الغرب يسعى لكسب الوقت في «النووي» الإيراني لغياب الخيار البديل

لقاء مرتقب بين الرئيسين الفرنسي والإيراني على هامش الجمعية العامة في نيويورك

مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
TT

الغرب يسعى لكسب الوقت في «النووي» الإيراني لغياب الخيار البديل

مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)

(تحليل إخباري)
مع انطلاق أسبوع القادة والرؤساء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بدءاً من يوم الاثنين المقبل، يعود الملف النووي الإيراني إلى واجهة اهتمامات الدبلوماسية الدولية. ورجحت مصادر رئاسية فرنسية عقد اجتماع بين الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سيصل إلى نيويورك يوم الاثنين، ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي أكدت الحكومة الإيرانية توجهه إلى نيويورك. وبالتأكيد لن يكون هذا اللقاء الوحيد، وسبب انعدام الرؤية هو التداخل بين جنازة الملكة إليزابيث الثانية وانطلاق أعمال الجمعية العامة التي توفر أعمالها، علاوة على وجود كثير من زعماء العالم حضورياً، فرصة استثنائية للتشاور بين رؤساء الدول والحكومات في كيفية إخراج الملف النووي من عنق الزجاجة.
وأهمية اللقاءات المرتقبة أنها تأتي بعد فشل الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي ممثلاً برئيس دبلوماسيتها جوزيب بوريل ومساعده إنريكي مورا. واعترف بوريل، أول من أمس، بأن مواقف الطرفين الإيراني والأميركي «تباعدت» بدءاً من هذا الصيف، وأن المقترحات الإيرانية الأخيرة - أي رد طهران الثاني على ورقة التسوية الأوروبية التي قدمها بوريل في الثامن من أغسطس (آب) - «لم تساعد»، لأنها «حملت مقترحات جديدة، ولأن البيئة السياسية لم تعد ملائمة». ولذا، عبر بوريل عن «أسفه»، ونبه بأنه «لا يتعين توقع حصول اختراق (في المفاوضات) بالأيام المقبلة»، لا بل الوصول إلى «طريق مسدود».
وتعبيراً عن خيبته الكبرى بعد أسابيع من توقعه الوصول إلى إحياء الاتفاق النووي بعد الردود الأولى على ورقته إلى وصفها بـ«المعقولة»، قال بوريل: «لم يعد لدي شيء أقترحه». ويحمل الغربيون مسؤولية الفشل لإيران. وقالت المصادر الفرنسية إن طهران «لم تلتقط المقترح الذي كان مطروحاً على الطاولة»، مضيفة أن التركيز اليوم «على كيفية إنجاح المفاوضات وسوف نستخلص النتائج لاحقاً».
- الثلاثي الأوروبي
كان الأوروبيون الثلاثة (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) قد وصلوا قبل موريل إلى الاستنتاج عينه في بيانهم المشترك الذي أعلنوا فيه، أنهم قدموا «الحد الأقصى من الليونة» التي يمكن إظهارها في المفاوضات والتساهل مع إيران. وخلص الثلاثة إلى «التشكيك» في رغبة إيران حقيقة بالتوصل إلى اتفاق ما يستبطن الظن بأنها، كما تقول مصادر أوروبية، «تفاوض من أجل التفاوض» وهدفها الأول «كسب الوقت». كذلك، فإن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بدا بالغ التشاؤم بقوله إنه «من غير المرجح أن تلوح آفاق حل في المدى القصير». وبنظره، فإن إيران «إما غير عازمة أو غير قادرة على اتخاذ الخطوات اللازمة للتوصل إلى اتفاق». وقبل بلينكن، وصل المستشار الألماني أولاف شولتز إلى الخلاصة نفسها، أي المستبعدة لتحقيق اختراق على المدى القريب. وذهب الباحث الفرنسي في الشأن الاستراتيجي برونو تيرتريه إلى اعتبار ما هو حاصل بأنه «ملحمة المفاوضات اللامتناهية».
إزاء المستنقع الذى غرقت فيه الوساطة الأوروبية وتبادل الطرفين الرئيسيين (واشنطن وطهران) الاتهامات بالمسؤولية عن فشلها، تشير مصادر أوروبية إلى عدة عناصر تدفع كلها باتجاه الاعتقاد بأن أي طرف لم يدفن بشكل قطعي المسار التفاوضي أو حتى لم يشِر إلى تجميده أو الخروج منه. واللافت أن بوريل كما بلينكن وشولتز وغيرهم، شددوا على انعدام أفق تفعيل الاتفاق النووي «على المدى القريب» أو «في الأيام المقبلة»، ما يترك الباب مفتوحاً أمام العودة إلى تفعيل التفاوض لاحقاً. ويربط الوسيط الأوروبي ذلك بالوضع السياسي الداخلي الأميركي، أي بالانتخابات النصفية الأميركية التي تضيف إليها المصادر الأوروبية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية. وكلتا العمليتين الانتخابيتين ستحصل في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ما يعني عملياً أن تنشيط المسار التفاوضي مجدداً، عبر طرح أفكار مبتكرة، لا يتعين حصوله قبل نهاية العام الحالي. من هنا، فإن المصادر الأوروبية ترى أن كل الأطراف بحاجة اليوم إلى الإبقاء على «شعرة معاوية» التفاوضية من أجل كسب الوقت وتمرير الاستحقاقات المقبلة.
