الحلقة الثانية والأخيرة : روسيا والغرب الأطلسي... جذور الصراع وحرب الحضارات

بوتين: الحرب في أوكرانيا «مسألة حياة أو موت» للأمة الروسية

فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
TT

الحلقة الثانية والأخيرة : روسيا والغرب الأطلسي... جذور الصراع وحرب الحضارات

فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)

أبعد من الأهداف المباشرة للحرب الروسية على أوكرانيا، رأت موسكو فيها خطوة نحو «بناء عالم جديد» يتحرر من عباءة الهيمنة الأميركية.
ففي يوم 26 فبراير (شباط) الماضي، أي بعد يومين من انطلاق «العملية العسكرية الخاصة»، نشرت وكالة «نوفوستي» الروسية مقالاً بعنوان «عودة روسيا وولادة العالم الجديد». وجاء في هذا المقال، الذي حذف لاحقاً من موقع الوكالة، الذي يعده مؤلف كتاب «جيوبوليتيك روسيا» مرآة لما يدور في الدوائر الروسية العليا، قبل خيبة تطورات الحرب الميدانية السلبية، أن «كتلة جيوسياسية جديدة رأت النور مع التحام روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا»، وأن «العالم الروسي أصبح واقعاً».
وبعد أن يشدد كاتب المقال، بيوتر أكابوف، على ضرورة ولادة نظام عالمي جديد، يختتمه كالتالي: «إن الصين والهند وأميركا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم الإسلامي وجنوب شرقي آسيا، كلها لا تؤمن بأن الغرب يسيطر على النظام العالمي أو أنه قادر على تحديد قواعد اللعبة».
يستطرد كاتب المقال بتأكيد أن روسيا «لم تتحدَّ الغرب فقط (بهجومها على أوكرانيا)، بل إنها جاءت بالبرهان القاطع على أن زمن الهيمنة الغربية الكاملة ولى إلى غير رجعة، وأن العالم الجديد ستبنيه كل الحضارات، بالتعاون مع الغرب طبعاً، ولكن ليس وفق توجهاته وقواعده وأوامره».

أوكرانيون في انتظار الحصول على مساعدات إنسانية في مدينة ماريوبول (أ.ف.ب)

