إيقاف ضخ الغاز الروسي لأوروبا «لأجل مفتوح»... وبدء السحب من المخزونات قبل الشتاء

«نورد ستريم1 المعطّل» محدد أساسي في معدلات النمو الاقتصادي للقارة العجوز

استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)
استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)
TT

إيقاف ضخ الغاز الروسي لأوروبا «لأجل مفتوح»... وبدء السحب من المخزونات قبل الشتاء

استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)
استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)

قررت روسيا استمرار إغلاق خط أنابيب نورد ستريم1، «لأجل مفتوح»، والذي كان مقررا إعادة فتحه أمس السبت، بعد صيانة غير مجدولة لمدة 3 أيام، وهو ما يجبر دول الاتحاد الأوروبي على بدء السحب من المخزونات، التي لم تمتلئ بنسب كفاية لتأمين احتياجات موسم الشتاء.
فبينما تعاني الدول الأوروبية من معدلات تضخم مرتفعة تقلل من فرص تحقيق مستهدفات نمو اقتصادي يضمن استمرار الرفاهية المالية للأسر والمستهلكين، تواجه القارة العجوز خطوات روسية متسارعة، من المتوقع أن تحدد المنحنى الذي على أساسه ستتجه دول الاتحاد اقتصاديا، إما هبوطا أو استقرارا لا أكثر.
ترتبط كل دولة أوروبية اقتصاديا بروسيا حسب درجة اعتمادها على الغاز الروسي، وهو ما يوضح أن الاقتصاد الألماني سيكون الأكثر تأثرا بكل إجراء روسي بشأن الغاز يتخذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحكومته، ثم فرنسا الأقل تأثر وإيطاليا وإسبانيا. وتبرز هنا المجر التي تهادن موسكو في موقفها من الحرب على أوكرانيا، ما يشير إلى أنها ستكون مستقرة اقتصاديا خلال الفترة المقبلة، نظرا لضمان استمرار ضخ الغاز الروسي.
ولا بد هنا من ذكر اقتراب موسم الشتاء على القارة العجوز، الذي قد يأتي قارسا، وهو ما قد يتطلب توفير الغاز بنسب أعلى للتدفئة، بجانب استمرار المصانع والشركات، الأمر الذي يزيد الضغوط على المخزونات، التي لم تمتلئ بنسب كفاية لتأمين كل ذلك.

محبس الغاز الروسي

كانت الدول الأوروبية تنتظر استئناف الغاز الروسي عبر خط أنابيب نورد ستريم1، أمس السبت، بعد إغلاقه 3 أيام، غير أن إعلان غازبروم الروسية يوم الجمعة، أنّ خط أنابيب الغاز «نورد ستريم» الذي يربط روسيا بشمال ألمانيا، سيتوقّف «تماماً» حتى يتم إصلاح التوربين، من دون تحديد موعد نهائي.
ورفض المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين)، ديمتري بيسكوف، استبعاد إمكانية أن تسبب أعمال الصيانة في خط غاز «نورد ستريم 1» مزيدا من الاضطراب في عمليات توريد الغاز الطبيعي لأوروبا. وقال بيسكوف إنه لا توجد احتياطيات تقنية، بحسب ما ذكرته وكالة أنباء «إنترفاكس» الروسية. وأضاف المتحدث: «هناك توربين واحد فقط يعمل»، مشددا على أن شركة «غازبروم» الروسية العملاقة ليست مسؤولة عن عدم ضمان الاعتماد على «نورد ستريم 1». وكان بيسكوف قال في وقت سابق: «ستتمكن غازبروم من الوفاء بالتزاماتها رغم العقبات القانونية والتقنية التي أثقلت بها أوروبا كاهل الشركة، جراء العقوبات التي تم فرضها على روسيا بسبب حرب أوكرانيا».
ربط البعض هذه الخطوة بإعلان مجموعة الدول السبع يوم الجمعة، الموافقة على تحديد سقف لسعر نفط روسيا، وهي من أكبر منتجي الخام في العالم.
واعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أنه «حان الوقت» لتحديد سقف لسعر الغاز المستورد عبر خط الأنابيب من روسيا، ممّا يدعم تطبيق إجراء دعا إليه رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي.
وتحديد سعر للنفط الروسي يستهدف في الأساس دولا غير أوروبية، لأن دول الاتحاد الأوروبي منها من خفضت من شراء النفط الروسي إلى صفر ومنها بدرجات كبيرة، وهذا يوضح أن خطوات التسعير تستهدف في الأساس المشترين من آسيا، خاصة الصين والهند، وهما أول وثالث أكبر مستهلك للخام في العالم، على التوالي، ما يوسع من مستويات الصراع الاقتصادي.

