كاي شو وتوفيق صايغ... المرأة المعشوقة ملهمةً و«ملتهِمةً»!

هل كانت علاقتهما المأزومة تجسيداً رمزياً لعلاقة الشرق بالغرب؟

توفيق صايغ
توفيق صايغ
TT

كاي شو وتوفيق صايغ... المرأة المعشوقة ملهمةً و«ملتهِمةً»!

توفيق صايغ
توفيق صايغ

حين شرعتُ قبل ستة عشر شهراً على وجه التقريب، في الكتابة عن الحياة الزوجية للكُتّاب والفنانين، لم أكن بعيداً كل البعد عن الفكرة القائلة: «إن المبدعين بغالبيتهم أزواج فاشلون وعشاق ناجحون». والسبب في ذلك لا يعود إلى المصادفات البحتة بالطبع؛ بل إلى تبرم المشتغلين بالإبداع من كل ما يتصل بالمؤسسات والواجبات والقيود الاجتماعية الصارمة، ومن بينها «مؤسسة الزواج»، وتعلقهم في المقابل بكل ما يتصل بالشغف، والتمرد على الأعراف، والعلاقة العاطفية الحرة مع الآخر المعشوق.
واللافت في الأمر أن السِّير الشخصية للأزواج المتناوَلين بالدراسة والاهتمام لم تنفِ هذه الفرضية؛ بل أعادت تظهيرها وتأكيد قربها من الحقيقة مرة أخرى.
وعلى الرغم من أن بعض الثنائيات المختارة قد اتسمت علاقاتها بالتناغم العاطفي والروحي، والتضحية المتبادلة والوفاء التام، فإن بعضها الآخر لم يكن له أن يصل إلى بر الأمان، إلا عبر أثمان باهظة الكلفة، قائمة على نوع من المقايضة الصعبة بين «خيانة الجسد» و«وفاء الروح»، كما في علاقة سارتر بسيمون دو بوفوار، وأراغون بإلسا تريوليه، وفريدا كاهلو بدييغو ريفيرا، وآخرين غيرهم.
وإذا كان الحب -وفق رؤية كثيرين- أقرب إلى روح الإبداع وعصبه ومعناه، فلأن كليهما من طبيعة واحدة هي الكثافة، ولأن كليهما نار وقودها الغياب، ولأن كليهما تحييه المعصية ويميته الامتثال، ولأن كليهما يتغذى من مصدر واحد هو الهيام والافتتان والشغف من جهة، والمسافة والفقدان وعدم التحقق، من جهة أخرى.
ولما كانت السلسلة المتعلقة بزواج المبدعين قد استنزفت معظم الثنائيات المهمة التي تندرج في هذه الخانة، فقد رأيت أن من المناسب الانتقال إلى الخانة الأخرى، متتبعاً هذه المرة مكابدات الثنائيات العاشقة التي آثرت الإقامة في كنف التوتر واللهفة، والحضور الموارب وغير المتحقق للآخر المعشوق. وإذا كنت أستهل السلسلة الجديدة من الثنائيات المختلفة التي لم تتكلل علاقاتها العاطفية بالزواج، فإن هذا الأمر هو من باب الصدف المجردة، وليست له دلالات تفضيلية تميزه عن سواه. وستتبعه لاحقاً ثنائيات مماثلة ومتفاوتة التجارب والمصائر.
والواقع أن أي مقاربة معمقة للعلاقة الغريبة والصعبة التي جمعت بين توفيق صايغ ومعشوقته البريطانية كاي شو، التي ظل يرمز إليها بالحرف «ك»، لا بد من أن يسبقها إلقاء ضوء سريع على الظروف المعقدة التي جعلت من صايغ كائناً مثلوم الهوية، وهو المولود في إحدى قرى حوران لأب مسيحي بروتستانتي هو عبد الله صايغ، وأم لبنانية هي عفيفة البتروني، اللذين اضطرا بفعل العواصف السياسية العاتية التي شهدتها المنطقة في منتصف عشرينات القرن الماضي للنزوح باتجاه قرية البصة الفلسطينية، والإقامة فيها لزمن طويل، قبل الانتقال إلى طبريا، حيث تلقّى توفيق دروسه الابتدائية، ليلتحق بعدها بالكلية العربية في القدس، التي لم تترك في نفسه -على الرغم من تفوقه الدراسي- سوى شعور بالتبرم والضيق، ناجم عن القيود الصارمة لأنظمة تلك المؤسسة التربوية العريقة؛ لكن ما افتقده صايغ في ظل المناخ المتزمت للكلية العربية المقدسية، ما لبث أن استعاده في جامعة بيروت الأميركية، حيث الرحابة والحرية والانفتاح التام على ثقافة العصر وتحولاته السريعة.