ويعني هذا الطرح أن الهدف البعيد للرئيس بوتين من حربه على أوكرانيا يتجاوز ما أعلنه شخصياً وأكد عليه وزراؤه ومعاونوه، وهو اجتثاث النازية من أوكرانيا (أي قلب الحكومة) ونزع سلاحها وفرض الحياد والابتعاد عن الحل الأطلسي نهائياً.
ولكن، مقابل الرؤية الروسية، تبدو الرؤية الغربية مناقضة تماماً، إذ إن حلفاء أوكرانيا يرون أن هذه الحرب هي في الواقع بين «الديمقراطية» و«السلطوية»، وبين الليبرالية المعولمة من جهة والدفاع عن «القيم التقليدية» بمواجهة غرب منحط من جهة ثانية.
يكرس كتاب «جيوبوليتيك روسيا»، لصاحبه لوكاس أوبان، والصادر حديثاً عن دار «لا ديكوفيرت» الباريسية، صفحات عديدة يغوص فيها على جذور العلاقة بين روسيا والغرب، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، ساعياً لرصد مسبباتها العميقة التي تتعدى السرديات اليومية واللغة الدبلوماسية من الجانبين.
وبحسب النظرة الروسية، فإن انهيار حلف وارسو كان يفترض أن يستتبع نهاية الحلف الأطلسي، الذي بعكس ذلك قطع آلاف الكيلومترات للاقتراب من روسيا، بفضل موجات انضمام دول وسط وشرق أوروبا في أعوام 1999 و2004 و2008. وفي السياق عينه، جاء تدخل الحلف الأطلسي في كوسوفو، والتدخل الأميركي - البريطاني في العراق، من غير تفويض من مجلس الأمن، ثم تخطى الغربيون قراراً أممياً بخصوص ليبيا، ليتضح لروسيا أن الجانب الأميركي يسعى لفرض هيمنته في كل مكان، مهدداً بذلك «التوازن الهش» الذي نشأ بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، ما دفع الرئيس الأسبق بوريس يلتسين إلى التوجه للرئيس كلينتون، الضاغط على موسكو بسبب حرب الشيشان عام 1999، قائلاً له: «بيل كلينتون نسي أننا نمتلك ترسانة نووية متكاملة»، ملمحاً إلى استخدامها لحجب رغبة السيطرة الأميركية.
وينبش المؤلف وثيقة أميركية تعود لعام 2000 تحت اسم: «رؤية مشتركة لعام 2020»، صادرة عن وزارة الدفاع، تؤكد «ضرورة الهيمنة العسكرية الكاملة على العالم في المجالات الجوية والبرية والفضائية والمعلوماتية والسيبرانية». وجاءت خطوة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في عام 2002 بالانسحاب من معاهدة «إيه بي إم»، التي كانت تمنع منذ عام 1972 تطوير صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية، لتقضي على توازن القوى والردع النووي، ولتضع روسيا في موقع الطرف الضعيف. كذلك يذكِّر المؤلف بالخطاب الذي ألقاه بوتين في فبراير من عام 2007، حيث ندد بالعالم «أحادي القطب» وبتمدد الحلف الأطلسي شرقاً، معتبراً إياه «استفزازاً خطيراً» لا علاقة له بتحديث الحلف ولا بأمن أوروبا. وأضاف بوتين: «نحن في وضع يسمح لنا بأن نتساءل: ضد من يتم هذا التوسيع؟»، معتبراً إياه إحياء لمنطق الكتل المتواجهة وعودة إلى عقلية الحرب الباردة، وداعياً إلى «تفكيك هذه الألغام» التي يمكن أن تنفجر.
وفي عام 2014، عاود بوتين انتقاد الحلف الأطلسي، متهماً إياه بتخطي الوعد الشفهي الذي قدمه للرئيس الأسبق ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي، بأنه لن يتوسع إلى أبعد من ألمانيا. ورغم أن أرشيف الحلف يتضمن هذا الوعد، فإن الغربيين لا يعدونه «التزاماً» رسمياً.
ويتابع الكتاب تطور العلاقة الروسية - الأميركية - الأطلسية خطوة خطوة. ويعتبر مؤلفه أن عودة روسيا إلى الشرق الأوسط في سياق الربيع العربي، خصوصاً انخراطها العسكري الكثيف في سوريا إلى جانب النظام في عام 2015، جاء بعد أن فشل المشروع الأميركي لقيام «شرق أوسط كبير وجديد»، الذي كان غرضه إعادة رسم منطقة تمتد من موريتانيا إلى أفغانستان. ويعد المؤلف أن «انتصار» روسيا في سوريا من خلال إبقاء النظام قائماً ودحر «داعش»، يعد «نكسة للغرب»، ويتوقف عند الحفلة الموسيقية التي قدمتها فرقة مدينة سان بطرسبرغ السيمفونية في قلعة تدمر التي دمر «داعش» أجزاء منها، ويعدّها «انتصاراً رمزياً» لبوتين على الغرب.

