أزمة الطاقة في أوروبا... الشتاء يقترب والأسعار ترتفع وأعداد الفقراء تتضاعف

منحى تصاعدي للتداعيات يزيد الضغوط على القارة العجوز

ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
TT

أزمة الطاقة في أوروبا... الشتاء يقترب والأسعار ترتفع وأعداد الفقراء تتضاعف

ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)

تعيش أوروبا منذ أشهر أزمات متتالية، فما إن شارفت أزمة الجفاف والحر الشديد على النهاية، حتى بدأت أزمة جديدة أشد خطورة تَلوح في الأفق، تسارع الحكومات الأوروبية لاحتوائها من دون نجاح كبير.
فنقص إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا نتيجة الحرب في أوكرانيا، وهو ما جاء في أعقاب عودة استيقاظ القارة من إغلاقات وباء «كورونا» وزيادة الطلب على موارد الطاقة، فجّر أسعار الغاز والكهرباء في الكثير من الدول الأوروبية التي بدأت تخشى وصول شتاء بارد لن تكون قادرة على تخطيه من دون أضرار بالغة. ومن المقرر أن تتوقف إمدادات الغاز الروسية للسوق الألمانية اليوم (الأربعاء)، ولمدة 3 أيام، وكانت موسكو قد أخطرت برلين من أيام بهذا الإجراء، بحجة الصيانة.
تعد هذه الصيانة، غير المجدولة على خط الأنابيب «نورد ستريم 1» هي الثانية خلال عدة أسابيع، بينما كانت عمليات الصيانة في النصف الأول من شهر يوليو (تموز) الماضي مجدولة. وأظهرت بيانات من منصة معلومات سوق الطاقة «سيبيرجر» أن عملاق الغاز الروسي «غازبروم» سيوقف تدفقات الغاز في خط الأنابيب «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا للصيانة لمدة ثلاثة أيام. وأشارت البيانات إلى أن توقف التدفقات سيبدأ الساعة 01:00 بتوقيت غرينتش في 31 أغسطس (آب) ويستمر حتى الساعة 01:00 بتوقيت غرينتش في الثالث من سبتمبر (أيلول) أيلول.