وإذا كان قد عاد إلى القدس للعمل مترجماً ومدرساً بعد تخرجه في الجامعة، فقد شاءت الظروف أن يغادر فلسطين باتجاه لبنان قبل فترة وجيزة من نكبة عام 1948، ليعمل في مكتبة المركز الثقافي الأميركي في بيروت، قبل أن يحصل من مؤسسة «روكفلر» على منحة لاستكمال الدراسة في جامعة «هارفارد»، ويغادر إلى الولايات المتحدة عام 1951؛ لكن الحدث الأكثر تأثيراً على صاحب «أضواء جديدة على جبران» في تلك الفترة، تمثل في غياب أمه المفاجئ، الأمر الذي ترك في داخله صدوعاً نفسية وعاطفية لم تجد سبيلها إلى الالتئام، على الرغم من كثرة الفتيات اللواتي أحطن به في محطات حياته البيروتية والأميركية والبريطانية. فقد كشفت الرسائل الكثيرة التي عُثر عليها بين أوراق صايغ، موهبته الفائقة في اجتذاب عديد النساء اللواتي أسرَهن حضوره اللامع ودماثة خلقه وثقافته الواسعة.
وفي كتابه اللافت «توفيق صايغ... سيرة شاعر ومنفى»، يفرد الباحث محمود شريح فصلاً كاملاً من الكتاب تحت عنوان «توفيق وعشيقاته»، مكتفياً -لأسباب اجتماعية معروفة- بذكر الأسماء الأولى لهاتيك العشيقات.
كما ينشر شريح في مؤلفه الجامع عن سيرة الشاعر، كثيراً من الرسائل الموجهة إليه من قبل معجباته الكُثر، حيث تكتب له سامية، زميلته في الجامعة الأميركية: «حبنا سيبقى حباً لم ولن يعرفه البشر، حباً سماوياً بعيداً عن شرور المادة وآثامها».
كما تكشف بعض الرسائل عما كان توفيق يعانيه من قلق وجودي وأزمات نفسية مبكرة، فتحثه فتاة أخرى، اسمها ثريا، على الخروج من «محيط المكتبة الموبوء، إلى الحقول والحرية والنور»، لتضيف قائلة: «أتدري يا توفيق ما الذي يجعلني أتمسك بالحياة أكثر؟ إنه وجودك فيها»، بينما تكشف أوراق توفيق رسائل من نوع آخر، بعثت بها من برمنغهام امرأة متزوجة اسمها جورجيت، كانت تربطها بالشاعر علاقة ما في فترة الدراسة الجامعية، حيث تكتب له جورجيت عام 1951: «أشتاق إليك، وأمد يدي لملامسة وجهك وشعرك وجبينك وحاجبيك (السوداوين)، ونار الشهوة تحرقني».
وثمة في أواخر الخمسينات ما يشير إلى علاقة أخرى بالفتاة الألمانية هيلغارد التي تخاطبه بالقول: «كركدني العزيز»، في إشارة منها إلى قصيدته الشهيرة «بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن» التي يتماهى خلالها مع الحيوان التراجيدي، الذي لا يتمكن صيادوه من الفتك به إلا لحظة التقائه بفتاة عذراء، حيث يفقد آنذاك قدرته على المقاومة ويستسلم لفتاته كما إلى منيّته في آن واحد.
وفي إحدى رسائلها له، تشير معجبته الألمانية إلى غرقه في التشاؤم ويأسه من الحياة، فتخاطبه بالقول: «رسالتك الأخيرة وكأنها وصلتني من شوبنهاور أو بوذا. عزيزي توفيق، ما بك؟ أنت لست متشائماً فحسب، بل تبدو وكأنك راغب في الموت».
