«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

فاليري جيسكار ديستان «بخيل» أحب النساء وصيد الحيوانات الكاسرة

الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)

في عام 2009، نشر الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، كتاباً بعنوان «الرئيس والأميرة» يروي فيه قصة علاقة حب جمعت بين رئيس فرنسي وأميرة بريطانية. والكتاب أحدث ضجة لا مثيل، خصوصاً في الجانب البريطاني، حيث إن ما جاء في كتاب جيسكار عن الأميرة البريطانية يؤشر وبشكل واضح إلى أن المعنية بالقصة ليست سوى الأميرة ديانا سبنسر، زوجة الأمير تشارلز.
في رواية الرئيس الأسبق، اسم الأميرة باتريسيا دو كارديف والرئيس الفرنسي هنري لامبرتي. ويتحدث الراوي عن لقاء الأميرة والرئيس بمناسبة عشاء رسمي جرى في قصر باكنغهام، بمناسبة قمة السبع في عام 1975 «التي تصادف الفترة التي كان فيها جيسكار رئيساً للجمهورية الفرنسية»، وتتوالى اللقاءات في القصور الرسمية من الجانبين، الملكية في بريطانيا والرئاسية في فرنسا.

                                                            خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (غيتي)
ومنذ الصفحات الأولى، يوحي جيسكار بأنه، من جهة، بطل الرواية، وأن المقصود من الجهة الثانية الأميرة ديانا التي لم تكن في ذلك التاريخ قد انفصلت عن زوجها، إذ إن طلاقهما قد حصل في شهر أغسطس (آب) من عام 1992، وما زاد من حيرة المتابعين أن المؤلف أشار إلى أن الرواية «إيفاء لوعد» مقطوع، ولكن من غير أن يفصل طبيعته ومناسبته. وكان التساؤل من على جانبي بحر المانش: هل وجدت، حقيقة، علاقة حب بين الأميرة الشابة والرئيس الأرستقراطي؟ وخلال أيام عديدة، التزم جيسكار الصمت. إلا أنه أخيراً، فاح بالمكنون بقوله إن الرواية من نسج الخيال، ولكن الأماكن التي جاء على وصفها حقيقية.
وأوضح في مقابلة مع مجلة «لو بوان»: «إنها رواية وشخصيتها الرئيسية الأميرة ديانا، وحاولت إحياءها كما رأيتها عند لقائي بها. لكنني التقيتها قليلاً، وكانت ترغب بأن تتحدث وتتواصل، ولذا أردت من روايتي أن تكون تكريماً لها». وأضاف جيسكار أنه التزم إزاءها بأن يروي قصص حب بين قادة ومسؤولي كبار الدول. هل كان صادقاً، أم اختلق القصة من البداية حتى النهاية، بحثاً، ليس عن الشهرة التي لم يكن يحتاج إليها، بل عن العودة إلى دائرة الضوء من غير باب السياسة بل الأدب. وكانت رواية «الرئيس والأميرة»، وهي الثانية التي ينشرها، طريقه إليها.
ومأساة جيسكار أنه فشل في الفوز بولاية رئاسية ثانية في عام 1981، وكان لا يزال شاباً وأراد ألا يترك السياسة. لذا، خاض الانتخابات النيابية في الدائرة التي مثلها في بداية شبابه، وانخرط في العمل السياسي المحلي، وجرب الأدب. ولأنه لعب دوراً مهماً مع المستشار الألماني هلموت شميت في دفع الاتحاد الأوروبي إلى الأمام، وإطلاق مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى، فقد بقي مرجعاً. إلا أن ذلك لم يكن يكفيه لفرط ديناميته ورغبته في العمل.

                                                                       الرئيس فاليري جيسكار ديستان
هكذا كان جيسكار ديستان، الذي خصص له فرانز أوزليفيه جيزبير، العديد من صفحات كتابه «الزمن الجميل». جيزبير رأى فيه الرجل الأرستقراطي، المفرط في الذكاء. ونقل عن رسالة وجهها الجنرال ديغول الذي عين جيسكار وزيراً للمالية في حكومات عديدة، إلى ابنه الأميرال فيليب جاء فيها: «جيسكار يتخطى الجميع بأشواط. لكن عيبه أنه يظهر ذلك. والحال أنه عندما تكون لنا مثل هذه الهامة، علينا أن نوهم الناس دوماً بأنهم يتمتعون بالدرجة نفسها من الذكاء». الذكاء لم يكن عيب جيسكار الذي بفضل ذكائه كان أصغر سياسي وصل إلى البرلمان وإلى الوزارة وإلى رئاسة الجمهورية «باستثناء الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون».
بيد أن عيب جيسكار أنه كان بالغ البخل. وفي هذا الخصوص يقول جيزبير: «جيسكار كان ممسك اليد حتى عندما شغل أعلى المناصب، بما في ذلك قصر الإليزيه. الأمر الذي كان موضع تندر عند معاونيه. نادراً ما امتدت يده إلى جيبه إلا عندما كان الأمر يتعلق بشغفه بالصيد. عندها تسقط كافة الحسابات». ويسرد جيزبير أن الطبق اليومي للعائلة في القصر الذي كانت تسكنه أسرة جيسكار، كان الحساء الذي يصنع مما تنتجه مزرعة الخضار التابعة للقصر. والحال أن جيسكار ولد وفي فمه ملعقة من الفضة. ويسرد جيزبير تمسك جيسكار بإبراز أصله النبيل، وكيف أنه، من بين كافة رؤساء الجمهورية الخامسة، وحده يتحدر من عائلة أرستقراطية، لا بل تجري في عروقه دماء ملكية من خلال أدلاييد دو سان جيرمان، الابنة غير الشرعية للملك لويس الخامس عشر ولعشيقته كاترين ليونور بينارد.

