«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ

«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ
TT

«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ

«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ

لماذا يظهر الفلاسفة الكبار في التاريخ؟ ولماذا ظهروا في أوروبا ولم يظهروا في العالم العربي أو الإسلامي؟ كان ديكارت أول فيلسوف كبير يظهر في أوروبا إبان القرن السابع عشر، وقد أغلق فلسفة القرون الوسطى كما هو معلوم، ودشّن الفلسفة الحديثة. ثم تلاه تلميذه سبينوزا في أواخر القرن ذاته. وكذلك لايبنتز ومالبرانش صاحب كتاب «البحث عن الحقيقة». ثم في القرن الثامن عشر ظهر فلاسفة الأنوار الكبار: فولتير، وديدرو، وروسو، وكانط، إلخ. ثم في القرن التاسع عشر ظهر فلاسفة كبار أيضاً من أمثال: هيغل، وماركس، وفرويد، ونيتشه، إلخ. وفي القرن العشرين ظهر بعض الكبار أيضاً وعلى رأسهم هيدغر وكارل بوبر وفتغنشتاين، وهابرماس الذي لا يزال حياً حتى الآن بعد أن تجاوز التسعين. والسؤال المطروح هنا هو: لماذا لم يظهر مفكر عربي أو مسلم كبير واحد؟ آخر فيلسوف ظهر كان ابن رشد الذي مات في أواخر القرن الثاني عشر عام 1198. وقد كان فقيهاً لاهوتياً بقدر ما كان فيلسوفاً وربما أكثر. ينتمي إلى الفضاء العقلي للقرون الوسطى وليس الفضاء الذي دشنته الحداثة. وهذا يعني أن الحداثة التنويرية من صُنع فلاسفة الغرب لا الشرق ولا علاقة للعالم العربي بها. على مدار 400 أو 500 سنة كانت أوروبا موطن الفلسفة ومرتعها، وكذلك العلم بالمعنى الفيزيائي الرياضي البيولوجي للكلمة. ولهذا السبب تفوقت أوروبا على العالم الإسلامي وخلّفته وراءها بسنوات ضوئية.
لنتوقف عند بعض المحطات الفلسفية الكبرى وأولها كانط، مؤسس الحداثة الفلسفية بامتياز بعد ديكارت. فكتابه «نقد العقل الخالص» الذي ظهر عام 1781 يقسم تاريخ الفلسفة إلى قسمين؛ ما قبله وما بعده. وعندما ظهر الكتاب لأول مرة كان مليئاً بالمصطلحات العويصة، والغموض، والعسر العسير. ولم تظهر أهمية الكتاب وعظمته إلا بشكل تدريجي. في الواقع إن كانط كان يريد أن يضع حداً لتيارين فلسفيين سائدين في عصره: التيار الدوغمائي الميتافيزيقي ذي اليقينيات القطعية النهائية التي لا تقبل النقاش، والتيار الارتيابي الشكوكي الذي لا يثق بأي شيء. فهذان التياران أثبتا فشلهما بعد أن انخرطا في مناقشات عقيمة حول أسئلة ميتافيزيقية غيبية لا طائل من ورائها. في هذه اللحظة بالذات ظهر كانط لكي يفتح للفلسفة أفقاً جديداً، ولكي يجعلها مفيدة لتقدم الجنس البشري. وهنا تكمن عظمة هذا الفيلسوف وأهميته. فهو يرى أن الشيء الأساسي الذي حصل في عصره هو ازدهار العلم الطبيعي الفيزيائي الرياضي: أي علم نيوتن القائم على التجريب واكتشاف القوانين التي تمسك الكون وبالأخص قانون الجاذبية. وبالتالي فلم نعد قادرين على التفلسف بشكل ميتافيزيقي –أي غيبي ما ورائي- بعد ظهور علم نيوتن. فالفلسفة منذ الآن فصاعداً ينبغي أن تكون تفكيراً حول