«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

فاليري جيسكار ديستان «بخيل» أحب النساء وصيد الحيوانات الكاسرة

الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)

في عام 2009، نشر الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، كتاباً بعنوان «الرئيس والأميرة» يروي فيه قصة علاقة حب جمعت بين رئيس فرنسي وأميرة بريطانية. والكتاب أحدث ضجة لا مثيل، خصوصاً في الجانب البريطاني، حيث إن ما جاء في كتاب جيسكار عن الأميرة البريطانية يؤشر وبشكل واضح إلى أن المعنية بالقصة ليست سوى الأميرة ديانا سبنسر، زوجة الأمير تشارلز.
في رواية الرئيس الأسبق، اسم الأميرة باتريسيا دو كارديف والرئيس الفرنسي هنري لامبرتي. ويتحدث الراوي عن لقاء الأميرة والرئيس بمناسبة عشاء رسمي جرى في قصر باكنغهام، بمناسبة قمة السبع في عام 1975 «التي تصادف الفترة التي كان فيها جيسكار رئيساً للجمهورية الفرنسية»، وتتوالى اللقاءات في القصور الرسمية من الجانبين، الملكية في بريطانيا والرئاسية في فرنسا.

                                                            خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (غيتي)
ومنذ الصفحات الأولى، يوحي جيسكار بأنه، من جهة، بطل الرواية، وأن المقصود من الجهة الثانية الأميرة ديانا التي لم تكن في ذلك التاريخ قد انفصلت عن زوجها، إذ إن طلاقهما قد حصل في شهر أغسطس (آب) من عام 1992، وما زاد من حيرة المتابعين أن المؤلف أشار إلى أن الرواية «إيفاء لوعد» مقطوع، ولكن من غير أن يفصل طبيعته ومناسبته. وكان التساؤل من على جانبي بحر المانش: هل وجدت، حقيقة، علاقة حب بين الأميرة الشابة والرئيس الأرستقراطي؟ وخلال أيام عديدة، التزم جيسكار الصمت. إلا أنه أخيراً، فاح بالمكنون بقوله إن الرواية من نسج الخيال، ولكن الأماكن التي جاء على وصفها حقيقية.
وأوضح في مقابلة مع مجلة «لو بوان»: «إنها رواية وشخصيتها الرئيسية الأميرة ديانا، وحاولت إحياءها كما رأيتها عند لقائي بها. لكنني التقيتها قليلاً، وكانت ترغب بأن تتحدث وتتواصل، ولذا أردت من روايتي أن تكون تكريماً لها». وأضاف جيسكار أنه التزم إزاءها بأن يروي قصص حب بين قادة ومسؤولي كبار الدول. هل كان صادقاً، أم اختلق القصة من البداية حتى النهاية، بحثاً، ليس عن الشهرة التي لم يكن يحتاج إليها، بل عن العودة إلى دائرة الضوء من غير باب السياسة بل الأدب. وكانت رواية «الرئيس والأميرة»، وهي الثانية التي ينشرها، طريقه إليها.
ومأساة جيسكار أنه فشل في الفوز بولاية رئاسية ثانية في عام 1981، وكان لا يزال شاباً وأراد ألا يترك السياسة. لذا، خاض الانتخابات النيابية في الدائرة التي مثلها في بداية شبابه، وانخرط في العمل السياسي المحلي، وجرب الأدب. ولأنه لعب دوراً مهماً مع المستشار الألماني هلموت شميت في دفع الاتحاد الأوروبي إلى الأمام، وإطلاق مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى، فقد بقي مرجعاً. إلا أن ذلك لم يكن يكفيه لفرط ديناميته ورغبته في العمل.

                                                                       الرئيس فاليري جيسكار ديستان
هكذا كان جيسكار ديستان، الذي خصص له فرانز أوزليفيه جيزبير، العديد من صفحات كتابه «الزمن الجميل». جيزبير رأى فيه الرجل الأرستقراطي، المفرط في الذكاء. ونقل عن رسالة وجهها الجنرال ديغول الذي عين جيسكار وزيراً للمالية في حكومات عديدة، إلى ابنه الأميرال فيليب جاء فيها: «جيسكار يتخطى الجميع بأشواط. لكن عيبه أنه يظهر ذلك. والحال أنه عندما تكون لنا مثل هذه الهامة، علينا أن نوهم الناس دوماً بأنهم يتمتعون بالدرجة نفسها من الذكاء». الذكاء لم يكن عيب جيسكار الذي بفضل ذكائه كان أصغر سياسي وصل إلى البرلمان وإلى الوزارة وإلى رئاسة الجمهورية «باستثناء الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون».
بيد أن عيب جيسكار أنه كان بالغ البخل. وفي هذا الخصوص يقول جيزبير: «جيسكار كان ممسك اليد حتى عندما شغل أعلى المناصب، بما في ذلك قصر الإليزيه. الأمر الذي كان موضع تندر عند معاونيه. نادراً ما امتدت يده إلى جيبه إلا عندما كان الأمر يتعلق بشغفه بالصيد. عندها تسقط كافة الحسابات». ويسرد جيزبير أن الطبق اليومي للعائلة في القصر الذي كانت تسكنه أسرة جيسكار، كان الحساء الذي يصنع مما تنتجه مزرعة الخضار التابعة للقصر. والحال أن جيسكار ولد وفي فمه ملعقة من الفضة. ويسرد جيزبير تمسك جيسكار بإبراز أصله النبيل، وكيف أنه، من بين كافة رؤساء الجمهورية الخامسة، وحده يتحدر من عائلة أرستقراطية، لا بل تجري في عروقه دماء ملكية من خلال أدلاييد دو سان جيرمان، الابنة غير الشرعية للملك لويس الخامس عشر ولعشيقته كاترين ليونور بينارد.