على أن كل تلك العلاقات التي كشفت عنها رسائل المعجبات بتوفيق، لم تكن سوى مغامرات عابرة بالقياس إلى علاقته بكاي شو، الفتاة العشرينية التي قدمها لصايغ صديقه الإيراني حسن كمشد، إبان استئنافه دراساته العليا في جامعة «كمبردج»؛ ذلك أن شيئاً ما غامضاً و«شيطانياً»، بدأ يعصف بالشاعر الشاب منذ وقعت عيناه على الفنانة الإنجليزية اليتيمة الأبوين، ذات الأطوار الغريبة والمزاج الناري. ومع أن صايغ كان يصفها بـ«الجميلة» أثناء حديثه عنها، فإنها وفق رواية الكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي التي التقتها عن طريق الصدفة: «عادية الجمال وممتلئة ومتوسطة الطول»، إلا أن الجمال -كما نعلم- مسألة نسبية، وحمالة أوجه، ومتصلة بالرائي لا بالمرئي وحده. والأدل على ذلك هو أن الذين تعقبوا السِّير العاطفية للمبدعين، اكتشفوا أن معظم حبيباتهم الملهِمات، لم يكنّ على درجة عالية من الجمال. وسواء كانت كاي شو فتاة ساحرة أو متواضعة الجمال، فإن ذلك الأمر لا يغير شيئاً من واقع حال الشاعر الذي وقع تحت سطوتها بالكامل، وصولاً إلى تفكيره الجدي بالانتحار، بوصفه واحداً من الحلول المحتملة لانسحاقه المأساوي أمام حضورها الطاغي.
والحقيقة أن علاقة صايغ بكاي قد حملت في داخلها كل أسباب فشلها واحتدامها وانهيارها السريع، إذ لم يقدَّر للشاب المثالي الباحث في المرأة المعشوقة عن ملاذ جسدي وروحي آمن، أن ينعم منذ اللحظة الأولى بأسباب الطمأنينة والدفء والتوازن العاطفي. والفتاة اليانعة التي ظنها في بداية الأمر ضالته المثلى وفردوسه الخلاصي، سرعان ما أظهرت له صورتها الأخرى التي تمثّل وجهها الأول بالغيرة الشديدة ونزعة الامتلاك، بينما تمثل الثاني بمللها السريع من العلاقة، وتنكيلها بعاشقها المشرقي إلى حد إنهاكه النفسي والجسدي، وصولاً إلى تدميره. وهو ما دفع بعض الدارسين إلى القول إن كاي شو بدت في حضورها المدمر مزيجاً من شخصية «ك» في رواية «المحاكمة» لكافكا، ومن المآل المأساوي للحضارة في قصيدة إليوت «الأرض الخراب».
وإذ ينقل توفيق في مفكرته الشخصية، قول كاي له: «أنت ضعيف جداً إلى حد أني أجد لذة في رؤيتك تتعذب»، يقول في المفكرة نفسها: «كاي تخيفني، ويوماً ما قد تغتالني. إنها مصاصة دماء، مثلها مثل اللبؤة التي شاهدتها في حلمي في (هارفارد)، فحولتُ الحلم إلى قصيدة. إنَّ حبنا غير طبيعي».
وإذا صح ما ذهبت إليه الباحثة ندى الشريف من أن لتوفيق طفلة من كاي، سمَّتها باسمها ووضعتها في دار للأيتام، رغم محاولته اليائسة للاحتفاظ بها، فإن للمرء أن يتصور مدى المرارة والأذى اللذين ألحقهما بالشاعر شغفه المرضي بفتاته المعشوقة التي ملكت عليه قلبه وعقله، والتي كانت ترقص بشكل جلي على حبال الجناس الناقص بين المرأة «الملهِمة»، والمرأة «الملتهِمة».