العلم ونتائجه ومناهجه، وليست تهويماً في فراغات الميتافيزيقا والثرثرات المجانية الفارغة التي لا ترتكز على أي شيء محسوس أو ملموس. وهذا يعني أننا لم نعد قادرين على قول أي شيء كما كان يفعل الخطاب الفلسفي العمومي السابق، وإنما ينبغي أن يتوافق كلام الفلسفة مع كلام العلم الذي هو وحده الموثوق واليقيني والتجريبي. بمعنى آخر، لقد انتهى العهد الذي كنا نقول فيه كل شيء عن اللاشيء، أو اللاشيء عن كل شيء. لقد أحدث كانط (1724 - 1804) ثورة كوبرنيكية في مجال الفلسفة تشبه الثورة التي أحدثها كوبرنيكوس في مجال علم الفلك. فكما أن كوبرنيكوس قال بدوران الأرض حول الشمس وليس العكس، فإن كانط قال بضرورة دوران الفلسفة حول العلم التجريبي وليس العكس. فالعلم الفيزيائي - الرياضي الذي يكتشف قوانين الطبيعة هو أساس المعرفة وهو القادر على استكشاف أسرار الكون.
أما المحطة الكبيرة الثانية في تاريخ الفلسفة فهي بالطبع: هيغل الذي جاء بعد كانط مباشرةً (1770 - 1830)، فهو الذي قال لنا إن الفلسفة تعني القبض على الواقع من خلال الفكر. إنها تعني حل مشكلة الواقع العويصة. ولكن ما علاقة اللاهوت (أو علم الدين) بالفلسفة. وكيف يمكن أن نصالح بينهما؟ كان اللاهوتيون المسيحيون والمسلمون في القرون الوسطى يقولون إن الحقيقة المطلقة للدين تتعارض مع الحقائق المصغَّرة أو اللايقينية للعقل. بل يستسخفون حقائق هذه الحياة الدنيا العابرة والزائلة. كان والدي يقول لي: كل علوم الدنيا لا تساوي قشرة بصلة أمام العلم الإلهي أو علم التوحيد. وبالتالي فلا داعي للسفر إلى باريس والركض وراء الأوهام والضلالات، ناهيك بالحسناوات والغاويات... كان يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها. كل الشيوخ يعتقدون ذلك. ولهذا السبب استسخف شيوخ السلطنة العثمانية، الذين تحكّموا برقابنا طيلة 400 سنة متواصلة، كل العلوم الوضعية الدنيوية التجريبية وعدّوها غير ذات قيمة؛ بل تطاولاً على القدرة الإلهية، ومنعوا ترجمتها ما عدا كتاباً واحداً في الطب لأن السلطان كان مصاباً بمرض جنسي. لماذا الاهتمام بكل هذه السخافات التي تُبعد عن الله؟ ثم استفقنا فجأة على التأخر المريع الذي يفصلنا عن أوروبا. صحِّ النوم!
كما أنه يمكن للفيلسوف أن يستشرف حركة التاريخ في المستقبل، أي إنه يتنبأ بما سيحصل بعد عشرين أو خمسين أو مائة سنة أو حتى أكثر. جان جاك روسو تنبأ باندلاع الثورة الفرنسية قبل اندلاعها بثلاثين سنة على الأقل. والمدهش أنه تنبأ بها بعبارات دقيقة جداً. وكانط تنبأ في كتابه «السلام الدائم بين الأمم» بظهور منظمة الأمم المتحدة قبل ظهورها الفعلي بـ150 سنة على الأقل. كان ذلك على يد تلميذه المعجب به جداً الرئيس الأميركي المحترم وودرو ويلسون. ونيتشه تنبأ بالحروب العالمية في أوروبا قبل اندلاعها بنصف قرن على الأقل في وقت كانت فيه أوروبا مزدهرة جداً ومستقرة ولا شيء ينبئ بأنها ستشهد انفجار الزلازل والبراكين. وهذا يعني أن الفلاسفة الكبار يمتلكون حاسة سادسة ترى ما لا يُرى بالعين المجردة. لهذا السبب يصعب أن يظهر مفكر حقيقي في التاريخ. ليس في كل يوم يظهر فيلسوف كبير! فلتة من فلتات الزمان.
