمضاني.
* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«بومبي ثانية» في صقلية تغطيها الخرسانة

الشق الكبير... قام الفنان ألبرتو بوري بسكب أطنان من الأسمنت فوقه (غيتي)
الشق الكبير... قام الفنان ألبرتو بوري بسكب أطنان من الأسمنت فوقه (غيتي)
TT

«بومبي ثانية» في صقلية تغطيها الخرسانة

الشق الكبير... قام الفنان ألبرتو بوري بسكب أطنان من الأسمنت فوقه (غيتي)
الشق الكبير... قام الفنان ألبرتو بوري بسكب أطنان من الأسمنت فوقه (غيتي)

تسبب زلزال وقع عام 1968 في تدمير قرية غيبيلينا الصقلية، لكن آثارها بُعثت من جديد، لتبدو أقرب إلى تحفة فنية رائعة. من جهته، عمد الفنان ألبرتو بوري إلى صبّ خرسانة على مساحة 926.000 قدم مربعة من سفح التل، ليجمد بذلك الشوارع والممرات إلى الأبد، ومحولاً هذا الموقع المنكوب إلى ما يشبه بومبي عصرية، حسب «سي إن إن» الأميركية.

هذا العام، أعلنت غيبيلينا أول عاصمة للفن المعاصر في إيطاليا، ويأمل السكان المحليون أن يُعزّز عام 2026 إرث هذا «المكان الساحر». ويُجسد الأمر عزيمة سكانها الذين لم يستسلموا لمصيرهم، وقرروا إعادة البناء، وتحويل معاناتهم إلى فن.

يذكر أنه ممكنة رؤية هذا الموقع من بعيد، وقد كان أبيض اللون عند اكتماله في عام 2015. لكنه ليس مجرد عمل فني، حيث يمتد فوق أنقاض بلدة غيبيلينا، التي دمرها الزلزال.

ورغم أن قرى أخرى لا تزال متضررة من الزلزال، فإن غيبيلينا تحولت إلى بلدة متحجرة، أشبه بنسخة حديثة من موقع بومبي الأثري الذي توقف فيه الزمن. لكن بينما طُمِرت المدينة الرومانية القديمة بالرماد البركاني عام 79 ميلادياً، تم غمر غيبيلينا عمداً حفاظاً على ذكراها للأجيال المقبلة. وقد أصبح «الصدع» الذي ابتكره الفنان ألبيرتو بوري من القرن العشرين معلماً سياحياً داخل صقلية.

ينطبق الأمر على غيبيلينا الجديدة، التي أُعيد بناؤها على بُعد نصف ساعة، كبلدة ذات طابع عصري لافت، ومن ثمّ زُوّدت بأعمال فنية تبرع بها بعض أشهر فناني العالم المعاصرين.

وقال عمدة غيبيلينا، سالفاتوري سوتيرا، الذي كان في الثامنة من عمره آنذاك: «لو كانت تلك الهزة الأولى، لكان عدد الضحايا أكثر. غادر معظم الأشخاص خلال النهار، أمّا من بقوا في منازلهم فكانوا من كبار السن الذين لم يعتقدوا بوجود خطر». وفي أنحاء الوادي، لقي 296 شخصاً مصرعهم، وأُصيب أكثر من ألف، بينما أصبح نحو 100 ألف بلا مأوى.

وقالت فرانشيسكا كوراو، الذي كان لوالدها دور محوري في تحويل غيبيلينا: «إنّ السلطات لم ترغب في إعادة بناء بلدة اعتُبرت فقيرة».

في نهاية المطاف، أُعيد بناء غالبية القرى المتضررة بالقرب من مواقعها الأصلية، باستثناء غيبيلينا، بفضل عمدتها لودوفيكو كوارو، وهو محامٍ من باليرمو جاء للمساعدة بعد الكارثة، وقد انتُخب عمدةً في عام 1969.

وتمثّل أول مقترحاته في نقل البلدة من التلال إلى أرض أكثر استواءً، بالقرب من خط السكك الحديدية التي تربط بين باليرمو والساحل الجنوبي لصقلية.


الملك تشارلز مصدوم وحزين لوفاة جندي سقط عن حصانه

الملك تشارلز يشاهد عرضاً لـ«الملكي للخيول» في وندسور (أ.ب)
الملك تشارلز يشاهد عرضاً لـ«الملكي للخيول» في وندسور (أ.ب)
TT

الملك تشارلز مصدوم وحزين لوفاة جندي سقط عن حصانه

الملك تشارلز يشاهد عرضاً لـ«الملكي للخيول» في وندسور (أ.ب)
الملك تشارلز يشاهد عرضاً لـ«الملكي للخيول» في وندسور (أ.ب)

أعلن قصر باكنغهام أن الملك يشعر بصدمة وحزن بالغَين لوفاة جندي سقط من فوق حصانه، عقب عرض في معرض رويال وندسور للخيول. وبحسب شرطة «تايمز فالي»، كان الجندي ضمن فرقة المدفعية الملكية الخيالة، وسقط نحو الساعة السابعة مساء الجمعة، بعد خروجه من ساحة العرض، حسب «سكاي نيوز» البريطانية.