استعدادات أوروبا

أكد المفوض الأوروبي لشؤون الاقتصاد باولو جنتيلوني، أمس السبت، أن الاتحاد الأوروبي «على استعداد جيد» في حال الوقف الكامل لإمدادات الغاز الروسي، بفضل التخزين وإجراءات اقتصاد الطاقة.
وقال للصحافيين على هامش المنتدى الاقتصادي الذي نظمه «البيت الأوروبي - أمبروسيتي» في تشرنوبيو على بحيرة كومو، «نحن على استعداد جيّد لمقاومة استخدام روسيا المفرط لسلاح الغاز».
وأضاف: «لسنا خائفين من قرارات (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، نطالب الروس باحترام العقود، ولكن إذا لم يفعلوا ذلك فنحن مستعدّون للرد». وأشار جنتيلوني إلى أنّ «تخزين الغاز (في الاتحاد الأوروبي) بلغ حالياً حوالى 80 في المائة، بفضل تنويع مصادر الإمدادات» حتى وإن اختلف الوضع بين دولة وأخرى.
وقال المفوّض الأوروبي إن بروكسل «فعلت الكثير في الأشهر الأخيرة»، ولكن «اليوم يمكن القيام بالمزيد».
من جانبه، قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، وفق وكالة فرانس برس: «نؤيّد مبدأ تحديد سقف لسعر الغاز»، مشيداً بتصريح فون دير لايين في هذا الصدد. لكنه أكد، على هامش منتدى اقتصادي، أنه «كي يكون تحديد سقف لسعر الغاز فعّالاً، يجب أن تكون هناك مشتريات مشتركة».
واعتبر الوزير أيضاً أن مشروعاً مكلفاً بالنسبة لفرنسا هو «الفصل بين أسعار الغاز وهو طاقة أحفورية، وأسعار الكهرباء وهي طاقة خالية من الكربون»، ويجب ألا «ينتظر إصلاح سوق الطاقة، لأن ذلك سيستغرق أشهراً».
وأشار إلى أن باريس تتمنى أن يحصل «الفصل في الأسابيع أو الأشهر المقبلة (...) يجب التحرك الآن، يجب الفصل نهائياً الآن بين أسعار الغاز وأسعار الكهرباء».
ولدى سؤاله عن احتمال القطع الكامل للغاز الروسي، أكد لومير أن «فرنسا مستعدة جيّداً» معتبراً أن «الغاز يُستخدم كسلاح» من جانب روسيا، و«قد توقعنا ذلك، لن يشكل مفاجأة».
وأوضح أن نسبة «تخزين الغاز تتجاوز اليوم 90 في المائة (في فرنسا). سنحافظ على هدفنا ملء المخزونات بنسبة 100 في المائة وقد سرّعنا (عملية) تنويع الإمدادات».

