الحقيقة الأدبية نسبية وحمالة أوجه والخرائط تبدلت

ملاحظات على ملاحظات سعد البازعي حول «مسارات الحداثة»

الناقد سعد البازعي  -  الشاعر السعودي محمد العلي
الناقد سعد البازعي - الشاعر السعودي محمد العلي
TT

الحقيقة الأدبية نسبية وحمالة أوجه والخرائط تبدلت

الناقد سعد البازعي  -  الشاعر السعودي محمد العلي
الناقد سعد البازعي - الشاعر السعودي محمد العلي

لا يسَعني بدايةً سوى شكر الناقد الصديق سعد البازعي، المشهود له بسَعة الثقافة والصدر، على تقديره الإيجابي لتجربتي الشعرية، كما على اهتمامه بكتابي النقدي «مسارات الحداثة»، الذي صدر قبل شهور عدة، وتجشّمه من ثم عناء مناقشة محتوياته.
ولا بد لي في الوقت نفسه من مضاعفة شكري إياه؛ لتذكيره القراء بأننا نتشاطر قواسم مشتركة عديدة، بينها الجذر الثلاثي الذي اشتقت منه تسمية العائلتين. على أن الصديق الناقد الذي كاد يعفيني، عبر ما وجده لي من أعذار، من تبِعات الاختيارات والتباساتها، ما لبث أن أعاد الأمور إلى مربعها الأول، سواء فيما يتعلق بدول الحداثة التأسيسية ومناطقها، أو بالأسماء المستبعَدة من الكتّاب، وجُلّهم من جيل السبعينيات غير المشمول بالتناول النقدي.
ولمّا كان البازعي قد أشار إلى وقوعه في المأزق نفسه، إثر صدور كتابه الموسوعي المميز «معالم الحداثة»، حيث تبارى الكثيرون في لومه على تغييب هذا الاسم أو ذاك من الكُتاب والمفكرين، فقد ظننت أن ما واجهه من انتقادات سيدفعه، بحكم تماثل وضعينا، إلى التعامل مع كتابي بتفهّم أكبر وانتقادات أقل وطأة، لكن ما حدث هو العكس تماماً، حيث عاد عن اعتباراته التخفيفية، ليسدد باتجاه الكتاب العديد من «رشقات» الملاحظات، و«سهام» المآخذ.
والواقع أن بعض الملاحظات التي أوردها البازعي بشأن الكتاب، يمكن أن تُدخلنا في مزالق ومحاذير يصعب الخروج منها، وخاصة عبر مطالبته بتوزيع جغرافي عادل للحداثة، الأمر الذي يحوّل الكتاب، في حال الأخذ به، إلى نوع من جامعة ثقافية موازية لجامعة الدول العربية. أما بالنسبة للشعراء المختارين، فلا بد من التذكير بأن العمل الإبداعي لا يندرج في خانة الحقائق اليقينية، بل هو نشاط خاضع لمبدأ النسبية، كما لذائقة المتلقي وتكوينه الثقافي والمعرفي، الأمر الذي يجعل من المتعذر تماماً الرؤية إلى التجارب الإبداعية بالطريقة نفسها من قِبل القراء والنقاد والدارسين.
ولعلّ من حسن حظ البشر أن تكون لهم تلك المروحة الواسعة من الأمزجة والأذواق وطريقة النظر إلى الأشياء؛ لأنه من دون ذلك، لن نعثر إلا على نموذج أحادي للجمال والحب وطريقة العيش، وعلى نموذج مماثل للكتابة والفن. وإذا كان النقد الأدبي من جهته يمتلك الكثير من سمات العلم والبحث المعرفي الرصين، إلا أنه يقع في باب العلوم «اللينة» والمفتوحة على الاجتهاد والتأويل، كما كنتُ قد أشرت في مقدمة الكتاب.
وبالعودة إلى ملاحظات الصديق البازعي، يمكنني القول إن النقطة المتعلقة بجغرافيا الحداثة هي بالقطع أكثر إثارة للحساسيات المحلية، من النقطة المتعلقة بالأسماء؛ لكونها يمكن أن تُحمل على محمل الشوفينية النقدية، وإعلاء بعض الكيانات السياسية على حساب كيانات أخرى. على أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن قبل سواه هو التالي: منذ متى كانت خرائط الإبداع العربي يتم ترسيمها وفقاً لحدود الدول القُطرية والكيانات السياسية والوطنية؟ وإذا كانت غالبية هذه الكيانات لا يزيد عمرها عن القرن الواحد، فإن عمر اللغة والشعر العربيين يزيد عن ألف وخمسمائة عام، كما أن كليهما يسبحان في الأوقيانوس إياه، ولو تنوعت مشاربه ومذاقاته. ومن الذي يتعامل اليوم مع امرئ القيس بوصفه شاعراً نجدياً، والمتنبي بوصفه عراقياً، وأبي العلاء بوصفه سورياً؟
