تهاني الصبيح: قلب الشاعر لا يهرم لأنه يشعل فتيل الحبّ

قالت إن الأحساء أنجبت شعراء وتعسّرت في إنجاب شاعرات... بل حاصرتهنّ

الشاعرة السعودية تهاني حسن الصبيح (الشرق الأوسط)
الشاعرة السعودية تهاني حسن الصبيح (الشرق الأوسط)
TT

تهاني الصبيح: قلب الشاعر لا يهرم لأنه يشعل فتيل الحبّ

الشاعرة السعودية تهاني حسن الصبيح (الشرق الأوسط)
الشاعرة السعودية تهاني حسن الصبيح (الشرق الأوسط)

بسرعة الصاروخ انطلقت الشاعرة السعودية تهاني حسن الصبيح، التي ورثت من الأحساء حبّ الأبجدية، وعشق الشعر، فسجلت حضوراً متميزاً في المشهد الثقافي، كاسرة قيود ما تسميه بالحصار الفكري والاجتماعي الذي لا يتيح للمرأة الشاعرة المساحة نفسها التي يوفرها للرجل لكي تنفس عن موهبتها وإبداعها وحضورها.

تهاني الصبيح

صدر لها، رواية واحدة، بعنوان «وجوه بلا هويّة» ومجموعتان شعريتان: «فسائل»، و«وجه هاجر». فازت بالمركز الثاني لمسابقة السفير حسن عبد الله القرشي (مصر) عن ديوانها (فسائل) 2018، وبالمركز الثاني في مسابقة اليوم الوطني السعودي برعاية نادي تبوك الأدبي 2018، ترجم لها في معجم السرد بالأحساء، ومعجم شعراء الأحساء المعاصرين، وشاركت في أمسيات شعرية داخل السعودية وخارجها (البحرين، مصر، الأردن، الإمارات)، كان آخرها مهرجان الشارقة للشعر بدولة الإمارات العربية المتحدة، ومهرجان الرمثا للشعر العربي الفصيح بالأردن 2019، وفي المركز العالمي للدراسات العربية بباريس، وفي مهرجان الخنساء للشعر الفصيح بعمان، ومهرجان حوران للشعر العربي (إربد - الأردن).
تهاني الصبيح شاركت مساء (الاثنين) بأمسية شعرية إلى جانب الشاعر السعودي محمد يعقوب، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض جدة للكتاب، وبعد الأمسية، التقت «الشرق الأوسط» الشاعرة تهاني الصبيح وأجرت معها الحوار التالي:
> بين تهاني الشاعرة وتهاني الروائية، أين تجد ذاتك إبداعياً؟
- كنتُ مخطئة كثيراً عندما كتبتُ الرواية، لقد حاولتُ أن أتسلّق اللغة من أقصر جدرانها ولم أدرك أن هناك سحراً معلّقاً في دهاليزها يسمّونه الشعر، وهو ذلك المعنى البعيد الذي يستفز اللغة فتغدق عليه وابلاً من الدهشة وتتركنا حيارى أمام معانيه وصوره.