ألمانيا تشكك في التبرير الروسي

وأمام التطورات في سوق الغاز، شككت الوكالة الاتحادية للشبكات في ألمانيا في التبرير الروسي لعدم استئناف توريدات الغاز عبر خط نورد ستريم1. وكتبت الوكالة في تقريرها المنشور أمس السبت عن وضع إمدادات الغاز أن «العيوب المزعومة من الجانب الروسي ليست سببا تقنيا لوقف التشغيل».
كانت غازبروم أعلنت، مساء أمس الجمعة، على نحو مفاجئ استمرار وقف تدفق الغاز عبر خط نورد ستريم 1 حتى إشعار آخر، وذكرت غازبروم أن سبب التوقف هو تسرب زيت في محطة ضاغط بورتوفايا وقالت إنه لا يمكن تدفق أي غاز حتى وقف هذا التسريب.
وكانت شركة سيمنس انرجي الألمانية، منتجة التوربينات المعنية بهذا العطل، شككت أيضا في الرواية الروسية. وقالت الشركة في بيان إن اكتشافا من هذا النوع لا يعد سببا تقنيا لإيقاف التشغيل، وقالت إن مثل هذه التسريبات لا تؤثر في العادة على عمل التوربين ويمكن سد التسريب في التوربين وهو في مكانه، مشيرة إلى أن هذه عملية روتينية تتم في إطار أعمال الصيانة. وأضافت أن حدوث مثل هذا النوع من التسريبات لم يكن يؤدي إلى وقف التشغيل في الماضي. ورأت الوكالة أن وضع إمدادات الغاز متوتر بوجه عام، وقالت إن استمرار تردي الموقف ليس مستبعدا «غير أن إمدادات الغاز في ألمانيا مستقرة في اللحظة الراهنة، ولا يزال أمن الإمدادات في ألمانيا مضمونا في الوقت الحالي».

أوكرانيا لعرض تصدير الكهرباء لألمانيا

تعتزم أوكرانيا دعم ألمانيا في محاولتها لإنهاء اعتمادها على واردات الطاقة الروسية، من خلال تزويد أكبر اقتصاد في أوروبا بفائض الكهرباء لديها.
وقال رئيس وزراء أوكرانيا دينيس شميهال، وفق وكالة الأنباء الألمانية، «حاليا، تصدر أوكرانيا الكهرباء إلى مولدوفا ورومانيا وسلوفاكيا وبولندا. لكننا على استعداد تام لتوسيع صادراتنا لتشمل ألمانيا». وقال شميهال: «لدينا كمية كافية من الكهرباء في أوكرانيا، بفضل محطات الطاقة النووية»، مضيفا أنه سيثير القضية خلال زيارته للعاصمة الألمانية برلين.
يأتي هذا في الوقت الذي حذرت فيه شركات إنتاج الكهرباء في منطقة نهر الراين في ألمانيا من احتمالات تراجع إنتاج محطاتها الحرارية بسبب نقص إمدادات الفحم الذي تستخدمه على خلفية انخفاض منسوب المياه في النهر ما يقلص الكميات التي يتم نقلها بالمراكب النهرية إلى المحطات.
وتخوض ألمانيا معركة ضد انخفاض منسوب المياه في النهر والمنافسة على الملاحة النهرية في مجاريها المائية المختلفة في ظل موجة جفاف تتعرض لها البلاد وتهدد قدرة محطات الكهرباء على تكوين مخزونات كافية من الفحم قبل حلول فصل الشتاء.
ويأتي تراجع كميات الفحم التي تصل إلى المحطات في الوقت الذي أعادت فيه الحكومة الألمانية تشغيل محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم لمواجهة النقص في إمدادات الغاز الطبيعي القادمة من روسيا والتي تعتبر المصدر الرئيسي للغاز بالنسبة لألمانيا.
وأصدرت محطات الكهرباء التي تشغلها شركتا إن بي.دبليو وتريانيل تحذيرات بالقول إنها تواجه مشكلات في الإمدادات حيث تواجه محطة لونين التابعة لشركة تريانيل احتمال خفض الإنتاج مطلع الأسبوع المقبل. كما أعلنت محطة هايلبرون التابعة لشركة إن بي.دبليو على نهر نيكار تضررها من نقص إمدادات الفحم لكنها لم تحدد طبيعة التأثير، حسبما أفادت وكالة بلومبرغ للأنباء.
وارتفعت أسعار العقود الآجلة للفحم في أوروبا خلال تعاملات اليوم الجمعة بنسبة 2.2 في المائة إلى 320 دولارا للطن وهو سعر قياسي للفحم، ويعادل ثلاثة أمثال السعر في بداية العام الحالي.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

تثبيت الفائدة في الصين يعكس ثقة حذرة وسط اقتصاد صامد ومخاطر خارجية

سيدة تسير في أحد شوارع الضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
سيدة تسير في أحد شوارع الضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

تثبيت الفائدة في الصين يعكس ثقة حذرة وسط اقتصاد صامد ومخاطر خارجية

سيدة تسير في أحد شوارع الضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
سيدة تسير في أحد شوارع الضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

يعكس قرار الصين تثبيت أسعار الفائدة القياسية للإقراض، للشهر الحادي عشر على التوالي، مزيجاً من الثقة في أداء الاقتصاد، والحذر من المخاطر الخارجية. ففي ظل نمو قوي خلال الربع الأول، وعودة تدريجية للضغوط التضخمية، تبدو بكين أقل ميلاً إلى التيسير النقدي واسع النطاق، مفضّلة نهجاً أكثر انتقائية في إدارة الاقتصاد.

