تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

معارضو الحزب يُجمعون على رفض أي مقايضة سياسية

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
TT

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)

يتقدّم ملف سلاح «حزب الله» إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني، ليس بوصفه ملفاً داخلياً قابلاً للحسم، بل كعقدة بنيوية تتشابك فيها الحسابات المحلية بالضغوط الإقليمية والدولية. ومع تصاعد الحراك الدبلوماسي غير المعلن، يتّضح أن النقاش لم يعد يدور حول آليات نزع السلاح، بل حول الضمانات، ومآلات الانسداد القائم.

حراك خارجي بلا خريطة طريق

تتحرّك عواصم معنية بالاستقرار اللبناني، في إطار «اللجنة الخماسية» التي تضمّ الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، ضمن مسار اتصالات لحث السلطات اللبنانية على تنفيذ حصرية السلاح بيد السلطات الشرعية، في مقابل رفض «حزب الله» إطلاق المرحلة الثانية من الخطة في شمال الليطاني. ويقول معارضو الحزب إن رفض الحزب لا ينطلق من مقاربة عسكرية ودفاعية فقط، بل من مقاربة سياسية أوسع، متعلقة بضمانات ومكاسب سياسية في الدولة.

غير أن الرد المباشر على أي طرح مشابه جاء سلبياً، حسب ما يقول معارضو الحزب، ويشرح مصدر معارض للحزب لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «تُظهر التجربة اللبنانية أنّ مرحلة ما بعد الحرب الأهلية قامت على تسويات ضمنية، حوّلت السلاح إلى نفوذ سياسي داخل الدولة، غير أنّ إعادة إنتاج هذه الصيغة اليوم مستحيلة. فالتوازنات التي حكمت مرحلة التسعينيات تبدّلت، والانقسام العمودي داخل المؤسسات يمنع أي صيغة تقاسم جديدة للسلطة».

رجلا دين شيعيان يشاركان في الذكرى السنوية لاغتيال أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله في سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تخفي القوى السياسية، على اختلاف مواقعها، خشيتها من فتح باب المكتسبات، لما يحمله من مخاطر تفجير داخلي أو تكريس اختلال دائم في بنية الدولة. من هنا، سقط عملياً أي حديث جدي عن «السلاح مقابل مكاسب سياسية».

لا تسييل للسلاح ولا مقايضة

وفي هذا الإطار، يقول عضو تكتل «القوات اللبنانية» النائب ملحم الرياشي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «(حزب الله) وافق وينجز مع الجيش تسليم السلاح جنوب النهر؛ أي في المنطقة المتاخمة للحدود مع إسرائيل، وبالتالي ما نفع السلاح شمال النهر؟ إنه لزوم ما لا يلزم». ويضيف: «إن عملية تسييل السلاح بمراكز سلطة ونفوذ هي أمر مرفوض بالمبدأ؛ لأن دقة التركيبة اللبنانية تستدعي إعادة نظر كاملة في النظام، وليس زيادة نفوذ لمكوّن لبناني على حساب آخر؛ فإما أن نعيد النظر بكل التركيبة من جذورها، أو نُبقي القديم على قدمه؛ أي نلتزم جميعاً»، ويشدّد على أنّ «(القوات اللبنانية) ملتزمة باتفاق الطائف».

ويرى الرياشي أنّ «السلاح مرتبط عضوياً بسلاح إيران ومشروعها»، قائلاً: «ندعو (حزب الله) إلى إخراج نفسه من صراع الآخرين، والعمل معنا على تحييد لبنان عن حروب الآخرين، لما فيه مصلحته ومصلحة إخوتنا الشيعة اللبنانيين ومصلحتنا جميعاً».

مشكلة سياسية لا تقنية

ثمة مخاوف لبنانية من أن يساهم فتح باب المقايضة في تعميق الانقسام بدل معالجته، وهو ما جعل هذا المسار يتراجع عملياً، لمصلحة نقاش أكثر تعقيداً حول مفهوم الضمانات.