كان هيغل يقول: التاريخ عقلاني بالكامل على الرغم من المظاهر الخادعة التي تقول العكس، وكل الظواهر اللاعقلانية الهائجة والتجليات الفوضوية والأحداث الإجرامية التي قد تحدث فيه. حتى «داعش» كان هيغل قادراً على تفسيرها عقلانياً! عندما طرحت عليه السؤال شخصياً قال لي بالحرف الواحد: «داعش» سوف تسرع من حركة التاريخ عندكم. «داعش» قدمت أكبر خدمة للتنوير العربي الإسلامي دون أن تدري ودون أن تريد بالطبع. الظلمات الداعشية والوحشيات الداعشية والمجازر الداعشية سوف تُحدث رد فعل عكسياً هائلاً يؤدي إلى استئصال «داعش» وأخواتها جميعاً. بل ليس فقط استئصال «داعش» وإنما استئصال كل الفكر الأصولي الظلامي المهيمن عليكم منذ ألف سنة تقريباً والذي أدى إليها وفرَّخها. ثم أردف قائلاً هذه الكلمات الجوهرية: أعلم أنه لا يمكن تجاوز الفهم الظلامي للدين قبل المرور به والاحتراق بحر ناره. هذا ما حصل عندنا في أوروبا أيضاً. وهذا ما هو حاصل عندكم الآن مع اللحظة الداعشية. وبالتالي فـ«داعش» تمثل أكبر حظ للفكر العربي. «داعش» قدمت لكم أكبر خدمة أيها العرب دون أن تدروا، فلولا فظائعها غير المسبوقة لما استطعتم أن تطرحوا سؤالاً واحداً على تراثكم الديني. ولما استطاع التنوير العربي أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. وهذا ما دعوته بمصطلح شهير دوَّخ العقول: مكر العقل في التاريخ! ولكنه مكر من أجل الخير لا من أجل الشر.
نقطة أخيرة: الفلاسفة الكبار من وزن ديكارت أو روسو أو كانط أو هيغل أو نيتشه، إلخ، هم عبارة عن ظهورات في التاريخ. ولذلك فهم نادرون جداً ويعدّون على أصابع اليد الواحدة في كل قرن أو قرنين. وما إن يظهر الفيلسوف الكبير حتى يشعر الناس بأن شيئاً ما قد حصل، الأفق المسدود قد انفتح، وعقدة التاريخ قد حُلّت، وأساريره قد انفرجت. وهكذا يتنفس التاريخ الصعداء بعد طول تأزم واحتقان. فمثلاً الألمان عندما ظهر كانط بين ظهرانيهم شعروا بذلك وهدأ روعهم واطمأنوا. عرفوا أنهم وصلوا إلى الحقيقة الغائبة والمنهج الفلسفي الرصين المؤدي إلى درب الخلاص. ما عادوا خائفين على مستقبلهم. وقُلْ الأمر ذاته عن ديكارت عند الفرنسيين الذي قدم لهم الكتاب المنقذ: «مقال في المنهج». إنه بطل حقيقي أنقذ ليس فقط فرنسا وإنما كل أوروبا. نفس الشيء يمكن أن يقال عن هيغل. وأما العرب فلا ظهورات ولا من يحزنون... لا يوجد مفكر واحد قادر على أن يفهم ما الذي يحصل الآن بالضبط: أي في عمق العمق. كلنا نلفّ على أنفسنا وندور في حلقة مفرغة تائهة. لولا هيغل لما فهمنا شيئاً. كلنا نتخبط في عصر هائج مائج... وذلك لأنه تنقصنا شخصيات فكرية لا أقول في حجم ديكارت أو جان جاك روسو أو كانط أو هيغل أو نيتشه، إلخ، فهذا مستحيل، وإنما في حجم تلامذتهم أو على الأقل تلامذة تلامذتهم!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)