ورغم تلقيه الإسعافات الأولية الفورية، كانت إصابات الجندي خطيرة، وتُوفي في مكان الحادث. وأكدت الشرطة أنها تتعامل مع الوفاة باعتبارها غير مفسرة، لكنها لا تشتبه في وجود شبهة جنائية.

وقال متحدث باسم قصر باكنغهام إن الملك تشارلز سيتواصل مع عائلة الضحية لتقديم تعازيه. وجاء في بيان صادر عن القصر: «رغم وجود جلالة الملك وأفراد آخرين من العائلة المالكة في الساحة وقت وقوع الحادث، فإنهم لم يُبلغوا بمدى خطورة الموقف إلا في وقت لاحق. وقد شعر الملك بصدمة وحزن شديدَين لدى علمه لاحقاً بوفاة أحد أفراد الفرقة، وسيتواصل مع العائلة لتقديم تعازيه الشخصية».

ويُعدّ عرض الخيول السنوي الفرصة الوحيدة التي تُفتح فيها أراضي قلعة وندسور الخاصة للجمهور. وصباح السبت، ناشدت الشرطة الجمهور تقديم أي معلومات حول وفاة الجندي «الغامضة وغير المشبوهة».

«في هذه المرحلة، لم نجد أي ظروف مريبة»، هذا ما صرحت به الشرطة في منشور على «فيسبوك»، وأضافت: «نحن نعمل مع الجيش البريطاني ووزارة الدفاع وفرع التحقيق في حوادث الدفاع ومنظمي معرض رويال وندسور للخيول، شركة (HPower)، لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات لفهم كيفية وقوع هذا الحادث».

ويُذكر أنه أُقيم معرض رويال وندسور للخيول لأول مرة عام 1943 بهدف جمع التبرعات لدعم المجهود الحربي خلال الحرب العالمية الثانية. وحضر العرض الافتتاحي أفراد من العائلة المالكة، بمن فيهم الملك جورج السادس، والملكة إليزابيث (الملكة الأم)، والأميرتان الشابتان إليزابيث ومارغريت.


بين الضوء والترحال... الأميرة ريم الفيصل تقرأ السعودية بعدسة «أرض الحجيج والشعراء»

صورة توثق العمارة التقليدية وملامح الإنسان ضمن رحلة بصرية (الشرق الأوسط)
صورة توثق العمارة التقليدية وملامح الإنسان ضمن رحلة بصرية (الشرق الأوسط)
TT

بين الضوء والترحال... الأميرة ريم الفيصل تقرأ السعودية بعدسة «أرض الحجيج والشعراء»

صورة توثق العمارة التقليدية وملامح الإنسان ضمن رحلة بصرية (الشرق الأوسط)
صورة توثق العمارة التقليدية وملامح الإنسان ضمن رحلة بصرية (الشرق الأوسط)

في إحدى زوايا المعرض، تتجاور الألوان المشبعة مع صور أخرى بالأبيض والأسود، كأنها تروي مرحلتين مختلفتين من الرحلة نفسها. ليست مجرد صور فوتوغرافية معلَّقة على الجدران، بل محاولة لقراءة المكان السعودي بوصفه ذاكرة حيَّة تتحرك بين الإنسان، والطبيعة، والترحال، والشعر.

لحظة توثق العلاقة بين الإنسان والإيمان وسط مشهد الحج الجماعي (الشرق الأوسط)

في معرض «أرض الحجيج والشعراء»، تبدو الأميرة ريم بنت محمد الفيصل آل سعود منشغلة بما هو أبعد من التقاط الصورة؛ ومعنية بفهم البلاد نفسها.

المعرض، الذي افتُتح في مساحة «وصل» الفنية بمدينة جدة، جاء خلاصة رحلة امتدت 30 عاماً عبر مناطق المملكة، زارت خلالها معظم مدنها وأحيائها، في محاولة لاكتشاف الرابط الخفي الذي يجمع هذا التنوع الجغرافي والثقافي.

وتقول الأميرة ريم إن فكرة المعرض بدأت من سؤال الهوية الجامعة، موضحة أن الرحلة كشفت لها عن وجود رابط عميق بين الناس، رغم اختلاف البيئات والثقافات، يتمثل في «الترحال واللغة والشعر»، وهو ما دفعها لاختيار اسم «أرض الحجيج والشعراء».

كتاب يوثق رحلة الأميرة مع الضوء والإنسان عبر أرشيفها الفوتوغرافي (الشرق الأوسط)

وترى أن الجزيرة العربية لم تكن يوماً مجرد جغرافيا صامتة، بل فضاء تشكَّل عبر الحكاية، والقصيدة، والتنقل الإنساني، وهو ما حاولت ترجمته بصرياً في أعمالها.