ويأتي قرار الإبقاء على سعر الفائدة الأساسي للقروض لأجل عام عند 3 في المائة، ولأجل 5 سنوات عند 3.5 في المائة، في سياق اقتصادي يشهد استقراراً نسبياً مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية. فقد سجل الاقتصاد الصيني نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة خلال الربع الأول، وهو ما يضعه عند الحد الأعلى للنطاق المستهدف للحكومة هذا العام، والذي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة. ما يعزز القناعة لدى صناع القرار بأن الاقتصاد لا يحتاج حالياً إلى دفعة تحفيزية إضافية عبر خفض أسعار الفائدة.

وهذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً في أولويات السياسة النقدية الصينية، من التركيز على دعم النمو بأي ثمن خلال السنوات الماضية، إلى تحقيق توازن أدق بين النمو والاستقرار المالي. فمع تعافي بعض مؤشرات الاقتصاد الحقيقي؛ خصوصاً في قطاعَي الصناعة والتصدير، باتت المخاوف من الإفراط في التيسير النقدي أكثر وضوحاً؛ خصوصاً في ظل استمرار تحديات مثل ضعف الطلب المحلي وفتور شهية الائتمان.

عودة الضغوط

وفي الوقت ذاته، تشير البيانات إلى بداية عودة الضغوط التضخمية؛ حيث سجلت أسعار المنتجين ارتفاعاً للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات خلال مارس (آذار) الماضي. ويُنظر إلى هذا التطور على أنه مؤشر مبكر على انتقال تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة، الناتج عن التوترات في الشرق الأوسط إلى الاقتصاد الصيني.

ورغم أن التضخم لا يزال تحت السيطرة نسبياً، فإن صناع السياسة يبدون حذرين من اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى تسريع وتيرته.

كما أن استقرار أسعار الفائدة يعكس أيضاً قراءة دقيقة لمستوى الطلب على الائتمان الذي لم يشهد بعد تعافياً قوياً بما يكفي لتبرير سياسة نقدية أكثر تيسيراً. فحتى مع توفر السيولة في النظام المالي، لا تزال الشركات والأسر متحفظة نسبياً في الاقتراض، ما يقلل من فاعلية أي خفض إضافي في أسعار الفائدة كأداة لتحفيز الاقتصاد.

استراتيجية الانتظار والترقب

وتدعم هذه الرؤية توقعات المؤسسات المالية الدولية، التي تشير إلى أن السلطات الصينية قد تفضل استخدام أدوات أكثر استهدافاً بدلاً من خفض شامل للفائدة. ويشمل ذلك توجيه الائتمان إلى قطاعات محددة، مثل البنية التحتية والتكنولوجيا، أو تقديم دعم مباشر للشركات الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من ضخ سيولة عامة قد لا تجد طريقها إلى الاقتصاد الحقيقي.

ومن جهة أخرى، تلعب البيئة الخارجية دوراً مهماً في تشكيل قرارات السياسة النقدية الصينية. فالتوترات الجيوسياسية -خصوصاً في الشرق الأوسط- تخلق حالة من عدم اليقين بشأن أسعار الطاقة والتجارة العالمية. ومع أن الصين تستفيد من تنوع مصادر الطاقة وامتلاكها احتياطيات استراتيجية كبيرة، فإنها لا تزال عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، وهو ما يفرض على صناع القرار التحرك بحذر.

كما أن الحفاظ على استقرار العملة الصينية يمثل عاملاً إضافياً في هذا التوجه. فخفض أسعار الفائدة بشكل كبير قد يزيد من الضغوط على اليوان؛ خصوصاً في ظل الفجوة الحالية مع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، وهو ما قد يؤدي إلى تدفقات رأسمالية خارجة، ويزيد من تقلبات الأسواق المالية.