أسدل «مهرجان الجونة السينمائي» الستار على دورته التاسعة (15 - 23 أكتوبر / تشرين الأول 2026)، التي شهدت حضوراً كبيراً من نجوم السينما المصرية والعربية وصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم، فيما لُوحظ غياب نجوم السينما العالمية الذين اعتاد المهرجان استضافتهم وتكريم أحدهم بجائزة «إنجاز العمر»، كما في دوراته السابقة، على غرار فورست ويتكر، وسيلفستر ستالون، إلى جانب الاحتفاء بالممثلة كيت بلانشيت.

وأكّد ذلك مدير المهرجان عمرو منسي، في كلمته خلال حفل الختام، إذ قال: «إننا لن ندفع أموالاً لجلب نجوم من الخارج، لا سيما بعدما رسّخ المهرجان حضوره». وأشار إلى أنه لمس تسابق الجمهور إلى مشاهدة الأفلام، بدلاً من حضور الحفلات، وهو ما يستهدفه المهرجان منذ دورته الأولى، وفق قوله.

وفي دورة غاب عنها مؤسِّس المهرجان رجل الأعمال نجيب ساويرس، تمهيداً للدفع نحو استقلال المهرجان وتولّي جيل جديد من العائلة قيادته بعد دورته العاشرة، قال شقيقه مؤسِّس مدينة الجونة سميح ساويرس، خلال حفل الختام: «إن المهرجان يبدو مثل طفل شبّ ولم يعد بحاجة إلى رعاية أبوية، والعام المقبل سنحتفل بالدورة العاشرة، وهو ما يثبت أنّ أنفاسنا طويلة، ولا نحبّ المشروعات سريعة النجاح».

محمد حماد وفريق «خروج آمن» الفائز بذهبية «الجونة» لأفضل فيلم روائي طويل (إدارة المهرجان)

وإلى جانب احتفائه بالتجارب السينمائية المُلهمة التي ينفرد بعرضها، والفعاليات التي تثير نقاشاً وتفاعلاً بين صنّاع الأفلام العرب والأجانب، يعزّز المهرجان حضوره على مدى دوراته بدعم صنّاع الأفلام العرب عبر منصة «سيني جونة»، التي بلغت قيمة جوائزها لمشروعات الأفلام العربية في مرحلتَي «التطوير وما بعد الإنتاج» نحو 350 ألف دولار أميركي، استفاد منها 16 مشروعاً هذا العام من مختلف الدول العربية.

وشهدت الدورة التاسعة عرض نحو 77 فيلماً من مختلف دول العالم، من بينها 13 فيلماً في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و10 أفلام في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، و19 فيلماً في مسابقة الأفلام القصيرة. وكشفت مسابقة الأفلام الروائية عن استقطاب المهرجان أفلاماً تتّسم بتنوّع لافت، تتقاطع فيها أسئلة الحرب والمنفى والعزلة والعنف الاجتماعي.

وتتجاوز مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة تسجيل الوقائع إلى طرح أسئلة عمّن يملك حق رواية الحكاية، وكيف تتحوّل الكاميرا إلى أداة لمواجهة النسيان وتوثيق الوقائع.

المخرج رشيد مشهراوي يتسلّم جائزتَي فيلم «المواطن أسامة» (إدارة المهرجان)

ويصف الناقد العراقي كاظم السلوم، الذي شارك في لجنة تحكيم جائزة «نيتباك» للأفلام الآسيوية، أفلام هذه الدورة بأنها «جيدة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه ليس من السهل على أيّ مهرجان أن يُقام بهذه الجودة منذ دورته الأولى عام 2017. وأشار إلى أنّ أفلاماً بعينها لفتت نظره، منها الفيلم اللبناني «البارح العين ما نامت»، الذي يتناول قهر النساء في المجتمعات الذكورية، والفيلم الهندي «دمية العجل»، الذي يتناول معاناة المهمّشين في الهند.

ويلفت السلوم إلى تنوّع الأفلام في المسابقتين الوثائقية والروائية، وعروض الأفلام القصيرة، ومن بينها الفيلم السعودي «ولد الحجية»، الذي يعتمد على فكرة بسيطة تتناول مدى ارتباط الأطفال بجدّاتهم، مشيداً بتركيز المهرجان على الأفلام وحُسن تنظيم عروضه.

وتتجلّى خصوصية مسابقة الأفلام القصيرة في تنوّع جغرافي وفنّي يضع الحكايات المحلّية ضمن أسئلة إنسانية أكثر رحابة. ويلفت الناقد المصري عصام زكريا إلى أنّ «تقييم الأفلام مسألة نسبية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنّ «دورة الجونة التاسعة قدَّمت مجموعة من الأفلام الجيدة، من بينها أعمال حازت جوائز دولية كبرى». وأشار إلى أنّ المسابقة شهدت أعمالاً روائية متميّزة، مثل «أرض الآباء» و«روز»، إلى جانب أفلام عربية جديدة، منها «البارح العين ما نامت» و«حليمة» و«خروج آمن»، وكذلك الفيلم الوثائقي الياباني «فجأة»، الذي يمتدّ لساعات من دون أن يثير الملل، وفق قوله.

