«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران

يكشف «التاريخ الحميمي للجمهورية الخامسة» ويغوص في أسرار رؤسائها

فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران

فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)

لا تحصى ولا تعد الكتب التي تتحدث عن الجمهورية الخامسة التي أرسى الجنرال شارل ديغول، أسسها، في خمسينات القرن الماضي. كما أن الكتب التي تتحدث عن التحولات السياسية والاقتصادية التي حصلت خلال ثمانية عهود تضج بها رفوف المكتبات التي تزداد غنى وثراءً مع كل موسم ثقافي. بيد أن ما يسعى إليه القارئ هو التعرف على ما يجري وراء الستارة، في الخفاء، وراء التصريحات المدوزنة. وهو يريد أن يلج إلى الخصوصيات والحميميات، لتظهر له صورة الرجل السياسي على حقيقتها، بعيداً عن النمطيات والسرديات الرسمية.
المعضلة أن أمراً كهذا ليس في مستطاع أي كاتب أو محلل. فهو يحتاج لرواد عرفوا الشخصيات العامة وعاشروها واطلعوا على أسرارها الخبيئة، ولهم القدرة والشجاعة لنقلها إلى القارئ. ولا شك أن فرانز أوليفيه جيزبير، الصحافي والكاتب والمحلل، له باع طويل في ذلك. ولعل أفضل دليل هو كتابه الجديد «الزمن الجميل، التاريخ الحميمي للجمهورية الخامسة»، المجلد الثاني، الصادر عن دار «غاليمار».

ميتران (يمين) مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (غيتي)

في كتابه الجديد، ينكب جيزبير على أربعة عهود، يبدأها مع الرئيس جورج بومبيدو، خليفة الجنرال الكبير في قصر الإليزيه، وينتهي بعهد الرئيس جاك شيراك، الديغولي الآخر. وما بينهما، يغوص جيزبير في أسرار رئيسيين آخرين هما الأرستقراطي فاليري جيسكار ديستان والاشتراكي فرنسوا ميتران. ومن بين الأربعة، يبدو مع كل صفحة من الكتاب أن علاقة خاصة نمت بين الصحافي الشاب والزعيم الاشتراكي الذي واكب القرن العشرين، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عهده الثاني في عام 1995، وكان أحد أبرز الفاعلين فيه.
يتوقف الكاتب عند الشخصية المعقدة التي تختبئ وراء صورة الرجل السياسي الذي وصل إلى الرئاسة في ثالث محاولة له، فيما الأولى كانت بمواجهة ديغول، ويرسم صورة علاقاته الأسرية وخارج النطاق الأسري. ذلك أن ميتران، صاحب كتاب «الانقلاب الدائم» الذي كرسه للتنديد بعودة ديغول إلى السلطة، الذي عده انقلاباً على الديمقراطية، كانت صداقاته تندرج في دوائر لا تتقاطع. كان ميتران رجل الأسرار والتكتم والازدواجية والتخفي، يظهر ما يريد ويترك في الظل ما يريد إبقاءه بعيداً عن الأعين. ولعل الصفحات التي كرسها الكاتب لحياة ميتران العاطفية ومغامراته النسائية تكشف هذه الطباع.
لم يكن ميتران يعيش حياة واحدة. كان جمعاً في صيغة المفرد. وكان عدة رجال في زمن واحد. ميتران كان متزوجاً من دانيال، امرأته الشرعية التي له منها ثلاثة أبناء هم باسكال وجان كريستوف وجيلبير، إلا أنه كانت له امرأة أخرى، ليست عشيقة ليلة أو وليدة لقاء... كلا. لقد كانت آن بانجو أكثر من ذلك بكثير. كانت عشق حياته، والضوء الذي كان يرفده بالسعادة طيلة أربعين عاماً.
لنترك الكلام لفرانز أوليفيه جيزبير يتحدث عن هذا الجانب:
في بداية العلاقة مع ميتران، دعا الأخير جيزبير إلى ملاقاته باكراً في منزله القائم مقابل كاتدرائية نوتردام لتسليمه بعض مقطوعاته الشعرية الغزلية التي سيستخدمها في كتاب يعده. وبعد انتظار زاد على أربعين دقيقة، وصل ميتران من الخارج مبعثر الشعر، غير حليق الذقن، وكأنه خارج لتوه من غرفة النوم، وبادر ضيفه قائلاً إن أشعاره موجودة في علبة كرتونية مركونة في غرفة «مسيو جان»، واسمه الكامل جان بالنسي. وما فهمه جيزبير لاحقاً أن جان هذا هو عشيق دانيال ميتران. والغريب أنه كان يعيش في منزل الرئيس اللاحق كأحد أفراد الأسرة. و«مسيو جان» كان مدرب التنس لسيدة فرنسا الأولى وعشيقها منذ سنوات. ويكتب جيزبير: «كنت أعلم أنه قريب من دانيال، لكن في ذاك الصباح فهمت أنه عشيقها وأن اتفاقاً جرى بين فرنسوا ودانيال منذ الستينات، بعد المغامرات النسائية المتكررة للأول، وقوامه أن لكل منهما أن يعيش الحياة التي يريدها لكنهما يبقيان معاً».