- أدلة إضافية
ثمة عدة أدلة إضافية تدفع في هذا الاتجاه، أولها أن مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية الدولية اختار الاكتفاء ببيان يدعو إيران إلى الاستجابة لطلبات الوكالة الخاصة بإلقاء الضوء على ثلاثة مواقع نووية غير معلنة، عثر فيها المفتشون الدوليون على آثار يورانيوم مخصب. وبيان المجلس الذي حاز على دعم ثلثي أعضائه، لا قيمة قانونية له، وهو يعد تراجعاً عن الموقف الذي تم تبنيه بالتصويت في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
وتم الاكتفاء في البيان الجديد بالتذكير بقرار المجلس السابق والتأكيد على مضمونه المندد بانعدام تعاون إيران إلى جانب تهديد مضمر بالذهاب أبعد من ذلك. والمغزى من «خيار الحد الأدنى» أن المعسكر الغربي حرص على عدم استثارة طهران ومنعها من اللجوء إلى تدابير ثأرية مثل تعمية باقي كاميرات المراقبة التابعة للوكالة في المواقع النووية، خصوصاً المحافظة على احتمال العودة إلى التفاوض في مرحلة لاحقة. وتعني هذه المقاربة أن الغربيين ربحوا عدة أشهر إضافية لمعالجة ملف بالغ التعقيد ضاعفت الحرب الروسية على أوكرانيا وما يستتبعها من أزمات اقتصادية ومالية وطاقوية من تعقيداته.
وتشير المصادر الأوروبية إلى أن ضعف الموقف الغربي اليوم مرده إلى «غياب الخطة البديلة» عن المفاوضات المتعثرة. ولدى المعسكر المذكور القناعة التامة بأن إيران تسعى، من جانبها، لكسب الوقت وللدفع ببرنامجها النووي إلى الأمام. ومن عناصر هذه القناعة أن بعض المطالب الإيرانية كان الغرض منها إطالة المفاوضات وتعقيدها وإغراقها في المتاهات.
- «التكتيك» الإيراني
وثمة مثلان واضحان على التكتيك التفاوضي الذي اتبعه الوفد الإيراني في فيينا ولاحقاً في الدوحة أو عبر التواصل غير المباشر عبر الوسيط الأوروبي، أوله مطلب شطب الحرس الثوري من لائحة المنظمات الإرهابية الخاصة بالخارجية الأميركية. وبعد التركيز الإيراني على ذلك طيلة أسابيع، اعترفت طهران لاحقاً بأنه لم يكن «أبداً شرطاً مسبقاً». والحال عينه بخصوص مطلب الحصول على ضمانات قانونية أميركية ملزمة تمنع الإدارات المقبلة من الخروج مجدداً من الاتفاق، إذ إنه بعد أسابيع من النقاشات، اعترف المفاوض الإيراني بأن طلباً كهذا لا يمكن تلبيته لأسباب قانونية وسياسية أميركية داخلية، فكان أن تراجع عنه.
خلف تعقيدات المفاوضات وبسبب الوقت المتاح، كان البرنامج النووي الإيراني يحقق قفزات متتالية، إن من حيث نسبة الإشباع أو لجهة مراكمة كميات اليورانيوم المخصب أو تقليص الفترة الزمنية الضرورية لجمع ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لتصنيع القنبلة الذرية في حال عزمت طهران الحصول عليها. والحال اليوم أن ضعف الموقف الغربي مرده لغياب خطة بديلة ذات صدقية. وفيما أخذت تسمع أصوات أوروبية تطالب ببلورة مسار «بديل» عن مفاوضات بان حتى اليوم عقمها. وفي السياق عينه، فإن الرئيس بايدن طالب إدارته بتوفير «خيارات بديلة» لتعامل الولايات المتحدة. ولكن في غياب البديل في الوقت الحاضر، والحرص على إبقاء المسار التفاوضي حياً، والامتناع، راهناً، عن اللجوء إلى الخيار العسكري، فإن الغرب بحاجة لمزيد من الوقت. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «لو فيغارو» في عددها ليوم 12 الحالي، عن دبلوماسي فرنسي قوله إن ما يسعى إليه المفاوضون الأوروبيون «كسب بعض الوقت، عاماً أو عامين»، وإنه «من الأفضل التوصل إلى اتفاق الممكن، من البقاء دون اتفاق، لأن هذا يعني القفز إلى المجهول».


