روائيون لبنانيون بين خياري «القلم والورق» و«الدواء والماء»

علوية صبح وجورج يرق وأنطوان الدويهي يتحدثون عن معاناتهم وتجاربهم

علوية صبح - جورج يرق - أنطوان الدويهي
علوية صبح - جورج يرق - أنطوان الدويهي
TT

روائيون لبنانيون بين خياري «القلم والورق» و«الدواء والماء»

علوية صبح - جورج يرق - أنطوان الدويهي
علوية صبح - جورج يرق - أنطوان الدويهي

قد يصعب على الكتاب داخل مجتمع مأزوم تفادي الشظايا. في لبنان، يبدو شاقاً تجنب نار الواقع الاقتصادي للإبقاء على وهج الكتابة. إنهم أمام خيار تراجيدي: القلم أم الخبز أم الدواء؟ ثم «يمكن الكتابة بمعدة فارغة»؟ أو في الظلام؟ هل أصبحت الأزمة اللبنانية «جداراً أمام الكتاب»؟ أو قد تكون مادة لولادة أعمال أدبية ولو بعد حين قد يطول أو يقصر، حتى إن لم تكن قد ولدت مثل هذه الأعمال أو على وشك أن تولد.
ثلاثة روائيين لبنانيين، علوية صبح، جورج يرق، وأنطوان الدويهي، يكتبون عن تجاربهم ومعاناتهم:

علوية صبح: كتبتُ روايتي الجديدة على مسودات رواياتي السابقة

لا شيء يُشعر الروائي بأنه كائن حي إلا نصه، والخيال الذي هو دائماً أجمل من الواقع؛ مأزوماً أو مرتاحاً. في التحولات الكبرى قد يشتعل القلم، ولا ننسى أن الرواية نمت في الحرب الأهلية مثلاً. لكن ما يحدث الآن أخطر من تلك الحرب. تخلخل المجتمع وشهد البلد انحلالاً. حين يُواجَه الروائي بين خيار القلم والورق وبين الدواء والماء، فماذا يختار؟ هل يكتب على الرمل أو الهواء في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار؟
أعترف أنني استخدمتُ في كتابة روايتي (تصدر قريباً) «افرح يا قلبي» مسودات رواياتي السابقة، فأعدتُ استعمال الورق القديم لكتابة رواية حملتها بعض ظلال المرحلة. ربما هي أجمل رواياتي، لستُ أدري.
وجدتُ نفسي مدفوعة للكتابة بجنون رغم غلاء سعر الورق وآلام رافقتني لإنجازها. يشتعل قلمي حين تلح علي رواية بصرف النظر عن الواقع الذي أعيشه. ومع انحلال الحياة وجدتُني مدفوعة للكتابة بدفق. لم تنقذني سوى الكتابة والخيال. ليس هروباً من الواقع، إنما لنجاة النص وحياته. وحده الخيال يجعل النص صديق الحياة.
لا تخرج الكلمات بإشعاعها وفرادتها إلا حين يستطيع الكاتب خلق عالم حي. ولا أنفصل عن الواقع إلا حين أغرق في عالم الرواية وحيوات شخوصها. أحيا عوالمهم ليولدوا أحياء. وأشعر بوجودي في حياة النص. الكتابة فسحة حرية وهواء.
لا أشعر بالكآبة، بل أخاف منها. فهي تصيبني فقط بعد الانتهاء من الرواية وحين تغادرني شخوصها. لكن لا شك بأنني لا أنجو من الكآبة اللبنانية، فأواجهها بشجاعة القلم. لن تأخذ أي مرحلة خيالي ما دمتُ أروي لأعيش، وليس كما يقول ماركيز «عشتُ لأروي». كما لن تأخذ السلطة السياسية وأحزابها التخريبية لبناني مني، فأنا متجذرة في مدينة يتجذر قلمي فيها. وفيها يتجذر خيالي الروائي.
يمكن أن تكون الأزمة اللبنانية جداراً في وجه الكاتب، وقد تكون مادة لولادة عمل أدبي. هذا يعود للروائي ومدى انجذابه للكتابة عنها. قد تأخذ أي مرحلة وقتاً للكتابة عنها بعد تحقق الانفصال الزمني وتشكل وعي فني تجاهها.