ميتران وزوجته دانيال (وسط) مع الأميرة الراحلة ديانا وأمير ويلز وقتها تشارلز خلال مأدبة في قصر الأليزيه 7 نوفمبر 1988 (غيتي)

دانيال كانت تعلم أن ميتران يعيش عملياً مع آن بانجو، وميتران يقبل بأن يعيش «مسيو جان» في منزلهما. وكانت أشعار الغزل موجهة للزوجة غير الشرعية التي أعطته لاحقاً ابنة هي مازارين، التي اعترف بها شرعياً في أواخر أيامه.
آن بانجو «أصبحت الأولى» بعد أن أبعد زوجته الشرعية، وهي التي تتخطى الأخريات من النساء اللواتي عرفهن ميتران، السابقات واللاحقات. لقد كانت حبه الكبير، ولهه، عشقه، الضوء المتبقي عندما ينطفئ كل شيء، وهي التي كتب لها آلاف الأشعار التي نشرت في كتاب من 1246 صفحة، عام 2016 بعنوان «رسائل إلى آن، 1962 - 1995». ومما كتبه لمن يسميها شمسه: «أعيش، أموت، أحترق وأغرق» في حبك.
التقى ميتران آن بانجو للمرة الأولى في عام 1957، وهي ابنة عائلة كان يعرفها عن قرب، إذ كان يلعب الغولف مع والدها الصناعي فرنسوا بانجو على الشاطئ الأطلسي، قريباً من منتجع هوسبورغ. وانتظر ميتران ست سنوات حتى بلوغ آن سن الرشد (21 عاماً). لكن فارق السن (27 عاماً) لم يكن عائقاً يحول دون تقاربهما. وفي عام 1963، وجد ميتران أن الوقت قد حان ولم يعد من سبب يحول دون التلاقي.

عشيقة ميتران آن بانجو وابنتها مازارين خلال مراسم تشييع جنازته في 11 يناير 1996 بجارناك (غيتي)