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

جزر في قلب معادلة الملاحة والردع بمضيق هرمز

منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
TT

جزر في قلب معادلة الملاحة والردع بمضيق هرمز

منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)

عادت الجزر الخاضعة لسيطرة إيران والمنتشرة بين شمال الخليج العربي ومدخل مضيق هرمز إلى واجهة الحرب بوصفها جزءاً من الحسابات العسكرية المباشرة، بعدما برزت في التقديرات الأميركية والإسرائيلية أهدافاً محتملة تجمع بين النفط والملاحة والردع.

ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز، وتصاعد التهديدات باستهداف البنية التحتية الحيوية داخل إيران، تكتسب هذه الجزر أهمية إضافية بوصفها نقاطاً مرشحة للانخراط في مرحلة جديدة من الحرب قد تتجاوز الضغط العسكري التقليدي إلى محاولة ضرب مفاصل الطاقة والعبور والتموضع الاستراتيجي. وفي قلب هذه الخريطة تقف جزيرة خرج، شريان الصادرات النفطية، فيما تتوزع على الجزر الأخرى وظائف التحكم بالعبور، والتحصين العسكري، والتموضع المتقدم على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

خرج... شريان النفط الإيراني

تحتل جزيرة خرج موقعاً استثنائياً في البنية الاستراتيجية الإيرانية، بوصفها شريان الحياة لغالبية صادرات الخام الإيراني. وتقع في شمال الخليج على مسافة تقارب 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني، مما يجعلها قريبة بما يكفي من البر الإيراني لتبقى تحت مظلة نيرانه وقدراته الصاروخية والمسيَّرة.

وتنبع أهميتها أولاً من وظيفتها الاقتصادية المباشرة. فالجزيرة تضم المحطة التي تمر عبرها تقريباً كل صادرات إيران النفطية، وتؤمّن الجزء الأكبر من إيرادات الدولة من الخام.

وخلال الحرب الجارية، تحولت سريعاً إلى هدف حاضر في النقاشات العسكرية خلال الحرب، باعتبار أن ضربها يطول أحد أهم مصادر تمويل الدولة.

وتطورت الجزيرة خلال طفرة النفط الإيرانية في الستينات والسبعينات لأن أجزاء واسعة من الساحل الإيراني كانت ضحلة، ولا تسمح برسو ناقلات النفط العملاقة. ومن هنا أصبحت الجزيرة، بمرافئها ومحطاتها العميقة، البوابة الأهم لتصدير النفط الإيراني، لا سيما إلى الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين.

نظرياً، أي سيطرة أميركية، قد تخنق شرياناً مالياً حيوياً للنظام، وتمنح واشنطن ورقة ضغط لإجبار طهران على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. كما أن الجزيرة، بحكم موقعها، قد تتحول في مثل هذا السيناريو إلى منصة متقدمة للضغط العسكري على البر الإيراني.

هدف مغرٍ وتكلفة باهظة

لكنَّ هذا الإغراء يصطدم بعوائق ثقيلة. فالاستيلاء يتطلب تثبيت قوات أميركية على جزيرة صغيرة قريبة جداً من الساحل الإيراني، أي داخل مدى الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدفعية المتحركة الإيرانية واحتمال استخدام الألغام والزوارق السريعة. وبذلك قد تتحول القوة المهاجمة سريعاً إلى هدف ثابت ومعرّض للاستنزاف.

لقطة جوية تُظهر جزيرة خرج (أ.ف.ب)

كما يتطلب الاحتفاظ بالجزيرة بعد دخول القوات إليها، غطاءً جوياً دائماً، ومنظومات دفاع جوي متقدمة، وخطوط إمداد محمية بحراً وجواً. وزادت طهران من تحصيناتها في خرج خلال الأسابيع الأخيرة، مع إرسال عناصر إضافيين ونشر وسائل دفاع جوي، إلى جانب الحديث عن ألغام في محيط الجزيرة.

كما لوّحت باستهداف القوات الأميركية إذا حاولت دخول الجزيرة، وبضرب بنى الطاقة التابعة لشركات تتعامل مع الولايات المتحدة إذا جرى استهداف منشآتها النفطية.

وتضم الجزيرة خزانات تخزين ومساكن لآلاف العمال، وفيها حضور مدني واضح، كما تحتوي حصناً برتغالياً قديماً وأطلال دير مسيحي مبكر في الخليج.