السير المتسارع نحو المواجهة مع الغرب
في مواجهته للغرب، يلجأ بوتين إلى مجموعة من الأسلحة في حوزته: الحرب الميدانية، سياسة التأثير والنفوذ، الحرب السيبرانية والمخابراتية، الدعاية الآيديولوجية (كما في أفريقيا مثلاً)، ولكن أيضاً الحرب الإعلامية. وللغرض الأخير، عمد بوتين في عام 2005 إلى إطلاق شبكة التلفزة «روسيا اليوم» بلغات عدة وبميزانية 30 مليون دولار لمواجهة الشبكات الأميركية والأوروبية ومقارعة الغرب بالسلاح نفسه الذي يستخدمه. وكان لافتاً أنه مع انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا، عمد الغربيون إلى منع بث وسائل الإعلام الروسية على أراضيهم. وبعد 15 عاماً على إطلاقها، تبث «روسيا اليوم» في أكثر مائة دولة، وبخمس لغات (الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والعربية والألمانية) وتطال ما لا يقل عن مائة مليون شخص أسبوعياً. أما ميزانيتها فقد تضاعفت عشر مرات لتصل إلى 307.5 مليون دولار. ثم لاحقاً، مع اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014 التي انتهت بضم شبه جزيرة القرم وانسلاخ «جمهوريتي» الدونباس الانفصاليتين، أطلقت موسكو وكالة «سبوتنيك» للأخبار مكان وكالة «ريا نوفوستي»، وسلمت إدارتها إلى مارغريتا سيمونيان، وهي إعلامية مقربة من بوتين. وباختصار، فإن بوتين لجأ منذ سنوات، وفي محاولة منه لمواجهة الغرب ومقارعته بأسلحته، إلى كل أنواع «الحروب»، بما فيها الحرب «الهجينة». وجاءت الاتهامات التي وجهت لروسيا بالتدخل في المسارات الانتخابية الغربية (الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا ...) وزعزعة الديمقراطيات بمثابة مقدمة للمواجهة الحالية القائمة بين روسيا والحلف الأطلسي على الأراضي الأوكرانية، رغم أن الغرب ما زال يعتبر أنه «ليس طرفاً» فيها رغم دفق المساعدات المالية والاقتصادية والإنسانية، خصوصاً السلاح متعدد الأنواع، على كييف، وهو ما مكنها من الصمود في المرحلة الأولى، ثم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم لاحقاً، بحيث استطاعت القوات الأوكرانية استعادة مناطق كبيرة من تلك التي كانت القوات الروسية قد استولت عليها.
ومع مجيء الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، استعرت المواجهة مع موسكو، ما شكل انقطاعاً مع عهد الرئيس السابق دونالد ترمب. ففي 19 فبراير 2021، قرع الرئيس الديمقراطي طبول «عودة» أميركا إلى القارة القديمة التي أهملها سلفه الجمهوري، عبر أداة الحلف الأطلسي، من أجل «الرد على الهجمات التي تقوم بها روسيا ضد الديمقراطيات الغربية». ولاحقاً، واستباقاً لما يبدو تخطيطاً قديماً لغزو أوكرانيا، عرضت موسكو على واشنطن التوصل إلى «اتفاق للضمانات الأمنية المتبادلة». وبعكس ما يوحي به العنوان، فإن رسالة موسكو إلى واشنطن كانت بمثابة إنذار، بحيث إنها طلبت من الجانب الأميركي الوقف الفوري لتوسع الأنشطة العسكرية الأميركية في شرق أوروبا والعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع العسكرية والاستراتيجية قبل عام 1997، أي قبل انضمام دول حلف وارسو سابقاً إلى الحلف الأطلسي. وبكلام آخر، فإن بوتين أراد محو 30 عاماً من التطورات الجيو - سياسية والجيو - استراتيجية التي عرفتها القارة القديمة. وبالطبع، كان الكرميلن يعي تماماً أن الرد الأميركي - الأطلسي سيكون الرفض المطلق، وهو ما كان يبحث عنه، الأمر الذي وفر الذريعة التي تحتاج إليها روسيا، التي وجهت، بالتوازي، رسالة بالغة التشدد إلى كييف تطالبها بالتخلي النهائي عن الانضمام إلى النادي الأطلسي والاعتراف رسمياً بضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا وباستقلال مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، فضلاً عن نزع سلاح أوكرانيا و«اجتثاث النازية»، أي سقوط النظام. وكما جاء الرد الغربي سلبياً، كذلك ردت كييف، بحيث أصبح الطريق ممهداً لبدء «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا. ورأى الغربيون في الإنذار الروسي والرد المرتقب الغربي - الأوكراني الرافض له الحجة التي يبحث عنها بوتين لإطلاق حربه.
وكانت القيادة الروسية قد استبقت هذه اللحظة، ونشرت 180 ألف عسكري على الحدود المشتركة مع أوكرانيا وقوات كبيرة على الحدود البيلاروسية - الأوكرانية وما رافقها من مناورات عسكرية تمهيدية واسعة. ولم يتبقَّ سوى انتظار ساعة الصفر التي حلت في الثانية من فجر 24 فبراير الماضي.
وتدل كل العناصر المتوافرة التي دأب المؤلف على جمعها وربطها بعضها ببعض، على أن السير نحو المواجهة كان في منطق الأمور. بيد أن المفارقة جاءت في سياق اختلاف المقاربة بين الأوروبيين (باستثناء البريطانيين دول البلقان) والأميركيين. من هنا، يبدو أن محاولات التوسط لتجنب الحرب التي قام بها الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني كان مصيرها محكوماً عليه سلفاً بالفشل، وأن بوتين استخدمها لكسب بعض الوقت وإتمام تحضيرات العملية العسكرية. وللتذكير، فقد سعى إيمانويل ماكرون وأولاف شولتس إلى محاولة إعادة إحياء اتفاقيتي «مينسك» الخاصتين بجمهوريتي الدونباس، باعتبارهما جزءاً من المجموعة الرباعية التي شكلت في عام 2015، وهي تضم، إلى جانب فرنسا وألمانيا، روسيا وأوكرانيا. وفي خطابه التبريري للحرب صبيحة 24 فبراير، اعتبر بوتين أن «تحالفاً يدّعي الديمقراطية» تقوده «إمبراطورية الكذب»، أي الولايات المتحدة الأميركية، هو في الصميم معادٍ لروسيا وذو أطماع إمبريالية، وبالتالي فإن الحرب ضد أوكرانيا «مسألة حياة أو موت» للأمة الروسية التي «تواجه تهديداً وجودياً». ولأن الرؤية الرسمية الروسية هي هذه، فكان من الطبيعي أن يهدد وزير الدفاع سيرغي شويغو باللجوء إلى السلاح النووي الذي يصبح استخدامه «مشروعاً»، ولأن العقيدة العسكرية الروسية تتيحه، الأمر الذي يذكر بالجدل الحاصل حول إمكانية أن تلجأ موسكو إلى هذا السلاح حتى لتوجيه ضربة استباقية في حال عمدت إلى تعديل هذه العقيدة.