وليس بالأمر الغريب تبعاً لذلك أن يتحول هذا الافتتان المعذَّب بكاي، وهذه الرغبة المستحيلة في امتلاكها، إلى نوع من الصاعق اللغوي والنفسي الذي دفع بالشاعر إلى تحرير كتابته من لواحق التقليد والمحاكاة، وإلى العثور في قصيدة النثر على ما يعكس تصدعات روحه وتشظيات قلبه، ونزوعه البالغ للذهاب إلى التخوم الأخيرة للعراك الإنساني مع الألم.
وقد عوض صايغ غياب الأوزان والقوافي، عبر شدِّه المتواصل لعصب اللغة، وشحنها بأسباب التوتر، وإكثاره من صيغ الابتهال والتضرع والمناداة، مستفيداً -وهو المطّلع بعمق على التراث المشرقي- من أسفار العهد القديم ولغة «نشيد الأنشاد»:
أطاردك من غير كلال، لا يصدّني الإخفاق
والتعثر يصبّ في قدميّ دماً جديداً
أكاد أجهل ذاتي، وأكاد أجهلك أنتِ
تتزيّين كل يوم بزيٍّ
وأسدد سهمي إليك، لكنْ قبل أن أطلقهُ
تنسابين مزمجرة بين الأدغال
وإذا كان صايغ قد أفرد لكاي جزءاً غير قليل من مذكراته، فلأن الشعر رغم توهجه لم يكن قادراً وحده على استيعاب تفاصيل احتداماته الداخلية، ومكابداته النفسية المروعة. ومع ذلك فقد حمل النثر عنده معظم خصائص الشعر وتشظياته وتساؤلاته الحارقة، فاكتظت مذكراته بعبارات التوتر والسخط على النفس، من نوع: «ليتني لم أعرفكِ لأفتش من جديد – هي معي في الفراش طيلة الليل؛ لكنني أقرأ في وجهها أنها ليست معي – أردتها نهراً سلسبيلاً فكانت شلالاً مخيفاً – ربّ ارحم ذاك الذي عاش برهة مع حبيبة أفعى - إنها تجعل من اصطياد الرجال أكثر من هواية لها، إنها تجعله شغلها الشاغل ومبرر حياتها».
والواقع أن توفيق صايغ قد جسَّد في شخصه وحياته وتجربته العاطفية والشعرية، كل ما يرمز إلى تراجيديا الإنسان، في صراعه الضاري مع تنين الألم والغربة والفقدان والمنفى. فهو قد خسر مسقط رأسه السوري، بفعل الإشكاليات التي حكمت انتماءه الديني البروتستانتي، ثم خسر وطنه الفلسطيني في فترة لاحقة، ثم سقط بضربة حبه القاصمة لكاي، التي لم يكن اصطدامه بها وليد اختلاف في الطباع والأمزجة فحسب، بل وليد ذلك الشرخ الحضاري العميق الذي تحدث عنه سهيل إدريس في «الحي اللاتيني»، وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، والطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»، حيث ادعاءات الفحولة والرغبة في تأنيث الآخر، هي سلاح ذو حدين لا يمكن الركون إلى نتائجه.
ولم يكن ينقص توفيق صايغ سوى اتهامه بالعمالة للغرب، بعد أن تبين أن مجلة «حوار» التي أصدرها في مطالع الستينات، ممولة بغطاء ثقافي من إحدى الهيئات المخابراتية الأميركية. وإذا كانت المصادفات الغريبة هي التي شاءت لصاحب «المعلَّقة» الشعرية الحديثة أن يقفل مجلته الرائدة قبل أيام معدودة من الهزيمة الثانية التي هي أشد وطأة، والتي عرفها العرب بعد نكبة فلسطين، فإن الهزات المأساوية الارتدادية لزلازل حياته العاطفية والفكرية والقومية، قد بلغت ذروتها الأخيرة مع توقف قلبه المفاجئ عن الخفقان، في مصعد المبنى الذي كان يقطنه في كاليفورنيا. أما مواراته الثرى في «مقبرة الغروب» المطلة على المحيط الهادئ، فقد بدت تتويجاً آهلاً بالمفارقات لحياته القصيرة التي غربت شمسها باكراً، والتي لم تعرف الهدوء للحظة واحدة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
TT