لارك... عقدة العبور والرقابة

تبدو جزيرة لارك الصغيرة الأكثر ارتباطاً بالمرور والتحكم بالعبور في مضيق هرمز نظراً لموقعها الجغرافي. فتقع إلى الشرق من قشم وجنوب هرمز، وتحتل موقعاً شديد الحساسية عند أضيق مسافة في المضيق. وهو ما يمنحها قيمة تتجاوز حجمها الجغرافي، لأنها ترتبط مباشرةً بحركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتظهر لارك بوصفها موقعاً رئيسياً لتصدير النفط منذ أواخر الثمانينات، كما تضم قاعدة عسكرية إيرانية. غير أن أهميتها في الحرب الحالية ترتبط أساساً بوظيفتها على خط الملاحة. فهي تقع على مسار ملاحي يرجح أن «الحرس الثوري» خصصه للسفن التي يجيز لها عبور مضيق هرمز.

كما تقع لارك قبالة ميناء بندر عباس، في منطقة تمر عبرها ناقلات النفط الحالية للتفتيش أو المراقبة. وهذه الوظيفة تجعلها هدفاً منطقياً في أي محاولة لضرب قدرة إيران على فرض سيطرة ميدانية على هرمز دون الاضطرار إلى خوض مأزق خرج.

قشم... عمق سكاني ولوجيستي

تحتل قشم موقعاً مختلفاً داخل هذه الخريطة. فهي كبرى جزر الخليج، وتمتد على نحو 100 كيلومتر في مضيق هرمز، وتضم كتلة سكانية كبيرة نسبياً. وتظهر من زاويتين متداخلتين: زاوية مدنية خدمية، وزاوية استراتيجية لوجيستية.

من الناحية المدنية، توصف قشم بأنها وجهة مفضلة للإيرانيين بفضل شواطئها وتراثها الجيولوجي وأجوائها الاجتماعية. كما أنها تضم محطة لتحلية المياه توفر المياه لعشرات القرى.

ولا تعد جزيرة قشم هامشية في الحسابات العسكرية، نظراً إلى قربها من جزيرة لارك وهرمز، وعلى تماسٍّ مباشر مع الممر البحري الحيوي. ويعد ميناؤها أحد المنافذ الرئيسية للمنتجات الآتية من الإمارات، مما يمنحها وزناً لوجيستياً وتجارياً إلى جانب موقعها الاستراتيجي. كما تُطرح قشم أيضاً بوصفها موقعاً يشتبه في احتضانه منشآت صاروخية ومسيّرات تحت الأرض.

حصن متقدم في هرمز

تَرِدُ أبو موسى ضمن الجزر الإماراتية المحتلة، ويجعلها الموقع الحساس جزءاً من الحزام الذي يحرس مدخل مضيق هرمز من الجهة الغربية. وهذا يمنحها قيمة عملياتية مباشرة في أي مواجهة مرتبطة بحرية الملاحة أو أمن الشحنات النفطية.

وتُدرج الجزيرة في توصيفات الخبراء ضمن مواقع محصنة أقرب إلى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن.

وتعزز هذه الصورة الإشارة إلى أن طهران نشرت في هذه الجزر وحدات من بحرية «الحرس الثوري» مزوَّدة بأنظمة صاروخية جديدة قادرة على استهداف القواعد والسفن والمعدات المعادية في دول الجوار. وبذلك تصبح أبو موسى، في منطق الحرب، أكثر من موقع تحتله إيران؛ إنها موضع تمركز متقدم داخل بنية الردع البحري الإيراني.

تكتسب طنب الكبرى أهمية مشابهة لأبو موسى، فهي من الجزر التي احتلتها القوات الإيرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1971. وتحظى الجزيرة الصغيرة بأهمية بالغة نظراً إلى تموضع القوات الإيرانية، ولإجراء مناورات عسكرية، ولنشر الحاميات والأصول الصاروخية.

وفي حال السيطرة على مثل هذه الجزر، فإن ذلك قد يحرم إيران من استخدامها لأغراض هجومية ضد الملاحة البحرية. وهذه الفكرة تكشف عن المنطق الذي يجعلها في بنك الأهداف المحتمل: الهدف ليس احتلال أرض فقط، بل شل نقطة متقدمة من نقاط التهديد البحري الإيراني.

رغم صغرها، تدخل طنب الصغرى في المنظومة نفسها التي تضم أبو موسى وطنب الكبرى، إذ إن وجودها قرب مدخل هرمز يمنحها قيمة عسكرية واضحة، فهي تضم منشآت عسكرية هجومية لبحرية «الحرس الثوري». وقد تحمل في الحسابات العسكرية وزناً يفوق حجمها كثيراً، نظراً إلى قربها من ممرات السفن الوافدة إلى الخليج.

