لبنان مُصرّ على استغلال «الثقل الأميركي» في المفاوضات مع إسرائيل

بري يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن مسعى واشنطن لتمديد وقف النار

رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان مُصرّ على استغلال «الثقل الأميركي» في المفاوضات مع إسرائيل

رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

تسارعت مساعي تمديد وقف إطلاق النار في لبنان، بالتوازي مع معلومات إسرائيلية عن جولة جديدة من المفاوضات مع لبنان على مستوى السفراء لبحث تمديد وقف إطلاق النار تمهيداً لانطلاق المفاوضات المباشرة، فيما تنتظر «في أي لحظة» تحديد موعد لرئيس الجمهورية جوزيف عون للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقاء ثنائي لن يتحول ثلاثياً بانضمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إليه؛ وفق تأكيدات لبنانية.

وبينما كشف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري وجود عن مسعى أميركي لتمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، قالت مصادر رسمية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لا يرى أن اللقاء عنوانه الوحيد تمديد وقف إطلاق النار الذي ينتهي في نهاية الأسبوع.

وأكدت المصادر أن الخطوة التالية ستكون انطلاق المفاوضات المباشرة، وأن لبنان جاهز تماماً لإطلاقها بعد تعيين رئيس الوفد اللبناني وتجهيز الأوراق والملفات اللازمة. وأكدت المصادر أن لبنان لم يتبلغ بعد لا موعد ولا مكان المفاوضات، لكنه مُصر على أن تحتضنها واشنطن وليس قبرص أو أي مكان آخر، من أجل استغلال «الثقل» الأميركي لصالح الموقف اللبناني. وقالت المصادر: «وجود شخصية بحجم وزير الخارجية الأميركي، كما حصل في لقاء السفيرين، من شأنه إعطاء الجانب اللبناني أوراق قوة في المفاوضات».

وفي حين أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون أن «المفاوضات الثنائية سيتولاها لبنان من خلال وفد يترأسه السفير سيمون كرم، ولن يشارك أحد لبنان في هذه المهمة أو يحل مكانه»؛ أفادت عدة وسائل إعلام إسرائيلية، ‌بأن ‌الجولة الثانية ‌من ⁠المحادثات بين إسرائيل ولبنان ⁠ستُعقد يوم الخميس ⁠في ‌واشنطن. وستكون هذه ‌أول محادثات ‌بين ‌البلدين منذ بدء ‌وقف لإطلاق النار لمدة 10 ⁠أيام الخميس الماضي.

لكن مصادر وزارية لبنانية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة الثانية من الاجتماعات التحضيرية للمفاوضات المباشرة ستعقد في واشنطن يوم الخميس المقبل، على أن يتم التركيز خلالها على تمديد مهلة وقف إطلاق النار التي سبق أن حددت بعشرة أيام تنتهي نهاية هذا الأسبوع، وأن يتم تحديد مكان وزمان المفاوضات المباشرة التي يتم العمل على التحضير لها بين البلدين.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة في 14 أبريل (د.ب.أ)

وزار السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى عون وبري، بُعيد عودته إلى بيروت لأول مرة منذ إعلان الهدنة المؤقتة لـ10 أيام من دون الإدلاء بأي تصريحات إعلامية. لكن بري تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن وجود مسعى تقوم به واشنطن لتمديد وقف النار، رافضاً الإفصاح عن موقفه من عملية التفاوض المباشر مع إسرائيل التي يخطط لها رئيس الجمهورية.

وقال عون في تصريحات وزعها مكتب الإعلام في الرئاسة اللبنانية إن «خيار التفاوض هدفه وقف الأعمال العدائية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية ونشر الجيش حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دولياً».

وقال عون إن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدى خلال الاتصال معه كل تفهم وتجاوب مع مطلب لبنان، وتدخل لدى إسرائيل لوقف إطلاق النار والتحضير لإطلاق مسار تفاوضي ينهي الوضع الشاذ ويعيد سلطة الدولة اللبنانية وسيادتها على كامل أراضيها، وفي مقدمتها الجنوب»، مشيراً إلى أن «الاتصالات ستتواصل بيننا للمحافظة على وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات التي يفترض أن تُواكَب بأوسع دعم وطني؛ حتى يتمكن الفريق المفاوض من تحقيق ما يصبو إليه من أهداف».