                                                   ديستان مع الأميرة الراحلة دايانا في العام 1994 (غيتي)
ولا ينسى الكاتب أن يذكر أن والده أدمون جيسكار نجح في عام 1922 أن يضيف إلى اسم عائلته اسم «ديستان» للتأكيد على نسبه الأرستقراطي. وكيف أنه بالتعاون مع أخيه أوليفيه، وابن عمه فيليب، اشتروا «قصر ديستان» القائم في منطقة أفيرون جنوب غربي فرنسا، وقد سكنه في القرن الثالث عشر تريستان ديستان، الذي أنقذ الملك فيليب أوغوست من الموت، في معركة «بوفين» بين الفرنسيين، وقوات مشتركة ألمانية وإنجليزية وهولندية.
ومن أجداد جيسكار، شارل هنري ديستان الذي شارك إلى جانب لافاييت، في حرب استقلال الولايات المتحدة الأميركية عن الإمبراطورية البريطانية، ورقي إلى مرتبة أميرال في البحرية الفرنسية، قبل أن يقاد إلى المقصلة بعد الثورة الفرنسية.
وكما أن جيسكار أرستقراطي النسب، كذلك زوجته أنيمون سوفاج دو برانت، ابنة أرستقراطيين يحملان كلاهما لقب «كونت» و«كونتيس»، وهي التوصيفات الموروثة من العهد الملكي. تعرف إليها جيسكار، وكانت في سن الـ18 عاماً. وسريعاً تزوجا وعاشا معاً طيلة 68 عاماً، برغم الشائعات التي سرت عن مغامرات الرئيس خارج بيت الزوجية، بما في ذلك خلال إقامته في قصر الإليزيه.

                                                          ديستان مع الزعيم السوفياتي ليونيد برجنيف (غيتي)
وعام انتخابه رئيساً، نشرت صحيفة «لو كنار أونشينيه» الأسبوعية الساخرة خبراً مفاده أن جيسكار، بعد فترة قصيرة من انتخابه، حصل له حادث سير صباحي في باريس عندما كان يقود سيارة فيراري يملكها المخرج السينمائي روجيه فاديم، الذي جعل من بريجيت باردو بطلة لأفلامه. والمفاجأة أن جيسكار لم يكن وحده، إذ كانت إلى جانبه امرأة قيل وقتها إنها الممثلة مارلين جوبير، ليتبين لاحقاً أنها كاترين شنيدر، ابنة عم زوجته أنيمون. وتفيد معلومات أخرى بأن جيسكار ارتبط بعلاقة مع الممثلة الهولندية سيلفيا كريستيل، بطلة أفلام «إيمانويل» الجنسية التي انتشرت على نطاق واسع في سبعينات القرن الماضي.
وبعد أن منع الفيلم الأول من العرض في الصالات الفرنسية، سمح به لاحقاً بعد تدخل عالي المستوى، والأرجح من جانب جيسكار. كذلك، فإن الصحافي الفرنسي نيكولا بوانكاريه، كشف في عام 2011 أن جان بيديل بوكاسا، إمبراطور أفريقيا الوسطى، أخبره أن جيسكار «سرق منه زوجته الإمبراطورة كاترين».
ثمة من ربط بين هذه الحادثة، وبين الهدية التي قدمها بوكاسا لزوجة جيسكار، وهي عبارة عن قرط من الماس الذي كان أحد أسباب فشله، في الفوز بولاية رئاسية ثانية، إذ كان على جيسكار أن يودعه المحفوظات الوطنية، لا أن تحتفظ به زوجته، الأمر الذي أخذ عليه ولم ينجح في تبديد الإزعاج الذي سببه لدى الرأي العام الفرنسي. ويشير جيزبير إلى العلاقة بين جيسكار وبوكاسا من جانب أن الأول كان يرتاد أدغال أفريقيا الوسطى للصيد، الذي كان مولعاً به إلى حد كبير، خصوصاً صيد الحيوانات الكاسرة. ومن «مآثره» أن زعيم الحزب الشيوعي، ورئيس الدولة السوفياتية ليونيد بريجنيف، قدم لجيسكار هدية استثنائية، وهي السماح له بالذهاب إلى سيبيريا لاصطياد «النمر السيبيري»، برغم أن فصيلته كانت على وشك الانقراض. ويكشف الكاتب أن الطائرة السوفياتية التي حملت جيسكار، حملت أيضاً نمرين من هذه الفصيلة، أخرجا من إحدى حدائق الحيوانات، وأطلقا في السهوب السيبيرية ليكونا الفريسة التي يسعى وراءها جيسكار، وزير المالية الفرنسي وقتها.

