ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

تشييع متظاهرين في مدن عدة... ودعوات لوقف استخدام القوة ضدهم

متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)

تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، على خلفية تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب لوَّح فيها بالتدخل «لإنقاذ الإيرانيين المتظاهرين في حال تعرضوا للقتل»، ما فتح موجة واسعة من الردود الغاضبة من قِبل المسؤولين الإيرانيين من دوائر مختلفة، على رأسها تلك المقرَّبة من المرشد علي خامنئي، إذ هددوا باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية، بما في ذلك قواعد عسكرية وجنود بالمنطقة.

وتتواصل الاحتجاجات في مدن إيرانية عدة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وانخفاض قيمة العملة إلى مستويات قياسية.

تحذير ترمب

وأصدر ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، تحذيراً شديد اللهجة من أي عنف ضد المتظاهرين، مؤكداً أن الولايات المتحدة «ستتدخل لإنقاذهم» في حال تعرضهم لأي اعتداء، مضيفاً: «نحن على أهبة الاستعداد»، دون أن يوضح طبيعة هذا التدخل.

كانت صفحة وزارة الخارجية الأميركية بالفارسية قد علّقت سابقاً على الاحتجاجات في إيران، وكتبت على «إكس»: «نحن قلقون بشدّة إزاء التقارير ومقاطع الفيديو التي تُظهر تعرّض المتظاهرين السلميين في إيران للترهيب والعنف والاعتقال. المطالبة بالحقوق الأساسية ليست جريمة. وعلى النظام الإيراني أن يحترم حقوق الشعب الإيراني وأن يضع حداً للقمع».

وعَدَّ كبار المسؤولين في طهران أن تحذيرات ترمب تدل على تورط واشنطن في الأحداث، مع تأكيد أن أي «تدخل خارجي سيكون له عواقب مباشرة على المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة».

وكتب علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على منصة «إكس»: «ليعلم ترمب أن التدخل من قِبل أميركا في المشكلة الداخلية سيؤدي إلى فوضى في المنطقة بأكملها وتدمير المصالح الأميركية. ترمب هو من بدأ المغامرة، فليعتنوا بجنودهم».

في السياق نفسه، قال علي شمخاني، مستشار خامنئي، إن «الشعب الإيراني يعرف جيداً تجربة إنقاذ الأميركيين، من العراق وأفغانستان، إلى غزة، وأي يد تدخلية تقترب من أمن إيران بذريعة واهية ستُقطع قبل أن تصل، بردٍّ مُندم. الأمن القومي الإيراني خطٌّ أحمر، وليس موضوعاً لتغريداتٍ مغامرة».

وكتب رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، على منصة «إكس»، أن القواعد والقوات الأميركية في المنطقة «أهداف مشروعة»، في حال قيام واشنطن بمجازفات، على حد تعبيره.

وهدد القائد السابق في «الحرس الثوري» الإيراني، محسن رضائي، بـ«تدمير إسرائيل والقواعد الأميركية وزعزعة استقرار المنطقة»، وذلك في منشور له على حسابه بمنصة «إكس».

كما قال وزير الخارجية عباس عراقجي، عبر منصة «إكس»، إن الشعب الإيراني سيرفض بحزمٍ أي تدخل في شؤونه الداخلية، مشيراً إلى أن «القوات الإيرانية المسلّحة في حالة استعداد، وتعرف تماماً أين تُوجه ضرباتها في حال حدوث أي انتهاك للسيادة الإيرانية».

وانتقد عراقجي رسالة ترمب للإيرانيين، واصفاً إياها بأنها «متهوّرة وخطيرة»، وقال إنها جاءت بتأثير أطراف «تخشى الدبلوماسية أو تعتقد خطأً أنها غير ضرورية». وقال عراقجي إن المتأثرين في إيران بتقلبات مؤقتة في سعر الصرف خرجوا في احتجاجات سلمية، وعَدَّها أن ذلك «حق مشروع للمواطنين». وأضاف أن هذه التحركات تختلف عن «حوادث معزولة لأعمال شغب عنيفة» شملت هجوماً على مركز للشرطة وإلقاء زجاجات حارقة على عناصر الأمن، مشيراً إلى أن الاعتداءات على الممتلكات العامة «لا يمكن التسامح معها».

من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الشعب الإيراني لن يسمح لأي طرف أجنبي بالتدخل في حواره الداخلي أو في تفاعله الوطني لحل مشكلاته، مشدداً على أن سِجل الولايات المتحدة الحافل بالانتهاكات يفضح زيف ادعاءاتها.

وربطت وسائل إعلام إيرانية، وعلى رأسها وكالتا «فارس» و«تسنيم» التابعتان لـ«الحرس الثوري»، تصريحات ترمب بدعم «العوامل الخارجية لأعمال الشغب»، وعَدَّت أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لتأجيج الاحتجاجات. أما وزير الخارجية الإيراني، عبر متحدثه، فقد شدد على أن «الولايات المتحدة هي آخِر دولة يمكنها التدخل باسم الشعب الإيراني».