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات، وانتهت باكتشافه غير المتوقَّع في مكتبة محلّية يرتادها تابعة لمؤسّسة «أوكسفام».

وظلَّ بول ديكسون (66 عاماً) يبحث عن كتاب «فن إيونا الكلتي: أعمال ألكسندر ويوفيميا ريتشي» في طبعته التي نُشرت عام 2008. ويسجل الكتاب، وهو من تأليف ماري مكارثر ويقع في 80 صفحة، بشكل تأريخي وبترتيب زمني الحليّ المعقّدة وغيرها من الأعمال الفنّية اليدوية التي أبدعها ألكسندر ويوفيميا ريتشي، وباعاها، من متجرهما في جزيرة إيونا الذي تأسَّس عام 1899.

أصقل الفنانان مهاراتهما في كلية «غلاسكو» الراقية للفنون، وجعلا من الكتاب مرجعاً ضرورياً للمتحمّسين في حركة الفنون والأعمال الفنّية اليدوية التي تُعرف باحتفائها بالعمل الزخرفي الحرفي.

وفي هذا السياق، نقلت «الإندبندنت» عن ديكسون قوله إنّ رغبته في العثور على نسخة بدأت منذ 5 سنوات، وتزامنت مع وقت معرفته بوجود الكتاب للمرة الأولى. وأوضح: «أنا من أشدّ محبي الفنون والأعمال اليدوية وكلية (غلاسكو) للفنون، وأمتلك بعض المشغولات لألكسندر ريتشي، صانع الفضة والأشغال المعدنية الاسكوتلندي الشهير. وبمجرّد معرفتي بوجود الكتاب، شعرتُ بضرورة العثور على نسخة منه».

وشهدت رحلة بحثه المكتبات وبائعي الكتب النادرة في أنحاء المملكة المتحدة، بل وحتى تواصَلَ مع مكتبات في إيونا؛ الجزيرة الصغيرة النائية قبّالة الساحل الغربي لاسكوتلندا، طالباً منهم البحث عنه بين الكتب الموجودة على أرفف مكتباتهم. وأضاف: «بات الأمر سخيفاً قليلاً. كنت أستطيع إحضار كتب نادرة جداً من مختلف الأماكن، لكنّ هذا الكتاب الورقي الصغير، الذي نُشر خلال سنوات حياتي، قد راوغني كثيراً».

وأصبحت رحلة بحث ديكسون مثار الأحاديث في مكتبة «أوكسفام» التي كان من روّادها. وقال: «لقد تحوَّل الأمر إلى دعابة مستمرّة. وفي كلّ مرّة أدخل المكان، نتحدَّث عن الأمر. أعتقد أننا جميعاً قد بدأنا نتساءل عمّا إذا كان الكتاب موجوداً حقاً أم لا».

وبدت عملية البحث في نهايتها خلال نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، عندما وجد مدير المتجر، نيل باترسون، الكتاب بين مجموعة من الكتب المتبرَّع بها التي وردت إليه، وأوضح باترسون: «تحدّثنا عن ذلك الكتاب كثيراً. وعندما وَرَدَ، وضعنا لافتة على الواجهة الزجاجية نطلب فيها من بول المجيء لمعرفة ما إذا كان ذلك هو الكتاب المنشود الذي يبحث عنه».