سيري... جزيرة بوظيفة عسكرية

تظهر سيري بقدر أقل من التفصيل مقارنةً بخرج أو قشم أو الجزر الإماراتية المحتلة الثلاث، لكن تُذكر ضمن الجزر التي تحولت إلى مواقع محصنة أقرب إلى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن لـ«الحرس الثوري»، ولطالما كانت موقعاً لتدريب قواته البحرية.

وهذا يكفي لوضع سيري داخل الفئة العسكرية الصلبة من الجزر الإيرانية. ووُصفت على مدى سنوات بأنها موقع تحصين وتموضع يندرج في شبكة أوسع للردع والسيطرة على المجال البحري.

وعادت هذه الجزر إلى الواجهة لأنها تختصر أربع معادلات في آن واحد: النفط، والملاحة، والسيادة، والردع. فمن يريد الضغط على إيران اقتصادياً ينظر إلى خرج. ومن يريد كسر قبضتها على العبور ينظر إلى لارك والجزر القريبة من هرمز. ومن يريد تقليص قدرتها على تهديد السفن والقواعد ينظر إلى الحزام المحصن الذي يضم أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وسيري.

Your Premium trial has ended


روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)

أخفق مجلس الأمن، الثلاثاء، في التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات العالمية منذ إنشائه في منتصف الأربعينات، إذ استخدمت كل من روسيا والصين حقَّ النقض (الفيتو)؛ لتعطيل مشروع قرار قدَّمته البحرين؛ لحماية الشحن التجاري في مضيق هرمز، مما رفع نسبة الإحباط من الدبلوماسية المتعددة الأطراف لصون الأمن والسلم الدوليَّين، وضاعف أخطار خروج الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران عن السيطرة.

وبعد أسابيع من المفاوضات المكثَّفة استجابت خلالها البحرين لكثير من المطالب الروسية والصينية، فشل المجلس في تبني النصِّ الذي حصل على 11 صوتاً مؤيِّداً (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والبحرين، والصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، ولاتفيا، والدانمارك، واليونان، وبنما)، مقابل صوتين معارضين (روسيا والصين)، وامتناع عضوين عن التصويت (باكستان وكولومبيا).

وعقب التصويت، عبَّر وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني عن «أسفه الشديد» للنتيجة، قائلاً إن المجلس لم يتَّخذ إجراءً حاسماً في مواجهة التهديدات غير القانونية للملاحة البحرية من إيران. وحذَّر من أنَّ عدم تبني القرار يقوِّض صدقية المجلس، ويشجِّع على مزيد من الاضطرابات في أحد أهم طرق التجارة في العالم. وذكَّر بأنَّ مضيق هرمز يُعدُّ شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، وأي عرقلة له قد تكون لها عواقب وخيمة على أسواق النفط، والأمن الغذائي، والتجارة الدولية.

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني مترئساً جلسة مجلس الأمن (أ.ف.ب)

واتَّهم الزياني إيران بتوجيه تهديدات متكرِّرة بإغلاق الممرِّ المائي واستهداف السفن التجارية، واصفاً هذه الأعمال بأنَّها انتهاكات للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وعلى الرغم من هذه النكسة، فإنَّ الزياني أكد أنَّ دول الخليج، البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت بالإضافة إلى الأردن، ستواصل التنسيق مع شركائها الدوليِّين لحماية الأمن البحري، وضمان حرية حركة التجارة، وحض إيران على الامتثال لقرارات مجلس الأمن.

وأشار دبلوماسيون إلى أنَّ التصويت يُبرز انقسامات عميقة داخل المجلس في ظلِّ تصاعد التوترات الإقليمية، وازدياد المخاوف بشأن استقرار سلاسل التوريد العالمية.

الموقف الأميركي

المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز (إ.ب.أ)

وقال المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إن واشنطن «تقف بحزم» إلى جانب البحرين وحلفائها في الخليج، واصفاً اللحظة بأنَّها «حاسمة». وانتقد روسيا والصين لاستخدامهما «الفيتو» ضد مشروع القرار، مشيراً إلى أنهما انحازتا إلى جانب إيران على الرغم من الدعم الدولي الواسع لإبقاء الممرِّ المائي مفتوحاً. وكذلك اتهم إيران بتصعيد الصراع من خلال زرع الألغام في المضيق، واستهداف السفن التجارية، وشن هجمات صاروخية ومسيّرات واسعة النطاق على البنية التحتية المدنية في دول الخليج.

