توفيق شرف الدين... من أرياف القيروان إلى أكبر مسؤول أمني وسياسي في تونس

توفيق شرف الدين... من أرياف القيروان إلى أكبر مسؤول أمني وسياسي في تونس

وزير داخلية تونس صديق مقرب للرئيس قيس سعيد وأحد تلاميذه
السبت - 30 جمادى الأولى 1444 هـ - 24 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16097]

تعاقبت الدعوات، بين أنصار الرئيس التونسي قيس سعيّد ومعارضيه لتشكيل حكومة جديدة في تونس رداً على الرسالة السياسية التي وجهها 90 في المائة من التونسيين الذين قاطعوا انتخابات البرلمانية التي نظمت يوم 17 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي. ورشحت وسائل الإعلام والأوساط السياسية لرئاسة الحكومة القادمة شخصيات وطنية مستقلة ومعارضة، في حين ترجّح أوساط في الكواليس تكليف مسؤولين كبار في الدولة بهذه المهمة، أبرزهم محافظ البنك المركزي مروان العباسي، ووزير الداخلية القوي توفيق شرف الدين... المقرب جداً من الرئيس سعيّد. وللعلم، كان سعيّد قد اختار منذ صيف 2020 صديقه وتلميذه القديم توفيق شرف الدين للإشراف على حقيبة الداخلية وملفاتها السياسية الأمنية؛ لأنها الوزارة الأكثر تحكماً في المشهد السياسي والحكومي في البلاد منذ 70 سنة؛ إذ ظلت المؤسسة العسكرية التونسية «في الصف الثاني» مقابل «تضخم» الدور السياسي الوطني للمؤسسة الأمنية المدنية.
سبق لمعظم من أشرفوا على وزارة الداخلية في تونس أن أُسندت إليهم مسؤوليات أكبر في الدولة، على غرار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ورؤساء الحكومة السابقين الحبيب الصيد، وعلي العريّض ويوسف الشاهد، فضلاً عن الرئيس الباجي قائد السبسي، ورئيس الحكومة محمد مزالي والجنرال الحبيب عمار... العديد من الوزراء السياسيين البارزين والمستشارين في قصر قرطاج قبل ثورة 2011، بل إن «الورقة الرابحة» التي كانت ترجّح غالباً كِفة أحد المتنافسين على منصب رفيع في تونس هي مروره بـ«البناية الرمادية في شارع الحبيب بورقيبة»... أي مبنى وزارة الداخلية!
أما وزير الداخلية الحالي توفيق شرف الدين، فقد بدأ مشوار مسؤولياته الحكومية والسياسية وزيراً للداخلية في عهد حكومة هشام المشيشي قبل سنتين وثلاثة أشهر. ولقد عيّن مطلع 2021 وزيراً مستشاراً لدى رئيس الجمهورية مكلفاً رئاسة الهيئة العليا لحقوق الإنسان، ثم من جديد على رأس قطاع الأمن الوطني في حكومة نجلاء بودن بعد شهرين من «حراك 25 يوليو (تموز)»، إثر أسابيع راج فيها أنه سيكلف من قبل قرطاج (قصر الرئاسة) بترؤس «حكومة تصحيح المسار»؛ لأنه كان رئيساً للحملة الانتخابية السابقة لقيس سعيّد خلال انتخابات 2019 في جهة الساحل، كما كان أحد طلبته السابقين في كلية الحقوق مع زوجة الرئيس إشراف شبيل وشقيقتها المحامية عاتكة شبيل وعدد من كوادر القضاء والأمن الحاليين.
- قيرواني... وابن ضابط أمن
أبصر توفيق شرف الدين النور في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1968 في أرياف محافظة مدينة القيروان، العاصمة الأولى للدول العربية والإسلامية التي حكمت كامل شمال أفريقيا والأندلس في القرنين السابع والثامن بعد الميلاد. وقد ظلت القيروان «المدينة الرمز» للعلوم والثقافة والتجارة بعد انتقال العاصمة إلى مدينة تونس الحالية في ضواحي العاصمة السابقة قرطاج.
توفيق شرف الدين وُلد في عائلة ريفية من بلدة منزل المهيري، الواقعة جنوباً على بعد 40 كلم من القيروان، ونحو 200 كلم جنوبي تونس العاصمة على الطريق المتجهة إلى مدينة سيدي بوزيد، موطن محمد البوعزيزي مفجّر «انتفاضة الشباب» التونسي والعربي يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010. وكان والده موظفاً أمنياً في وزارة الداخلية، ولقد عُيّن في مصالح الوزارة في مدينة تونس، فانتقل مع أسرته من القيروان إلى العاصمة، وهناك فُتحت آفاق جديدة لأبنائه.