تأتي تصريحات المسؤولين الإيرانيين، التي تضمنت تلويحاً باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، في وقتٍ يشهد الشرق الأوسط توتراً مستمراً بسبب الوجود العسكري الأميركي الواسع.

ويبدو أن الردود الإيرانية الغاضبة، والتي باتت تتسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، تشير إلى حالة هلع من تصعيد أكثر خطورة، إذا لم يجرِ احتواء الاحتجاجات الداخلية.

سيارة مقلوبة وحرائق خارج مركز شرطة في أزنا بمحافظة لرستان (رويترز)

سادس أيام الاحتجاج

ميدانياً، وحتى مساء الجمعة، سادس أيام الاحتجاج، شهدت محافظة لرستان وقضاء ملارد في طهران تحركات أمنية مكثفة، إذ أعلن الجهاز القضائي في لرستان اعتقال عدد من المشاركين في الاحتجاجات بمدينة أزنا ودلفان، بعد أن أسفرت اشتباكات مع الشرطة عن مقتل 3 أشخاص، وإصابة 17 آخرين، وفق وكالة «فارس» الإيرانية.

وفي ملارد، اعتُقل 30 شخصاً متّهمون بالإخلال بالنظام العام، حيث تبيَّن أن بعضهم قَدِموا من مدن مجاورة.

وفي زاهدان، بمحافظة بلوشستان، وبعد انتهاء صلاة الجمعة، انضم مواطنون إلى احتجاجات في الشوارع. وقال عبد الحميد إسماعيل زهي، إمام جمعة زاهدان، وكان من أبرز الوجوه في الداخل التي دعمت الاحتجاجات عام 2020، إن الاحتجاجات السلمية تمثل حقاً قانونياً للشعب، داعياً المسؤولين إلى الاستماع لمطالب المواطنين وعدم فرض قرارات قسرية، مضيفاً: «حياة ومعيشة الشعب الإيراني وصلت إلى طريق مسدود». ورفع بعض المحتجين شعاراً يعكس التوتر الداخلي والخارجي: «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران»، في إشارة إلى الانتقاد المتزايد للسياسات الخارجية للسلطة.

وانضمت مدينة قم المحافِظة، مَعقل رجال الدين في إيران، إلى الحركة الاحتجاجية، إذ أظهرت مقاطع مصوَّرة – لم يتسنَّ التأكد من صحتها - انتشاراً واسعاً لقوات الأمن وإطلاقها الغاز المسيل للدموع بهدف تفريق المتظاهرين.

جانب من الاحتجاجات في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)

العنف ضد الاحتجاج

استمرت الاحتجاجات الليلية في مدن عدة، مساء الخميس والجمعة، وأظهرت مقاطع مصوَّرة الشرطة الإيرانية وهي تطلق النار والغاز المسيل للدموع باتجاه المتظاهرين، الذين تعرَّض عدد منهم إلى الضرب باستخدام الهراوات.

وشهدت مدن مرودشت في محافظة فارس، وفولادشهر في محافظة أصفهان، وكوهدشت في محافظة لرستان، تشييع ثلاثة متظاهرين سقطوا خلال الاحتجاجات، من بينهم أمير حسام خداياري، الذي قدمته وسائل إعلام حكومية على أنه عنصر من قوات «الباسيج»، رغم أن والده نفى ذلك، كما استبعدت وكالة «فارس» انتماءه لتلك القوات.

من جهته، قال قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان إن «الشرطة تُحبط، بإشرافها وسيطرتها العملياتية، سيناريوهات الفوضى والتقسيم التي يخطط لها الأعداء... وتدافع عن كيان الوطن في مواجهة المُعتدين الأجانب والعملاء والأشرار في الداخل».

إلى ذلك، دعا صادق دقيقيان، المدَّعي العام في شمال الأحواز، إلى تدخل «وجهاء العشائر والعائلات» لتوعية الشباب وتجنّب الانجراف وراء التحريض الإعلامي، مؤكداً أن «تخريب الممتلكات العامة والإخلال بأمن الناس أمر غير مقبول».

ورغم أن إمام جمعة طهران تجنب الحديث عن الاحتجاجات في الخطبة التي خصصها لأمور دينية، قال إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى إن «وسائل إعلام صهيونية» تسعى إلى استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في سياق الاحتجاجات من خلال تركيب أصوات شعارات «مناهضة للثورة» على صور تجمعات شعبية، بهدف الإيحاء بأن الشارع الإيراني تجاوز «الثورة» ويطالب بإنهاء النظام، وفق تعبيره.

لقطة مأخوذة من فيديو متداول يُظهر عنصرين أمنيين يصوّبان سلاحهما على متظاهرين في همدان غرب إيران (إكس)

تحذير «العفو الدولية»

وعبّرت منظمة العفو الدولية، الجمعة، عن قلقها البالغ إزاء التقارير الواردة عن مقتل متظاهرين في إيران، خلال احتجاجات على تدهور الأحوال الاقتصادية بالبلاد.

وناشدت أنييس كالامار، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، عبر منصة «إكس»، السلطات الإيرانية احترام الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي وعدم استخدام القوة غير المشروعة في مواجهة المحتجّين.