وحتى لو صرفنا النظر عن هذه المسألة، فلماذا لم يُشِر الصديق البازعي بالاسم إلى الشعراء الحداثيين المؤسِّسين، وخاصة من جيل الخمسينيات في الخليج والمغرب العربي؛ لأن ما أعرفه هو أن الحداثة الشعرية، بشقّيها التفعيلي والنثري، قد نشأت في العراق، ثم توزعت عبر مجلات «الرسالة» و«الأديب» و«الآداب» و«شعر» وغيرها، بين لبنان ومصر وسوريا وبعض دول المشرق المجاورة. أما دخول منطقتي المغرب العربي والخليج على خط الحداثة فقد جاء متأخراً نسبياً، ليتوزع بتفاوت بين ستينيات القرن الماضي وسبعينياته.
وإذا كنت قد أشرت إلى الإرهاصات الحداثية المبكرة لأبي القاسم الشابي، فإن معظم التجارب المغاربية الحداثية تنتمي إلى حقبتي الستينيات والسبعينيات. أما على الصعيد الخليجي فإن تجربة الشاعر السعودي محمد العلي تقع في طليعة التجارب الحداثية المماثلة، إلا أن هذه التجربة لم تأخذ لسوء الحظ طريقها إلى النشر، في حين أن تجارب محمد الثبيتي وبعض مُجايليه من الحداثيين تنتمي هي الأخرى إلى حقبة السبعينيات، التي تقع خارج نطاق الكتاب.
ولا حاجة بي إلى التذكير بأنني أشرت، غير مرة وفي مقالات مختلفة، إلى أن ما سُمي بدول المركز وعواصمه لم يعد حِكراً على مربع بغداد- القاهرة- بيروت- ودمشق، وإلى أن المغرب العربي والخليج قد بدآ يتحولان منذ سنوات إلى بؤرتين هامتين للمعرفة والإبداع وثقافة التنوير، حيث تلمع هنا وهناك عشرات الأسماء الهامة في مجالات الشعر والسرد، والفن بوجه عام.
أما فيما يخص الأسماء التي أشار البازعي إلى إغفالي إياها، فالبردوني وحده هو الذي ينطبق عليه من بينها معيار الدراسة الزمني. ومع أنه شاعر كبير ومجدد بالقطع، إلا أن تجديده الشعري يدخل في نطاق الكلاسيكية الجديدة، ولا يجعل منه شاعراً حداثياً، وإلا كان عليّ أن أوسّع المنظور الحداثي أكثر مما يحتمل، ليضم عشرات الخليليين من طراز إلياس أبو شبكة وخليل مطران وبدوي الجبل والجواهري وعمر أبو ريشة، وكثر غيرهم، بما يُدخل الكتاب في متاهة نظرية لا أول لها ولا آخر.
وإذا كنت قد خصصت سعيد عقل بالدراسة، دون سواه من الشعراء الخليليين، فلأنه من وجهة نظري، وبعيداً عن شطحاته السياسية، الشاعرالذي أوصل الجمالية الشعرية الكلاسيكية إلى تخومها القصوى، وإلى مأزقها الحتمي في الآن نفسه، بما جعل من تشظّي البنية التناظرية للبيت الشعري من بعده، أمراً لا مفر منه.
وإذ يشكّ الصديق البازعي بأن يكون اللبناني عصام محفوظ أكثر أهمية من اليمني عبد العزيز المقالح، فأنا لا أشاطره الشك نفسه فحسب، بل أؤكد بالقطع أن الثاني أشعر من الأول وأكثر موهبة وتنوعاً. لكن اشتمال الكتاب على محفوظ، وعدم اشتماله على المقالح، يعود إلى كون محفوظ جزءاً، ولو متواضعاً، من مغامرة «شعر» التجديدية في أواخر خمسينيات القرن الفائت، وهو قد انسحب من الشعر إلى المسرح في وقت لاحق، في حين أن المقالح ورغم ولادته عام 1937 ومُجايلته لمحفوظ، يعتبر على الصعيد الإبداعي واحداً من شعراء السبعينيات، حيث صدر ديوانه الأول «لا بد من صنعا» عام 1971. والأمر نفسه ينطبق على محمد بنيس وقاسم حداد ومنصف الوهايبي ومحمد الغزي، الذين صدرت أعمالهم الأولى بين الأعوام 1970 و1982. ولو طبّقنا هذا المعيار التحقيبي على الكتّاب، لوجب أن أضم إليه أسماء بالغة الأهمية من جيلي الستينيات والسبعينيات.
وإذ آثرتُ أخيراً أن أقدم الأسماء الهامة والمتميزة من جيلي الحداثة الثانية والثالثة، عبر جزء لاحق من الكتاب، فيهمّني أن أوضح في الوقت نفسه أنه سبق لي أن تناولت بالقراءة النقدية، وعبر منابر ثقافية مختلفة؛ ليس فقط الشعراء الذين خصّهم البازعي بالذكر، بل عشرات غيرهم ممن رفدوا الحداثة العربية بالكثير من عناصر الجِدة والمغايرة والانقلاب على السائد.
وفي أية حال لقد اجتهدت قدْر ما أعرف وقدْر ما أستطيع، فإن أصبتُ، كما يقول الحديث الشريف، فلي أجْران، وإن أخطأت فلي أجر واحد، وهو أجرٌ ليس بالقليل في أية حال.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الخدعة انكشفت... دماغكم لا ينجز مَهمَّتين في وقت واحد!

خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
TT

الخدعة انكشفت... دماغكم لا ينجز مَهمَّتين في وقت واحد!

خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)

لا يستطيع الدماغ البشري إنجاز مَهمّتين في الوقت عينه فعلياً حتى مع قدر كبير من التدريب، بل إنه يعالج هذه المَهمّات بالتتابع كما هو معتاد، وفقاً لدراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «كوارترلي جورنال أوف إكسبيريمينتال سايكولوجي»، وأجرتها جامعة مارتن لوثر في هاله فيتنبرغ الألمانية، وجامعة التعليم عن بعد في هاغن، وكلية «ميديكال سكول هامبورغ».

وخلال الدراسة عالج المشاركون مَهمّتين حسّيتين في الوقت عينه، إذ طُلبت منهم الإشارة إلى حجم دائرة تظهر لمدّة وجيزة باستخدام اليد اليمنى، وفي الوقت نفسه تحديد ما إذا كان الصوت الذي يسمعونه حاداً أو متوسطاً أو منخفضاً. وقيست سرعة استجابتهم وعدد الأخطاء التي ارتكبوها، وكُرِّرت الاختبارات على مدار أيام.

ومع زيادة التدريب أصبح المشاركون أسرع وارتكبوا أخطاء أقل. وكان يُنظر إلى مثل هذا التأثير التدريبي لمدّة طويلة على أنه دليل على استطاعة الدماغ معالجة المَهمّات بشكل متوازٍ إذا توفّر التدريب الكافي.

وقال عالم النفس تورستن شوبرت من جامعة هاله: «هذه الظاهرة المعروفة باسم التقاسم المثالي للوقت عُدَّت لمدّة طويلة دليلاً على المعالجة المتوازية الحقيقية في الدماغ، وعلى أنّ دماغنا قادر على تعدُّد المَهمّات بلا حدود»، مضيفاً في المقابل أنّ النتائج الجديدة تشير إلى عكس ذلك.

ووفق الباحثين، فإنّ الدماغ يقوم بتحسين ترتيب خطوات المعالجة بحيث لا تعوق بعضها بعضاً بشكل كبير. وقال شوبرت: «دماغنا بارع جداً في ترتيب العمليات واحدة تلو الأخرى»، مؤكداً أنّ لهذا التقاسم المثالي حدوداً.

كما تمكن فريق البحث من إثبات أنه عند إجراء تغييرات طفيفة جداً في المَهمّات، ارتفعت نسبة الأخطاء واحتاج المشاركون إلى وقت أطول لحلِّها. وشارك 25 شخصاً في 3 تجارب أُجريت ضمن الدراسة.

