منظمة حقوقية: أطفال بين 547 معتقلاً سورياً أعلنت وفاتهم

«الشبكة السورية» تقول إنها حصلت على شهادات الوفاة من مصادر داخلية

احتجاج نظمه نشطاء سوريون في برلين مايو الماضي للإفراج عن المعتقلين السياسيين (رويترز)
احتجاج نظمه نشطاء سوريون في برلين مايو الماضي للإفراج عن المعتقلين السياسيين (رويترز)
TT

منظمة حقوقية: أطفال بين 547 معتقلاً سورياً أعلنت وفاتهم

احتجاج نظمه نشطاء سوريون في برلين مايو الماضي للإفراج عن المعتقلين السياسيين (رويترز)
احتجاج نظمه نشطاء سوريون في برلين مايو الماضي للإفراج عن المعتقلين السياسيين (رويترز)

منذ اعتقال الحكومة السورية ليحيى حجازي وابنيه في عام 2012 تعلق أقرباؤه بالأمل في أنهم ما زالوا على قيد الحياة وربما يُطلق سراحهم يوماً. لكن بعد عشر سنوات من صمت السلطات، تبددت آمالهم حينما تواصلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مع عائلة حجازي؛ لإخبارهم بأنها حصلت على شهادات الوفاة للثلاثة.
وقال أخو يحيى لـ«رويترز» في مكالمة هاتفية من شمال غربي سوريا: «تأمل في كل لحظة أن تقع عيناك مجدداً على ذلك الشخص الذي تحبه كثيراً أو أن تسمع أي خبر عنه».
وقالت الشبكة، وهي جماعة حقوقية مستقلة، إن الوثائق التي تؤكد وفاة يحيى وابنيه هي من بين 547 شهادة وفاة لمعتقلين أصدرتها السلطات منذ عام 2017، وحصلت عليها الشبكة من مصادر داخلية في الإدارات الحكومية.
وأضافت الجماعة الحقوقية أن الوثائق أجابت عن تساؤلات حول مصائر المئات من المفقودين. ويأمل نشطاء في استخدام تلك الوثائق يوماً، لاتخاذ إجراءات قضائية دولية ضد الحكومة التي تتهمها لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بسبب سياسات الاعتقال التي تتبعها.
ولم ترد الحكومة على أسئلة أرسلت بالبريد الإلكتروني حول شهادات الوفاة التي حصلت عليها الشبكة السورية لحقوق الإنسان. ونفى مسؤولون سوريون في السابق اتهامات بالتعذيب الممنهج والإعدامات الجماعية في السجون.
وراجعت «رويترز» 80 شهادة وفاة منها الشهادات الخاصة بآل حجازي، بالإضافة إلى شهادة وفاة طفلة عمرها ثلاث سنوات وأختها البالغة ست سنوات.
وراجع محام حقوقي سوري، طلب عدم نشر اسمه لحساسية الأمر، عينة من الوثائق، وقال إن شكل الوثائق واللغة المستخدمة والمعلومات المتضمنة بها مطابقة للمعتاد في شهادات الوفاة السورية.
وقال محمد حجازي إن عائلته لم تطلب شهادات وفاة من السلطات؛ لأنهم يعيشون في مناطق تسيطر عليها المعارضة. وأضاف أن معارفهم الذين يعيشون في مناطق تهيمن عليها الحكومة رفضوا سؤال السجلات المدنية عن الوفيات؛ خشية أن يتم اعتبارهم معارضين للنظام في دمشق.
واندلعت الحرب في سوريا بعد انتفاضة في 2011 ضد حكم الرئيس بشار الأسد، وأسفرت عن مقتل أكثر من 350 ألف شخص ونزوح أكثر من نصف السكان، وأجبرت الملايين على ترك البلاد والعيش كلاجئين في الخارج.
وحسب تقديرات لجنة الأمم المتحدة، فإن عشرات الآلاف معتقلون في مراكز تابعة للحكومة السورية. وتقول اللجنة وأسر المعتقلين، إنه لا يسمح للمعتقلين عادة بالتواصل مع ذويهم مما يترك الأسر تتساءل بشأن أماكنهم أو إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة.