ويرى زكريا أنه «من ناحية الأضواء والبريق واللوجستيات، قد لا تكون هذه الدورة مثل السابقة، لكن من ناحية الأفلام، هناك مجموعة من الأفلام المتميزة والمهمّة».

وحقّقت السينما العربية حضوراً لافتاً في جوائز مسابقات المهرجان الثلاث. ففي مسابقة الأفلام الروائية، فاز الفيلم المصري «خروج آمن»، للمخرج محمد حماد، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وفازت الفنانة الأردنية ركين سعد بجائزة «أفضل ممثلة» عن فيلم «بومة». وحصد الفيلم اللبناني «البارحة العين ما نامت»، للمخرج ركان مياسي، جائزة أفضل فيلم عربي طويل، فيما حاز فيلم «كلّ العشاق في الليل»، للمخرجة يوكيكو سودي، «نجمة الجونة الفضية».

بينما فاز الفيلم الإيراني «قليل من النور»، للمخرج علي أصغري، بـ«نجمة الجونة البرونزية»، وحاز الممثل جوفان جينيك جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم الصربي «بعد ثلاثة أسابيع»، فيما حصل الفيلم المغربي «حليمة» على تنويه خاص.

الفنانة الأردنية ركين سعد تحصد جائزة «أفضل ممثلة» عن دورها في فيلم «بومة» (إدارة المهرجان)

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، فاز الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، للمخرج أحمد حسونة، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي، كما حصد جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي. وتسلّم الجائزتين منتج الفيلم، المخرج رشيد مشهراوي، الذي أهداهما إلى الصحافيين الفلسطينيين الذين استهدفتهم قوات الاحتلال، والبالغ عددهم 250 صحافياً. في حين حاز فيلم «همسات في مايو» من هونغ كونغ الجائزة الفضية، والفيلم الإيطالي «حرب على النساء» الجائزة البرونزية.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، حاز فيلم «ذكريات مسروقة»، وهو إنتاج نرويجي سويدي مشترك، جائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وحصل فيلم «لا أحد يعرف العالم» من بيرو على الجائزة الفضية، فيما حاز الفيلم المصري «الخبيث»، للمخرج جاد شاهين، الجائزة البرونزية. وفاز الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد»، للمخرجة ماري روز أسطا، بجائزة أفضل فيلم عربي قصير، فيما نال فيلم «كنتاكي غزة»، للفلسطيني عمر رمال، تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم.

وإذا كان حفل افتتاح الدورة التاسعة قد غابت عنه البهجة، فقد عوَّضها حفل الختام، الذي قدّم تحية إلى الموسيقار الراحل هاني شنودة، غنَّت خلالها منى عزيز، مطربة فرقة «المصريين»، أغنية «ماشية السنيورة». كما قُدّمت أغنية جماعية مصوّرة بعنوان «سيدي يا سيدي»، بمشاركة المطرب محمد الشرنوبي وياسمين العبد وجميع نجوم الجونة.


موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
TT

موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)

من المقرر أن يشهد الموسم الدرامي الرمضاني المقبل «تجمعات فنية» كانت بعيدة عن توقعات الجمهور الذين عاصروا أحداث «التلاسن والتراشق» الإعلاميين بين أبطال أبرزهم ياسمين صبري ومحمد سامي من ناحية، وباسم سمرة ومحمد رمضان من ناحية أخرى.

ومن عبارة محمد سامي الشهيرة لياسمين صبري «إن شاء الله ما عجبك» بعد انتقادها نهاية مسلسل «الأسطورة»، الذي شهد اجتماعهما قبل 10 سنوات، وإعلانها عدم العمل معه مجدداً مهما كان حجم المشروع الفني وقيمته؛ يبدو أن موسم دراما رمضان المقبل سيكون فرصة لـ«سد الفجوات» وإنهاء الخصام، بعد إعلان مشاركة ياسمين في مسلسل «تمكين» من إخراج محمد سامي.