وفي ضوء هذه العوامل، يبدو أن الصين تتبنى استراتيجية «الانتظار والترقب»، مع استعداد لاتخاذ إجراءات محدودة إذا دعت الحاجة. وتشير التوقعات إلى إمكانية تنفيذ خفض طفيف في أسعار الفائدة في وقت لاحق من العام، ولكن دون اللجوء إلى حِزَم تحفيزية واسعة النطاق، ما لم يحدث تدهور مفاجئ في الأوضاع الاقتصادية.

ويعكس تثبيت أسعار الفائدة في الصين مزيجاً من الثقة في متانة الاقتصاد والحذر من المخاطر المستقبلية، سواء الداخلية أو الخارجية. وبينما يظل النمو مستقراً في الوقت الحالي، فإن مسار السياسة النقدية سيبقى رهناً بتطورات التضخم والطلب المحلي، إلى جانب تأثيرات البيئة العالمية، ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة بكين على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق.


الحرب تهبط بمعنويات المستهلكين في بريطانيا لأدنى مستوياتها منذ 2023

أشخاص يتنزهون في حي «سيتي أوف لندن» المالي (رويترز)
أشخاص يتنزهون في حي «سيتي أوف لندن» المالي (رويترز)
TT

الحرب تهبط بمعنويات المستهلكين في بريطانيا لأدنى مستوياتها منذ 2023

أشخاص يتنزهون في حي «سيتي أوف لندن» المالي (رويترز)
أشخاص يتنزهون في حي «سيتي أوف لندن» المالي (رويترز)

أظهرت استطلاعات رأي نُشرت، الاثنين، أن معنويات المستهلكين البريطانيين تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ منتصف عام 2023 خلال الشهر الماضي، في إشارة تعكس تصاعد تأثير الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد البريطاني.

وفي هذا السياق، يترقب المستثمرون تداعيات استمرار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على الاقتصاد والأسواق، في وقت يبدو فيه أن التضخم في بريطانيا، وهو بالفعل الأعلى بين اقتصادات مجموعة السبع، مهيأ لمزيد من الارتفاع، مدفوعاً بمخاطر صعود أسعار الطاقة نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية، وفق «رويترز».

وأشارت بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى تراجع مؤشر ثقة المستهلك إلى 42.3 من 44.1، وهو أدنى مستوى في 33 شهراً، بينما سجلت «ديلويت» انخفاضاً في مؤشرها الفصلي للثقة إلى أدنى مستوى منذ الربع الثالث من عام 2023، مع تدهور واضح في تقييم الأسر لوضعها المالي وأمنها الوظيفي.

في سياق متصل، تصاعدت المخاوف من احتمال انهيار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بعد إعلان واشنطن احتجاز سفينة شحن إيرانية حاولت اختراق الحصار؛ ما دفع طهران إلى التهديد بالرد.

وقالت سيلين فينيش، رئيسة قسم «رؤى المستهلكين» في «ديلويت» بالمملكة المتحدة، إن الكثير من الأسر كانت تعاني أصلاً ضغوطاً على ميزانياتها نتيجة تباطؤ نمو الأجور وتراجع سوق العمل، مشيرة إلى أن تحسن الثقة يتطلب وضوحاً أكبر في الآفاق الاقتصادية.

كما أظهرت بيانات «رايت موف» العقارية ارتفاع أسعار المنازل البريطانية بنسبة 0.8 في المائة على أساس شهري في أبريل (نيسان)، وهو نمو أقل من المعتاد، في ظل استمرار الضغوط على سوق الإسكان نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري المرتبطة بالتوترات في إيران.

الإسترليني يترنح أمام الدولار

في أسواق العملات، انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.1 في المائة إلى 1.3503 دولار، في حين ارتفع الدولار الأميركي، كما صعد اليورو بنسبة 0.1 في المائة مقابل الجنيه إلى 87.10 بنس.

وجاء ذلك بالتزامن مع ارتفاع الدولار مدفوعاً بتراجع الأسهم وصعود أسعار النفط، بعد إعلان إيران عدم مشاركتها في جولة ثانية من المفاوضات.