وأشار عالم النفس تيلو شتروباخ من كلية «ميديكال سكول هامبورغ» إلى أنّ لهذه النتائج أهمية أيضاً في الحياة اليومية، موضحاً أنّ تعدُّد المَهمّات قد يتحوّل إلى خطر، على سبيل المثال خلال قيادة السيارة أو في المهن التي تتطلَّب تنفيذ مَهمّات متوازية كثيرة.


«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها
TT

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

لا تطيق كيت وينسلت، بطلة «تيتانيك»، أن تشاهد نفسها في هذا الفيلم الذي حطّم الأرقام القياسية وأطلقها إلى العالميّة. صرّحت مرةً لشبكة «سي إن إن» بأنّ أداءها فيه فاشل، لا سيّما لكنتَها الأميركية المصطنعة التي لا تتحمّل الاستماع إليها، وفق تعبيرها.

ليست الممثلة البريطانية الحائزة على أوسكار، وحدها من بين النجوم السينمائيين الذين ندموا على أدوارٍ قدّموها وذهبوا إلى حدّ التنكّر لها. فلا أحد معصومٌ عن سوء التقدير والاختيار، لكن في عالم التمثيل لا يمرّ الخطأ من دون تسديد ضريبة أمام الجمهور. وفي سجلّات بعض كبار الممثلين، جوائز أوسكار تصطفّ إلى جانبها جوائز «راتزي» أو «التوتة الذهبيّة»، التي تُمنح لأسوأ أداء تمثيلي.

الراتزي لبراندو وبيري

حتى مارلون براندو، أحد عظماء هوليوود، حصل على «راتزي». هو الحائز على جائزتَي أوسكار خلال مسيرته عن فيلمَي «العرّاب» و«على الواجهة البحريّة»، نال جائزة أسوأ أداء عن فيلم «جزيرة الدكتور مورو» عام 1996.

مارلون براندو عام 1996 في فيلم «جزيرة الدكتور مورو» (إكس)

غالباً ما يجري توزيع تلك الجوائز بغياب مستحقّيها، إلّا أن لدى بعض الممثلين ما يكفي من جرأةٍ كي يتسلّموها شخصياً. وهكذا فعلت هالي بيري عام 2004، عندما اعتلت مسرح جوائز الراتزي ورفعت سعفة أسوأ أداء عن دورها في فيلم «المرأة القطّة».

حرصت بيري يومها على أن يرافقها إلى المسرح مخرج الفيلم وبعض زملائها الممثلين، حيث توجّهت إليهم ممازحةً: «لتقديم أداء سيئ فعلاً كأدائي، يجب أن يكون أمامك ممثلون سيّئون حقاً». وكي تزداد اللحظة فكاهةً، حملت بيري الراتزي في اليد اليمنى أما في اليسرى فرفعت الأوسكار الذي كانت قد حصدته قبل 3 سنوات عن فيلم «Monster's Ball».

الممثلة هالي بيري حاملةً جائزتَي أفضل وأسوأ ممثلة عام 2004 (موقع راتزي)

ساندرا بولوك لم تنجُ

في ظاهرة فريدة، نالت ساندرا بولوك جائزتَي أوسكار وراتزي في العام نفسه. حصل ذلك في 2010، عندما كُرّمت الممثلة الأميركية في أهم المحافل الهوليوودية عن أدائها في فيلم «البُعد الآخر». لكن ما هي إلا أسابيع حتى مُنحت جائزة راتزي لأسوأ تمثيل في فيلم «كل شيء عن ستيف».

مثل زميلتها بيري، لم تتردّد بولوك في الحضور، وقد جلبت معها صندوقاً مليئاً بنُسَخ من الفيلم. وهي مازحت الجمهور قائلةً: «أتحدّاكم بأن تقرأوا سطوري في الفيلم أفضل ممّا فعلت».

ساندرا بولوك لدى تسلمها جائزة راتزي عن أسوأ أداء عام 2010 (أ.ب)

براد وليو

قبل أن يثبت نفسه كأحد الأرقام الصعبة في هوليوود، وقبل سنواتٍ من حصوله على أوسكار، نال الممثل براد بيت بدوره جائزة راتزي عن أسوأ أداء في فيلم «مقابلة مع مصّاص الدماء» عام 1994.

