«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (2- 3): شيراك... شهية مفتوحة للنساء والطعام... وطبقه المفضل رأس العجل المطبوخ

الكاتب فرانز أوليفيه جيزبير: الرئيس الأسبق كان «شرهاً» في كل شيء... جاهزاً ليبلع البحر وأسماكه... كل شيء عنده صالح للأكل

برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)
برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (2- 3): شيراك... شهية مفتوحة للنساء والطعام... وطبقه المفضل رأس العجل المطبوخ

برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)
برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)

إذا كان فرانز أوليفيه جيزبير يرى في فرنسوا ميتران «حبه الذي لا يتفوق عليه حب آخر»، فإنه يعترف في كتابه «الزمن الجميل» بأنه أحب أيضاً الرئيس الأسبق جاك شيراك. لكنه يسارع إلى إيضاح أنه «لم يحب السياسي؛ بل أحب الرجل» الذي كان يقف خلف رجل السياسة، لا بل إنه يركز في إحدى صفحات الكتاب (الصفحة 197) على جانبه «الحيواني الطاغي».
يقول جيزبير: «قامته ممشوقة إلى الأعلى، وأنفه متأهب: شيراك كان جاهزاً ليبلع البحر وأسماكه. كان يلهث كالكلب، يركض كالحصان، يجامع كالأرنب، يأكل كالخنزير، كل شيء صالح للأكل».
يقول جيزبير: «كان شيراك فاهاً مفتوحاً بحاجة لملئه في كل وقت. سيجارته على طرف شفتيه، قميصه مفتوح، جميلاً كأحد آلهة الإغريق. كان يضج بحيوية لا مثيل لها عند أحد. كان يحب الناس، يتخطى الحواجز من اليمين واليسار، وكان يهوى الشراب. كان متسرعاً دوماً، خبيث النظرات. وقد نجح في أن يجر وراءه الديغوليين والاشتراكيين وأنصار الوسط، وحتى الشيوعيين في منطقته لا كوريز (وسط فرنسا)، وكنت أسمع من ناخبين في هذه الدائرة قولهم: أنا شيوعي الهوى؛ لكنني أنتخب لصالح شيراك».
ويضيف جيزبير: «لن أرى ولم أرَ أبداً رجلاً يمتلك الطاقة التي امتلكها شيراك. كان يحب الاحتكاك بالناس ولا يفرق بين اليمين واليسار. كان دوماً متعجلاً حتى في شؤون الحب»؛ حيث كانت له نجاحات يعرفها الجميع. ويذكّر جيزبير بما كانت تقوله عنه عشيقاته، من أن الأمور عنده «لا تتخطى الدقائق الخمس».
ومن نوادر شيراك أنه كان ينادي، تندراً، امرأته برناديت شوردون دو كورسيل، المتحدرة من عائلة بورجوازية عريقة، وقد تعرف إليها خلال سنوات دراسته في معهد العلوم السياسية في باريس: «ماما». ويحكى أن الأخيرة كانت تسأل مساء كل يوم معاونيه السؤال نفسه، وهو: «هل تعلمون أين ينام زوجي هذه الليلة؟».