وأضاف الرئيس عون: «المفاوضات المقبلة منفصلة عن أي مفاوضات أخرى؛ لأن لبنان أمام خيارين، إمّا استمرار الحرب مع ما تحمل من تداعيات إنسانية واجتماعية واقتصادية وسيادية، وإما التفاوض لوضع حد لهذه الحرب وتحقيق الاستقرار المستدام، وأنا أخترت التفاوض، وكلي أمل بأن نتمكن من إنقاذ لبنان».

«حزب الله»: من مصلحة رئيس الجمهورية الخروج من مسار التفاوض المباشر

في المقابل، يواصل «حزب الله» هجومه على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وكان آخرها ما تحدث عنه النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله، قائلاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه «من مصلحة الرئيس عون الخروج من مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل»، مؤكداً أن حزبه يريد لوقف إطلاق النار أن يستمر.

وقال فضل الله من مجلس النواب: «من مصلحة لبنان ومصلحة رئيس الجمهورية ومصلحة الحكومة الخروج من مسار التفاوض المباشر والعودة إلى تفاهم وطني حول الخيار الأفضل للبنان»، معتبراً أن التوجه للتفاوض المباشر «فيه تفرّد بخيار مصيري يرتبط بمستقبل لبنان».

وأضاف: «سنرفض وسنواجه أي محاولة لفرض أثمان سياسية على لبنان، من خلال تنازلات تقدم لهذا العدو الإسرائيلي»، موضحاً: «نريد لوقف إطلاق النار أن يستمر وأن يترافق أيضاً مع السعي الدؤوب من أجل انسحاب جيش الاحتلال من أرضنا وعودة جميع النازحين إلى قراهم... وإطلاق الأسرى ومن ثم برنامج لإعادة الإعمار».

وقال فضل الله إن «حزب الله» سيعمل على إسقاط «الخط الأصفر» الفاصل الذي أعلنت إسرائيل إقامته في جنوب لبنان، مؤكداً أن أحداً «لن يتمكن من تجريد الحزب من سلاحه»، مشدداً في الوقت عينه على أنه «لن يكون هناك نزع لسلاح المقاومة، ولن يتمكن أحد في لبنان وفي الخارج أن ينزع سلاح المقاومة».

مرقص: الرئيس عون يولي دور السعودية أهمية كبيرة في وقف النار

في موازاة ذلك، لفت وزير الإعلام بول مرقص إلى أن «إشادة رئيس الجمهورية جوزيف عون في خطابه الأخير بالدور السعودي تعكس حقيقة تاريخية راسخة»، مؤكداً أن «التحرك الدبلوماسي للرياض ساهم في الوصول إلى وقف إطلاق النار».

وفي حديث لـ«الإخبارية السعودية» أكد الوزير مرقص أن «لبنان يواصل التعويل على الدعم السعودي، وهو ما أكده أيضاً رئيس الحكومة نواف سلام في موقفه من وقف إطلاق النار»، مشدداً على أن «دول الخليج العربي تمثل عمقاً استراتيجياً للبنان، وأن العلاقات معها قائمة على الاحترام المتبادل والقيم المشتركة، وفي مقدمها الحفاظ على السيادة والاستقلال».

وفي سياق آخر، اعتبر الوزير مرقص أن خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الذي أعلن فيه «استعادة القرار، يعكس تحولاً مهماً في الخطاب السياسي اللبناني»، مشيراً إلى أن «المرحلة المقبلة تتركز على تثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة وعودة النازحين واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، إضافة إلى معالجة النقاط الحدودية العالقة».

وعن الدورين الدولي والإقليمي، رحب الوزير مرقص «بأي استقرار إقليمي ينعكس إيجاباً على لبنان»، مشدداً على «أهمية الدور الأميركي، لا سيما بعد الاتصال الذي أجراه الرئيس ترمب بالرئيس عون، والذي أسهم في الدفع نحو وقف إطلاق النار، إلى جانب الدعم العربي».