ورغم الطابع التأملي الذي تحمله صورها، تؤكد الأميرة ريم أن التصوير بالنسبة لها ليس فعلاً عشوائياً بالكامل، بل عملية تقوم على تدريب طويل على الرؤية وفهم الضوء والزوايا. وتصف التصوير الفوتوغرافي بأنه «أقرب إلى العمل الحرفي»، يحتاج إلى سنوات من الممارسة لصقل العين البصرية، في حين تبقى لحظة الالتقاط نفسها محكومة بشيء من العفوية.

لحظة توثق العلاقة بين الإنسان والإيمان وسط مشهد الحج الجماعي (الشرق الأوسط)

وفي المعرض، تظهر بعض الصور القديمة بالأبيض والأسود، وهي أعمال تعود إلى مراحل مبكرة من تجربتها الممتدة لأكثر من 35 عاماً. غير أنها ترفض ربط هذا الخيار الفني بالحنين أو النوستالجيا، مؤكدة أن علاقتها بالأبيض والأسود لم تكن محاولة لاستعادة الماضي، بل كانت بحثاً عن التحكم في الظل والنور.

وفي النص المرافق للمعرض، تكتب الأميرة ريم: «قضيت معظم حياتي ألتقط الصور بالأبيض والأسود، فهكذا كنت أفهم العالم... من أعمق سواد يتزعزع إلى أنقى بياض لا تشوبه شائبة، وفي تلك التدرجات الأحادية وجدت مرآة هادئة للإنسانية نفسها».

مشهد من الحياة اليومية في إحدى مناطق السعودية (الشرق الأوسط)

لكن رحلتها الأخيرة داخل السعودية غيّرت هذه النظرة تدريجياً. وتقول في النص نفسه إنها لم تعد ترى الحياة «طيفاً من الرمادي فحسب»، بل اكتشفت «نسيجاً من الألوان؛ صارخة، وخافتة، متناثرة، ومتناغمة، وكل درجة منها تؤكد نفسها موضوعاً وحكاية».

هذا التحول البصري لم يكن تقنياً فحسب، بل ارتبط أيضاً بطريقة قراءتها للمكان. فالألوان، بالنسبة لها، أصبحت وسيلة لفهم الأرض السعودية، وليست مجرد عنصر جمالي داخل الصورة.

تجسيد بصري لروح العمارة الإسلامية وحضورها في المشهد السعودي (الشرق الأوسط)

وعن تجربتها في تصوير الحج، تشير الأميرة ريم إلى أن المشروع امتد 3 سنوات، وركَّز على العلاقة بين الإنسان وربه، وكذلك العلاقة بين البشر أنفسهم داخل مساحة محدودة وزمن محدد، في واحدة من أكثر التجارب الإنسانية كثافة وتعقيداً.

وتوضح أن اهتمامها لم يكن منصباً على المشاهد التقليدية المرتبطة بالمشاعر المقدسة، بقدر ما كان منصباً على مراقبة التفاعل الإنساني؛ كيف يتحرك هذا الحشد الهائل من البشر، وكيف تتشكل بينهم علاقات عابرة تتجاوز اللغة والجغرافيا.

وفي قراءتها لمشهد التصوير الفوتوغرافي اليوم، تفرِّق الأميرة ريم بين التصوير بوصفه ممارسة يومية متاحة للجميع عبر الهواتف الذكية، وبين التصوير بوصفه فناً ومهنة تقوم على الدراسة والمعرفة والخبرة. وترى أن الصورة الفنية الحقيقية لا تنفصل عن الثقافة العامة والتاريخ وعلم الاجتماع والأدب والشعر.

مشهد من العمارة الطينية يوثق ذاكرة المكان وتفاصيل الحياة القديمة في السعودية (الشرق الأوسط)

كما تُوجِّه رسالة إلى المصورين الشباب، مفادها أن التعبير الفني العميق لا يتحقق بالمهارة التقنية وحدها، بل يحتاج إلى بناء معرفي وثقافي واسع يمكّن الفنان من التعبير عن نفسه ورؤيته للعالم.

وعندما تُسأل عن أعمالها القديمة، لا تتعامل معها بوصفها مجرد أرشيف بصري، بل بوصفها دليلاً على أنها استطاعت بالفعل التعبير عمَّا كانت تريد قوله في تلك اللحظات.

في النهاية، لا تبدو صور الأميرة ريم بنت محمد الفيصل محاولة لتجميل المكان بقدر ما هي محاولة لفهمه. وبين الأبيض والأسود، وبين الضوء والألوان، تواصل الفنانة السعودية البحث عن المعنى نفسه: «الإنسان وهو يعبر الأرض... ويترك أثره».