لورانس ابنة شيراك... مأساة حياته الحقيقية

لم يكن زواج شيراك وبرناديت سهلاً؛ إذ إن عائلة الأخيرة رفضت بداية أن ترتبط ابنتهم برجل من عامة الشعب؛ لا بل إنها رفضت أن تتم مراسم الزواج باحتفال ضخم. لذا جرت مراسم الزواج بشيء من السرية في كنيسة متواضعة. وليس سراً أن عائلة برناديت ساعدت شيراك ليعبر إلى عالم السياسة. إلا أن الفضل الأكبر يعود لأحد كبار بارونات منطقة لا كوريز، هنري كويل، الراديكالي - الاشتراكي الذي مد له يد العون. وفي عام 1967 ترشح شيراك للنيابة في منطقة لا كوريز، رافضاً عرض جورج بومبيدو، رئيس الحكومة وقتها الذي اقترح عليه دائرة سهلة. ولأنه نجح في رهانه، بينما كان الآخرون يتوقعون فشله، فقد أثار حشرية الجنرال ديغول الذي عينه وزير دولة مسؤولاً عن شؤون العمالة، ما عبَّد له طريق السياسة والمناصب العليا في الجمهورية الفرنسية. وعمومًا، فقد مر شيراك بها جميعاً، من نائب إلى وزير دولة ووزير داخلية ورئيس حكومة ورئيس بلدية باريس، فرئيس للجمهورية؛ حيث أمضى في قصر الإليزيه 12 عاماً.

العشيقة التي كان مستعداً للتخلي عن كل شيء للزواج بها (غيتي)

يركز جيزبير على طباع شيراك الذي كان شعبياً، قريباً وبسيطاً في تعامله مع الناس، يصافح ويقبل أينما وُجد، ويوزع الابتسامات والتحيات وكلمات الإطراء، و«يدغدغ حتى مؤخرة الأبقار» عندما كان يفتتح المعرض الزراعي الذي يجري كل عام في باريس. ومن أراد أن يرى شيراك على حقيقته، كان عليه أن يتبعه وهو يتنقل بين أجنحة المعرض: كأس بيرة من جانب، وأخرى من الخمر في الجانب المقابل، وما بينهما مزيج من النقانق والسجق. وكان صحنه المفضل رأس العجل المطبوخ.
ويروي جيزبير غداء خاصاً دعاه إليه شيراك عندما كان يتابع إحدى حملاته الانتخابية، ويقول عنه إنه «منظر مدهش. فما كانت الأطباق توضع على الطاولة حتى تفرغ بلمح البصر». ويضيف الكاتب: «لم يكن يكتفي بالوجبات التقليدية؛ بل كان بحاجة لأن يأكل قبل الظهر والعصر»، وهو يقارنه بعمال البناء الذين يلتهمون السندويتشات بشراهة.
ومن الصور التي ينقلها جيزبير عن شيراك أنه كان دائم الحركة، لا يستطيع الجلوس دون أن يحرك ساقيه على الدوام، ويضرب الأرض بقدمه حتى خلال الاجتماعات الرسمية، وهو يشعل السجائر الواحدة بعد الأخرى.
شراهة شيراك امتدت إلى الجنس النسائي. ومن أبرز مغانمه الصحافية الشقراء جاكلين شابريدون، المولودة في عام 1940، والتي عملت في إذاعة لوكسمبورغ، ولاحقاً في صحيفة «لو فيغارو». ويقول جيزبير إن شيراك كان يعيش معها «قصة حب حقيقية»، وكان «مستعداً للتخلي عن كل شيء من أجلها». وكانت جاكلين متزوجة منذ سنوات من السياسي الاشتراكي شارل هيرنو الذي عينه الرئيس ميتران لاحقاً وزيراً للدفاع. لكن جاكلين تعرفت على شيراك في عام 1975، عندما كان رئيساً للوزراء، ووقعت في حبه؛ لا بل إنهما تقاربا إلى درجة أنهما عزما على الزواج رغم أن كلاً منهما كان متزوجاً من جانبه. إلا أن مستشارة شيراك السياسية ماري فرنس غارو، ذات الباع الطويل، منعت شيراك من الإقدام على هذه الخطوة، ونبهته من أنها قد تقضي على مستقبله السياسي. وذهبت غارو -وفق بعض الروايات- إلى حد اقتراح إعطاء عشيقة شيراك مبلغ 500 ألف فرنك مقابل قطع العلاقة، وقد نجحت في ذلك. ولكن لم يعرف ما إذا كانت جاكلين قد قبضت المبلغ أم لا. لكن ما هو معروف أنها حاولت لاحقاً الانتحار؛ لكن محاولتها فشلت. وبعد انفصالها عن هيرنو تزوجت مرتين.

