محمد مصطفى القباج... تاريخ من التنوير الفكري والسياسي

سيرة ذاتية على شكل سؤال وجواب خلال سلسلة مقالات

محمد مصطفى القباج
محمد مصطفى القباج
TT

محمد مصطفى القباج... تاريخ من التنوير الفكري والسياسي

محمد مصطفى القباج
محمد مصطفى القباج

استمتعت كثيراً بقراءة الكتاب الأخير للدكتور محمد مصطفى القباج؛ وذلك لعدة أسباب: أولها أني أحب كتب الذكريات أو المذكرات وألتهمها التهاماً. وثانيها هو أنه يتحدث عن الفترة العربية المعاصرة بكل شؤونها وشجونها الفكرية والدينية والسياسية. وثالثها هو أنه يتحدث عن قضايا ثقافية معينة كنت أنا أيضاً شاهداً عليها ولو من بعيد وبشكل ثانوي. وأقصد بها تلك المتعلقة بتأسيس المجلس القومي للثقافة العربية في باريس أولاً ثم في الرباط لاحقاً. وكان ذلك بدعم من الإخوان الليبيين وعلى رأسهم عمر الحامدي. وقد ضم المركز في عضويته بعض المثقفين السوريين الذين أتيح لي أن أتعرف عليهم لأول مرة ليس في سوريا ذاتها وإنما في باريس من أمثال إلياس مرقص، ومحيي الدين صبحي، وجورج طرابيشي، ولا أنسى رياض أبو ملحم.
عم يتحدث هذا الكتاب الصادر حديثاً عن دار أبي رقراق في حلة جمالية أنيقة تلفت النظر؟ أولاً ما هو عنوانه؟ العنوان الكامل هو التالي: «عم يتحدثون؟ سيرة ذاتية - عن أعلام الفكر - أبحاث ورؤى - قراءات». ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو السيرة الذاتية التي تحتل النصف الأول من الكتاب. وقد زاد من متعتها وتشويقها أنها معروضة على هيئة سؤال وجواب من خلال سلسلة مقابلات أجراها معه الكاتب والصحافي رشيد عفيف. ومعلوم أن كتب المقالات المشكلة من سؤال وجواب ممتعة جداً ولا تمل سواء بالفرنسية أم العربية. أعترف بأنني وجدت صعوبة في ترك الكتاب مرغماً حتى صبيحة اليوم التالي بعد أن كان قد شغلني حتى منتصف الليل أو أكثر. وعندئذ نعست وتعبت عيناي عن جد فاضطررت إلى ترك الكتاب مرغماً على أمل أن ألقاه صبيحة اليوم التالي فأكمله وأجهز عليه. وهدا ما حصل. كان السؤال الأول الذي طرحه عليه رشيد عفيف هو التالي: أين ومتى رأى مصطفى القباج النور؟ وكان جواب المؤلف على النحو التالي: ازددت سنة 1940، هذه الكلمة وحدها «ازددت» تعجبني عند إخواننا المغاربة وتكاد تميتني من الضحك في ذات الوقت. نحن المشارقة نقول: «وُلدت» سنة كذا، أما هم فيقولون: «ازددت» سنة كذا. وهذا التنوع في التعبير عن شيء واحد يمثل غنى وثروة للغة العربية ولا يزعجني على الإطلاق. ولكن الشيء المهم ليس هنا، بل الشيء المهم هو أنه من أصل مراكشي وأن أمه أنجبته في الرباط عندما كانت العائلة متجهة في طريقها إلى فاس؛ ولذلك يقول هذه العبارة الجميلة: «امتزجت في ذاتي ثلاثة أتربة: تراب مراكش ونخيلها، ومياه محيط الرياض، وروحانيات فاس». ومعلوم أن فاس العريقة هي العاصمة الدينية والروحية للمغرب. ولكن المعلوم أيضاً هو أن مراكش التي لا تقل عراقة كانت عاصمة الإمبراطورية المغربية الشاسعة الواسعة أيام المرابطين والموحدين. وبالتالي فهي ذات أمجاد خالدة أيضاً. جميلة هي المقاطع التي يتحدث فيها الدكتور القباج عن طفولته الأولى وتربيته الدينية والوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي في مدينة فاس. وأعتقد أنها ستبقى وثيقة تاريخية للأجيال القادمة، وأنها ثمينة جداً، ولكن سأقفز على كل ذلك بسرعة لكي أصل إلى إشكالية عامة تخص الحرية الفكرية في العالم العربي أو بالأحرى انعدام الحرية الفكرية. وأكبر مثال لذلك هو أن «المركز القومي للثقافة العربية» لم يجد سقفاً عربياً واحداً يؤويه فاضطر إلى الهجرة إلى فرنسا. نعم لقد كانت باريس هي أول عاصمة تحتضن المركز القومي للثقافة العربية! ولكن أليست باريس هي عاصمة الثقافة العالمية وليس فقط العربية منذ عصر الأنوار وحتى اليوم؟ حتى نيويورك لا تستطيع أن تنافسها على هذا اللقب. على أي حال المسألة الأساسية ليست هنا فقط. القضية المركزية التي ينبغي أن تشغل اهتمامنا بعد الاطلاع على الكلام الهام للدكتور القباج هي التالية: لماذا كانت الرباط هي العاصمة الثانية للمركز القومي للثقافة العربية وليست القاهرة أو بيروت مثلاً؟ هل يمكن أن يكون النظام الملكي أكثر تقبلاً للحرية الفكرية في العالم العربي من الأنظمة المدعوة جمهورية بل وحداثية؟! هل يمكن أن يتسع صدره لها أكثر من سواه؟ والجواب: نعم يمكن. كل الأنظمة القومجية المؤدلجة ذات الحزب الواحد والجريدة الواحدة فقدت مصداقيتها وتهاوت على عروشها وبقيت الأنظمة الملكية ذات الشرعية التاريخية التي تصعب زعزعتها. هذه حقيقة. كل هذا الصراخ والزعيق والنعيق الغوغائي الديماغوجي الذي هيمن على العالم العربي منذ الخمسينات وحتى الأمد القريب تبخر أو سقط واندثر. في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح. لقد قبل الحسن الثاني أن يستقبلهم بكل حفاوة في القصر الملكي بمراكش ويرحب بهم وبالمركز القومي للثقافة العربية، بل وحاضر فيهم لمدة ثلاثة أرباع الساعة عن «الحرية الفكرية وحرية الصحافة وحرية التعبير داخل المجتمع وعن الاختيارات الديمقراطية». بل وقال لهم هذه العبارة الجميلة: «أنا مرتاح لهذه المبادرة الطيبة التي أعادت الثقة بيني وبين أعلام الفكر في المشرق العربي». هذا الكلام لا يقوله إلا شخص مثقف يعرف معنى الفكر وأعلام الفكر. هذا الكلام الذكي المستنير لا يمكن أن يقوله شخص جاهل كصدام حسين مضاد لكل ثقافة وفكر هذا على فرض أنه يعرف معنى ذلك أصلاً. ولا يمكن أن يقوله شخص جاهل آخر أعمته الآيديولوجيا: عنيت معمر القذافي.
نقول ذلك رغم أن النظام الليبي كان هو ممول هذا المشروع الكبير من خلال الأستاذ عمر الحامدي. هل من قبيل المصادفة أن يكون صدام والقذافي قد انتهيا نهاية مروعة ومتشابهة؟ حتى أولادهما دفعوا الثمن الباهظ. أحياناً أطرح على نفسي هذا السؤال... وحدها الأنظمة الملكية غير المؤدلجة تماماً تستطيع أن تحتضن المركز القومي للثقافة العربية ولكن ليس الأنظمة الثورية القومية الاشتراكية! لماذا تزدهر مراكز الترجمة والبحوث في السعودية والإمارات والبحرين؟ هل من قبيل المصادفة؟ هل كانت ستزدهر لولا وجود نظام ملكي مستقر وحكم رشيد؟ ولهذا السبب كان مقره الثاني هو الرباط بعد باريس. أخيراً عادت مراكز الثقافة العربية إلى بيتها وعرينها. وقد أسهم محمد مصطفى القباج مساهمة فعالة في تحقيق هذا الهدف النبيل والضروري. لنتفق على الأمور هنا: الشيء الذي قتل الثقافة العربية والفكر العربي والحياة العربية ذاتها هو الأدلجة العمياء والشعارات الغوغائية التي هيمنت على المشرق العربي. أما آن الأوان لكي نتنفس الصعداء ولكي تحل الثقافة الإبستمولوجية محل الثقافة الآيديولوجية؟ أما آن الأوان لكي نفهم أن الفكر العلمي الإبستمولوجي الحر هو المنقذ والمحرر والمخلص للعرب والمسلمين ككل. أقصد بالإبستمولوجيا هنا فلسفة العلوم والفكر العميق غير المشروط مسبقاً بمسلمات دوغمائية: أي دينية أصولية أو قومية شوفينية. ما سقط مؤخراً ليس الإسلام ولا العروبة، معاذ الله، بل ما سقط مؤخراً هو الفهم الظلامي المتعصب للإسلام، والفهم الشوفيني العنصري للقومية العربية؛ ولذلك نقول: المستقبل هو للإسلام المستنير العظيم وللقومية العربية ذات النزعة الإنسانية والحضارية. ما معنى قومية عربية تحتقر إخواننا الكرد في المشرق أو إخواننا الأمازيغ في المغرب أو حتى تنفي وجودهم مجرد وجود؟ هل لها مستقبل؟ مستحيل. وما معنى إسلام طائفي تكفيري؟ هل له مستقبل في عصر التسامح والعولمة الكونية؟ مستحيل. لمحت في كتاب الدكتور القباج إشارات عديدة على هذا التوجه الفلسفي الإيجابي ذي النزعة الإنسانية الطيبة والعميقة. هناك صفحات عديدة هامة تنضح بهذا التوجه المعرفي الحر الذي قد يفتح لنا طريق المستقبل؛ ولذلك فإذا ما تأسس المركز القومي للثقافة العربية يوماً ما فسوف يأخذ كل هذه المعطيات والحيثيات - والانهيارات! - والمستجدات بعين الاعتبار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.