جورج يرق: أجلس في العتمة منتظراً ساعة الغفو

الوضع الاقتصادي السائد في منتهى الصعوبة. ذل وقهر وفقر. لكنه لا يطفئ الرغبة في الإبداع، إنما يعوق اشتعالها... الاشتعال المفترض. ليس سهلاً الجلوس إلى الكتابة وأصوات معدتك الفارغة ترافق أصوات النقر على أزرار الكومبيوتر. الكتابة متعذرة في حال كهذه. ليس سهلاً كذلك الانكباب على متابعة الأفكار في حين يساورك القلق بشأن انقطاع أدوية بحاجة أنت إليها أو والدتك العجوز المريضة، أو بشأن فقدان الخبز من الأفران وغيره من المواد الضرورية.
منذ مارس (آذار) الماضي، ألغيت اشتراك المولد الكهربائي لارتفاع التعرفة. ومعروف أن التيار الكهربائي التابع للدولة غائب تماماً. هكذا أصبحت منقطعاً عن العالم بعدما فقدت الاتصال بالإنترنت. أضطر يومياً إلى شحن بطاريات الكومبيوتر والهاتف وخزان الشحن في الخارج، علماً بأن عمر الشحن قصير جداً، إذ أستعمل الهاتف للإنارة أحياناً. مثل هذه العوامل يكبح الاندفاع إلى العطاء. فبدلاً من أن أخصص نصيباً من السهرة للقراءة أو للكتابة، أجلس في العتمة منتظراً ساعة الغفو. اللجوء إلى الشمعة مستبعد لضعف في النظر جراء التقدم في العمر وكثرة القراءة. عدا ذلك، فإن الكتابة ليست مهنة تتيح لمزاولها عيشاً كريماً، وهذا أمر مُحبط. روايتي «حارس الموتى» (2015) صدرت في ثلاث طبعات خلال سنة ونقلتها الجامعة الأميركية في مصر إلى الإنجليزية بعد بلوغها القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، ولم يأتني شيء من مردود النسخة المترجمة، وهي تُباع في بضع مكتبات إلكترونية عالمية. لماذا أكتب إذن؟ أكتب لأني لا أجيد عملاً آخر، ولأني أجد في الكتابة متعة، ولأني أريد أن أتسلى أيضاً.
لا بد للمبدع من بعض الاستقرار المادي والنفسي. أقله تناول وجبتين في اليوم. فعل الكتابة كفعل النوم. فالمرء لا يغفو إذا كان خائفاً أو جائعاً أو عطشان أو قلقاً. وهذه تماماً حال الكاتب. الانقطاع عن الناس ضروري لبعض الكتاب. أنا اعتدت الكتابة في أمكنة عامة: حديقة، شاطئ، مقهى. بسبب الضيق الاقتصادي الحرج بتُ من رواد مقاعد الرصيف بعدما كنت من رواد مقاهي الرصيف، ليس للكتابة طبعاً، بل لتزجية الوقت. المعاناة تلجم الهمة والقريحة إبان حدوثها. لدى الخروج منها يستعيد الكاتب بعض تردداتها المؤثرة ويبسطها في عمله الأدبي. ما كتبته عن التشرد في روايتي «ليل» (2013) و«حارس الموتى» استوحيته مما كابدته خلال الحرب اللبنانية، إذ أمضيت ثلاثة أعوام متشرداً. وليس خافياً أن الكتابة تخرج صادقة ومؤثرة عندما تولد من حالة معيوشة. على أن الإحباط يتجلى في إرجاء النشر لأن القارئ يسعى اليوم إلى تأمين الرغيف والدواء وقسط المدرسة، ولا يكترث للكتاب الجديد الذي بات ثمنه مرتفعاً ارتفاعاً كبيراً مقارنة بسعره قبل الأزمة. لدي ثلاث روايات منجزة، إحداها للفتيان، أستأخرُ طبعها لهذا السبب. ما من حال، أياً تكون مفاعيله، يكبح فعل الكتابة، على افتراض أن هذا الفعل لا يترجم بالقلم والورقة أو باستخدام الكومبيوتر فحسب، بل كذلك بمراكمته في الرأس إلى أن يحين أوان إنزاله في الورقة البيضاء. النكبة الحاصلة منهل غزير للأفكار غير الاعتيادية. مثالاً لا حصراً: مراكب الموت، تبدد مدخرات الناس وإفقارهم، دهم المودع للمصرف بغية استرداد وديعته، الموت على باب المستشفى لتعذر دفع بدل الاستشفاء، تشجيع الأهل أولادهم على الهجرة... هذه كلها موضوعات محرضة على الكتابة. ما دام واقعنا التَعِس يمدنا بحكايات حية فقد انتفت الحاجة إلى سرقة الأفكار من هنا وهناك.
أنطوان الدويهي: المأساة عبر الذاكرة