وأوضح أنَّ هذه الأعمال عطَّلت خطوط الشحن الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والأسمدة والمساعدات الطبية. وقال: «إيران تتخذ من اقتصاد العالم رهينة»، محذِّراً من أنَّ استمرار هذا التعطيل قد يُفاقم أزمات سلاسل الإمداد، ويزيد من خطر انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في المناطق الهشة. كما ربط والتز الأزمة الحالية بدور إيران الإقليمي الأوسع، واصفاً إياها بأنَّها «مصدر طويل الأمد لعدم الاستقرار» من خلال دعمها الجماعات المسلحة التابعة لها، وشنها هجمات على الأفراد الأميركيين وحلفائهم.

وعلى الرغم من هذه النكسة الدبلوماسية، فإنَّ والتز أكد أنَّ الولايات المتحدة ستواصل الدفاع عن مصالحها ومصالح شركائها، وأنَّها تحتفظ بحقها في الدفاع الجماعي عن النفس. وأضاف أن واشنطن لا تزال منفتحةً على الحوار الدبلوماسي، لكنه حذَّر من أنَّ المفاوضات لن تنجح إذا استمرَّت إيران فيما وصفه بـ«نمط التصعيد». وقال: «إن مضيق هرمز حيوي للغاية للاقتصاد العالمي، ولا يجوز لأي دولة استخدامه سلاحاً»، وحضَّ المجتمع الدولي على التحرُّك لضمان حرية الملاحة.

وعبَّر المندوب الفرنسي، جيروم بونافون، عن أسف بلاده لعدم تمكُّن مجلس الأمن من إقرار مشروع القرار الذي قدَّمته البحرين بسبب «الفيتو». وقال إن فرنسا «صوَّتت لصالح مشروع القرار هذا لأنَّ حرية الملاحة، والسلامة، والأمن البحري في مضيق هرمز ذات أهمية بالغة لاستقرار الشرق الأوسط والاستقرار الدولي، ولأنَّ النص، في رأينا، تضمن جزءاً من الوسائل اللازمة للمساهمة في ذلك». وذكَّر بالقرار 2817، الذي أدان الضربات الإيرانية العشوائية التي استهدفت دول الخليج والأردن.

الموقف الروسي

أما المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، فقال إنَّ بلاده صوَّتت ضد القرار، عادّاً أنَّ المسوَّدة «تُحمِّل إيران ظلماً مسؤولية تصاعد التوترات»، متجاهلة ما سماها «الأسباب الجذرية» للأزمة، ألا وهي العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية. ووصف النصَّ بأنَّه «غير متوازن»، محذّراً من أنه «قد يُرسي سابقةً خطيرةً في القانون الدولي». كما عبَّر عن «مخاوف من إمكانية تفسير القرار على أنَّه يُبرر استخدام القوة بذريعة حماية الملاحة البحرية». ومع ذلك أقرَّ بمخاوف دول الخليج الأمنية، مجادلاً بأنَّ المقترح يُنذر بمزيدٍ من التصعيد بدلاً من أنْ يُمهِّد الطريق نحو خفض التصعيد. وعرض لمشروع قرار بديل بالتعاون مع الصين. وأمل بالتصويت عليه سريعاً.

وعبَّر نظيره الصيني عن مخاوف مماثلة لتبرير استخدام حق «الفيتو». وقال إن «تفاصيل هذا الصراع واضحة وضوح الشمس» بعدما «شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل، دون تفويض من مجلس الأمن، وفي خضم المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، ضربات عسكرية ضد إيران في انتهاك صارخ لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الأساسية للعلاقات الدولية». وأضاف أنه «في الوقت نفسه، يجب احترام سيادة دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها احتراماً كاملاً، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين والأهداف غير العسكرية. كما يجب ضمان سلامة وأمن الممرات الملاحية والبنية التحتية للطاقة».


باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
TT

باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

تعيش الدول الأوروبية على هامش الحرب الدائرة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية. وجاء رفضها الجماعي الاستجابة لطلبات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي حضّها على الانخراط في إعادة فتح مضيق هرمز، ليضاعف تهميشها ولتصيبها شظايا الهجمات الحادة التي قام بها على الحلف الأطلسي، الذي تنتمي إليه غالبية الدول الأوروبية.

صورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)

كذلك، ساهم رفض دول كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا السماح للطائرات الأميركية اجتياز أجوائها في مضاعفة غيظ ترمب، الذي يلوح بتخليه عن الناتو وترك الأوروبيين يواجهون وحدهم الحرب في أوكرانيا وما يعدّونه التهديدات الروسية للقارة القديمة. ورغم ذلك، ما زالت هناك دول أوروبية ترفض الانصياع للخطط الأميركية (والإسرائيلية) بخصوص إيران. ورغم تسارع العدّ العكسي للمهلة (النهائية) التي أعطاها ترمب للسلطات الإيرانية لفتح مضيق هرمز مجدداً أمام الملاحة الدولية، أو توقيع اتفاق يسعى لفرضه على طهران متضمناً الشروط الأميركية، وتهديدها، في حال الامتناع، باستهداف محطات الطاقة وتدمير جميع الجسور، بل «موت حضارة كاملة لن تعود أبداً»، ما زالت تُسمع، أوروبياً، أصوات ترفض خطط ترمب وتشكك بنجاح سياسته وتطرح مقاربة مختلفة جذرياً عن سياسته.

بارو: نعارض استهداف البنى التحتية المدنية

وفي هذا السياق، تندرج التحذيرات التي أطلقها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، الثلاثاء، في مقابلة مع القناة الإخبارية «فرنس إنفو»، وفيها وجّه مجموعة من الرسائل إلى الإدارة الأميركية، أولاها أن باريس «تعارض أي ضربات تستهدف البنية التحتية المدنية» في إيران، كما في أوكرانيا، مذكراً أن بلاده «ندّدت مراراً وتكراراً بالضربات التي شنّها فلاديمير بوتين على منشآت الطاقة» الأوكرانية.

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا الأمنية» (أ.ف.ب)

وبذلك، سعى بارو لإثبات أن بلاده لا تزن بميزانين، أو تكيل بمكيالين. وأضاف بارو أن فرنسا تعارض استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية لسببين: الأول، لأنها «محظورة بموجب قواعد الحرب والقانون الدولي». والثاني لأنها «قد تفتح على الأرجح مرحلة جديدة من التصعيد والردود الانتقامية التي قد تُدخل المنطقة والاقتصاد العالمي في حلقة مفرغة مقلقة للغاية، وستكون مضرّة بشكل خاص بمصالحنا». وبنظره، فإن استهداف منشآت الطاقة سيفضي إلى «ردود فعل إيرانية انتقامية ستزيد تفاقم وضع مقلق أصلاً».

يوم الأحد الماضي، اتصل بارو بنظيره الإيراني عباس عراقجي. واللافت أن وزارة الخارجية الفرنسية عتمت كلياً على الاتصال، رغم إصرار الإعلام، ولم تفصح عن مضمونه. ولم تكن المرة الأولى التي يتواصل فيها الوزيران منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير (شباط) الماضي، كما أن الرئيس إيمانويل ماكرون اتصل قبل أيام قليلة بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وبعد ظهر الثلاثاء، فهم سبب التعتيم، إذ أعلن بارو، في تغريدة على منصة «إكس»، أن الرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللذين كانا يقيمان في مقر السفارة الفرنسية في طهران أصبحا حرّين تماماً ونهائياً وخرجا من الأراضي الإيرانية. وكانت السلطات الإيرانية سمحت لهما الخريف الماضي بالخروج من السجن حيث اعتقلا فيه منذ 4 سنوات، وصدرت بحقّهما أحكام مشددة للغاية. وكشف عراقجي سابقاً أن مفاوضات تجري بين باريس وطهران لمبادلة كوهلر وباريس بالإيرانية مهدية إسفندرياري، التي صدر بحقّها حكم مخفف، وسمح لها بمغادرة السجن والإقامة في السفارة الإيرانية في باريس.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بمناسبة اجتماع في البيت الأبيض يوم 3 مارس الماضي (د.ب.أ)

لا لفتح باب المندب بالقوة

ثمة رسالة ثانية لا تقل أهمية، شدّد عليها بارو في مقابلته المذكورة، وعنوانها المخاطر المحدقة بالمدنيين بسبب الحرب، والإضرار بالاقتصاد العالمي، وهو ما تظهره الدراسات الاقتصادية التي نشرت في الأسابيع الأخيرة. ولا يستبعد الوزير الفرنسي «احتمال حدوث تصعيد إقليمي واسع النطاق دون حدود، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة، يجب علينا تفاديها بأي ثمن». بيد أن الوزير الفرنسي لا يتبنى المقاربة الإيرانية، إذ يرى أنه لا حلّ لأزمة في إيران «إلا إذا قرّر النظام الإيراني تقديم تنازلات كبيرة وإحداث تغيير جذري في موقفه، بما يسمح لإيران بالعيش بشكل سلمي في محيطها الإقليمي، ويمنح الشعب الإيراني مفاتيح بناء مستقبله بنفسه».