مقالات ذات صلة

عون ينعى محاولات ربط الملف اللبناني بمسار المفاوضات الإيرانية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يبحث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل التحضيرات الجارية لتنفيذ ما ورد في صيغة الإطار في المناطق التجريبية (الرئاسة اللبنانية)

عون ينعى محاولات ربط الملف اللبناني بمسار المفاوضات الإيرانية

نعى الرئيس اللبناني جوزيف عون محاولات ربط ملف لبنان بمسار المفاوضات الإيرانية، قائلاً: «أصبحنا الآن منفصلين عن الوضع الإيراني واتفاقية إسلام آباد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

تحليل إخباري التصعيد الأميركي - الإيراني يجدد القلق اللبناني من عودة الحرب

تتجه الأنظار إلى انعكاس أي تطور في العلاقة الأميركية-الإيرانية على الجبهة اللبنانية، التي بقيت خلال الأشهر الماضية ضمن سقف تصعيد مضبوط

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي قوة من الجيش اللبناني تنتشر على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)

مفاوضات روما تطلق تشكيل لجان مشتركة للبدء بتنفيذ «اتفاق الإطار»

تبقى الأنظار مشدودة إلى الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي تُعقد يومي 14 و15 يوليو (تموز) الحالي.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي مركبات عسكرية إسرائيلية تمر أمام منازل دُمرت في غارات على قرية بجنوب لبنان بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يشن هجمات بمسيّرات ومدفعية في جنوب لبنان

شنّت إسرائيل (الجمعة) غارات بطائرات مسيّرة على قرى بجنوب لبنان، وقصفت المدفعية الإسرائيلية بلدة دير سريان في الجنوب أيضاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين أنقاض مبانٍ مدمرة في منطقة حدودية جنوب لبنان (رويترز)

واشنطن: أول «منطقة تجريبية» لبنانية تنسحب منها إسرائيل ستحدّد خلال أيام

 قال مسؤول أميركي اليوم الخميس إن أول منطقة تجريبية في لبنان ستحدَّد في غضون «أيام».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)

سيناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وذلك بعد ضغوط من عدد من الدول الأعضاء على التكتل لاتخاذ إجراءات، حسبما أفاد دبلوماسيون، اليوم (الجمعة).

ورجّح الدبلوماسيون أن النقاش الذي سيجري في اجتماع ببروكسل، يوم الاثنين، لن يُسفر عن أي قرارات ملموسة، ولكنه سيساعد في تبيان مدى الدعم المتوافر للمضي قدماً في إجراءات مثل هذه.

وفرضت دول في الاتحاد الأوروبي، من بينها آيرلندا وهولندا وإسبانيا، قيوداً تجارية خاصة بها على المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحت ضغط متزايد على التكتل لاتخاذ إجراءات، طُرحت هذا الأسبوع خيارات للحد من التجارة مع المستوطنات، بما في ذلك فرض حظر. ويدور خلاف في الاتحاد حول ما إذا كان هذا الإجراء يتطلّب إجماع الدول الـ27 أم تكفيه الغالبية.

ويقول الدبلوماسيون إن ألمانيا وإيطاليا لم تحسما أمرهما بعد بشأن هذه الخطوة.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. ويعيش أكثر من 500 ألف إسرائيلي بين نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، في مستوطنات وبؤر استيطانية غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وأدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، التوسع الاستيطاني «المتواصل» في الضفة الغربية، قائلاً في تقرير، اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية» الشهر الماضي، إن هذه المستوطنات تُسهم في «أكبر أزمة نزوح في الضفة الغربية منذ عام 1967».

ولطالما عاقت الانقسامات قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني موقف موحد تجاه إسرائيل؛ إذ تؤيدها بعض الدول الأعضاء، في حين تدعم دول أخرى الفلسطينيين.


هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
TT

هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

بعد يومين من تفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ألقت السلطات الأمنية السورية، الخميس، القبض على الخلية المسؤولة عن التفجيرين، وأظهرت التحقيقات الأولية أنها تتبع لتنظيم «داعش».