ولم تبلغ الاحتجاجات الراهنة في إيران، حتى الآن، مستوى الحراك الاحتجاجي الذي هز البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة مهسا أميني، أثناء توقيفها من قِبل شرطة الأخلاق، والتي تحولت إلى أكبر موجة احتجاجات شعبية امتدت لأشهر، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى.

غير أن المؤشرات الميدانية الحالية تُظهر مساراً مختلفاً في التوقيت والدينامية، إذ تنتقل التحركات تدريجياً إلى مدن أصغر، مع عودة الاحتجاجات الليلية واتساع نطاق التوقيفات والتغطية الأمنية، ما يجعل من المبكر الجزم بسقفها النهائي أو استبعاد احتمال انتقالها إلى مرحلةٍ أوسع تبعاً لتطور تفاعل السلطات معها، خلال الفترة المقبلة.

«تراكم مطالب اجتماعية»

ومن ردود الأفعال، انتقد السياسي المعارض مهدي كروبي، وهو أحد رؤساء مجلس الشورى السابقين، الإنفاق على المؤسسات الحكومية والدينية، واصفاً ذلك بأنه «نهب المال العام»، داعياً الرئيس الإيراني إلى إعادة توجيه الموارد لخدمة الشعب، بدلاً من السياسات الخارجية.

وأدانت رئيس «جبهة الإصلاحات»، آذر منصوري، عبر منصة «إكس»: «أي تدخل خارجي، بوضوح وحزم»، وأعربت عن اعتقادها بأن «هذه التدخلات تضرّ الاحتجاجات السلمية». وشددت على أن «الاحتجاج حق للشعب، جذوره في المعاناة والمطالب الحقيقية ويجب أن يُسمع».

كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد صرح، الخميس، بأن حكومته عازمة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف القضاء على الريع والتهريب والرشوة، رغم ما وصفه بصعوبة هذا المسار، مشدداً على أن الحفاظ على معيشة المواطنين يمثل «خطاً أحمر» لحكومته.

من جهتها، قالت مؤسّسة حائزة «نوبل» للسلام، نرجس محمدي، ومقرُّها باريس، عبر منصة «إكس»، إن الصمت حيال ما تشهده إيران من تصعيد أمني غيرُ مقبول، مشددة على أن «دعم المحتجّين واجب إنساني وليس خياراً سياسياً».

كما قالت جمعية مخرجي الأفلام الوثائقية في إيران، إن الاحتجاجات الحالية ليست مؤقتة وتعبر عن تراكم مطالب اجتماعية وإنسانية منذ عقود، مشيرة إلى أن ربط دوافعها بالعامل الاقتصادي فقط «وصف منقوص للواقع».


مقالات ذات صلة

العراق يدعو إيران لضمان حماية وسلامة أمن طلّابه الدارسين في جامعاتها

المشرق العربي سيارات متوقفة أمام معهد لغات في طهران في 7 سبتمبر 2026... دعت بغداد طهران لتوفير الظروف الملائمة لأمن وسلامة طلبة ومواطني العراق في إيران (أ.ف.ب)

العراق يدعو إيران لضمان حماية وسلامة أمن طلّابه الدارسين في جامعاتها

دعت الخارجية العراقية، طهران، إلى توفير الظُرُوف المُلائِمة التي تكفل أمن وسلامة الطلبة والمُواطِنين العراقيّين في إيران، وضمان عدم تكرار الاعتداء عليهم.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية سائقون يصطفون أمام محطة وقود للتزود بالبنزين في طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

إيران تضاعف سعر البنزين الحر وسط ضغوط الحرب

أعلنت الحكومة الإيرانية، الأحد، مضاعفة سعر البنزين المبيع خارج الحصص المدعومة إلى 10 آلاف تومان للتر اعتباراً من فجر الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ) p-circle

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية «مقراً للحرب الاقتصادية» لتسريع معالجة تداعيات الحرب والعقوبات والحصار الأميركي، مع تصاعد الضغوط على صادرات النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

ورقة «هرمز» تتآكل مع اشتداد الخناق الأميركي على طهران

بعد ستة أشهر من صراع هز الأسواق ودفع الخليج إلى حافة حرب أوسع، ربما بدأ ميزان المواجهة يميل ضد إيران، مع شن واشنطن هجوماً اقتصادياً غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة مائة دولار في طهران (رويترز)

مليارات إيران تتسلّل إلى النظام المالي الأميركي رغم العقوبات

تستمر مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية في المرور سنوياً عبر حسابات المقاصة لدى بنوك أميركية، رغم العقوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تركيا: استجواب داود أوغلو بتهمة «إهانة الرئيس» في سابقة تاريخية

رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)
رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)
TT

تركيا: استجواب داود أوغلو بتهمة «إهانة الرئيس» في سابقة تاريخية

رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)
رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)

أدلى رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق، أحمد داود أوغلو، بإفادته أمام النيابة العامة بأنقرة، في إطار تحقيق ضده بتهمة إهانة رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، في سابقة هي الأولى بتاريخ تركيا.