تهاني الصبيح... قلب الشاعر لا يهرم

> ماذا تعني لك القصيدة...؟
- القصيدة هي أمي التي تشبهني وتشاركني عطري وتصبغ شعرها بلون حنائي، هي الأنثى التي تضيء مفرق عمري كما يضيء الزعفران مفرق رؤوس الأمهات.
> ما هو سر لقب «خنساء هجر» الذي أطلق على الشاعرة تهاني، ومَن أطلقه وما المناسبة؟
- هذا اللقب «وطنيٌ» حتى النخاع، وحين توّجني الجمهور به كنت في بداياتي، وللمرة الأولى أقف على صخرة سوق عكاظ في مدينة الطائف لأواجه أدب العالم العربي في هيئة جمهور بقصيدتي:
دمعٌ على خدّيكِ أبيضُ ذارفُ
وعلى ثراكِ الحُبُّ ظلٌ وارفُ
وكأنَّها ليلَى مشتْ بعباءتي
وهناكَ قيْسٌ عندَ بابِكِ واقفُ
حينها صفّقوا بحرارة وقالوا «خنساء المملكة»، وصرتُ أتباهى بهذا اللقب في أي محفل عربي أعزز فيه انتمائي لبلدي واعتزازي به.
> هل صحيح أن قلوب الشعراء لا تهرم (كما يقول أحمد شوقي)؟
- لا يمكن لقلب الشاعر أن يهرم، وكيف يهرم من يشعل فتيل الحبّ زجاجة روحه من زيت الشاعرية والإبداع؟
> متى استيقظ الشاعر داخلك؟.. إبراهيم نصر الله يقول «هناك شاعر في كل إنسان، لا يخرج إلا في اللحظة التي يلتقي فيها بنفسه تماماً».
- ربما في المرحلة المتوسطة بدأت أشعر أن شيئاً ما يسكنني ويجرّني إلى تكثيف القراءة في دواوين الشعر بكافة مدارسه ومريديه... كنت أحاول أن أكتب، فكتبتُ الإحساس في نصوص عرجاء تقف مرة وتقع أخرى حتى اشتدّ عودي ونبتت على أغصاني أوراق يسمونها «قصائد» احتفظتُ ببعضها ونشرتُ بعضها وخضتُ غمار هذا الميدان بخوف وتردد ورهبة...
(>) يقولون «إن الأحساء تنبت شعراء كما تنبت النخيل» إذا كانت هذا العبارة صحيحة؛ فكم نسبة الشاعرات من هذا العدد... ولماذا هذا الانحسار والضمور في عدد الشاعرات تحديداً على المستوى الإعلامي؟
- دعني أصارحك على استحياء: الأحساء أنجبت الكثير من الشعراء الذكور وتعسّرت في إنجاب الشاعرات لأنهن لم يحظين بسباق الأقلام من أجل كفالتهنّ، وقد ولدت الأحساء الكثير من الشاعرات اللاتي لقي بعضهن حصاراً فكرياً نابعاً من الأسرة أولاً، ومن المجتمع ثانياً، ثم انتهى بهن المقام إلى وأد قصائدهن وهي حيّة كما كان محرماً عليهن في بعض الحقب الزمنية، وإطار تقاليد المجتمع الانخراط في مجالس أهل الشعر والأدب للاستماع والاستزادة والثراء المعرفي والأدبي فكيف سيكون لهن ظهور إعلامي؟ وكيف سيعرفهن العالم أو يشيد بإبداعهن؟ ولعل الوضع اختلف الآن كثيراً عن السابق في ظلّ الرؤية والقفزة الحضارية والمعرفية والثقافية التي تشهدها المملكة برعاية قادة هذه البلاد.
> هل تؤمنين بانفصال الجنس الأدبي إلى ذكوري ونسائي؟
- لا أؤمن به أبداً، فالقصيدة هي روح الشاعر وتجليات صوره وأفكاره التي لا تنتمي إلى جنس أو تصنيف، نعم هناك إسقاطات يختزلها العقل الباطن وتشي بجنس الكاتب دون أن يشعر...
> فزتِ في الكثير من المسابقات والجوائز المحلية والعربية، ألا ينتابك قلق ما بعد الفوز؟
- كثيراً ما ينتابني هذا القلق ويشعرني بحجم المسؤولية الملقاة على كاهلي، يشعرني باضطراب النص وحاجته إلى الترميم قبل عتقه، يشعرني بأهمية الاشتغال على المعاني والصور التي تدهش المتلقي وتأسر تفكيره فلا يلتفت إلى عيوب القصيدة إن وُجدت...
> شاركتِ مؤخراً ضمن مجموعة من شعراء الأحساء في «قافلة النخيل» التي نظمتها «أكاديمية الطائف» بالتعاون مع هيئة الثقافة والأدب، صفي لنا الرحلة وأي المحطات كانت الأقرب لنفسك؟
- «قافلة النخيل» هي أجمل رحلة معرفية فارقة في حياتي، وأوسع محطة ثقافية اختصرت علي مسافات اللغة واختزلت خريطة الوطن في قصائد شعر لا تعرف إلا الحبّ والتسامح، كنتُ أزاحم قامات شعرية عالية أتعلم منها معنى التواضع وخفض الجناح ولين الجانب، كنّا مباركون أينما حللنا لأن راية التوحيد كانت تظلّل خطواتنا وتحرس أنفاسنا، كنّا ننعم برعاية وطنية خاصة أعادتني إلى قيمة الشاعر عند العرب الأوائل الذين كانوا يقفون عند قدومه ويتزاحمون للاستماع إليه...
> ما العوامل التي ساعدتك على تخطي الحواجز من التقاليد والأعراف الاجتماعية التي كانت تشكل سياجاً يوماً ما على المرأة في مجتمع محافظ كالأحساء وتواصلي رحلتك الإبداعية؟
- مساندة والدي - رحمه الله - لي منذ الطفولة، أبي الذي كان يؤمن كثيراً بأن النساء هن حضارة هذا الوطن وأعمدة سمائه، فكان يحاورني بوعي ويشجعني على شراء الكتب وقراءتها يشجعني أن أقرأ بصوت مسموع وألا أتردد في مواجهة الناس من الجمهور ذكوراً كانوا أم إناثاً... وبعدها تلقفتني أيدي معلماتي، فنشأتُ بين عناية الله ودعوات أمي ومساندة أبي...
> يقول إميل سيوران «وحدهم الشعراء الرديئون يشعرون بالحرية»... ماذا تمثل الحرية للشاعر؟
- أساساً، الشاعر لا يولد إلا حراً فهو طائرٌ يحلّق بجناحين من حبٍّ ورحمة وحارس بارعٌ أمام أعشاش الحياة ينقضّ بقصائده على كل من يحاول أن يبطش بالبياض أو يدنّس نقاء الطبيعة، الشاعر وحده القادر على أن يكون صدى لمن لا صوت له، وامتداداً لمن لا ظلّ له لا تقيّدهُ ميوله طالما أن الإنسان بداخله يقظ لا يغالبه النعاس.
> ما هو تقييمك للحركة النقدية في المشهد الوطني الثقافي، وهل تم تناول تجربتك الإبداعية، وما هو موقفك من النقد؟
- للأسف، أرى بأن النقد في المشهد الوطني أحياناً ينحدر على تلال العلاقات الشخصية التي تجرّ الناقد إلى عاطفته تجاه الشاعر ومحاولته المتعثرة لتلميع قصائده على حساب أدوات الإبداع وعصر الحداثة والتطور الذي تشهده القصيدة باختلاف التجارب وتنوعها.
بالنسبة لتجربتي الإبداعية لا أظن أنها حظيت بدراسات نقدية وافية تجعلني مطمئنة إلى حقيقة هذه التجربة أو تطورها وآمل كثيراً أن أصل إلى هذا الهدف وأحظى بمن يشرّح نصوصي على طاولة النقد لأعيد ترتيب ما لدي من أدوات وأبدأ من جديد...
> عضويتك في نادي الأحساء الأدبي سابقاً وإشرافك على نشاط القسم النسائي، ماذا أضاف لك وماذا أضفتِ من خلاله؟
- أجمل ما اكتسبته من نادي الأحساء الأدبي هو رعايتي للجيل الناشئ من الفتيات من خلال برنامج رعاية الموهوبات الذي كنتُ أقيمه مرتين في الشهر، وكانت جلساتنا الأدبية بمثابة المظلّة الواسعة لفتيات وضعن أقدامهن على عتبة الكتابة فقدّمتُ لهن ما أعرفه من مفاتيح الإبداع.
> هل نترقب لك مشروعاً إبداعياً قادماً عما قريب؟
- أتمنى أن ألِدَ ديواني الثالث الذي ما زال في طور التكوين...