ومن سخرية لاذعة وسجال على الهواء، بعد انتشار مقطع فيديو للفنان باسم سمرة وهو يدفع محمد رمضان في إحدى المناسبات الشعبية، وتعليق رمضان على الواقعة بأن سمرة «لم يكن في وعيه»، ورد باسم سمرة بدعوة محمد رمضان إلى الوقوف أمامه في فيلم روائي قصير ويكون الحكم للجمهور حينها على أدائهما؛ قلب إعلان مشاركتهما في مسلسل «عشماوي» كل الموازين، وعاد خصما الأمس ليجتمعا في عمل واحد، وتحول الخلاف الذي كان حديث «السوشيال ميديا» إلى تعاون فني مرتقب.

لم تقتصر «القطيعة الفنية» على الممثلين فقط، لكنها طالت التعاون الإنتاجي بعد انتشار أخبار تفيد بوجود مشكلات إنتاجية بين محمد رمضان والمنتج صادق الصباح بعد تقديمهما مسلسل «ابن حلال» قبل 12 عاماً، الذي حقق حينها نجاحاً لافتاً، وكان بداية الانطلاقة والبطولة الدرامية لـرمضان، لكن التعاون لم يتكرر بعكس التوقعات، حتى جاء «عشماوي» ليفتح صفحة إنتاجية جديدة.

محمد رمضان وباسم سمرة في «عشماوي» (حساب باسم سمرة على «فيسبوك«)

وفي السياق، تعود الفنانة غادة عبد الرازق إلى العمل مع المنتج ممدوح شاهين في مسلسلَين خلال رمضان، هما «روح وجسد» و«خيوط من ذهب»، رغم ظهوره الإعلامي أخيراً، ووصفها بأنها «مزعجة».

وتتنوع خلافات الفنانين عادة بين أولوية تصدّر «الملصقات الترويجية»، و«ترتيب الأسماء»، وعدم الالتزام بمواعيد التصوير، و«قيمة الأجر»، و«قص المشاهد»، وغيرها من «المناوشات الفنية».

وأجمع نقاد، خلال حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، على أن تنحية الخلافات جانباً والتعاون الفني مجدداً بعد خصام أمران طبيعيان، ويندرجان تحت بند «المصالح تتصالح»، إذ أكد الناقد الفني عماد يسري أن «الخلافات الفنية موجودة في الوسط منذ سنوات طويلة وبأشكال مختلفة، وتنحيتها جانباً يمكن أن ينتج دراما جماهيرية، وإضافة لأطراف عدة بالعمل، وإعادة اكتشاف لموهبة ربما لن تظهر إلا بوجودهما معاً».

بدوره، يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن «الخلافات جزء حميم من الحياة الفنية، ولا يمكن فصلها في ظل التنافس والدائرة المشتركة التي تؤدي إلى وجود مشكلات وصراعات»، مضيفاً: «لدينا مثل شهير ينطبق على مجالات عدة، وهو أن (المصالح تتصالح)».

ومن أشهر الخلافات الفنية المعلنة في الوسطَين الفني والإعلامي كان خلاف عادل إمام ونور الشريف مع نادية الجندي، فالأول شاركها بطولة فيلم «خمسة باب»، ولم يكرر التعاون مجدداً رغم مشوارهما السينمائي الطويل، بسبب حديث عن خلافات في كواليس التصوير، وتناول أسباب «منع الفيلم» حينها من العرض، أما خلافها مع نور الشريف الذي دفعه إلى عدم التعاون معها مطلقاً طوال مسيرته فكان بسبب استبعاده من المشاركة في أحد أفلامها بعد تحضيراته، بحجة أنه لا يليق بالشخصية، إلى جانب الخلاف الشهير بين عبد الوهاب وأم كلثوم، والعودة إلى العمل معاً.

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية الدكتورة آمال عثمان «أن الوسط الفني شهد خلافات كثيرة وصلت إلى حد التراشق والتلاسن في العلن وفي الكواليس»، مضيفة: «شاهدنا طي صفحات كثيرة من الخصام، فالمبادئ تتغير أحياناً، وهذا لا يعيب ولا يقلل من قدر أحد». وتابعت: «هناك فارق بين الخصومة الشخصية والخصومة الفنية، والأخيرة يمكن إنهاؤها وزوالها سريعاً ما دام العمل الذي يمكن أن يجمعهما موجوداً».


توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
TT

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)

بعد غياب 14 عاماً عن المسرح يعود النجم الأميركي توم هانكس إلى مسارح برودواي بمسرحية من تأليفه تحمل عنوان «عالم الغد». ووفقاً لتقرير موقع «ديدلاين»، سيتعاون هانكس مع كيلي أوهارا، وهي ممثلة مخضرمة في برودواي، وحائزة على جائزة توني عام 2015 عن إعادة تقديمها لمسرحية «The King and I» في المسرحية التي ستُعرض على مسارح برودواي في خريف عام 2027.

يعود الثنائي إلى المسرح معاً بعد نجاح عرض المسرحية خارج برودواي في مسرح «ذا شيد» بنيويورك عام 2025. شارك هانكس في كتابة المسرحية مع جيمس غلوسمان، وسيتولى الإخراج كيني ليون، الحائز على جائزة توني عن إحياء مسرحية «A Raisin in the Sun» عام 2014.

توم هانكس كيلي أوهارا في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (مسرح شيد)

تدور أحداث «عالم الغد» حول بيرت ألينبيري، رجل يعيش في أواخر القرن الحادي والعشرين، يسافر عبر الزمن ليعود إلى يوم واحد في معرض نيويورك العالمي عام 1939 في كوينز، على أمل تغيير مستقبله. ومن خلال هذه الرحلات المتكررة، يكتشف بيرت كيف يمكن لخيارات الناس في الحب أن تُشكّل حياتهم وتفتح أمامهم أبواباً لفرص جديدة.

تستوحي المسرحية أحداثها من قصص قصيرة من مجموعة هانكس القصصية «Uncommon Type» الصادرة عام 2017. يؤدي هانكس دور بيرت، بينما تجسد أوهارا شخصية كارمن، المرأة التي يلتقيها خلال رحلاته.

وفي بيان له، قال المخرج كيني ليون: «أنا متحمس للغاية لمواصلة العمل على هذه المسرحية الأميركية الجديدة الرائعة. لا يوجد وقت أفضل من الآن لاستكشاف قصة الحب والسفر عبر الزمن هذه من غلوسمان وهانكس. أكثر ما أتطلع إليه هو أن يحظى المزيد من الجمهور بفرصة مشاهدة التناغم الرائع بين كيلي أوهارا وتوم هانكس على خشبة المسرح»، كما رحب المنتج برايان أنتوني مورلاند بانتقال المسرحية إلى برودواي، واصفاً تقديمها لجمهور أوسع بأنه شرف كبير، ومسلطاً الضوء على رسالتها عن الحب عبر الزمن.

وفي حديثه مع مجلة «بلايبيل» خلال عرض المسرحية العام الماضي، ناقش هانكس محاورها الرئيسية عندما سُئل عن معناها قائلاً: «لو لم يذهبا إلى المعرض العالمي عام 1939، لما التقيا بحب حياتهما. وأقول لكم الآن، حتى أنتم تمرون بلحظات كهذه في حياتكم. هذا هو جوهر دراسة التاريخ. لطالما أذهلني ذلك الجانب الغريب من السلوك البشري الذي يقول: لا تحدث الأشياء إلا عندما تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، ولا تدري إن كنت في المكان المناسب أو إن كان الوقت مناسباً للوجود هناك - فالتاريخ هو الذي يقرر ذلك نيابةً عنك. وأعتقد أن هذا أمرٌ رائع».

كان آخر ظهور لهانكس على مسارح برودواي في مسرحية «Lucky Guy»، حيث رُشِّح لجائزة توني عن أدائه فيها. سيشهد إنتاجه القادم أول ظهور له على مسارح برودواي منذ أكثر من 14 عاماً. كما أنه سيؤدي دور أبراهام لينكولن في مسرحية «لينكولن في الباردو»، وهي عمل يجمع بين التمثيل الحي وتقنية إيقاف الحركة، مقتبس من رواية جورج سوندرز.