وقال داود أوغلو في تصريح مقتضب عقب إدلائه بإفادته لنحو الساعة، قال فيه إن «هذه سابقة في تاريخ الجمهورية التركية؛ لأول مرة في تاريخ الجمهورية، يُستدعى رئيس وزراء إلى النيابة بوصفه مشتبهاً فيه لمجرد إبدائه رأيه وتوجيهه انتقادات».

وعبّر داود أوغلو عن شكره قادة الأحزاب الذين حضروا لدعمه خلال الإدلاء بإفادته، حيث حضر كل من: نائب رئيس الوزراء وزير الاقتصاد والخارجية الأسبق رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» على باباجان، ونائب رئيس الحزب محمد أمين أكمن، ورئيس حزب «السعادة» محمود أريكان، إلى النيابة العامة تعبيراً عن دعمهم.

اتهام بالإهانة

ورفض داد أوغلو الإجابة عن أي أسئلة من الصحافيين، مرجعاً ذلك إلى «الحفاظ على اعتبار تركيا»، قائلاً: «أحترم القضاء؛ ولذلك أدليت بالشهادة المطلوبة مني».

داود أوغلو متحدثاً إلى الصحافيين عقب إدلائه بإفادته أمام النيابة العامة في أنقرة وبجانبه رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» على باباجان يوم الاثنين (إعلام تركي)

وفتح مكتب المدعي العام في أنقرة، الخميس الماضي، تحقيقاً ضد داود أوغلو بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان؛ بسبب مقطع فيديو نُشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يعود إلى عام 2021، ظهر فيه داود أوغلو وهو يتحدث مع مجموعة من المواطنين على أحد المقاهي في إحدى القرى التابعة لمدينة بينغول شرق تركيا.

وخلال حديثه في المقطع المصور، قال داود أوغلو منتقداً الرئيس إردوغان، دون ذكره بالاسم: «على عكس الوزراء الذين جاءوا من بعدي، لم أكسب قرشاً واحداً بشكل غير مشروع. قلت لهم لا تمدوا أيديكم، ولا تحققوا مكاسب غير مشروعة، لكنهم فعلوا. لقد جمعوا مليارات فوق ملياراتهم، ونهبوا المكاسب غير المشروعة، وأغنوا حاشيتهم والمحيطين بهم. عيّن (إردوغان) صهره (برات البيرق وزير الطاقة والموارد الطبيعية والخزانة والمالية سابقاً) وزيراً، وأثرى أقاربه، وسلّم تركيا إلى 5 مقاولين».

وقال مكتب المدعي العام، في بيان، إن النيابة باشرت تحقيقاً فورياً تلقائياً بموجب «الفقرة الأولى من المادة 299» من قانون العقوبات التركي، ضد أحمد داود أوغلو؛ بسبب تصريحات عُدّت مسيئة لرئيس الجمهورية، وتُدوولت على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعقوبة «إهانة رئيس الجمهورية» الحبس بين سنة و4 سنوات، وفي حال ارتكاب الجريمة بشكل علني، تُزاد العقوبة بمقدار السدس، ويُشترط لبدء الملاحقة القضائية الحصول على إذن من وزير العدل.

صورة تجمع بين الرئيس التركي السابق عبد الله غل ورئيس الوزراء في ذلك الوقت الرئيس الحالي إردوغان ووزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو (أرشيفية - الرئاسة التركية)

وعمل داود أوغلو، وهو أكاديمي بارز مختص في العلوم السياسية وكان يُلقّب في أوساط حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بـ«الأستاذ»، مستشاراً للرئيس السابق عبد الله غل، ثم لإردوغان في فترة رئاسته الوزراء، ثم وزيراً للخارجية. وتولّى رئاسة الحزب خلفاً لإردوغان بعد انتخابه رئيساً في 2014، حيث كان النظام البرلماني لا يسمح للرئيس بالانتماء إلى أي حزب، لكنه أعلن في عام 2016 استقالته من رئاسة الحزب بسبب خلافات مع إردوغان في نهج إدارته الحزب والبلاد.

وفي 2019، استقال داود أوغلو من «العدالة والتنمية» بعدما تعمّقت الخلافات مع إردوغان، وأسّس حزب «المستقبل» الذي عمل في البرلمان تحت مظلة «الطريق الجديد» التي ضمت أيضاً حزبي «الديمقراطية والتقدم» و«السعادة».

وأعلن داود أوغلو، بشكل مفاجئ في 30 يوليو (تموز) الماضي، قراره حل الحزب والانسحاب من العمل السياسي؛ عازياً ذلك إلى «فساد المناخ السياسي في تركيا»، ولافتاً إلى أن «القرار ليس استسلاماً أو تخلياً عن السياسة، لكنه جاء لوضع مسافة أخلاقية مع السياسة، ودعوةً للجميع لإعادة النظر فيها».

حزب كردي يستعد لمرحلة جديدة

على صعيد آخر، أعاد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد انتخاب رئيسَيه المشاركَين الحاليين، تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغلاري، لرئاسة الحزب بجميع أصوات المندوبين المشاركين وعددهم 535 مندوباً، خلال مؤتمره العام العادي الـ5 الذي عقد في أنقرة واستمر حتى مساء الأحد، فيما انضم 33 اسماً جديداً إلى لجان وهياكل الحزب.