نصوص لتهاني الصبيح:

وترٌ

وتٌر أنا فلتعزفي الوترا
ولِتْسُكني الإلهاَم لو َحَضرا

وْلَتْهِبطي كالوحيِ ُمثقلًة
بالمفردات لیبعث الُّشعر

فالّشعُر ناٌر للسُراِة هنا
بین القبائل والمجاز قِرى

ذاكرة الطین

رُدْت بضاعتنا فجئنا... عّلنا
نزدادُ كیلاً في الهوى ونمیُر

وأنا التي حنّت لجذعك حینما
هّزته حتى یستقّر شعورُ

وأنا التي استسقت وأنتَ سحابها
تهمي ودمعي في لقاكَ غزیرُ

ریحُ یوسف

یا ریح يوسف من یجاري لهفت
لو للحنیِن مسافةٌ و ِنطاقُ؟

كالغیمِة الحبلى یكثفني الهوى
وعلى ذبولِ الوالهین أُراقُ

تهوي إليّ.......

قلبٌ أنا حول المجرّة سافرا
وسَحابةٌ حُبلى ستهرِقُ أبحُرا

فإذا المشاعرُ قد ظلَلْنَ رواكداً
رئتي الرياحُ بها أحرّكُ ما جرى

قلبٌ أنا بالحبّ أعصرُ مهجتي
فيسيلُ ما سكنَ الصدورَ وما برى...

أغفو فتوقظني الرؤى كنبوءةٍ
شفّ المجازُ بها وأوقدها الكرى

وهنا تصاعدت المعاني في دمي
حد التّساميَ والتّجليَ كي أرى

فمشيتُ بالشطآنِ حول كنايتي
ورصفتُ في نهرِ القصيدة معبراً

وبلغتُ من فعل اليقينِ مداركاً
حتى الْتباسي رغم ريبته... درى!

كانت بيَ الصحراء حين سمعتها
تبكي على الطفل الذي ملأ العرا

في (غير ذي زرعٍ) يزمزمُ حيرتي
ماءٌ بقدرِ السعي فجّرهُ الثرى

وملامحي امرأةٌ سينحتُ صبرُها
وجهاً يريني في المرايا هاجرا...


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.