يقول جيزبير، إن ميتران «كان يقصفها بالرسائل». ولم تكن آن شابة سهلة المنال، وكان على ميتران أن يكون صبوراً. وبعد حصولها على شهادة البكالوريا، «صعدت» آن إلى باريس للدخول إلى معهد الفنون الجميلة، وجاءت توصية من والدها لـميتران بأن «يرعاها»، وهو ما حصل. وبالفعل، استقبلها ميتران في بيته وفي إطار عائلته طيلة شهور. ويروي الكاتب أنهما كانا يسيران معاً ليلاً، يداً بيد، في شوارع باريس، وكان حبهما في بدايته بريئاً، رومنطيقياً، عذرياً، حتى ربيع عام 1964 حيث جرى بينهما ما كان متوقعاً. وكتب لها ميتران في اليوم الذي تلا ليلة حبهما: «لا أعتقد أننا سننسى تاريخ 13 مايو (أيار) 1963، لقد كنت هذه الليلة سمائي وأرضي... غمرتني سعادة جارفة، ذات قوة رهيبة. لقد أعطيتني الكثير، وآمل أن أرد إليك الجميل سعادة مجنحة». وبعد سنوات من وفاة ميتران قالت آن بانجو لصحافي بريطاني ما يلي: «أن تكون معجباً بالشخص الذي تحب يحمل إليك سعادة لا تضاهى، أنت لن تتثاءب أبداً، إنه التجدد الدائم». بيد أنها أضافت: «كانت 32 عاماً من السعادة العميقة، ولكن أيضاً من التعاسة. كانت سنوات صعبة».
رغم «الحب الكبير»، لم يكن ميتران الرجل الذي تكفيه امرأة. كان يريدهن جميعاً وفي وقت واحد. وبقيت آن بانجو، التي شغلت مناصب رفيعة في عالم المتاحف، بعيدة عن الأنظار طيلة العقود الثلاثة التي أمضتها مع ميتران، حبها الأول وربما الأخير. ولم يعرف الفرنسيون صورتها إلا بعد أن ذاعت قصة حبها مع ميتران، وظهرت صورة ابنتهما مازارين، إذ شاركت في دفن ميتران وكانت مازارين متكئة على كتفها، في الصف الثاني. أخفت وجهها بنظارتين سوداوين، وكانت تريد أن تبقى نكرة حتى لا يكون وجودها مصدر إزعاج للرجل الكبير.

صورة للمنزل الريفي للرئيس ميتران في جارانك جنوب فرنسا التقطت في 7 يناير 2006 (أ.ف.ب)