الرئيسان المشاركان لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغلاري في افتتاح المؤتمر العام الـ5 للحزب في أنقرة يوم الأحد (حساب الحزب على إكس)

وأعلن باكيرهان وأوغلاري في كلمتيهما، خلال افتتاح المؤتمر العام، أن هذا المؤتمر يشكل محطة للتحضير لمرحلة جديدة وتحول كبير، في ظل التطورات السياسية التي تشهدها تركيا ومسار البحث عن حلول ديمقراطية للقضايا العالقة، وفي مقدمتها القضية الكردية عبر «عملية السلام» القائمة على حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، وتحول أعضائه إلى العمل السياسي في إطار ديمقراطي قانوني.

وقال باكيرهان إنه «بدءاً من اليوم، انطلقت (حركة الجمهورية الديمقراطية)»، مشدداً على أن حزبه يتطلع إلى لعب دور أكبر في إدارة تركيا.

دور بارز لـ«أوجلان»

وأوضحت المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان، أن المؤتمر الـ5 للحزب سيكون «بداية مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة»، وأن «التغيير والتحول الجذري الحقيقيين» سيحدثان في مؤتمر لاحق.

وأضافت أن انعقاد هذا المؤتمر كان ضرورياً بسبب ضيق الوقت المنصوص عليه في قانون الأحزاب السياسية، لافتة إلى أنه سبق تأجيله بسبب التركيز على التقدم في «عملية السلام».

أوجلان وضع برنامجاً لحزب سياسي كردي جديد في تركيا (أ.ف.ب)

وعقد المؤتمر العام الـ4 للحزب في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وبموجب قانون الأحزاب السياسية، فإن الأحزاب التي لم تعقد مؤتمراتها العامة قبل سنتين من موعد أول انتخابات مقبلة تُحرم من الحق في خوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ومن المقرر إجراء الانتخابات المقبلة في مايو (أيار) 2028، مع احتمال تقديم موعدها.

وأشارت المتحدثة إلى أنه يجري إعداد ميثاق وبرنامج جديدَين للحزب؛ بهدف التوافق مع مفهوم «الجمهورية الديمقراطية» الذي طرحه أوجلان.

في السياق، كشف الكاتب في موقع «كيسادالغا» الإخباري، سادات بوزكورت، عن أن التغيير الحقيقي في الحزب سيحدث في المؤتمر المقبل المقرر عقده خلال مارس (آذار) 2027، ولن يقتصر التغيير في هذا المؤتمر على القيادة فقط، بل سيشمل أيضاً اسمَ الحزب، ليصبح «حزب الجمهورية الديمقراطية»، وبرنامجَه.

وقال إن أوجلان هو من طرح الاسم، وأعد البرنامج الجديد للحزب، وإن «قيادته ستكون هيكلاً يتمتع فيه أوجلان بنفوذ حاسم، وسيديره من خلال أمانته العامة، وسيتولى بعض العائدين من الخارج والمفرج عنهم من السجون في إطار (عملية السلام) مواقع في إدارة الحزب الجديد».


ناورو تفتتح سفارة بالقدس في خطوة داعمة لإسرائيل

وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ناورو بأنها «واحدة من أعظم أصدقاء إسرائيل» (رويترز)
وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ناورو بأنها «واحدة من أعظم أصدقاء إسرائيل» (رويترز)
TT

ناورو تفتتح سفارة بالقدس في خطوة داعمة لإسرائيل

وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ناورو بأنها «واحدة من أعظم أصدقاء إسرائيل» (رويترز)
وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ناورو بأنها «واحدة من أعظم أصدقاء إسرائيل» (رويترز)

افتتحت دولة ناورو، الجزيرة الصغيرة الواقعة في المحيط الهادئ، سفارتها في القدس، الاثنين، لتنضم إلى مجموعة صغيرة من الدول اتخذت هذه الخطوة الرمزية دعماً للسيادة المعلنة من إسرائيل على المدينة المتنازع عليها.

وقال نائب رئيس ناورو ووزير خارجيتها ليونيل آينغيميا: «إن افتتاح سفارتنا هنا في القدس لا يعزز علاقاتنا مع إسرائيل فحسب، بل يبعث أيضاً برسالة إلى العالم تعكس موقفنا».

وأبقت معظم الدول سفاراتها في تل أبيب على أساس أن وضع القدس سيُحسم في إطار تسوية نهائية للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

لكنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب كسر هذا الإجماع عام 2018 خلال ولايته الأولى، بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، حيث البرلمان الإسرائيلي ومقر رئيس الوزراء ومعظم المؤسسات الحكومية الرئيسية الأخرى.

ومنذ خطوة ترمب، لم تحذُ حذوه سوى حفنة من الدول الصغيرة المتحالفة مع الولايات المتحدة، هي فيجي، وغواتيمالا، وهندوراس، وبابوا غينيا الجديدة وباراغواي.

كما افتتحت كوسوفو وأرض الصومال (صوماليلاند)، وهما ليستا دولتين عضوين في الأمم المتحدة، ما تعدّانه سفارتيهما في القدس.