                                                   ديستان مع الأميرة الراحلة دايانا في العام 1994 (غيتي)
ولا ينسى الكاتب أن يذكر أن والده أدمون جيسكار نجح في عام 1922 أن يضيف إلى اسم عائلته اسم «ديستان» للتأكيد على نسبه الأرستقراطي. وكيف أنه بالتعاون مع أخيه أوليفيه، وابن عمه فيليب، اشتروا «قصر ديستان» القائم في منطقة أفيرون جنوب غربي فرنسا، وقد سكنه في القرن الثالث عشر تريستان ديستان، الذي أنقذ الملك فيليب أوغوست من الموت، في معركة «بوفين» بين الفرنسيين، وقوات مشتركة ألمانية وإنجليزية وهولندية.
ومن أجداد جيسكار، شارل هنري ديستان الذي شارك إلى جانب لافاييت، في حرب استقلال الولايات المتحدة الأميركية عن الإمبراطورية البريطانية، ورقي إلى مرتبة أميرال في البحرية الفرنسية، قبل أن يقاد إلى المقصلة بعد الثورة الفرنسية.
وكما أن جيسكار أرستقراطي النسب، كذلك زوجته أنيمون سوفاج دو برانت، ابنة أرستقراطيين يحملان كلاهما لقب «كونت» و«كونتيس»، وهي التوصيفات الموروثة من العهد الملكي. تعرف إليها جيسكار، وكانت في سن الـ18 عاماً. وسريعاً تزوجا وعاشا معاً طيلة 68 عاماً، برغم الشائعات التي سرت عن مغامرات الرئيس خارج بيت الزوجية، بما في ذلك خلال إقامته في قصر الإليزيه.

                                                          ديستان مع الزعيم السوفياتي ليونيد برجنيف (غيتي)
وعام انتخابه رئيساً، نشرت صحيفة «لو كنار أونشينيه» الأسبوعية الساخرة خبراً مفاده أن جيسكار، بعد فترة قصيرة من انتخابه، حصل له حادث سير صباحي في باريس عندما كان يقود سيارة فيراري يملكها المخرج السينمائي روجيه فاديم، الذي جعل من بريجيت باردو بطلة لأفلامه. والمفاجأة أن جيسكار لم يكن وحده، إذ كانت إلى جانبه امرأة قيل وقتها إنها الممثلة مارلين جوبير، ليتبين لاحقاً أنها كاترين شنيدر، ابنة عم زوجته أنيمون. وتفيد معلومات أخرى بأن جيسكار ارتبط بعلاقة مع الممثلة الهولندية سيلفيا كريستيل، بطلة أفلام «إيمانويل» الجنسية التي انتشرت على نطاق واسع في سبعينات القرن الماضي.
وبعد أن منع الفيلم الأول من العرض في الصالات الفرنسية، سمح به لاحقاً بعد تدخل عالي المستوى، والأرجح من جانب جيسكار. كذلك، فإن الصحافي الفرنسي نيكولا بوانكاريه، كشف في عام 2011 أن جان بيديل بوكاسا، إمبراطور أفريقيا الوسطى، أخبره أن جيسكار «سرق منه زوجته الإمبراطورة كاترين».
ثمة من ربط بين هذه الحادثة، وبين الهدية التي قدمها بوكاسا لزوجة جيسكار، وهي عبارة عن قرط من الماس الذي كان أحد أسباب فشله، في الفوز بولاية رئاسية ثانية، إذ كان على جيسكار أن يودعه المحفوظات الوطنية، لا أن تحتفظ به زوجته، الأمر الذي أخذ عليه ولم ينجح في تبديد الإزعاج الذي سببه لدى الرأي العام الفرنسي. ويشير جيزبير إلى العلاقة بين جيسكار وبوكاسا من جانب أن الأول كان يرتاد أدغال أفريقيا الوسطى للصيد، الذي كان مولعاً به إلى حد كبير، خصوصاً صيد الحيوانات الكاسرة. ومن «مآثره» أن زعيم الحزب الشيوعي، ورئيس الدولة السوفياتية ليونيد بريجنيف، قدم لجيسكار هدية استثنائية، وهي السماح له بالذهاب إلى سيبيريا لاصطياد «النمر السيبيري»، برغم أن فصيلته كانت على وشك الانقراض. ويكشف الكاتب أن الطائرة السوفياتية التي حملت جيسكار، حملت أيضاً نمرين من هذه الفصيلة، أخرجا من إحدى حدائق الحيوانات، وأطلقا في السهوب السيبيرية ليكونا الفريسة التي يسعى وراءها جيسكار، وزير المالية الفرنسي وقتها.