العلاقة بين الإبداع الأدبي والفني من جهة، وأحوال المجتمع من جهة أخرى، هي علاقة غامضة ومعقدة لا تحتمل التعميم. أقصد هنا الإبداع الكبير، وليس الأعمال العادية التي ربما تكون عديدة وغزيرة، خصوصاً في زمننا، وتنتشر وفقاً لإتقان العلاقات ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن ما أشير إليه هنا هي القلة النوعية التي تقوى على الزمن وتبقى، وليس الكمية. هذه العلاقة بين الذات واضطراب المجتمع تختلف بين مبدع وآخر، فيصعب الجزم بشأنها.
الإبداع الجمالي، الأدبي أو الفني، إنما يتكون عبر التفاعل بين غياهب الذات الفردية (في فرادتها وخصوصيتها وذاكرتها ووعيها ولا وعيها)، وأحوال المجتمع والطبيعة وعناصر التاريخ والكون. وكل ذات مبدعة لها تفاعلها المميز الخاص، وما يمكن أن ينتج عنه.
الأزمة الحالية ليست أقصى ما عرفته مكونات المجتمع اللبناني الحالي في تاريخه الحديث. لنأخذ مجاعة 1915 - 1918 الكبرى، إثر الحصار الذي فرض على جبل لبنان بعدما علق الأتراك نظام الحكم الذاتي وأقاموا الحكم العسكري والأحكام العرفية خلال الحرب العالمية الأولى، فأبيد ثلث سكان الجبل بفعل المجاعة والجراد والأمراض. حدثت أمور رهيبة تفوق الوصف. إنها على الأرجح المأساة الأفظع في تاريخ مجتمع جبل لبنان منذ «بدء الزمان». مع ذلك، لم تتجسد تلك الفاجعة الجماعية المهولة حتى الآن، على مدى أكثر من قرن، في أعمال إبداعية، أدبية أو فنية، كبرى (باستثناء رواية توفيق يوسف عواد «الرغيف»، ونص «مات أهلي» لجبران...). على صعيدي الشخصي، أشعر في أعماقي بقوة بتلك المأساة التي عرفتها عبر ذاكرة أمي وجدتي وعبر قراءاتي، وتهزني أكثر من الأزمة الحالية، على بشاعتها وخطورتها.
أحياناً يأتي العمل الإبداعي الكبير، ليس في الحاضر، بل بعد زمن طويل من انقضاء الاضطراب المجتمعي. لنأخذ مثلاً رواية تولستوي «الحرب والسلم»، إحدى روائع الأدب الروسي، التي موضوعها حملة بونابرت الكبرى على روسيا عام 1812، ظهرت الرواية عام 1865، بعد أكثر من نصف قرن على انتهاء تلك الحرب التي هزت المجتمع والوجدان الروسيين في أعماقهما، وحولت تاريخهما. لم يعرف تولستوي، المولود عام 1828، تلك الحرب، بل تعرف إليها وطبعته بطابعها عبر ذاكرة عائلته. والمبدعون الروس الذين عايشوا تلك الحرب واكتووا بنارها لم يستطيعوا تجسيدها في أعمال تضاهي عمله.
الإبداع الكبير، في نقطة التلاقي السري بين الذات المبدعة وتحولات المجتمع والطبيعة ومسار التاريخ، لا يسهل توقعه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.