وهكذا حصل مع ليوناردو دي كابريو، الذي وصفه المخرج مارتن سكورسيزي كأحد أعظم الممثلين في تاريخ السينما. فقبل سنوات على تلك الشهادة وعلى الأوسكار الذي حصده عام 2016، كان دي كابريو قد نال جائزة أسوأ أداء عن فيلم «الرجل في القناع الحديدي».

نيكول كيدمان وكبار الزملاء

مهما بلغت بهم الخبرة والشهرة وأعداد جوائز الأوسكار، يكاد لا ينجو أيٌ من كبار نجوم هوليوود من صفعة «التوتة الذهبية». ومن بين مَن حملوا الأوسكار بيَد وحُمّلوا الراتزي باليد الأخرى، الممثلون توم هانكس، وميل غيبسون، وآل باتشينو، ولورنس أوليفييه، وليزا مينيللي، وكيفن كوستنر، ونيكول كيدمان.

وعلى قاعدة «جلّ من لا يخطئ»، يقرّ عدد كبير من الممثلين بالهفوات التي ارتكبوها ولا يمانعون في التعبير عن ندمهم على المشاركة في بعض الأفلام.

عن بطولتها فيلم «أستراليا» عام 2008، تقول الممثلة نيكول كيدمان، في حديث مع صحيفة «سيدني مورنينغ هيرالد»: «لا يمكنني أن أشاهد هذا الفيلم وأشعر بالفخر بما فعلت. لكن أظنّ أنّ زميليّ هيو جاكمان وبراندون والترز كانا رائعَين».

نيكول كيدمان في فيلم «أستراليا» الذي تصف أداءها فيه بالفاشل (موقع الفيلم)

«جيمس بوند» و«باتمان»

من قال إنّ جيمس بوند لا يخطئ؟ يكفي سؤال الممثل بيرس بروسنان للحصول على الردّ. ففي حديث مع صحيفة «تلغراف» عام 2014 صرّح الممثل المخضرم بأنه لم يشعر بالأمان عندما أدّى تلك الشخصية، وذهب إلى حدّ القول: «لا رغبة لديّ في مشاهدة نفسي كجيمس بوند، لأنّ الشعور مريع».

نجمٌ آخر من الطراز الأول يعتبر نفسه فاشلاً في أداء شخصية أسطورية. هو جورج كلوني الذي أعلن في مجموعة من الحوارات الصحافية أنه كان سيّئاً جداً في فيلم «باتمان وروبن». ويضيف كلوني: «إذا شاهدت الفيلم أصاب بآلام جسدية. لقد دمّرتُ فكرة باتمان».

جورج كلوني في شخصية باتمان (موقع الفيلم)

«هاري بوتر»

من الصعب التصديق أنّ بطل «هاري بوتر»، الممثل دانييل رادكليف، غير راضٍ إطلاقاً عن تجربته التاريخية تلك. يصعب عليه مشاهدة أدائه في السلسلة لما ارتكب فيها من أخطاء. يقول رادكليف لصحيفة «ديلي ميل» عن جزء «هاري بوتر والأمير الهجين»: «أكرهه. من الصعب أن أشاهده لأنني لست جيّداً فيه وأدائي رتيب».

الممثل دانييل رادكليف بطل سلسلة هاري بوتر (موقع الفيلم)

حتى أنتِ يا مارلين...

عندما سألته صحيفة «غارديان» عن أسوأ ما فعله، أجاب الممثل إيوان ماك غريغور: «مهنياً، شخصية فرانك تشرشل في فيلم إيما. اتخذتُ قرار المشاركة في هذا الفيلم لأني اعتقدتُ أنه يجب أن أظهر بمظهر مختلف عن فيلم Trainspotting، لكن قراري كان خاطئاً». وأضاف أن الفيلم جيّد لكنه لم يبرع فيه.

إيوان ماك غريغور في فيلم إيما عام 1996 (إنستغرام)

رُشِّحت ميريل ستريب لجائزة الأوسكار عن دورها في فيلم «امرأة الملازم الفرنسي» (1981)، لكنها لا تعتقد أنها قدّمت فيه أداءً جيداً. وفي حديثها عن الدور ضمن برنامج تلفزيوني، قالت ستريب: «كانت بنية الفيلم مصطنعة نوعاً ما، كما أنني كنتُ شابة وحديثة العهد في هذا المجال لكني لم أكن سعيدة بما يكفي. لم أشعر بأنني أعيش التجربة».