                                            ... مع المستشار الألماني هيلموت شميت والرئيس الأميركي جيرالد فورد (غيتي)
ينقل جيزبير فقرة من كتاب الصحافي الفرنسي جان كو «بعضاً من الذكريات»، حيث يتحدث عن جيسكار كالتالي: «كان جيسكار كاملاً. لم ألتق في حياتي رجلاً بنظافته في كل شيء: يداه، أظافره، قمصانه، رأسه، أذناه، ذقنه. كان استثنائياً في كل شيء». ولا غرو في ذلك. إذ إن جيسكار ارتاد أفضل المعاهد والجامعات الفرنسية. وورث عن أهله اسماً وقصراً وعريناً انتخابياً. كان محدثاً ومطوراً في كل شيء، بما في ذلك إقرار حق الإجهاض للنساء منذ سبعينات القرن الماضي، فيما هذه المسألة تحدث انقساماً عامودياً داخل المجتمع الأميركي بين مؤيد ومعارض.
وزمن الحرب العالمية الثانية، انخرط جيسكار في المقاومة، بعكس سلفه الرئيس جورج بومبيدو. وشارك في تحرير العاصمة باريس من الاحتلال النازي، ثم انتمى إلى «الجيش الأول» الذي كان يقوده الجنرال دو لاتر دو تاسيني، وخرج منه برتبة «بريغادير» مع تنويه رسمي بهدوئه وشجاعته.
لا تنم كتابة جيزبير عن حب لشخص جيسكار، كما حاله مع ميتران وشيراك، بل عن إعجاب. يقول عنه: «جيسكار كان يتفوق على الجميع. كان قادراً على إلقاء خطاب حول أي موضوع مهما كان معقداً. كان مفرط الذكاء، ولكن رغم ذكائه، لم يكن يعرف كيفية التعامل مع الناس العاديين... كان معجباً بالجنرال ديغول إلى درجة أنه سعى أحياناً إلى تقليده. بهرته ممارسة ديغول السلطة الانفرادية التي انتقدها في عام 1967 بعد عام من خروجه من الحكومة، لكنه لم يتردد في الاقتداء بها...». وبعد أن أصبح رئيساً، ولإبراز كم أنه رجل حديث وديمقراطي وراغب في الاطلاع على أوضاع مواطنيه، ارتأى أن يقبل وزوجته دعوة إلى العشاء عند مواطنين عاديين. ومرات أخرى، كان يدعو إلى قصر الإليزيه عمال نظافة لتناول الفطور معه ومع زوجته، وذلك كله لمحو صورة الأرستقراطي التي جعلت منه موضوع سخرية وتندر. كذلك ابتدع وسيلة أخرى للتواصل، وهي حديث أسبوعي متلفز إلى الفرنسيين حول كافة المواضيع ومن دون حواجز.
أراد جيسكار نفض الغبار، وإيقاظ فرنسا وتحديثها، وإدخال العديد من الإصلاحات إليها. فهم قبل غيره أهمية المعلوماتية والثورة الرقمية، وسعى لأن تكون لفرنسا استقلاليتها في هذا المجال. ويؤكد جيزبير أن جيسكار أراد الاقتداء بما قام به ديغول، وأن يسرع الإصلاحات التي رآها ضرورية لبلاده. كما أراد خصوصاً أن يحدث «ثورة اجتماعية»، وأن يكون «رئيساً عصرياً». هو من أدخل إلى القانون الفرنسي، الطلاق التوافقي. وحق الإجهاض للنساء. وحرر المرأة من وصاية الرجل وهيمنته عليها وفق منطوق القوانين السابقة. ويشدد جيزبير على أن جيسكار كان «سباقاً، فتح كافة الأبواب واقتبس الأفكار الجيدة والمفيدة من أي جهة أتت».
كان جيسكار يعتقد أن إعادة انتخابه لولاية ثانية من سبع سنوات، أمر «طبيعي». لكن صدمة حياته أن فرنسوا ميتران هزمه في عام 1981، منتقماً بذلك من الهزيمة التي ألحقها به جيسكار في عام 1974، وما زال الفرنسيون يتذكرون خروجه المسرحي من قصر الإليزيه مشياً على الأقدام، منفرداً، وتحت قدميه السجادة الحمراء، وصفان من الحرس الجمهوري. وكيف سار في شارع فوبورغ سان هونوريه وسط تصفيق الجمهور. وفي المساء السابق، توجه إلى الفرنسيين بكلمة متلفزة قائلاً لهم: «إلى اللقاء»، فيما الكاميرا تركز على المقعد الرئاسي الفارغ.

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران
 


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.