مع ذلك، مضت أسابيع ولم يظهر ديكسون، وأضاف باترسون: «ظللتُ أتوقّع حضوره ودخوله من الباب، بل في وقت ما رأيته خارج المتجر يعقد رباط حذائه، وكنتُ أعمل مع زبائن ولم أتمكن من مناداته. وعندما نظرت مرة أخرى كان قد رحل. وبدأنا نتندَّر على الأمر، وقلتُ إنه أشبه بإعلان دليل (يلو بيدجز) الذي تظهر به شخصية (جيه أر هارتلي). شخص يتنقَّل بين المكتبات لسنوات عازماً على العثور على كتاب بعينه، ثم يجده أخيراً».

وظهر في الإعلان الكلاسيكي لـ«يلو بيدجز»، الذي عُرض للمرة الأولى في المملكة المتحدة عام 1983، رجل محبط يُدعى جيه أر هارتلي يبحث في المكتبة تلو الأخرى عن نسخة من كتابه «فلاي فيشينغ» الذي توقف طبعه.

فقط في يناير (كانون الثاني) 2026 عاد ديكسون إلى المتجر، ووجد أن لديهم الكتاب الذي يبحث عنه. وقال: «كان ردّ فعلي الأولي تجاه ما سمعته هو حالة من الدهشة وعدم التصديق. لقد توقّفت بالفعل عن البحث قبل أعياد الميلاد لأني كنت منشغلاً، ولم ألحظ اللافتة المُعلَّقة على الواجهة الزجاجية. لم أصدّق أنه ظهر بعد كلّ ذلك الوقت».

وقال باترسون إنّ تلك اللحظة تُجسِّد ما تُجيده المكتبات التابعة للجمعيات الخيرية. وأضاف: «لا يتعلَّق الأمر ببيع الكتب فحسب، بل بالمحادثات والاهتمامات المشتركة، وأحياناً مساعدة شخص في إتمام بحث لم يكن يتصوَّر أنه سينتهي».

وصرّحت مؤسّسة «أوكسفام» أنّ شبكتها، التي تضمّ 40 متجراً اسكوتلندياً، شهدت زيادة مقدارها 16 في المائة في مبيعات الكتب غير الروائية خلال العام المالي الحالي مقارنة بالعام الماضي، وأنّ إجمالي مبيعات كتبها المُستعملة ارتفع بنسبة 4.4 في المائة.

يُذكر أنّ الجمعية الخيرية شاركت تلك القصة احتفالاً باليوم العالمي للكتاب في 5 مارس (آذار).


«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
TT

«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)

قد يبدو الوقوع في الحب بسرعة أمراً رومانسياً، لكنه قد يخفي وراءه نمطاً سلوكياً يُعرف بـ«الإيموفيليا»، حيث يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر.

هذا النمط قد يؤدي إلى اختيارات غير صحية وعلاقات غير مستقرة على المدى الطويل.

ويشرح تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» مفهوم «الإيموفيليا»، أبرز علاماتها، أسبابها المحتملة، وتأثيرها على العلاقات، إلى جانب طرق التعامل معها لبناء ارتباطات أكثر توازناً واستدامة.

ما هي «الإيموفيليا»؟

«الإيموفيليا» هي مصطلح يُطلق على الشخص الذي يقع في الحب بسهولة وبشكل متكرر. وهي سمة مستمرة تظهر عبر العلاقات، وليست حالة عابرة. ورغم أنها ليست اضطراباً نفسياً مُشخّصاً، فإنها قد تؤدي إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، واضطراب عاطفي، وعلاقات غير مستقرة.