تنظر باريس بكثير من القلق لقيام القوات الأميركية بعملية عسكرية برية في إيران، كاحتلال جزيرة في مياه الخليج (كجزيرة خرج)، أو محاولة الاستحواذ على كميات اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يعتقد أنه واقع تحت أطنان من الركام في موقع أصفهان النووي. وبرأيه أن نجاح القوات الأميركية في تنفيذ عملية عسكرية معقدة لاستعادة الطيارين الأميركيين اللذين هبطا بالمظلة، بعد أن أصيبت طائرتهما (إف 15 إيغل) في جنوب غربي إيران لا يعني أن عملية برية ستكون سهلة التنفيذ، إذ «من شأنها أن تُدخل الصراع في مرحلة جديدة شديدة الخطورة، وقد تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة (للقوات الأميركية)، سواء في العراق أو أفغانستان».

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

وفي السياق عينه، جدّد بارو التأكيد على رفض بلاده السير في عملية عسكرية لتحرير الإبحار في مضيق هرمز بالقوة. وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان أول من دعا إلى إقامة «تحالف دولي» ذي طابع «دفاعي محضّ لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن بعد أن تهدأ الأمور أو تتوقف الحرب». وفي أي حال، فإنه سيكون بالتوافق مع الدولتين اللتين تشرفان على المضيق، وهما عمان وإيران، ما يعني عملياً حصول مفاوضات وتفاهمات مع هذين البلدين.

وبحسب بارو، فإنه «من الوهم الاعتقاد بأننا سنتمكن من العودة بسرعة إلى حركة طبيعية للسفن (في مضيق هرمز) دون إنشاء نظام مرافقة وحماية». وتريد باريس، التي تعمل بالتنسيق مع لندن، على إطلاق «مهمة» بحرية شبيهة بمهمة «أسبيديس» الأوروبية، لحماية الإبحار ما بين قناة السويس ومضيق باب المندب، التي نجحت كما يؤكد باور في مواكبة 1600 باخرة خلال عامين، من خلال نشر قطع بحرية أوروبية في مياه البحر الأحمر. ومع تواصل ارتفاع أسعار النفط، ومعها مشتقاته، فإن العالم كله لا يرى بديلاً عن ذلك سوى عودة النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

التخلص من التبعية

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي، الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا (وأوروبا) الأمنية». بيد أنه يعارض الطريقة الأميركية ــ الإسرائيلية لوقفه عن طريق الحرب، وهو يرى أن «العمليات البرية لمعالجة هذه المشكلة تنطوي على مخاطر تفوق فوائدها المحتملة». أما الحلّ فإنه «يكمن في التفاوض، وفي وضع إطار صارم ودقيق، يمنع النظام الإيراني من تطوير سلاح نووي»، في تلميح لاتفاق عام 2015، الذي كانت فرنسا طرفاً في التوصل إليه.

إلا أن خروج واشنطن منه فاقم الأمور، ودفع إيران لانتهاك بنوده تدريجياً حتى التوصل إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة القريبة من الاستخدامات العسكرية... وتدرك باريس، كما يقول بارو «المخاطر والتهديدات التي تمس مصالح فرنسا الأمنية، لكننا نرى أن هناك وسائل أخرى لاحتوائها، وعلى رأسها التفاوض والحوار الصارم والدقيق، تحت ضغط العقوبات».

صورة للفرنسيَّين سيسيل كولر وشريكها جاك باريس إلى جانب لافتة كُتب عليها «الحرية لسيسيل كولر وجاك باريس المحتجزَين تعسفياً في إيران لأكثر من عامين في ظروف مروعة» وذلك خارج قصر بوربون مقر الجمعية الوطنية الفرنسية (أ.ف.ب)

أما الخلاصة التي يستقيها الوزير الفرنسي من الحرب الدائرة لفرنسا ولأوروبا، فإنه مزدوجة: فمن جهة «دور أوروبا ليس خوض الحروب في كل أنحاء العالم، بل على العكس، أن تُظهر من خلال المثال الذي تقدمه (أي كونها قارة ديمقراطية يعيش فيها الناس بشكل جيد، بل أفضل من الولايات المتحدة أو الصين) أن هناك بديلاً لهيمنة الإمبراطوريات الجديدة». ومن جهة ثانية، أن يفضي الوضع الراهن إلى بروز «وعي أوروبي متزايد بأنه في عالم سيصبح أكثر اضطراباً وخطورة، فإن الاتحاد الأوروبي يمنحنا الوسيلة لحماية أنفسنا من تقلبات العالم وتفادي آثارها»، ومنها «ضرورة التخلص نهائياً من اعتمادنا على المحروقات... وإنهاء هذه التبعية التي تجعلنا عرضة بشكل غير مباشر لتداعيات حروب كهذه، حتى نكون أحراراً في اتخاذ قراراتنا، وأحراراً في العيش داخل أوروبا وفق النموذج الذي اخترناه، دون أن نُجرّ إلى حروب الآخرين».