«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران

يكشف «التاريخ الحميمي للجمهورية الخامسة» ويغوص في أسرار رؤسائها

فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران

فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)

لا تحصى ولا تعد الكتب التي تتحدث عن الجمهورية الخامسة التي أرسى الجنرال شارل ديغول، أسسها، في خمسينات القرن الماضي. كما أن الكتب التي تتحدث عن التحولات السياسية والاقتصادية التي حصلت خلال ثمانية عهود تضج بها رفوف المكتبات التي تزداد غنى وثراءً مع كل موسم ثقافي. بيد أن ما يسعى إليه القارئ هو التعرف على ما يجري وراء الستارة، في الخفاء، وراء التصريحات المدوزنة. وهو يريد أن يلج إلى الخصوصيات والحميميات، لتظهر له صورة الرجل السياسي على حقيقتها، بعيداً عن النمطيات والسرديات الرسمية.
المعضلة أن أمراً كهذا ليس في مستطاع أي كاتب أو محلل. فهو يحتاج لرواد عرفوا الشخصيات العامة وعاشروها واطلعوا على أسرارها الخبيئة، ولهم القدرة والشجاعة لنقلها إلى القارئ. ولا شك أن فرانز أوليفيه جيزبير، الصحافي والكاتب والمحلل، له باع طويل في ذلك. ولعل أفضل دليل هو كتابه الجديد «الزمن الجميل، التاريخ الحميمي للجمهورية الخامسة»، المجلد الثاني، الصادر عن دار «غاليمار».

ميتران (يمين) مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (غيتي)

في كتابه الجديد، ينكب جيزبير على أربعة عهود، يبدأها مع الرئيس جورج بومبيدو، خليفة الجنرال الكبير في قصر الإليزيه، وينتهي بعهد الرئيس جاك شيراك، الديغولي الآخر. وما بينهما، يغوص جيزبير في أسرار رئيسيين آخرين هما الأرستقراطي فاليري جيسكار ديستان والاشتراكي فرنسوا ميتران. ومن بين الأربعة، يبدو مع كل صفحة من الكتاب أن علاقة خاصة نمت بين الصحافي الشاب والزعيم الاشتراكي الذي واكب القرن العشرين، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عهده الثاني في عام 1995، وكان أحد أبرز الفاعلين فيه.
يتوقف الكاتب عند الشخصية المعقدة التي تختبئ وراء صورة الرجل السياسي الذي وصل إلى الرئاسة في ثالث محاولة له، فيما الأولى كانت بمواجهة ديغول، ويرسم صورة علاقاته الأسرية وخارج النطاق الأسري. ذلك أن ميتران، صاحب كتاب «الانقلاب الدائم» الذي كرسه للتنديد بعودة ديغول إلى السلطة، الذي عده انقلاباً على الديمقراطية، كانت صداقاته تندرج في دوائر لا تتقاطع. كان ميتران رجل الأسرار والتكتم والازدواجية والتخفي، يظهر ما يريد ويترك في الظل ما يريد إبقاءه بعيداً عن الأعين. ولعل الصفحات التي كرسها الكاتب لحياة ميتران العاطفية ومغامراته النسائية تكشف هذه الطباع.
لم يكن ميتران يعيش حياة واحدة. كان جمعاً في صيغة المفرد. وكان عدة رجال في زمن واحد. ميتران كان متزوجاً من دانيال، امرأته الشرعية التي له منها ثلاثة أبناء هم باسكال وجان كريستوف وجيلبير، إلا أنه كانت له امرأة أخرى، ليست عشيقة ليلة أو وليدة لقاء... كلا. لقد كانت آن بانجو أكثر من ذلك بكثير. كانت عشق حياته، والضوء الذي كان يرفده بالسعادة طيلة أربعين عاماً.
لنترك الكلام لفرانز أوليفيه جيزبير يتحدث عن هذا الجانب:
في بداية العلاقة مع ميتران، دعا الأخير جيزبير إلى ملاقاته باكراً في منزله القائم مقابل كاتدرائية نوتردام لتسليمه بعض مقطوعاته الشعرية الغزلية التي سيستخدمها في كتاب يعده. وبعد انتظار زاد على أربعين دقيقة، وصل ميتران من الخارج مبعثر الشعر، غير حليق الذقن، وكأنه خارج لتوه من غرفة النوم، وبادر ضيفه قائلاً إن أشعاره موجودة في علبة كرتونية مركونة في غرفة «مسيو جان»، واسمه الكامل جان بالنسي. وما فهمه جيزبير لاحقاً أن جان هذا هو عشيق دانيال ميتران. والغريب أنه كان يعيش في منزل الرئيس اللاحق كأحد أفراد الأسرة. و«مسيو جان» كان مدرب التنس لسيدة فرنسا الأولى وعشيقها منذ سنوات. ويكتب جيزبير: «كنت أعلم أنه قريب من دانيال، لكن في ذاك الصباح فهمت أنه عشيقها وأن اتفاقاً جرى بين فرنسوا ودانيال منذ الستينات، بعد المغامرات النسائية المتكررة للأول، وقوامه أن لكل منهما أن يعيش الحياة التي يريدها لكنهما يبقيان معاً».