أبرز العلامات

يميل الأشخاص المصابون بالإيموفيليا إلى الوقوع في الحب قبل التعرف الحقيقي إلى الطرف الآخر، وغالباً ما يعتقدون أن كل علاقة جديدة هي «العلاقة المثالية». وقد تتشكل لديهم مشاعر قوية قبل فهم شخصية الشريك بشكل كافٍ.

ومن أبرز العلامات أيضاً تجاهل الإشارات التحذيرية (Red Flags) التي قد تدل على أن الشريك غير مناسب أو حتى مؤذٍ. ويركّز هؤلاء أكثر على شعور الحب نفسه والصورة المثالية التي يرسمونها للطرف الآخر؛ ما قد يدفعهم للارتباط بأشخاص أنانيين أو نرجسيين.

كما قد ينخرط البعض في سلوكيات خطرة، مثل التسرّع في العلاقة أو اتخاذ قرارات غير مدروسة؛ نتيجة اعتقادهم بأن العلاقة «مصيرية». وغالباً ما يجدون أنفسهم عالقين في علاقات يصعب الخروج منها بسبب التعلق السريع.

الأسباب المحتملة

لا يوجد سبب واحد محدد للإيموفيليا، لكن يُعتقد أنها قد ترتبط بخلل في هرمونات الشعور بالسعادة مثل الدوبامين والسيروتونين. كما قد يكون لدى بعض الأشخاص ميل للبحث عن إثارة الوقوع في الحب بشكل متكرر.

وقد ترتبط هذه السمة أيضاً بالانجذاب إلى شخصيات معقدة أو سامة، حتى لو لم يمتلك الشخص نفسه هذه الصفات.

ويشير خبراء إلى أن الإيموفيليا قد تكون على طيف، تتراوح بين سلوك بسيط إلى تأثيرات سلبية عميقة على الحياة العاطفية.

تأثيرها على العلاقات

غالباً ما تؤدي الإيموفيليا إلى علاقات غير مستقرة، حيث ينتقل الشخص من علاقة إلى أخرى بسرعة. فالشعور الأولي القوي لا يدوم عادة؛ ما يترك العلاقات دون أساس متين للاستمرار.

كما أن التسرّع في الارتباط يمنع تقييم الشريك بشكل واقعي، وقد يؤدي إلى علاقات تفتقر إلى العمق الحقيقي. وفي بعض الحالات، قد تستمر العلاقة لفترة أطول من اللازم رغم عدم صحتها، أو تنتهي بسرعة قبل أن تتطور بشكل طبيعي.

كيف يمكن التعامل معها؟

يمكن التخفيف من الإيموفيليا عبر التمهّل في العلاقات ومنح الوقت الكافي للتعرف إلى الطرف الآخر من دون مثالية مفرطة. ومن المفيد أيضاً تحديد الصفات الأساسية المطلوبة في الشريك، والتمييز بين ما هو مرغوب وما هو غير قابل للتنازل.

كما يُنصح بالاستماع إلى آراء الأشخاص الموثوقين، والانتباه إلى سلوك الشريك مع مرور الوقت بدلاً من الاعتماد على الانطباع الأول.

متى تطلب المساعدة؟

قد يكون العلاج النفسي مفيداً لفهم أسباب هذا السلوك والعمل على تغييره، خاصة من خلال مختصين في العلاقات أو أنماط التعلق. كما أن قضاء فترة دون الدخول في علاقات قد يساعد على إعادة تقييم الأنماط العاطفية وتطوير علاقات أكثر استقراراً في المستقبل.


بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)
تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)
TT

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)
تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح، وسعرها 1300 جنيه إسترليني، تُباع في متجر حلويات بغرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

وشهدت أسعار بيض عيد الفصح ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، لكن هذه البيضة تتصدَّر القمة.

ويشكو كثير من البريطانيين من إنفاق 4 جنيهات إسترلينية لشراء عبوة من بيض «كادبوري» الصغير، أو 10 جنيهات إسترلينية على بيضة عادية من بيض عيد الفصح، خصوصاً في ظلّ تناقص كمية الشوكولاته المستخدمة، مع استمرار ارتفاع الأسعار.