وفي ظل الحساسية الكبيرة للحدث، بحكم أن التفجيرين حصلا قرب فندق «فورسيزونز» الراقي وسط دمشق، حيث أمضى ماكرون ليلته، خلال زيارته التي تعد الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024، والقلق الشديد الذي لا يزال يعتري الأوساط الشعبية في دمشق من تكرار ما حصل، يطرح السؤال: هل تبعية الخلية المتورطة في التفجيرين لـ«داعش» يعني أن التنظيم لديه إمكانية اختراق الأمن متى يشاء؟

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» بعد الانفجارين (أ.ف.ب)

حسب الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي، عصمت العبسي، المقرب من وزارة الدفاع، فإنه «لا يمكن بأي حال اعتبار حصول التفجيرين مؤشراً على ضعف أو عجز، بل هو تأكيد على طبيعة الحرب غير المتكافئة التي تخوضها السلطات الأمنية والعسكرية السورية ضد (داعش) الذي يعتمد على الانتحارية والعشوائية لزرع الرعب».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عدّ العبسي أن ما حدث «ليس اختراقاً أمنياً بالمعنى التقني، بل محاولة إرهابية فاشلة تم كشفها ومحاكمتها بسرعة قياسية».

ووقع التفجيران على بعد مئات الأمتار من الفندق، بعد دقائق من مغادرة موكب ماكرون باتجاه القصر الرئاسي لعقد اجتماع موسع مع الرئيس الشرع، بحضور وفدين من البلدين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره السوري أحمد الشرع خلال جولة في المسجد الأموي بدمشق (أ.ف.ب)

ونجم التفجيرين عن عبوتين صُنعتا بطريقة بدائية، وأسفرا عن مقتل شخص وإصابة 36 آخرين بجروح، وفق وزارة الصحة.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية، حينها، أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا»، وتبع ذلك تأكيد ماكرون، في منشور على «إكس»، أن زيارته إلى سوريا «ستستمر».

وأوضح العبسي، أن زيارة ماكرون «كانت محاطة بإجراءات أمنية مشددة ومعقدة، وحقيقة تفجير العبوات بعيداً عن مسار الضيف الرسمي، ثم القبض الفوري على منفذيها، يثبتان أن الخط الأحمر للأمن القومي لم يُخترق، وأن الدولة قادرة على الفصل بين ضجيج العدو وأداء مهامها السيادية بامتياز».

وجاء التفجيران بعد أيام من انفجار وقع يوم الجمعة الماضي، داخل مقهى قرب القصر العدلي بدمشق، راح ضحيته 10 أشخاص.

و أوضح العبسي «أن التسلل يختلف عن التوطين، والتنظيم لا يمتلك قاعدة شعبية ولا وجوداً مدنياً حقيقياً، بل يعتمد على خلايا نائمة ومتفرقة تحاول استغلال الفراغ الأمني المؤقت بعد سنوات من الحرب».

متفجرات ضبطها الامن السوري في وكر ل«داعش«(سانا)

ويعكس ظهور هذه الخلايا في محيط دمشق محاولات يائسة للتنظيم الإرهابي لإعادة ترسيخ حضوره قبل أن تُنهيه الدولة تماماً، وليس دليلاً على تغلغل واسع النطاق، وفق العبسي، الذي لفت إلى أن الأجهزة الأمنية «تعمل حالياً وفق منهجية الاستباقية والمراقبة الدقيقة، ما سمح لها بتحويل كل حالة تسلل إلى عملية اعتقال وقضاء، بدلاً من تركها تتحول إلى تهديد مستمر».

وعما إذا كان يعتقد أن عدد خلايا «داعش» كبير في دمشق ومحيطها؟ أوضح العبسي «أن الأرقام ليست المعيار الوحيد للخطر، فالخلية الواحدة المنظمة جيداً قد تكون أكثر ضرراً من عشرات العناصر المشتتة».

وأضاف: «نحن نتعامل مع بقايا تنظيم هزم عسكرياً، لكنه لم يقضَ عليه قضائياً وأمنياً بالكامل بعد، فهناك عناصر متبقية تبحث عن أي فرصة للانتقام أو زعزعة الاستقرار السياسي الجديد، لكن قدرتها محدودة جداً مقارنة بما كانت تملكه سابقاً، ومهمتنا الحالية هي تجفيف منابع هذا النشاط عبر التعاون المجتمعي والمراقبة الذكية، ونحن نجني ثمار هذا النهج يومياً كما ظهر في هذه العملية».