ويرى النائب اللبناني السابق إلياس عطا الله، أنّ الإشكالية لا تكمن في شكل الضمانات أو نوعها، بل في طبيعة المشروع نفسه. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مسألة (حزب الله) لم تكن يوماً مشروعاً عسكرياً بحتاً، بل مشروعاً سياسياً». ويشير إلى أنّ الحزب «منذ تأسيسه عام 1982، ارتبط عضوياً بإيران، حتى وإن تغيّرت أشكاله وتكويناته مع الوقت»، معتبراً أن «السلاح لم يكن أداة دفاع وطنية مستقلة، بل جزءاً من بنية سياسية خارج منطق الدولة».

ويشير عطا الله إلى أنّ «تجربة ما بعد الحرب اللبنانية عام 1990 أثبتت أنّ كل القوى سلّمت سلاحها للدولة، وكأنّ الحرب انتهت فعلياً، باستثناء طرف واحد قرّر ربط سلاحه بمشروع إقليمي»، لافتاً إلى أنّ «هذا الخيار جعل التخلي عن السلاح يتناقض مع طبيعة هذا التكوين وخياراته الأساسية».

الضمانات... والموقف الإيراني

وحسب عطا الله، فإنّ الحديث المتكرر عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يعالج جوهر الأزمة. ويقول إنّ «(حزب الله) لا يبحث عن مكاسب سياسية مقابل تسليم سلاحه؛ لأنّ المسألة أعمق من ذلك»، مضيفاً أنّ «الحزب لا يريد دولة قوية وقادرة، بل دولة ضعيفة تُبقي السلاح خارج المحاسبة والشرعية».

ويتابع أنّ «السلاح بالنسبة إليه ليس ورقة تفاوض داخلية، بل أداة مرتبطة مباشرة بإيران، وبوظيفة تتجاوز الحدود اللبنانية»، معتبراً أنّ «الحديث عن تسليم طوعي للسلاح يتجاهل واقع أنّ هذا السلاح مرتبط بعقيدة تعتبر التخلي عنه نفياً للذات السياسية والتنظيمية».

ويتقاطع هذا التشخيص مع قراءة أوسع ترى أنّ ملف السلاح بات جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، ما يجعل أي نقاش داخلي حوله رهينة تطورات خارج الحدود. وفي هذا الإطار، يعتبر عطا الله أنّ «أي حديث عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يغيّر في جوهر المشكلة؛ لأنّ القرار ليس لبنانياً خالصاً»، مشدداً على أنّ «الرهان على تسوية داخلية من دون فك الارتباط الإقليمي هو رهان على الوقت لا أكثر».


مقالات ذات صلة

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

المشرق العربي متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

دخلت المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» الأربعاء، مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، مع تكثيف غير مسبوق للغارات الجوية التي تواكب توغلاً برياً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

تقول مصادر «الثنائي الشيعي» إن لديه مجموعة خيارات بشأن قرار طرد السفير الإيراني، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الرئيس بري أوكل مهمة إيجاد الحل لرئيس الجمهورية».

بولا أسطيح (بيروت)
بروفايل السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني (إعلام إيراني)

بروفايل محمد رضا شيباني... دبلوماسي بأدوار استخبارية

لم تمضِ أسابيع على عودة الدبلوماسي الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني إلى بيروت سفيراً لبلاده، حتى تحوّل اسمه إلى عنوان أزمة دبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا مصر ترسل مساعدات إغاثية عاجلة لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب اللبناني (مجلس الوزراء المصري)

مساعدات مصرية إلى لبنان لتخفيف أزمة «النزوح الداخلي»

قامت مصر الاثنين بإرسال مساعدات إغاثية عاجلة لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب اللبناني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية تصاعد سحابة من الدخان من موقع غارة جوية على طهران يوم 17 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

هجمات جديدة مع استمرار حرب إيران... وحركة دبلوماسية بالكواليس

تتواصل الهجمات الصاروخية والقصف في الشرق الأوسط مع استمرار حرب إيران فيما تنشط حركة دبلوماسية في الكواليس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«حزب الله» يعلن استهداف 10 دبابات «ميركافا» إسرائيلية

دبابات إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف 10 دبابات «ميركافا» إسرائيلية

دبابات إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» اللبناني، اليوم (الخميس)، استهداف 10 دبابات «ميركافا» إسرائيلية في ثلاث بلدات جنوبية.