واشنطن وبروكسل:عداء مشترك لروسيا
منذ بداية الحرب قبل عشرة أشهر وحتى اليوم، ما زالت موسكو تتمسك بـ«نظرية المؤامرة» التي تشرعها والتي تحضرت لها من خلال مراكمة 600 مليار دولار بالعملات الصعبة، وغذت «الصندوق الوطني للحماية الاجتماعية» بـ200 مليار دولار. وكان الاعتقاد السائد أن الحرب ستكون قصيرة زمنياً. ويشير الكتاب إلى أن المخابرات الروسية، تحديداً جهاز «إف إس بي»، تؤكد أن سكان شرق أوكرانيا من الناطقين بالروسية يتطلعون إلى وصول القوات الروسية التي ستحررهم من النير الأوكراني. ويكشف الكتاب أن اثنين من كبار مسؤولي المخابرات تم رميهما في السجن بعد أسابيع قليلة من بدء العملية العسكرية، لأنهما قدما معلومات زائفة لسيد الكرملين.
وينطلق الكتاب من فرضية أن السير للمواجهة بين الغرب وروسيا كان في منطق الأمور، إذ إن موسكو لم تعتبر فقط أن واشنطن تنفذ مخططات توسعية وتمارس سياسة الاحتواء بحقها لإضعافها، بل إن الاتحاد الأوروبي لم يكن بعيداً عن هذه المقاربة. ودليله على ذلك أن الاتحاد الأوروبي، منذ عام 1999، سعى للتدخل في شؤون روسيا الداخلية. ففي وثيقة رسمية عنوانها «وثيقة الاستراتيجية المشتركة للتعامل مع روسيا»، يركز الاتحاد على عدة أهداف أولها تعزيز الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات العامة، ليس في البلدان الأوروبية أو تلك الساعية للانضمام إلى صفوف الاتحاد الأوروبي، بل في روسيا نفسها. وفيما تسارعت حركة انضمام دول أوروبا الوسطى والشرقية إلى الاتحاد، شعرت موسكو بالانزعاج والإبعاد عندما أطلق الاتحاد مبادرة «الشراكة الشرقية» التي ضمت أرمينيا وجيورجيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، وحتى أذربيجان. إلا أن الأوروبيين استبعدوا روسيا منها. ومنذ البداية، ورداً على المقاربة الأوروبية، سعت موسكو، وفق المؤلف، إلى الرد على ذلك من طريقين: محاولة شق صفوف الاتحاد الأوروبي من جهة، والبحث عن بدائل من جهة أخرى، والتركيز بالدرجة الأولى على مجموعة «بريكست» التي كان الرئيس بوتين محركها الرئيسي.
ونشّطت موسكو اتصالاتها وعلاقاتها مع أميركا اللاتينية والعالم العربي والدول الأفريقية، الأمر الذي برزت نتائجه في عمليات التصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث امتنعت عشرات البلدان عن التصويت لصالح التنديد بروسيا. كذلك، ردت موسكو سياسياً من خلال توفير الدعم للأحزاب المتطرفة في أوروبا، أكانت يمينية أو يسارية، وعسكرياً بتسليح إقليم كالينينغراد المطل على بحر البلطيق والمحشور بين ليتوانيا وبولندا، وطورت قاعدتها البحرية، حيث أخذت ترابط فيها الغواصات والقطع البحرية الرئيسية. وتحولت هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية الرئيسية إلى قاعدة متقدمة في قلب الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.
ورغم المحاولات الفرنسية والألمانية، خصوصاً ما قام به ماكرون، فإن العلاقات لم تتحسن بين الجانبين، وجاءت رزم العقوبات المتلاحقة (تسعة حتى اليوم) التي فرضتها أوروبا منذ اليوم الأول للحرب في أوكرانيا، بما فيها على البترول والغاز وتجميد الأرصدة الروسية والعقوبات ضد كبار الشخصيات ومن بينهم بوتين وكبار المسؤولين... لتدفع العلاقات بين الطرفين إلى مزيد من التوتر، لا بل إلى حافة الانقطاع.
في خلاصته عن الحرب في أوكرانيا، يرى الكاتب أن بوتين ارتكب 4 أخطاء؛ أولها أنه غالى في قدرات قواته، وثانيها أنه لم يقدر حق قدرها صلابة القوات الأوكرانية في الصمود، وثالثها أنه أخطأ بخصوص ردة فعل الشعب الأوكراني، ورابعها أنه لم يتوقع ردة الفعل الغربية الأميركية والأوروبية والأطلسية.
وإذا كان أحد أهدافه منع تمدد الأطلسي إلى حدود بلاده وشق الصف الأوروبي، فإن النتائج جاءت عكس ذلك. فها هي فنلندا والسويد تتأهبان للانضمام إلى الأطلسي، وها هو الاتحاد الأوروبي، رغم التمايزات في مواقف بعض بلدانه، ما زال محافظاً على وحدة الموقف تجاه روسيا، وهو آخذ بالخروج من تبعيته لها في مجال الطاقة، خصوصاً الغاز. يضاف إلى ذلك أن روسيا ستخرج ضعيفة من هذا النزاع، وثمة تساؤلات عن مستقبل بوتين نفسه الذي لم يعد يخيف الغرب حتى بتهديداته النووية.
لم يتوقف بوتين عن التمرد على الهيمنة الأميركية، وسعى دوماً من أجل تغيير هندسة العالم من خلال إيجاد عالم متعدد الأقطاب تكون روسيا أحدها. ويرى المؤلف أن النتيجة التي ستستولدها الحرب الأوكرانية هي قيام ثنائية قطبية: عالم غربي تسيطر عليه الولايات المتحدة، وآخر شرقي تشكل الصين القوة المهيمنة فيه، ويتربص الخطر بروسيا بأن تتحول إلى تابع لـ«إمبراطورية الوسط»، أي الصين.
وفي آخر فقرة من كتابه، كتب لوكاس أوبان ما يلي: «إن حكم بوتين لم ينتهِ، ومن الناحية التقنية يمكن أن يدوم حتى عام 2036. ووضعيته السياسية واعتماده خطاباً قومياً متشدداً يوفران له شعبية لا يستهان بها. بيد أن الهشاشة أخذت تنهش وضعه، وكلما تفاقمت سلطويته برزت الشقوق في نظامه». ولا شك في أن كيفية نهاية الحرب في أوكرانيا ستشكل عاملاً حاسماً في رسم مستقبله.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.