بدأ توفيق تعليمه الابتدائي في مدرسة عمومية بحي شعبي في مدينة تونس القديمة، هي مدرسة نهج «الولي الصالح سيدي علي عزوز»، غير بعيد عن جامع الزيتونة وأسواق الصناعات التقليدية في المدينة القديمة من جهة، وعن «المدينة العصرية» وشارع الحبيب بورقيبة، حيث مقر وزارة الداخلية من جهة ثانية. وحقاً استفاد توفيق من استقرار والده مدة طويلة في العاصمة فدرس في «المعهد الصادقي» العريق بحي القصبة - غير البعيد عن قصر الحكومة -، وهو أحد أعرق المعاهد الإعدادية والثانوية في تونس منذ القرن التاسع عشر. وسبق أن تخرّج في هذا المعهد عدد من المشاهير، بينهم الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه مؤسسو الدولة التونسية الحديثة، مثل محمد مزالي ومحمود المسعدي والباجي قائد السبسي. كذلك تخرج فيه الرئيس الحالي قيس سعيّد وعدد من رفاقه.
- من العاصمة إلى الساحل
إلا أن والد توفيق عُيّن لاحقاً في إدارة أمنية بمحافظة سوسة في الساحل التونسي، موطن الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي ومعظم وزرائهما. وعليه، تابع توفيق دراسته الثانوية في المعهد الثانوي بسوسة، الذي يُعد أبرز مؤسسة تعليمية في محافظات الساحل التونسي ومدن سوسة والمنستير والمهدية والقيروان. ولقد فتح الانتقال إلى مدينة سوسة السياحية والعلمية آفاقاً جديدة لتوفيق شرف الدين، وهو يرافق والده الأمني وأسرته الشعبية؛ مما مكّنه من التعرف مبكراً على الأنشطة الرياضية والشبابية التي كانت مفتوحة للشباب عموماً ولأبناء المؤسسة الأمنية خاصة. وبالفعل، سبق لشرف الدين أن تعرف على جانب من الأنشطة الرياضية والاجتماعية والصحية لأبناء الأمنيين في العاصمة تونس وتحديدا في منطقة ثكنات الأمن في القرجاني، غربي مدينة تونس القديمة.
- في كلية سعيّد
وشاءت الأقدار أن يحصل توفيق شرف الدين على الثانوية من معهد سوسة، وأن يوجَّه مثل نخبة من زملائه إلى كلية الحقوق في جامعة الوسط بسوسة، التي كان قد باشر التعليم فيها للتو الجامعي الشاب قيس سعيّد، وبدأ بين مدارجها مسيرته الأكاديمية فيها مكلفاً بالتدريس والورشات بخطة أستاذ مساعد يؤطر الطلبة المرشحين لخطة محامٍ وقاضٍ وخبير قانوني. وأيضاً شاءت الأقدار أن يكون بين زملاء توفيق شرف الدين في الكلية ذاتها شبان من الجنسين عُينوا لاحقاً في مؤسسات أمنية وقضائية وفي سلك المحاماة.
بين هؤلاء طالبتان تعرّف عليهما قيس سعيّد، حينذاك، هما إشراف شبيل – «سيدة تونس الأولى» الحالية - وشقيقتها عاتكة، وهما كريمتا قاضٍ ورئيس محكمة كبير في محافظتي سوسة والمنستير في الثمانينات من القرن الماضي. وبينما تخرجت إشراف قاضية بعد متابعة دراستها في المعهد الأعلى للقضاء، تخرّجت شقيقتها عاتكة محامية، وغدت زميلة مقرّبة لشرف الدين طوال سنوات في محكمة سوسة. ومن ثم، ساعدت هذه الزمالة تدريجياً في توثيق علاقات شرف الدين بقيس سعيّد وأسرته. ولذا؛ لم يكن مفاجئاً أن يتطوّع لرئاسة حملة سعيّد الانتخابية منذ الدورة الأولى في انتخابات العام 2019. كذلك برز توفيق شرف الدين وزميلته المحامية عاتكة مع عدد من المحامين الشباب في المحكمة نفسها بجهة سوسة ولم يغادراها نحو العاصمة بعد انتقال سعيّد للتدريس والسكن في كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة تونس.
- بعيداً عن السياسة
ظل توفيق شرف الدين بعيداً عن السياسة، متفرغاً لأسرته وأبنائه الثلاثة، بعد سنوات من حصوله على شهادتي الأستاذية في الحقوق من كلية الحقوق بسوسة والكفاءة لمهنة المحاماة ثم على ماجستير مهني في العقود والخدمات القانونية. ومن هناك ارتقى في مسيرته المهنية عام 2008، فعُيّن محامياً لدى التعقيب، وظل عضواً بالفرع الجهوي للمحامين بسوسة مكلّفاً النشاط العلمي والملتقيات العلمية منذ عام 2013.