ولا تعمل الجماعات الحقوقية الدولية علناً في سوريا، ولا يمكنها الوصول لمراكز الاعتقال. وأوصى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة في أغسطس (آب) بوضع آلية لتحديد مصائر السوريين المفقودين، لكن ذلك لم يتم بعد.
وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن شهادات الوفاة التي حصلت عليها تتضمن شهادات تخص 15 طفلاً و19 امرأة. وبعض الشهادات الثمانين التي راجعتها «رويترز» تذكر أن مكان الوفاة هو مستشفيات عسكرية أو محاكم عسكرية، بينما لم يتضمن بعضها مكاناً محدداً، حيث يذكر فقط «دمشق» أو قرية على أطرافها، في حين تُركت خانة مكان الوفاة فارغة في شهادات أخرى.
كما تضمنت الشهادات فجوات زمنية كبيرة بين تاريخ الوفاة وتاريخ تسجيلها، وصلت إلى عدة سنوات في أغلب الشهادات، وبلغ الفارق عشر سنوات في إحداها. ولم تذكر الوثائق التي راجعتها «رويترز» سبباً للوفاة. وقالت الشبكة السورية إن ذلك ينطبق على جميع الشهادات الأخرى البالغ عددها 547.
وذكرت الجماعة الحقوقية أنها طابقت الأسماء المذكورة في شهادات الوفاة مع قوائم المعتقلين لدى السلطات السورية. وتمكنت من الوصول إلى أسر 23 من المتوفين. وقالت إن الكثيرين منهم كان لديهم شعور بأن أحباءهم قد ماتوا، وهو شعور تأكد بعد اطلاعهم على شهادات الوفاة.
ووفقاً لتقرير صدر عن لجنة الأمم المتحدة للتحقيق المعنية بسوريا في 2022، فإن التعذيب وسوء المعاملة في السجون السورية، ما زال «ممنهجاً». وأشار التقرير لوجود انتهاكات في مراكز الاعتقال التابعة للفصائل غير الحكومية أيضاً. وقال إن الحكومة تتعمد حجب المعلومات الخاصة بالمعتقلين عن ذويهم، ووصف سياسات الاعتقال بأنها ترقى لكونها جرائم ضد الإنسانية.
وقالت اللجنة التابعة للأمم المتحدة إن السلطات السورية بدأت في 2018 تحديث السجلات المدنية بعدد كبير من شهادات الوفاة الخاصة بأشخاص ماتوا في الحجز، لكنها لم تخبر ذويهم مباشرة. ولم ترد الحكومة على أسئلة حول سبب عدم إبلاغ أقارب المتوفين.
وتمكن الأقارب الذين يعيشون في مناطق تسيطر عليها الحكومة من معرفة ما إذا كان أحباؤهم قد ماتوا عن طريق طلب سجلاتهم العائلية من مكاتب السجل المدني. لكن لم يسمح لهم بتسلم الجثث لدفنها أو لم يتم إخبارهم بمكان الرفات، وفقاً لما ذكرته اللجنة والشبكة.
وعلم آخرون بالوفيات من خلال التعرف على ذويهم في صور مسربة التقطها مصورون عسكريون يعملون في السجون، أبرزهم يحمل الاسم المستعار (قيصر). ونفى الأسد خلال مقابلة في 2015 صحة الصور التي نشرها قيصر، قائلاً إنها ادعاءات بلا دليل. ووصف ممثلو ادعاء سابقون متخصصون في جرائم الحرب الصور بأنها دليل واضح على التعذيب الممنهج والقتل الجماعي.
وقال فاضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إنه يأمل في أن تجد الأسر التي ما زالت تترقب معرفة مصائر ذويها بعض السلوى في شهادات الوفاة.
لكن الانتظار لا يزال مستمراً بالنسبة لمحمد حجازي. وفي حين أنه الآن يعرف مصير أخيه، فهو يقول إن 40 آخرين من أقربائه معتقلون لدى الحكومة في وسط سوريا، ولا تعرف العائلة شيئاً عنهم. وقال: «لم أستطع إخبار والدتي بأن يحيى قد مات. أخبرها فقط أنه لا يزال في السجن».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.