وقال «حزب الله»، في سلسلة بيانات منفصلة، إن عناصره استهدفوا الدبابات الإسرائيلية المتقدمة بصواريخ موجهة في بلدات دير سريان، ودبل، والقنطرة، وحققوا فيها إصابات مؤكدة.

وكان «حزب الله» أعلن استهداف مقر وزارة الحرب الإسرائيلية (الكرياه) وسط تل أبيب، وثكنة دولفين التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية شمال تل أبيب بعدد من الصواريخ النوعية.

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان في 2 مارس (آذار)، بعدما أطلق «حزب الله» صواريخ على الدولة العبرية، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي. وتردّ إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان، فيما توغلت قواتها في جنوبه.

وبعدما أعلنت الرئاسة اللبنانية مراراً استعدادها لفتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من أجل إنهاء الحرب، أعلن «حزب الله» رفضه التفاوض «تحت النار».

وقال أمينه العام، نعيم قاسم، أمس، في بيان: «عندما يُطرح التفاوض مع العدو الإسرائيلي تحت النار، فهو فرض للاستسلام وسلب لكل قدرات لبنان».

ودعا الحكومة إلى أن «تعود عن قرارها بتجريم العمل المقاوم والمقاومين»، بعد إعلانها حظر نشاطات الحزب الأمنية والعسكرية، في إطار سلسلة إجراءات غير مسبوقة اتخذتها منذ اندلاع الحرب.


«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد


فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
TT

«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد


فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)

في ظل استمرار القصف الأميركي على مواقع «الحشد الشعبي» في العراق، حصلت الحكومة على صلاحيات واسعة وُصفت بـ«صلاحيات حرب» بغطاء سياسي من التحالف الحاكم، وقضائي من مجلس القضاء.

وأكد رئيس مجلس القضاء العراقي، فائق زيدان، وجود آليات دستورية لإعلان «حالة الحرب»، والإجراءات القضائية «بحق الجهات التي تستهدف مؤسسات الدولة».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، أمس (الأربعاء)، مقتل وإصابة العشرات من جنودها، في غارة استهدفت مستوصف الحبانية العسكري غرب الأنبار. ووصفت الوزارة الهجوم بأنه «انتهاك صارخ وخطير للقوانين الدولية».

ووفق مصادر أمنية، فإن الضربة استهدفت أيضاً مقراً للاستخبارات تابعاً لـ«الحشد» داخل قاعدة الحبانية. وتحدثت المصادر عن وقوع غارتين إضافيتين استهدفتا مقر «اللواء 45» التابع لـ«الحشد الشعبي» في مدينة القائم قرب الحدود السورية.


إسرائيل تحاصر كبرى مدن الحدود اللبنانية

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحاصر كبرى مدن الحدود اللبنانية

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتجه إسرائيل لمحاصرة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني بجنوب لبنان، عبر توغلات برية من ثلاث جهات، تشمل محور مارون الراس من الشرق، وأطراف عيناثا من الشمال، ودبل وعيتا الشعب من الغرب، في وقت يتوسع فيه توغل الجيش الإسرائيلي باتجاه شمال مدينة الخيام على المحور الشرقي، ويقترب من ضفة نهر الليطاني في وادي الحجير، عبر عمليات من الطيبة باتجاه دير سريان.

وفيما تلقي تداعيات الحرب بظلالها على الداخل اللبناني، تتعمّق أزمة سياسية موازية، على خلفية الدعم القوي الذي قدّمه ممثلا الطائفة الشيعية في البرلمان والحكومة، و«المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» إلى السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، ومطالبتهم لوزارة الخارجية بالتراجع عن قرار إبعاد شيباني، من بيروت.

وتختبر الحكومة، اليوم (الخميس)، تداعيات الأزمة بجلسة وزارية كان لوَّح ممثلو «الثنائي الشيعي» بمقاطعتها.