وأيضاً، ساهم مع عدد من المحامين في تأسيس فرق رياضية خاصة بالمحامين الشباب كانت تنظم مباريات ومسابقات بينهم - بعيداً عن السياسة -، مثلما لم يعرف عن قيس سعيّد نفسه أي انشغال مباشر بالعمل السياسي والحزبي، بل كان متفرّغاً للتدريس والبحث العلمي والإشراف مع عدد من أساتذته وزملائه على تظاهرات أكاديمية سياسية كانت تنظمها الجمعية التونسية للقانون الدستوري.
- «الأقرب إلى قصر قرطاج»
اليوم، بينما تتوالى التصريحات بين أنصار الرئيس قيس سعيّد ومعارضيه عن «الدور السياسي الكبير» الذي ينتظر توفيق شرف الدين، بما في ذلك الحديث عن احتمال تعيينه رئيساً جديداً للحكومة، فإن شرف الدين نفسه سارع بالتنويه بخصال رئيسة الحكومة الحالية نجلاء بودن. كذلك، نفى في مناسبات عديدة رغبته في تحمل مسؤولية رئاسة الحكومة، معتبراً أنه ملتزم بخدمة بلاده والمشروع السياسي للرئيس قيس سعيّد وهو على رأس حقيبة الداخلية.
مع هذا، يشير مراقبون في العاصمة التونسية إلى أن شرف الدين هو الوزير الأكثر تواصلاً مع قصر قرطاج، وأن مبنى وزارة الداخلية هو أكثر مقر يزوره الرئيس سعيّد. وتكشف الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، عن أن عدد جلسات العمل الرسمية والعلنية التي يعقدها الرئيس مع شرف الدين تبلغ أحياناً الأربعة مقابل جلسة واحدة مع نجلاء بودن وعدد محدود جداً من الجلسات مع بقية الوزراء، بمن فيهم بعض المقربين منه منذ مرحلة ما قبل وصوله إلى قصر قرطاج، مثل وزير الشؤون الاجتماعية مالك الزاهي ووزير التكوين والتشغيل المحامي نصر الدين النصيبي.
أكثر من هذا، كشفت حادثة انفجار غاز في مسكن الوزير توفيق شرف الدين في مايو (أيار) الماضي عن العلاقات الإنسانية والشخصية المتطورة بين الرئيس والوزير الدين وعائلتيهما. فقد زار سعيّد وزوجته وأفراد من عائلته بشكل رسمي شرف الدين وعائلته للقيام بواجب العزاء بمناسبة وفاة زوجة شرف الدين، التي توفيت متأثرة بإصابتها في انفجار أنبوب للغاز في البيت. وأكدت الفيديوهات والصور الرسمية التي نشرت بالمناسبة عمق العلاقات بين الرئيس وزوجته وشرف الدين وأبنائه.
ومن جانب آخر، نفت كل التقارير الرسمية أن تكون حادثة انفجار أنبوب الغاز في وجه زوجة وزير الداخلية عملاً إجرامياً مدبّراً، مؤكدة أنه نجم عن تسرب للغاز في المطبخ. وما يذكر، أنه سبق لمجموعة إرهابية أن هاجمت بالأسلحة الثقيلة قبل 10 سنوات مسكن عائلة وزير الداخلية القوي والقاضي لطفي بن جدو في موطنه مدينة القصرين (300 كلم جنوبي غربي العاصمة تونس)، لكن تلك العملية فشلت لأن الوزير وعائلته كانا قد غادراها قبل وصول الإرهابيين.
عودة إلى شرف الدين، فإنه يؤكد دوماً أنه لا يخشى التهديدات، وأنه ماضٍ في تنفيذ أوامر الرئيس سعيّد و«إنجاح المسار الإصلاحي الذي بدأه في 2019 وتعزز بعد 25 يوليو 2021»، لا سيما من خلال الحفاظ على أمن البلاد الداخلي والخارجي وضمان وحدتها الوطنية. غير أن محللين يرون العلاقة الوثيقة بين الرئيس ووزير داخليته سلاحاً ذا حدين، قد يسبب إزعاجاً سياسياً وإعلامياً، خاصة أن عدداً من خصوم شرف الدين بين الموالين للرئيس ومعارضيه يحمّلون وزارة الداخلية مسؤولية بعض «التجاوزات الأمنية» التي تشتكي منها قيادات المعارضة والنقابات والمجتمع المدني، وبينها مضايقة بعض المعارضين أو إيقافهم.
إلا أن شرف الدين والمقربين منه يؤكدون «حياد» وزارة الداخلية والمؤسسات الأمنية في تعاملها مع كل الأحزاب والأطراف السياسية، بما في ذلك من خلال السماح لآلاف من نشطاء المعارضة و«جبهة الخلاص الوطني» و«الحزب الدستوري الحر» بالتظاهر وسط العاصمة وانتقاد السلطات ورئاسة الدولة والحكومة والدعوة إلى «مقاطعة الانتخابات».


تونس تونس

اختيارات المحرر

فيديو