القبض على القيادي البارز في «داعش» فراس الداغر وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل بالتنظيم جنوب سوريا (سانا)

وجاء التفجيران في وقت تواصل فيه وزارة الداخلية تكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب عبر عمليات أمنية مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامة وإدارة مكافحة الإرهاب، حيث أعلنت في 9 يونيو (حزيران) الماضي عن تفكيك 7 خلايا لتنظيم «داعش»، وتوقيف 235 شخصاً من عناصره، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

العبسي، في تصريحه، أكد أن حادثة تفجير العبوتين، «ستسرّع وتيرة الإصلاحات الأمنية الهيكلية التي بدأتها الحكومة بالفعل، وسنشهد تعزيزاً للتعاون بين قوى الأمن الداخلي والمخابرات العامة لإنشاء شبكة معلومات موحدة وسريعة الاستجابة، بالإضافة إلى ذلك، سيتم تكثيف العمليات الميدانية الوقائية في المناطق الريفية والمدن المجاورة للعاصمة لمنع إعادة تشكيل الخلايا»، لافتاً إلى أن الهدف «ليس ردّ الفعل السريع فقط، بل بناء منظومة أمنية متكاملة تجعل البيئة غير صالحة لأي نشاط إرهابي، ما يرسل رسالة واضحة للشركاء الدوليين بأن سوريا آمنة ومستقرة للاستثمار والتفاعل السياسي».

وإضافة إلى الإعلان، أمس (الخميس)، عن إلقاء القبض على المسؤولين عن التفجيرين اللذين استهدفا دمشق في 7 يونيو (تموز) الحالي، أعلنت وزارة الداخلية في اليوم نفسه أنها فككت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، خلايا عدة تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في المنطقة الجنوبية، وألقت القبض على القيادي البارز في التنظيم، المدعو فراس الداغر، وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل.

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

ومن جانبه، أوضح الباحث السياسي المختص بالشأن الأمني، ضياء قدور، أن «داعش» يقود اليوم حملة تصعيد منخفضة الشدة ضد الدولة السورية، ولا يزال يشكل تهديداً مستمراً مستغلاً الثغرات الأمنية والخواصر الرخوة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «التفجيرين الأخيرين صحيح أنهما كانا مؤلمين وصادمين، لكن العمليات الأمنية الكبيرة لقوات الأمن كشفت عن قدرات متزايدة ومتصاعدة لديها لمكافحة التنظيم».

وعدّ «أن اعتقال هذا العدد من خلايا التنظيم في آن معاً، هو مؤشر على مدى بنك المعلومات المحدد الذي تمتلكه وزارة الداخلية، وتمتعها بقدرات لوجستية فائقة لمتابعة أهداف لوجستية».

وأوضح «أن الهدف الرئيسي للتفجيرين ليس إيقاع ضحايا بقدر ما هو التشويش على زيارة ماكرون وإظهار الدولة السورية بصورة الضعيفة، وكذلك التشويش على المرحلة الحالية»، مشيراً إلى أن الخلية مرتبطة بـ«داعش»، ولكن ربما تقف وراءها أجهزة استخبارات كبرى، لا تريد لسوريا أن تهدأ وأن تستقر.

وبينما يتم الحديث عن قدرات التنظيم المتزايدة، اعتبر قدور أن هذه ليست عودة صريحة للتنظيم الذي لا يستهدف السيطرة على منطقة معينة أو إعادة بناء «الدولة الإسلامية»، بل هو يعرقل جهود من يقوم ببناء الدولة، وهذه استراتيجية «داعش» اليوم القائمة على الاستنزاف ورفع التكلفة.

دخان ونيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

ومع تزايد القدرات التكنولوجية للقوات الأمنية، ورفع العقوبات، سيصعب على التنظيم تنفيذ عمليات في مراكز المدن، وسيتجه أكثر نحو الضواحي والمناطق المفتوحة، وفق قدور. وأشار إلى «أن التهديد الأمني لا يزال مستمراً، ويجب على الدولة والأجهزة الأمنية أن تجد حلاً شاملاً ومتكاملاً لتهديدات (داعش) المستمرة».