وخلال مراسم الافتتاح، الاثنين، وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ناورو بأنها «واحدة من أعظم أصدقاء إسرائيل».

وقال إن دولاً أخرى ستحذو قريباً حذو ناورو وتفتح سفارات لها في القدس، مشيراً إلى أن كولومبيا يُتوقع أن تقوم بذلك مطلع أكتوبر (تشرين الأول).

ولم تؤكد بوغوتا الموعد بعد، لكن الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتشدد أبيلاردو دي لا إسبرييا أعلن هذه الخطوة في يوليو (تموز).

وقالت جمهورية الكونغو الديمقراطية الأسبوع الماضي إنها ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس.

كما تعهد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، المؤيد بشدة لإسرائيل، نقل سفارة بلاده إلى المدينة المقدسة.

وتُعدّ قضية القدس من أكثر قضايا الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني تعقيداً وحساسية، فقد ضمّت الدولة العبرية القدس الشرقية عقب احتلالها الضفة الغربية خلال حرب عام 1967، إلا أن هذا الضم لا يحظى باعتراف الأمم المتحدة.

في المقابل، يتمسك الفلسطينيون بأن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة التي يطمحون لإقامتها.


غروسي يحذر من «قلق خطير» بشأن منشآت إيران

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يلقي كلمته في افتتاح الاجتماع الـ1816 لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الذرية)
المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يلقي كلمته في افتتاح الاجتماع الـ1816 لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الذرية)
TT

غروسي يحذر من «قلق خطير» بشأن منشآت إيران

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يلقي كلمته في افتتاح الاجتماع الـ1816 لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الذرية)
المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يلقي كلمته في افتتاح الاجتماع الـ1816 لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الذرية)

أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الاثنين، أن غياب المعلومات عن وضع المنشآت والمواد النووية الإيرانية، وعدم قدرة المفتشين على استئناف عمليات التحقق الميداني، يمثلان «مصدر قلق خطير من ناحية الانتشار النووي»، داعياً طهران إلى العودة للتعاون مع الوكالة باعتباره «أفضل وأقصر طريق» إلى نتيجة إيجابية.

وقال غروسي خلال مؤتمر صحافي على هامش انطلاق الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة في فيينا، إن إيران لا تزال طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإن التزاماتها بموجب اتفاق الضمانات «لا تختفي» بسبب الحرب أو المفاوضات السياسية الأوسع.

وأضاف أن الوكالة أُبلغت بأن طهران لن تتعاون إلى أن يتحقق تقدم في المسار السياسي، وقال: «لا يوجد انخراط، ولا توجد معلومات»، مضيفاً أن الوكالة لا تتبنى هذا المنطق، وإن الالتزامات القائمة على إيران مستمرة بصرف النظر عن المفاوضات.

وكان غروسي قد قال، في كلمته الافتتاحية أمام مجلس المحافظين، إن الوكالة لم تتلق أي معلومات من إيران بشأن وضع موادها أو منشآتها النووية المعلنة، ولم تتمكن من الوصول إلى أي منها لإجراء أنشطة تحقق ميدانية.

وأضاف أن الوكالة لم تتمكن نتيجة لذلك من الاضطلاع بمسؤولياتها المتعلقة بالضمانات في المنشآت النووية الإيرانية المعلنة، ولا من التحقق من وضع تلك المنشآت أو المواد النووية المرتبطة بها.

وقال إن غياب الوصول والمعلومات حال أيضاً دون تقديم تقييم بشأن تنفيذ إيران الأحكام ذات الصلة من قرارات مجلس الأمن أو قرارات مجلس المحافظين الصادرة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ويونيو (حزيران) من العام الحالي.

غروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي على هامش الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الذرية)

«استمرارية المعرفة»

وقال غروسي إن أكثر من عام مضى منذ أن فقدت الوكالة «استمرارية المعرفة» بشأن المخزونات التي أعلنتها إيران سابقاً من اليورانيوم منخفض التخصيب واليورانيوم المخصب حتى 60 في المائة من اليورانيوم-235 في المنشآت التي تأثرت بالهجمات العسكرية في يونيو 2025.

ولم تتمكن الوكالة من التحقق من مخزون اليورانيوم الإيراني منذ نحو 15 شهراً، أي منذ بدء الضربات على المنشآت النووية في يونيو 2025.

ووصف افتقار الوكالة إلى المعلومات بشأن هذه المنشآت والمواد النووية وعدم قدرتها على إجراء عمليات التحقق بأنه «مصدر قلق خطير من ناحية الانتشار النووي»، داعياً إلى معالجة الوضع «بأقصى قدر من الاستعجال».

ودعا إيران إلى التعامل «بصورة بناءة» مع الوكالة بما يسمح بالتنفيذ الكامل والفعال لاتفاق الضمانات بموجب معاهدة عدم الانتشار، وقال إن «العودة إلى الدبلوماسية والمفاوضات» لإيجاد حل للقضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني «أمر حتمي».

وأضاف أن الوكالة مستعدة لدعم أي مسار دبلوماسي، محذراً من أن وضع البرنامج النووي الإيراني له تداعيات على النظام العالمي لعدم الانتشار.