ميتران وزوجته دانيال (وسط) مع الأميرة الراحلة ديانا وأمير ويلز وقتها تشارلز خلال مأدبة في قصر الأليزيه 7 نوفمبر 1988 (غيتي)

دانيال كانت تعلم أن ميتران يعيش عملياً مع آن بانجو، وميتران يقبل بأن يعيش «مسيو جان» في منزلهما. وكانت أشعار الغزل موجهة للزوجة غير الشرعية التي أعطته لاحقاً ابنة هي مازارين، التي اعترف بها شرعياً في أواخر أيامه.
آن بانجو «أصبحت الأولى» بعد أن أبعد زوجته الشرعية، وهي التي تتخطى الأخريات من النساء اللواتي عرفهن ميتران، السابقات واللاحقات. لقد كانت حبه الكبير، ولهه، عشقه، الضوء المتبقي عندما ينطفئ كل شيء، وهي التي كتب لها آلاف الأشعار التي نشرت في كتاب من 1246 صفحة، عام 2016 بعنوان «رسائل إلى آن، 1962 - 1995». ومما كتبه لمن يسميها شمسه: «أعيش، أموت، أحترق وأغرق» في حبك.
التقى ميتران آن بانجو للمرة الأولى في عام 1957، وهي ابنة عائلة كان يعرفها عن قرب، إذ كان يلعب الغولف مع والدها الصناعي فرنسوا بانجو على الشاطئ الأطلسي، قريباً من منتجع هوسبورغ. وانتظر ميتران ست سنوات حتى بلوغ آن سن الرشد (21 عاماً). لكن فارق السن (27 عاماً) لم يكن عائقاً يحول دون تقاربهما. وفي عام 1963، وجد ميتران أن الوقت قد حان ولم يعد من سبب يحول دون التلاقي.

عشيقة ميتران آن بانجو وابنتها مازارين خلال مراسم تشييع جنازته في 11 يناير 1996 بجارناك (غيتي)

يقول جيزبير، إن ميتران «كان يقصفها بالرسائل». ولم تكن آن شابة سهلة المنال، وكان على ميتران أن يكون صبوراً. وبعد حصولها على شهادة البكالوريا، «صعدت» آن إلى باريس للدخول إلى معهد الفنون الجميلة، وجاءت توصية من والدها لـميتران بأن «يرعاها»، وهو ما حصل. وبالفعل، استقبلها ميتران في بيته وفي إطار عائلته طيلة شهور. ويروي الكاتب أنهما كانا يسيران معاً ليلاً، يداً بيد، في شوارع باريس، وكان حبهما في بدايته بريئاً، رومنطيقياً، عذرياً، حتى ربيع عام 1964 حيث جرى بينهما ما كان متوقعاً. وكتب لها ميتران في اليوم الذي تلا ليلة حبهما: «لا أعتقد أننا سننسى تاريخ 13 مايو (أيار) 1963، لقد كنت هذه الليلة سمائي وأرضي... غمرتني سعادة جارفة، ذات قوة رهيبة. لقد أعطيتني الكثير، وآمل أن أرد إليك الجميل سعادة مجنحة». وبعد سنوات من وفاة ميتران قالت آن بانجو لصحافي بريطاني ما يلي: «أن تكون معجباً بالشخص الذي تحب يحمل إليك سعادة لا تضاهى، أنت لن تتثاءب أبداً، إنه التجدد الدائم». بيد أنها أضافت: «كانت 32 عاماً من السعادة العميقة، ولكن أيضاً من التعاسة. كانت سنوات صعبة».
رغم «الحب الكبير»، لم يكن ميتران الرجل الذي تكفيه امرأة. كان يريدهن جميعاً وفي وقت واحد. وبقيت آن بانجو، التي شغلت مناصب رفيعة في عالم المتاحف، بعيدة عن الأنظار طيلة العقود الثلاثة التي أمضتها مع ميتران، حبها الأول وربما الأخير. ولم يعرف الفرنسيون صورتها إلا بعد أن ذاعت قصة حبها مع ميتران، وظهرت صورة ابنتهما مازارين، إذ شاركت في دفن ميتران وكانت مازارين متكئة على كتفها، في الصف الثاني. أخفت وجهها بنظارتين سوداوين، وكانت تريد أن تبقى نكرة حتى لا يكون وجودها مصدر إزعاج للرجل الكبير.