مع ذلك، كان السؤال: هل ستنفق أكثر من 1000 جنيه إسترليني لشراء بيضة عيد فصح واحدة؟ فهذا هو سعر بيضة واحدة ضخمة تُباع في أحد متاجر الحلويات بغرب لندن. ووفق موقع «ماي لندن»، قرَّر أحد ذوّاقة الطعام على مواقع التواصل الاجتماعي خوض التجربة، ودفع 1300 جنيه إسترليني لشرائها وإحضارها إلى المنزل لتذوّقها.

وينشر كارمي سيليتو بشكل منتظم تجارب لتذوّق أنواع مختلفة من الأطعمة، من خلال حسابه عبر «إنستغرام».

وفي بداية الأسبوع الحالي، توجَّه إلى متجر «مارشيسي» للحلويات، الذي تأسَّس عام 1824، في حي سوهو، لشراء بيضة عيد الفصح الأعلى سعراً. وليست هذه الحلوى الأولى باهظة الثمن التي يجلبها؛ إذ دفع في السابق 750 جنيهاً إسترلينياً مقابل بيضة أخرى من «مارشيسي» كانت تُباع في قاعة الطعام بمتجر «هارودز».

وشعر كارمي بالتوتَر من دخول المتجر، وطلب البيضة، لأنه كان يتهيَّب الأسعار. وسرعان ما دخل بمحادثة مع أحد العاملين هناك، الذي أخبره بمزيد من التفاصيل الخاصة بتلك البيضة باهظة الثمن.

وعرض العاملون البيضة الضخمة، التي كانت الأخيرة لديهم، وأخبروه أنّ العمل على تلك البيضة المزيّنة يدوياً يستغرق بين ساعتين و4 ساعات.

بعد شراء البيضة مقابل 1300 جنيه إسترليني، قال كارمي: «تنتابني قشعريرة. أشعر بالسخافة حالياً. أعلم جيداً أنّ الشوكولاته التي يبيعونها مذهلة، لذا أتحرَّق شوقاً لتناول هذه البيضة».

وكان قد صرَّح سابقاً أنّ بيضة «مارشيسي» الأرخص، التي جرَّبها من قبل، كانت «أفضل بيضة عيد فصح تناولها على الإطلاق»، لذا من المرجَّح أن تكون هذه البيضة جيدة أيضاً.

وقال عن تلك البيضة: «لقد تناولت قضمتين منها، والشوكولاته جيدة جداً. مذاقها يشبه مذاق أغلى شوكولاته تذوّقتها في حياتي. ربما لأنها كذلك بالفعل. إنها أفضل بيضة عيد فصح تذوّقتها على الإطلاق. أعتقد أنني سأمنحها تقييماً 10 من 10».

مع ذلك، كان المعلّقون على أحدث المقاطع المصوّرة له عن بيضة عيد الفصح أقل حماسة وانبهاراً، إذ قال أحدهم: «بالنظر إلى ذلك السعر، كنت أتوقّع مدة أطول لصناعتها».

وأضاف آخر: «ما المدّة التي يستغرقها إعداد البيضة؟ ساعتان وانتهى الأمر يا صديقي». وكتب ثالث: «إنها مذهلة حقاً، لكن دفع 1300 جنيه إسترليني مقابل بيضة عيد الفصح أمر بذيء».

وكان كارمي قد واجه انتقادات من قبل لثنائه على بيضة سعرها 750 جنيهاً إسترلينياً كان قد تذوّقها، إذ قال الناس إنه قد أنفق مبلغاً من المال يكفي لإطعام أسرة من 5 أفراد طوال شهر، واصفين السعر بأنه «باهظ بشكل مبالغ فيه».

لذا، ليس من غير المستغرب ألا ينبهر الناس أيضاً بأحدث المنتجات الباذخة التي اشتراها.