وفي المؤتمر الصحافي، قال غروسي إن إيران لم تقدم تقريراً مطلوباً بموجب اتفاق الضمانات عندما تطرأ أحداث مهمة على وضع المواد النووية الخاضعة للرقابة أو كمياتها أو حالتها. وأوضح أن مثل هذه الظروف تفرض على الدولة تزويد الوكالة بأكبر قدر ممكن من المعلومات حتى تتمكن من تقييم التدابير المطلوبة.

تُظهر هذه الصورة الملتقَطة عبر القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» بأصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

وقال إن إيران كانت قد وافقت، في إطار «اتفاق القاهرة»، على تقديم هذه المعلومات ضمن الحوار مع الوكالة، «لكن ذلك لم يحدث». وأضاف أن الوكالة تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الهجمات أحدثت تغييراً في المخزونات النووية، وما إذا كانت بعض المواقع غير قابلة للوصول، وأسباب ذلك.

وقال: «إذا كانت السلطات الإيرانية تشير إلى الأضرار والوضع المادي، فعليها أن تخبرنا: ما المشكلة تحديداً؟ هل حدث تغيير في المخزون بسبب الهجمات مثلاً؟ هل المكان غير قابل للوصول؟ ولماذا؟». وأضاف أن الوكالة لم تتمكن «حتى الآن، للأسف» من إجراء هذه المحادثة مع طهران.

أمن المفتشين

ورداً على سؤال بشأن الموقف الروسي والإيراني الداعي إلى توفير ضمانات أمنية قبل عودة المفتشين، قال غروسي إن سلامة موظفي الوكالة أولوية، وإنه لن يعرض أي مفتش للخطر.

لكنه رفض اعتبار الظروف الأمنية عقبة تمنع استئناف التفتيش، وقال إن هذه المسألة نوقشت مع إيران، بما في ذلك في إطار «اتفاق القاهرة».

وأضاف أن الوكالة تعمل في ظروف أمنية شديدة التعقيد في مناطق أخرى، في حين أن أوكرانيا التي تنفذ فرقها مهمات قرب خطوط المواجهة بعد التفاوض على ترتيبات ميدانية تسمح بإنجاز العمل الفني بأمان.

وقال: «لا نرى ذلك عائقاً أمام عملنا إطلاقاً»، مضيفاً أن الوكالة تستطيع معالجة الترتيبات الأمنية عندما تكون هناك مهمة تفتيش يتعين تنفيذها.

وأكد في الوقت نفسه أن «الهجمات على المنشآت أو المرافق النووية يجب ألا تحدث أبداً»، مشيراً إلى المبادئ التي تعتمدها الوكالة لحماية المنشآت النووية أثناء النزاعات المسلحة.

«جبل الفأس»

وسُئل غروسي عن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن احتمال قصف منشآت في «جبل الفأس»، وما إذا كان أي هجوم جديد سيؤثر في أنشطة الوكالة.

وامتنع عن التعليق على الخطط العسكرية الأميركية، قائلاً: «هذه قرارات وطنية. أنا دبلوماسي، وأؤمن بالحلول الدبلوماسية».

وأضاف: «نحن بحاجة إلى الانخراط، نحتاج فعلاً إلى الانخراط»، وقال إن الدرس المستخلص من التطورات الأخيرة هو أن التقدم يتطلب حلاً دبلوماسياً يوفر «الاستقرار» و«القدرة على التنبؤ».

وقال إن مثل هذا الحل يمكن أن يمنح إيران «الحياة الطبيعية التي كانت تتطلع إليها»، لكنه أضاف أن ذلك لن يتحقق من دون تعاون طهران مع الوكالة؛ لأنه «لن تكون هناك أي ضمانات ذات صدقية بأن شيئاً غير سليم لا يحدث في إيران».

وأوضح أن الوكالة مستعدة لمعالجة القضايا التي تثيرها طهران، بما فيها الوصول إلى المواقع وحماية المعلومات والبيانات العسكرية، وقال: «يمكن معالجة كل شيء، كل شيء».

وتقع منشأة «جبل الفأس» المحصنة داخل جبل إلى الجنوب من منشأة نطنز الرئيسية للتخصيب، على مسافة نحو 220 كيلومتراً جنوب طهران. وقالت «بلومبرغ» إن الوكالة لم تتمكن من التحقق من الأنشطة في الموقع.

إحالة إلى مجلس الأمن

وفي شأن مشروع القرار الأميركي - الأوروبي الذي يسعى إلى إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن، رفض غروسي توقع نتيجة التصويت أو تقييم أثر القرار مسبقاً على عمل الوكالة. وقال إن موقفه من قرارات مجلس المحافظين «محايد تماماً»، وإن أي قرار يُعتمد يصبح تعبيراً جماعياً عن موقف المجلس.

وأضاف: «مهما كان مضمون القرار، فسأواصل عملي. عليّ مواصلة عملي»، وقال إن مهمة الوكالة في إيران ستستمر «بصرف النظر عن القرار».