صورة للمنزل الريفي للرئيس ميتران في جارانك جنوب فرنسا التقطت في 7 يناير 2006 (أ.ف.ب)

وبعكس آن بانجو، كانت دانيال ميتران حاضرة على الصعيد الفرنسي السياسي والاجتماعي العام. كانت شخصية متحررة عرفت بميولها اليسارية وبدفاعها عن الحريات وعن المحرومين والمعذبين في الأرض، ومنهم أكراد العراق. وكانت ترأس مؤسستها «فرنسا الحريات» التي كانت تريدها صوتاً لعدالة على المستوى العالمي.
ولسنوات طويلة، أخفى ميتران الجزء الغامض من حياته، إلى أن خرجت الأمور إلى العلن وهو في قصر الإليزيه. استغل ميتران موقعه الرئاسي لوأد الأخبار والشائعات التي تتحدث عن حياته الخفية وعن وجود آن بانجو، وكان كل مساء يترك قصر الإليزيه مع فرنسوا دو غروسوفر، صديقه الشخصي، الذي كان يقيم في المبنى الذي أسكن فيه آن بانجو، لإيهام موظفي القصر بأنه يخرج معه في نزهة. لكن، رغم التدابير والإجراءات التي اتخذها مستعيناً بموقعه، لم تبق حياته الخفية بعيدة عن أنظار وأسماع الصحافة التي لم تكن تجرؤ على إخراجها إلى العلن. ويروي بيار، سائقه الخاص، في كتاب أصدره قبل سنوات بعنوان: «القيادة من اليسار»، أنه فتح يوماً صندوق السيارة في الساحة الداخلية لقصر الإليزيه، وفوجئ من كان إلى جانبه بأنه يحتوي على ألعاب للأطفال. ولكن بعد أن ذاع سر آن بانجو ومازارين، تخلى ميتران عن التخفي وبدأ بالخروج معهما إلى المطاعم والمسارح والأماكن العامة. وأكثر من مرة اصطحبته مازارين في رحلات استجمام خارجية، منها رحلة إلى مصر بدعوة من الرئيس حسني مبارك.
مازارين أصبحت منذ سنوات كاتبة قديرة ومحترمة، ومثقفة لها وزنها في الساحة الثقافية الفرنسية.
الرئيس الاشتراكي كان حقيقة زير نساء. وكانت له كوكبة من النساء اللواتي كن يتحلقن حوله. يقول جيزبير عن ميتران: «يا لعجبي! كيف أن كافة هاته النسوة تسامحن ميتران لسلوكه الممجوج. ما هو سره الذي مكنه من أن يتجنب الاختلاف معهن، لا بل أن يحولهن لاحقاً إلى مساعدات له ويتكئ عليهن لتحقيق نجاحه؟ إنها حقيقة مهنة. حتى وفاته، كان دوماً محاطاً بالنساء... كان يحتاط ويتكتم. كان يكذب، وربما كان يصدق كذبه... لا أحد يعلم أعداد اللواتي عرفهن من مساعدات ووزيرات وصحافيات: نساء من كل نوع التقى بهن صدفة، في الشارع أو في القطار. عاشر نجمات، وكانت له علاقة حب فاضحة في فترة ما مع المغنية داليدا التي قبلها أمام أعين العابرين أمام صالة سينما في جادة الشانزليزيه».
لكن مغامراته العاطفية لم تجعله ينقطع عن زوجته الشرعية، يقول جيزبير: «عندما تكون دانيال إلى جانبه كانت تثير حنقه، وعندما تكون بعيدة عنه كان يشعر بغيابها. وبعد وصوله إلى الرئاسة، استنبط ميتران قصة ذهابه يومياً إلى منزله (المشترك مع دانيال) بحجة الاطلاع على بريده، لكن في الحقيقة لتبادل بعض العبارات معها قبل أن يلتحق بآن بانجو، حيث كان يقضي الليل بقربها».
وخلاصة الكاتب أن ميتران لم تكن تكفيه امرأتان. كان يريدهن كلهن معاً، وذلك حتى نهاية حياته.
ومن الإجحاف اختصار ميتران بعلاقاته النسائية. فالرجل الذي كان أحد أركان المشهد السياسي الفرنسي طيلة أربعة عقود على الأقل، كان مثقفاً وأديباً ومفكراً، إضافة إلى كونه سياسياً ماهراً، لا بل ماكراً. فقد نجح في تجميع اليسار بكافة مكوناته تحت رايته، وركب الموجة ليصل إلى رئاسة الجمهورية التي كانت حلمه الأكبر، وبقي في قصر الإليزيه 14 عاماً. كان ميتران مدرسة ثقافية وتاريخية وسياسية، وكتب بنفسه سيرة حياته وأسطورتها. كان سجين الجيش الألماني في بداية الغزو النازي لفرنسا، وفشل في الهرب من معتقله مرتين، إلا أنه نجح في المرة الثالثة. واتهم بالتعاون مع نظام فيشي الذي خضع للألمان ونفذ إراداتهم بما فيها محاربة المقاومة الفرنسية، لكنه قدم نفسه على أنه مقاوم. وكان خصمه الأكبر الجنرال ديغول.
ونشأت بين جيزبير وميتران علاقة خاصة. ولا يخفي الكاتب إعجابه وحبه لهذا الرئيس رغم اختلافهما السياسي. وثمة رابط يجمع بينهما، هو يبرز في كل سطر من السطور التي كتبها جيزبير عنه.
ويبقى أن الأخير يدخلنا إلى عالم ميتران الخاص، إلى حميميته، حيث يعريه وينزع عنه الغطاء الذي يختبئ تحته ليظهر لنا حقيقة الرجل المتعدد والمتنوع.

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (2- 3): شيراك... شهية مفتوحة للنساء والطعام... وطبقه المفضل رأس العجل المطبوخ
 

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

 


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.