وبعكس آن بانجو، كانت دانيال ميتران حاضرة على الصعيد الفرنسي السياسي والاجتماعي العام. كانت شخصية متحررة عرفت بميولها اليسارية وبدفاعها عن الحريات وعن المحرومين والمعذبين في الأرض، ومنهم أكراد العراق. وكانت ترأس مؤسستها «فرنسا الحريات» التي كانت تريدها صوتاً لعدالة على المستوى العالمي.
ولسنوات طويلة، أخفى ميتران الجزء الغامض من حياته، إلى أن خرجت الأمور إلى العلن وهو في قصر الإليزيه. استغل ميتران موقعه الرئاسي لوأد الأخبار والشائعات التي تتحدث عن حياته الخفية وعن وجود آن بانجو، وكان كل مساء يترك قصر الإليزيه مع فرنسوا دو غروسوفر، صديقه الشخصي، الذي كان يقيم في المبنى الذي أسكن فيه آن بانجو، لإيهام موظفي القصر بأنه يخرج معه في نزهة. لكن، رغم التدابير والإجراءات التي اتخذها مستعيناً بموقعه، لم تبق حياته الخفية بعيدة عن أنظار وأسماع الصحافة التي لم تكن تجرؤ على إخراجها إلى العلن. ويروي بيار، سائقه الخاص، في كتاب أصدره قبل سنوات بعنوان: «القيادة من اليسار»، أنه فتح يوماً صندوق السيارة في الساحة الداخلية لقصر الإليزيه، وفوجئ من كان إلى جانبه بأنه يحتوي على ألعاب للأطفال. ولكن بعد أن ذاع سر آن بانجو ومازارين، تخلى ميتران عن التخفي وبدأ بالخروج معهما إلى المطاعم والمسارح والأماكن العامة. وأكثر من مرة اصطحبته مازارين في رحلات استجمام خارجية، منها رحلة إلى مصر بدعوة من الرئيس حسني مبارك.
مازارين أصبحت منذ سنوات كاتبة قديرة ومحترمة، ومثقفة لها وزنها في الساحة الثقافية الفرنسية.
الرئيس الاشتراكي كان حقيقة زير نساء. وكانت له كوكبة من النساء اللواتي كن يتحلقن حوله. يقول جيزبير عن ميتران: «يا لعجبي! كيف أن كافة هاته النسوة تسامحن ميتران لسلوكه الممجوج. ما هو سره الذي مكنه من أن يتجنب الاختلاف معهن، لا بل أن يحولهن لاحقاً إلى مساعدات له ويتكئ عليهن لتحقيق نجاحه؟ إنها حقيقة مهنة. حتى وفاته، كان دوماً محاطاً بالنساء... كان يحتاط ويتكتم. كان يكذب، وربما كان يصدق كذبه... لا أحد يعلم أعداد اللواتي عرفهن من مساعدات ووزيرات وصحافيات: نساء من كل نوع التقى بهن صدفة، في الشارع أو في القطار. عاشر نجمات، وكانت له علاقة حب فاضحة في فترة ما مع المغنية داليدا التي قبلها أمام أعين العابرين أمام صالة سينما في جادة الشانزليزيه».
لكن مغامراته العاطفية لم تجعله ينقطع عن زوجته الشرعية، يقول جيزبير: «عندما تكون دانيال إلى جانبه كانت تثير حنقه، وعندما تكون بعيدة عنه كان يشعر بغيابها. وبعد وصوله إلى الرئاسة، استنبط ميتران قصة ذهابه يومياً إلى منزله (المشترك مع دانيال) بحجة الاطلاع على بريده، لكن في الحقيقة لتبادل بعض العبارات معها قبل أن يلتحق بآن بانجو، حيث كان يقضي الليل بقربها».
وخلاصة الكاتب أن ميتران لم تكن تكفيه امرأتان. كان يريدهن كلهن معاً، وذلك حتى نهاية حياته.
ومن الإجحاف اختصار ميتران بعلاقاته النسائية. فالرجل الذي كان أحد أركان المشهد السياسي الفرنسي طيلة أربعة عقود على الأقل، كان مثقفاً وأديباً ومفكراً، إضافة إلى كونه سياسياً ماهراً، لا بل ماكراً. فقد نجح في تجميع اليسار بكافة مكوناته تحت رايته، وركب الموجة ليصل إلى رئاسة الجمهورية التي كانت حلمه الأكبر، وبقي في قصر الإليزيه 14 عاماً. كان ميتران مدرسة ثقافية وتاريخية وسياسية، وكتب بنفسه سيرة حياته وأسطورتها. كان سجين الجيش الألماني في بداية الغزو النازي لفرنسا، وفشل في الهرب من معتقله مرتين، إلا أنه نجح في المرة الثالثة. واتهم بالتعاون مع نظام فيشي الذي خضع للألمان ونفذ إراداتهم بما فيها محاربة المقاومة الفرنسية، لكنه قدم نفسه على أنه مقاوم. وكان خصمه الأكبر الجنرال ديغول.
ونشأت بين جيزبير وميتران علاقة خاصة. ولا يخفي الكاتب إعجابه وحبه لهذا الرئيس رغم اختلافهما السياسي. وثمة رابط يجمع بينهما، هو يبرز في كل سطر من السطور التي كتبها جيزبير عنه.
ويبقى أن الأخير يدخلنا إلى عالم ميتران الخاص، إلى حميميته، حيث يعريه وينزع عنه الغطاء الذي يختبئ تحته ليظهر لنا حقيقة الرجل المتعدد والمتنوع.

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (2- 3): شيراك... شهية مفتوحة للنساء والطعام... وطبقه المفضل رأس العجل المطبوخ
 

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

 


مقالات ذات صلة

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.