وعندما طُلب منه في نهاية المؤتمر تحديد ما إذا كانت الإحالة ستساعد الوكالة أو تعرقل عودتها إلى إيران، قال: «لدي دائماً فكرة. هناك أوقات للكلام وأوقات لعدم الكلام». ثم أضاف أن «أفضل وأقصر طريق إلى نتيجة إيجابية هو أن تنخرط إيران معنا».

وأفادت وكالة «بلومبرغ» بأن مشروع القرار الأميركي يطالب إيران بأن «تعالج على وجه السرعة عدم امتثالها»، وأن تسمح بعمليات تحقق تضمن «عدم تحويل المواد النووية». ويشدد المشروع في الوقت نفسه على دعم «حل دبلوماسي»، ويدعو جميع الأطراف إلى الانخراط بصورة بناءة في الدبلوماسية.

ولم يتمكن المفتشون من العودة إلى المنشآت المتضررة في فوردو وأصفهان ونطنز، حيث كان آخر ما سجلته الوكالة 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى 60 في المائة، إضافة إلى 8599.6 كيلوغرام من مواد أقل تخصيباً.

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

وقال إن دخول طهران في «حوار جاد»، ومنح الوكالة إمكانية الوصول، ومعالجة القضايا المرتبطة بالأمن والسرية، ستكون له «تداعيات إيجابية جداً».

وأضاف أن ذلك قد يدفع الأطراف الأخرى إلى النظر إلى وجود مسار مع إيران باعتباره عملية «ينبغي حمايتها ودعمها»، بما «يساعد السلام، لا الحرب».

وأشار غروسي إلى تعاون الحكومة السورية الجديدة مع الوكالة، بعدما سمحت دمشق بالوصول إلى مواقع ومواد نووية مرتبطة بأنشطة سابقة.

وعندما سُئل ما إذا كان النموذج السوري يمكن أن يشكل مثالاً لإيران، قال: «لا توجد حالتان متطابقتان»، وإن للملف الإيراني تاريخاً مختلفاً من عمليات التحقق والاتفاقات الدولية.

لكنه قال إن اختيار الشفافية ساعد سوريا على استعادة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع المجتمع الدولي والوفاء بالتزاماتها، مضيفاً أن هذه التجربة «قد توفر مادة للتفكير في أماكن أخرى».

تحرك غربي وتحذير إيراني

ويأتي اجتماع مجلس المحافظين وسط تحرك من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا لاستصدار قرار يحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن للمرة الأولى منذ نحو 20 عاماً، بسبب ما تعدّه الدول الأربع عدم امتثال طهران لالتزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار.

وينص مشروع القرار، الذي لا تزال صيغته قيد التفاوض، على مطالبة إيران بمعالجة عدم امتثالها لاتفاق الضمانات بصورة عاجلة، والسماح بعمليات تحقق تضمن عدم تحويل المواد النووية. كما يشدد على دعم حل دبلوماسي، ويدعو جميع الأطراف إلى الانخراط بصورة بناءة في الدبلوماسية.

وكان مجلس المحافظين قد تبنى في 12 يونيو 2025 قراراً خلص إلى أن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بالضمانات وعدم الانتشار، بسبب عدم تعاونها الكامل مع تحقيق بشأن آثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير معلنة.

وبدأت إسرائيل في اليوم التالي ضرب منشآت نووية إيرانية، قبل أن تنضم الولايات المتحدة إلى الهجمات لاحقاً، ما ألحق أضراراً واسعة بمنشآت تخصيب إيرانية.

ومنذ تلك الضربات، لم تسمح طهران لمفتشي الوكالة بالعودة إلى المواقع المتضررة أو التحقق مما تبقى من مخزون اليورانيوم المخصب.

وكانت الوكالة تقدر قبل الهجمات أن إيران تمتلك 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 في المائة، وهي كمية قالت الوكالة إنها تثير «قلقاً بالغاً». وتنفي إيران أنها تسعى إلى صنع سلاح نووي.

الجلسة الافتتاحية للاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الذرية)

وقال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، الاثنين، إن طهران سترد إذا اعتمد مجلس المحافظين قراراً ضدها، مضيفاً أن السعي إلى قرار جديد «غير منطقي»، معتبراً أن الحرب مع الولايات المتحدة جعلت الوصول إلى المنشآت النووية أكثر صعوبة.

وكانت البعثة الإيرانية في فيينا قد وجهت انتقادات إلى المسعى الغربي، وعدّته «محاولة يائسة».

وتتمسك طهران بأن إعادة العقوبات الأممية العام الماضي عبر آلية «سناب باك» كانت غير قانونية، وتقول إن القرار 2231 انتهى وفق أحكامه، فيما عارضت روسيا والصين أيضاً شرعية إعادة فرض العقوبات.

ومن غير المرجح أن تؤدي إحالة الملف إلى مجلس الأمن إلى إجراءات عقابية جديدة مباشرة، في ظل امتلاك روسيا والصين حق النقض، لكن غروسي شدد على أن مهمة الوكالة ستستمر أياً كان مصير القرار. وقال في ختام مؤتمره الصحافي: «أنا أصر على ذلك، وآمل أن يستمعوا إلينا».