وتصاعدت التوترات بعد إعلان الولايات المتحدة احتجازها سفينة شحن إيرانية حاولت اختراق الحصار في مضيق هرمز؛ ما زاد من حالة القلق في الأسواق.

وقالت سوزانا ستريتر، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في «ويلث كلوب»، إن المخاوف بشأن هشاشة وقف إطلاق النار مع إيران تتزايد؛ ما يضغط على أسعار النفط ويُبقي المستثمرين في حالة ترقب.

ورغم التراجع، بقي الجنيه قريباً من أعلى مستوى له في شهرين والذي سجله الجمعة عند 1.3599 دولار؛ ما يعكس استمرار قدر من التفاؤل في الأسواق بأن أسوأ مراحل الصراع قد تكون انتهت.

وارتفع الجنيه بنسبة 2 في المائة خلال الشهر الحالي، بعد انخفاضه بنسبة 1.9 في المائة في أبريل، مدعوماً بآمال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار؛ ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الدولار.

لكن في المقابل، حذّر محللون من أن الجنيه قد يواجه ضغوطاً إضافية في حال تفاقمت الأزمة السياسية في بريطانيا، خصوصاً مع الجدل المحيط برئيس الوزراء كير ستارمر وقضية تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة.

وذكرت صحيفة «الغارديان» أن ماندلسون فشل في عملية التدقيق الأمني؛ ما زاد الضغوط على الحكومة.

وقال كريس تيرنر، الرئيس العالمي للأسواق في بنك «آي إن جي»، إن المشهد السياسي سيكون معقداً على ستارمر، وقد ينعكس على حركة الجنيه الإسترليني خلال الفترة المقبلة، متوقعاً زيادة التقلبات واحتمال تراجع العملة عن مكاسبها الأخيرة.

ويرى بعض المستثمرين أن أي تغيير سياسي محتمل قد يدفع سياسات حزب العمال نحو اليسار؛ ما قد يؤدي إلى زيادة في مستويات الاقتراض الحكومي.


سيول ونيودلهي تستهدفان رفع التبادل التجاري إلى 50 مليار دولار بحلول 2030

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ عقب توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين بلديهما. نيودلهي (أ.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ عقب توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين بلديهما. نيودلهي (أ.ب)
TT

سيول ونيودلهي تستهدفان رفع التبادل التجاري إلى 50 مليار دولار بحلول 2030

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ عقب توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين بلديهما. نيودلهي (أ.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ عقب توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين بلديهما. نيودلهي (أ.ب)

تعهَّد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الجانبان بمضاعفة حجم التبادل التجاري الثنائي تقريباً، في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين.

وقال مودي خلال استقباله الرئيس الكوري الجنوبي إن الهند وكوريا الجنوبية تستهدفان رفع حجم التجارة من نحو 27 مليار دولار إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2030، عبر تعزيز سلاسل التوريد، وتحسين الوصول إلى الأسواق، وتشجيع المزيد من الاستثمارات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وأضاف: «ستحوّل الهند وكوريا الجنوبية علاقاتهما القائمة على الثقة إلى شراكة مستقبلية».

وتأتي هذه المحادثات في وقت يسعى فيه البلدان إلى توسيع التعاون في ظل حالة من عدم اليقين الاقتصادي العالمي واضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن الحرب الإيرانية.

من جهته، قال لي إن الجانبين اتفقا على رفع مستوى التعاون الاقتصادي بشكل كبير، مع التركيز على قطاعات مثل بناء السفن والدفاع والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى توسيع التعاون الصناعي وزيادة الاستثمارات في الصناعات التحويلية المتقدمة، فضلاً عن مجالات استراتيجية مثل المعادن الحيوية والطاقة النووية.

وفي إطار تعزيز مرونة سلاسل التوريد، أوضح لي أن كوريا الجنوبية تخطط لزيادة وارداتها من النافثا، وهي مشتقات نفطية، من الهند، بهدف الحد من أي اضطرابات محتملة ناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط. وشكَّلت الهند نحو 8 في المائة من واردات كوريا الجنوبية من النافثا خلال العام الماضي.

ومن المقرر أن يتوجَّه الرئيس الكوري الجنوبي إلى فيتنام بعد اختتام زيارته للهند.