وأضاف: «إحصائيات عام 2026 تقول إن عمليات (داعش) تراجعت مقارنة بالعامين الماضيين، لكن التهديد الأمني مستمر من خلال بعض الثغرات التي يمكن أن يستغلها التنظيم، ويمكن أن يؤدي الأمر إلى أحداث مؤلمة وصادمة في بعض الأوقات، وبالتالي على الدولة السورية أن تضع حدّاً لهذه العمليات من خلال إيجاد معادلة متكاملة للأمن السوري، لا تقوم على تطوير الأدوات الأمنية وقدراتها العسكرية والتكنولوجية فقط، بل على جوانب اقتصادية وملاحقة المظالم الاجتماعية والاقتصادية أيضاً، لأن الأمن بشكل عام معادلة متكاملة، فنحن أمام مرحلة طويلة الأمد، والمعركة صعبة، وقد تواجهنا مطبات وعراقيل، ولكن مع تطوير الخبرات والقدرات التي تضاف والتعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، أعتقد أننا سنصل إلى نتيجة مهمة».


السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
TT

السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)

أعلنت السلطات السورية، الجمعة، أن التحقيقات مع أفراد الخلية المسؤولة عن تفجيري السابع من يوليو (تموز) في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قادت إلى كشف مخبأ للمتفجرات.

وكان مسؤول أمني قد أفاد بأن التحقيقات الأولية أظهرت ارتباط الخلية بتنظيم «داعش»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، إحداهما داخل حاوية قمامة والثانية داخل سيارة مركونة على جانب الطريق، استهدفا، الثلاثاء، محيط فندق راقٍ أمضى فيه ماكرون ليلته خلال زيارته غير المسبوقة لدمشق.

أحد عناصر قوى الأمن السورية يمسك بعبوة ناسفة عثر عليها في مخبأ يتبع تنظيم «داعش» (الداخلية السورية)

وأعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق العميد أحمد الدالاتي، الجمعة، أن التحقيقات الأولية مع أفراد الخلية المتورطة بالتفجيرين أظهرت «تبعيتها لتنظيم داعش».

وأسفر التفجيران عن مقتل شخص وإصابة 36 بجروح، وفق وزارة الصحة، بعدما كان موكب الرئيس الفرنسي غادر الفندق في طريقه إلى القصر الرئاسي لإجراء محادثات مع نظيره السوري أحمد الشرع.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان، إن «التحقيقات المكثفة مع أفراد الخلية الإرهابية المسؤولة عن تفجيرات السابع من تموز بدمشق»، قادت «إلى الكشف عن مخبأ سري خصصته الخلية لتخزين المتفجرات تمهيداً لتنفيذ سلسلة من الهجمات الإرهابية».

عناصر من قوى الأمن السورية تستخدم كلاباً مدربة للبحث عن مخبأ متفجرات (الداخلية السورية)

وأضافت: «في عملية دقيقة، داهمت قوى الأمن الداخلي الموقع المحدد بعد اعترافات الخلية، وضبطت عدداً من العبوات الناسفة»، مشيرة إلى أن الفرق الهندسية تمكنت من «تفكيكها وإبطال مفعولها بأمان، وفق الإجراءات الفنية المعتمدة».

والخميس، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن «قوات الأمن العام اعتقلت عشرات من سكان حي عش الورور في مدينة دمشق، خلال حملة أمنية واسعة».

وحي عش الورور، الذي أعلنت وزارة الداخلية أنه كان من بين المواقع التي طالتها المداهمات في ريف دمشق، سبق أن شهد حوادث أمنية بعد الإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد.

مواد متفجرة وصواعق تفجير عثرت عليها قوى الأمن السورية في مخبأ يتبع تنظيم «داعش» (الداخلية السورية)

وقال أحد سكان الحي، طالباً عدم كشف اسمه، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الاعتقالات التي جرت، ليل الخميس الجمعة، لم تشمل، وفق علمه، أفراداً من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع، مشيراً إلى أن المداهمات استهدفت أشخاصاً آخرين في الحي.

ووقع تفجيرا دمشق بعد أقل من أسبوع من مقتل 10 أشخاص جراء تفجير عبوة ناسفة داخل مقهى في العاصمة السورية، لم تتبنه أي جهة.

ويتبنى تنظيم «داعش» بين الحين والآخر اعتداءات تطول قوات الأمن السورية خصوصاً، بعدما حضّ عناصره على قتال السلطات الجديدة عقب إطاحة الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.