حتى أميرة الشاشة الفضية ومحبوبة الجماهير مارلين مونرو، أبدت امتعاضها من أدائها في فيلم «المنبوذين». وفي رسالةٍ عُرضت للبيع في مزاد علنيّ عام 2020، كتبت مونرو أنها لم تكن راضية عن الفيلم الذي ألّفه زوجها آرثر ميلر، محوّلاً حياة الشخصية روزلين تابلر إلى ما يشبه حياة مونرو.


رغم ثروته الضخمة… والدة إيلون ماسك تتحدث عن نمط معيشته المتواضع

الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز)
TT

رغم ثروته الضخمة… والدة إيلون ماسك تتحدث عن نمط معيشته المتواضع

الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز)

رغم أنه يُعد أغنى شخص في العالم ويملك ثروة هائلة، فإن أسلوب حياة إيلون ماسك يبدو بعيداً عن مظاهر الرفاهية الفاخرة التي غالباً ما ترتبط بالمليارديرات. فقد كشفت والدته، ماي ماسك، عن بعض تفاصيل حياة ابنها اليومية، مشيرة إلى أن نمط معيشته يتسم بقدر كبير من البساطة، حتى إن منزله لا يحتوي سوى على أساسيات قليلة مثل ثلاجة شبه فارغة ومنشفة واحدة، وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت تصريحات ماي ماسك حول أسلوب حياة ابنها في الوقت الذي أصدرت فيه مجلة «فوربس» أحدث قوائمها لأثرياء العالم.

وتُظهر القائمة أن مؤسس شركة «سبيس إكس»، البالغ من العمر 54 عاماً، يمتلك ثروة ضخمة تُقدَّر حالياً بنحو 839 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل تقريباً مجموع ثروات «أفقر» 63 مليارديراً في القائمة.

وكانت والدة ماسك ترد على منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يعرض - على ما يبدو - المسكن الذي يقيم فيه ابنها في بوكا تشيكا، وهي منطقة تقع في جنوب ولاية تكساس، حيث يوجد موقع إطلاق الصواريخ «ستار بيس» التابع لشركة «سبيس إكس».

وكتبت ماي ماسك في تعليق نشرته عبر حسابها على «إنستغرام»: «لا يوجد طعام في الثلاجة. المرآب الذي نمتُ فيه على اليمين. وفي الحمام توجد منشفة واحدة فقط، لذلك تركتها لإيلون. لم يكن لديّ أي مانع في ذلك».

كما تحدثت عن تجربتها الشخصية في الطفولة، مشيرة إلى أنها نشأت في صحراء كالاهاري وكانت تقضي أحياناً أسابيع دون أن تستحم.

وفي مقابلة سابقة، قال إيلون ماسك إن قيمة المنزل الذي يقيم فيه تبلغ نحو 45 ألف دولار فقط.

وكان المنشور الأصلي الذي ردّت عليه ماي ماسك يعرض صوراً لمطبخ وغرفة معيشة تحتوي على عدد محدود من الأغراض. وجاء في التعليق المرافق له: «منزل إيلون ماسك في بوكا تشيكا بتكساس. لا توجد فيه أشياء فاخرة، بل يضم فقط ما هو ضروري للحياة».

وبحسب قائمة مجلة «فوربس»، يأتي خلف ماسك في صدارة قائمة أثرياء العالم عدد من عمالقة التكنولوجيا والإعلام، وهم لاري بيج، وسيرغي برين، وجيف بيزوس، ولاري إليسون، ومارك زوكربيرغ، على التوالي.

وأشارت المجلة إلى أن العام المنتهي في الأول من مارس (آذار) 2026 كان «من أفضل الأعوام على الإطلاق في تكوين ثروات المليارديرات». فقد شهدت القائمة انضمام 390 اسماً جديداً، من بينهم شخصيات بارزة مثل دكتور دري، وبيونسيه، وروجر فيدرر، إضافة إلى عدد كبير من رواد الأعمال العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي.

أما أغنى امرأة في العالم للعام الثاني على التوالي، فهي وريثة سلسلة متاجر وول مارت، أليس والتون، التي تُقدَّر ثروتها بنحو 134 مليار دولار.