شيراك مستقبلاً رفيق الحريري في قصر الاليزيه (غيتي)

ومن مغانم شيراك المعروفة أيضاً علاقته بالممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي، وهي علاقة لم تكن خافية على الفرنسيين. وتطول مسبحة النساء اللواتي أغراهن شيراك بقامته العالية وضحكته الرنانة وقدراته على التواصل. ومن الأسماء التي تتداول اسم ميشيل بارزاك التي عينها لاحقاً وزيرة للصحة، وأسماء أخرى كثيرة.
بيد أن في حياة جاك شيراك جرحاً عميقاً لم ينجح في علاجه أو تجاوزه، وهو مرض ابنته البكر، لورانس، التي كانت مصابة بمرض جسدي- نفسي أفقدها الشهية وأضعفها حتى الموت. وبعكس أختها كلود التي عملت إلى جانب والدها في قصر الإليزيه، فإن لورانس بقيت بعيدة عن الأضواء بسبب مرضها الذي أصابها وهي في سن الخامسة عشرة من العمر؛ لكنه لم يمنعها من أن تكمل دراستها وتصبح طبيبة. غير أن مرضها أنهكها شيئاً فشيئاً، وسعت عائلتها بكل ما تملك من وسائل لمساعدتها من غير أن تنجح. وعلى الرغم من انشغالاته وارتباطاته، فقد حرص والدها أن يراها باستمرار وأن يتناول الغداء معها مرتين في الأسبوع على الأقل، حتى ولو اضطر إلى تناول وجبتين. وحاولت لورانس الانتحار أكثر من مرة، وفي إحداها قفزت من نافذة شقتها. وفي أبريل (نيسان) من عام 2016 توفيت عن 58 عاماً بعد أن توقف قلبها عن النبض، وفشل الأطباء في إعادة تشغيله. وكلما سئل شيراك عن ابنته كان رده أنها «مأساة حياته».
يكرس جيزبير حيزاً كبيراً من حديثه عن شيراك لحياته السياسية، ولنزاعه مع الرئيس فاليري جيسكار ديستان الذي كان في زمانه أصغر رؤساء الجمهورية سناً (47 عاماً). ويروي الكاتب تفاصيل الحملة الرئاسية التي انطلقت مباشرة بعد وفاة الرئيس جورج بومبيدو في عام 1974، وهو في قصر الإليزيه، بداء السرطان. وقتها، كان في الساحة 3 مرشحين رئيسيين: الأول جاك شابان دلماس، رئيس الحكومة السابق ورئيس البرلمان ورئيس بلدية مدينة بوردو الشهيرة وصاحب برنامج إصلاحي متقدم. وكان شابان دلماس مرشح الحزب الديغولي الذي ينتمي إليه شيراك. والمرشح الثاني كان جيسكار ديستان، وزير المالية ومرشح تجمع الوسط، والثالث فرنسوا ميتران، أمين عام الحزب الاشتراكي. ومن جانبه، لم يكن شيراك، وزير الداخلية، يخفي طموحاته السياسية. وبسب انتمائه كما شابان دلماس للتيار الديغولي، كان من المفترض به أن يدعم مرشح حزبه. إلا أنه كانت لشيراك حسابات سياسية مختلفة، إذ اعتبر أن نجاح شابان دلماس سوف يضعفه ويقطع عليه طريق المستقبل. من هنا، عمد إلى تعبئة 33 نائباً في البرلمان و4 وزراء وشخصيات أخرى من حزبه، وأصدروا «نداء الـ43»، وفيه دعوا لانتخاب جيسكار ديستان الذي فاز بالرئاسة متقدماً على فرنسوا ميتران بـ425 ألف صوت فقط. وكانت مكافأته بأن سماه جيسكار ديستان رئيساً للحكومة، بحيث أصبح شيراك في سن الـ42 عاماً أصغر رئيس للحكومة سناً. لكن، منذ تلك الفترة، اتُّهم شيراك بالوصولية؛ لا بل بالخيانة وبتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة الحزبية والعامة.