                                            ... مع المستشار الألماني هيلموت شميت والرئيس الأميركي جيرالد فورد (غيتي)
ينقل جيزبير فقرة من كتاب الصحافي الفرنسي جان كو «بعضاً من الذكريات»، حيث يتحدث عن جيسكار كالتالي: «كان جيسكار كاملاً. لم ألتق في حياتي رجلاً بنظافته في كل شيء: يداه، أظافره، قمصانه، رأسه، أذناه، ذقنه. كان استثنائياً في كل شيء». ولا غرو في ذلك. إذ إن جيسكار ارتاد أفضل المعاهد والجامعات الفرنسية. وورث عن أهله اسماً وقصراً وعريناً انتخابياً. كان محدثاً ومطوراً في كل شيء، بما في ذلك إقرار حق الإجهاض للنساء منذ سبعينات القرن الماضي، فيما هذه المسألة تحدث انقساماً عامودياً داخل المجتمع الأميركي بين مؤيد ومعارض.
وزمن الحرب العالمية الثانية، انخرط جيسكار في المقاومة، بعكس سلفه الرئيس جورج بومبيدو. وشارك في تحرير العاصمة باريس من الاحتلال النازي، ثم انتمى إلى «الجيش الأول» الذي كان يقوده الجنرال دو لاتر دو تاسيني، وخرج منه برتبة «بريغادير» مع تنويه رسمي بهدوئه وشجاعته.
لا تنم كتابة جيزبير عن حب لشخص جيسكار، كما حاله مع ميتران وشيراك، بل عن إعجاب. يقول عنه: «جيسكار كان يتفوق على الجميع. كان قادراً على إلقاء خطاب حول أي موضوع مهما كان معقداً. كان مفرط الذكاء، ولكن رغم ذكائه، لم يكن يعرف كيفية التعامل مع الناس العاديين... كان معجباً بالجنرال ديغول إلى درجة أنه سعى أحياناً إلى تقليده. بهرته ممارسة ديغول السلطة الانفرادية التي انتقدها في عام 1967 بعد عام من خروجه من الحكومة، لكنه لم يتردد في الاقتداء بها...». وبعد أن أصبح رئيساً، ولإبراز كم أنه رجل حديث وديمقراطي وراغب في الاطلاع على أوضاع مواطنيه، ارتأى أن يقبل وزوجته دعوة إلى العشاء عند مواطنين عاديين. ومرات أخرى، كان يدعو إلى قصر الإليزيه عمال نظافة لتناول الفطور معه ومع زوجته، وذلك كله لمحو صورة الأرستقراطي التي جعلت منه موضوع سخرية وتندر. كذلك ابتدع وسيلة أخرى للتواصل، وهي حديث أسبوعي متلفز إلى الفرنسيين حول كافة المواضيع ومن دون حواجز.
أراد جيسكار نفض الغبار، وإيقاظ فرنسا وتحديثها، وإدخال العديد من الإصلاحات إليها. فهم قبل غيره أهمية المعلوماتية والثورة الرقمية، وسعى لأن تكون لفرنسا استقلاليتها في هذا المجال. ويؤكد جيزبير أن جيسكار أراد الاقتداء بما قام به ديغول، وأن يسرع الإصلاحات التي رآها ضرورية لبلاده. كما أراد خصوصاً أن يحدث «ثورة اجتماعية»، وأن يكون «رئيساً عصرياً». هو من أدخل إلى القانون الفرنسي، الطلاق التوافقي. وحق الإجهاض للنساء. وحرر المرأة من وصاية الرجل وهيمنته عليها وفق منطوق القوانين السابقة. ويشدد جيزبير على أن جيسكار كان «سباقاً، فتح كافة الأبواب واقتبس الأفكار الجيدة والمفيدة من أي جهة أتت».
كان جيسكار يعتقد أن إعادة انتخابه لولاية ثانية من سبع سنوات، أمر «طبيعي». لكن صدمة حياته أن فرنسوا ميتران هزمه في عام 1981، منتقماً بذلك من الهزيمة التي ألحقها به جيسكار في عام 1974، وما زال الفرنسيون يتذكرون خروجه المسرحي من قصر الإليزيه مشياً على الأقدام، منفرداً، وتحت قدميه السجادة الحمراء، وصفان من الحرس الجمهوري. وكيف سار في شارع فوبورغ سان هونوريه وسط تصفيق الجمهور. وفي المساء السابق، توجه إلى الفرنسيين بكلمة متلفزة قائلاً لهم: «إلى اللقاء»، فيما الكاميرا تركز على المقعد الرئاسي الفارغ.

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران
 


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.