الرئيس شيراك والممثلة كلوديا كاردينالي (غيتي)

لكن العلاقة بينه وبين جيسكار لم تكن «شهر عسل»؛ بل علاقة متوترة. شخصيتان مختلفتان: من جهة شيراك الملتهب والمستعجل دوماً: «ابن الشعب»، ومن الجهة المقابلة جيسكار ديستان، السياسي الأرستقراطي، ذو الدم البارد الذي سعى منذ بداية عهده لقص جناحي شيراك.
ويروي جيزبير أحد المشاهد التي تعكس التوتر بين الجانبين، ورغبة جيسكار في «إهانة» رئيس الوزراء الذي عينه. ويحصل ذلك في قصر الإليزيه؛ حيث حمل شيراك بيانه الوزاري لرئيس الجمهورية الذي جمع حوله بعض كبار وزرائه، ومن بينهم الوزير جان جاك سيرفان شرايبر، رئيس تحرير مجلة «الإكسبريس» المعروفة. وفي هذه الجلسة، بدا شيراك كطالب يتم امتحانه، أو كصحافي متمرن يطلب منه إعادة كتابة موضوعه. وقال له شرايبر: «هذه المادة بحاجة إلى إعادة النظر بها... إنها لا تساوي شيئاً. ولو كان بومبيدو موجوداً لقال الشيء نفسه». وليس هذا المشهد سوى غيض من فيض.
ويسرد جيزبير قصة دعوة شيراك وزوجته إلى قضاء عطلة نهاية الأسبوع في «حصن بريغانسون» المطل على مياه المتوسط. وهناك، بدت معاملة جيسكار لـشيراك وزوجته مهينة، إذ دعي إلى العشاء مدرب التزلج، وأُجلس الضيفان على كرسيين، بينما جيسكار وزوجته أنيمون خصص لهما مقعدان وثيران.
ويعتبر جيزبير أن جيسكار أراد أن يجعل من شيراك موظفاً ينفذ أوامره وسياساته، وأكثر من ذلك، سعى لوأد الحزب الديغولي المنافس لتجمع الوسط، وهو ما فهمه شيراك الذي نجح في وضع اليد عليه ليجعله أداته الحربية بوجه رئيس الجمهورية. وانتهت العلاقة الجدلية بين الطرفين إلى «الطلاق»؛ حيث قدم شيراك استقالته من رئاسة الحكومة بشكل لم يسبقه إليه أي رئيس حكومة سابق، إذ أعلن ذلك بواسطة بيان مختصر وزع على الصحافة. وفي الانتخابات الرئاسية اللاحقة، لم يتردد شيراك في الترشح منافساً لجيسكار، وحصل على 18 في المائة من الأصوات. واعتبر مناصرو الأخير أن شيراك كما «خان» شابان دلماس في 1974 كذلك «خان» جيسكار في 1981؛ حيث لم يدعُ حزبه وناخبيه للاقتراع لصالحه في الدورة الثانية؛ بل اكتفى بالقول إنه «شخصياً» سيصوت له. والنتيجة كانت أن جيسكار خسر وخرج من الإليزيه.
ويقول جيزبير عن شيراك (صفحة 265) فيما يبدو أنه حكم نهائي: «إنه رجل مسكون. لم أفهم أبداً ما الذي كان يلتهمه من الداخل. هل هو الحيوية المتدفقة؟ هل هو القلق الوجودي؟ هل هو كره الذات؟ هل هي المازوشية؟ لا شك إنها هذه الأمور الأربعة معاً التي تجعله يمدد يومه إلى ما لا نهاية. لم أحب أن ألج إلى رأسه الذي لم يكن دوماً ممتلئاً».
«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران
 

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.