ألمانيا
وعلى الفور، قال المستشار الألماني أولاف شولتس، أمي (الثلاثاء)، إن الإجراءات الحكومية لضمان إمدادات الغاز خلال الشتاء جعلت ألمانيا مستعدة للتعامل مع خفض جديد للشحنات الروسية، قبل يوم واحد من قطع موسكو إمدادات الغاز مدة ثلاثة أيام عبر «نورد ستريم».
وقال شولتس في بيان، إن الاستعدادات تعني أن ألمانيا «في وضع أفضل بكثير من حيث أمن الإمدادات مما كان متوقعاً قبل شهرين، وأنه يمكننا التعامل بشكل جيد مع التهديدات التي نواجهها من روسيا التي تستخدم الغاز كجزء من استراتيجيتها في الحرب ضد أوكرانيا».
تعتمد ألمانيا بشكل كبير على الغاز الروسي خصوصاً في تدفئة المنازل وتشغيل المصانع، فحكومتها تبدو في حيرة حول الطريقة الأفضل لتخفيف العبء على مواطنيها من دون التسبب بإفلاس شركات وإغلاق مصانع.
وقد أقرّت الحكومة حزمة مساعدات أولى تنتهي مع نهاية أغسطس، وتحل مكانها ضريبة جديدة إضافية على الغاز سمحت الحكومة للشركات المزودة بالطاقة بتمريرها إلى المستهلكين. ولكن هذه الضريبة لاقت اعتراضات واسعة خصوصاً أنها ستلغي مفعول الإعفاءات التي كانت قد أقرتها الحكومة سابقاً لمساعدة السكان. وتحت وطأة الضغوط والمخاوف من خروج مظاهرات بدأ الألمان بالاستعداد لها، وعدت الحكومة بمراجعة هذه الضريبة، إلى جانب التعهد بإقرار حزمة مساعدات ثانية قريباً.
ورغم اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي لتلبية قرابة 40% من احتياجاتها من الغاز، فهي تبدو واثقة بأنها قادرة على اجتياز الشتاء من دون أضرار كبيرة، علماً بأن روسيا خفضت واردات الغاز إليها بدرجة كبيرة. وحسب الحكومة الألمانية، فإن الغاز الروسي الذي يصل إلى ألمانيا مباشرة عبر خط أنابيب «نورد ستريم 1» يعمل بنسبة 20% من الطاقة القصوى. وفي نهاية هذا الشهر ستغلق روسيا الخط لمدة ثلاثة أيام لإجراء إصلاحات، ولكن ألمانيا تتخوف من أن يبقى الخط مغلقاً بحجج تقنية تختلقها روسيا لزيادة الضغط على ألمانيا وأوروبا مع اقتراب فصل الشتاء.
ولكن رغم ذلك، فإن خزانات الغاز في ألمانيا باتت ممتلئة تقريباً، وهي وصلت إلى 81% من قدرتها الاستيعابية وهي نسبة أعلى من النسبة التي كانت الحكومة تطمح لملئها في نهاية أغسطس. وتقول الحكومة إن هذه الخزانات كافية لتجتاز ألمانيا فصل الشتاء من دون أن تضطر لاتخاذ قرارات جذرية، حتى في حال أوقفت روسيا ضخ الغار كلياً إليها. وحتى الآن اتخذت الحكومة قراراً تدعو فيه لإطفاء الأنوار في المجسمات العامة ليلاً وأنوار المطاعم كذلك بهدف توفير الطاقة، إلى جانب تخفيف التدفئة داخل المباني العامة باستثناء المدارس والمستشفيات، ووقف تدفئة المياه في حمامات الأبنية العامة. وفي أسوأ الحالات، تحضر الحكومة الألمانية لخطط تقنين الغاز تبدأ من المصانع وتصل إلى المنازل.
وقد تحولت ألمانيا منذ بداية الأزمة مع روسيا، إلى النرويج وهولندا بدرجة ثانية للتعويض عن الغاز الروسي. كما تراجعت عن خططها بإغلاق مناجم الفحم الحجري رغم أضرارها البيئية الجسيمة، في محاولة للتعويض عن النقص في الغاز الروسي على المدى القريب. ولم تعد ألمانيا ترفض فكرة تمديد العمل بمفاعلاتها النووية التي تريد إغلاقها نهاية في قرار اتخذته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل بعد كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011.

فرنسا
أما فرنسا التي تعتمد بشكل أساسي على الطاقة النووية أكثر من الغاز فهي كذلك تواجه ارتفاعاً قياسياً في أسعار الطاقة. ولكن ليس فقط بسبب الحرب في أوكرانيا بل بسبب إغلاق نصف معاملها للطاقة النووية تقريباً بهدف الصيانة. وسيبقى بعض هذه المعامل مغلقاً طوال شهرين كاملين، أي حتى بعد بداية فصل الشتاء، ما سيحدّ من قدرة البلاد على إنتاج الطاقة. وتتسببت هذه المشكلات «النووية» في فرنسا بتحويلها من دولة مصدرة للكهرباء إلى مستوردة لها.
وحتى الآن تضع الحكومة سقفاً لرفع الأسعار بـ4% على الشركات المزودة بالطاقة، ما يعني أن الشركات تتحمل الخسائر الناتجة عن ارتفاع الأسعار في السوق العالمية من دون تمريرها بأكملها إلى الزبائن. ولكن هذا السقف تنتهي مدته في نهاية العام، وسيتعين على الحكومة أن تقرر خلال أسبوعين تمديده أم لا، رغم أنها ألمحت إلى عدم قدرتها على تمديده، ما يعني أن الأسعار قد ترتفع بشكل كبير على المستهلكين في مطلع العام القادم.
وتجد معظم الدول الأوروبية نفسها وسط أزمة ارتفاع أسعار خانق للطاقة، من إيطاليا إلى إسبانيا واليونان وحتى دول البلطيق.

بريطانيا
ورغم أن بريطانيا، التي باتت خارج الاتحاد الأوروبي، لا تستورد الغاز من روسيا، فهي تبدو من أكثر الدول الأوروبية تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة التي ارتفع سعرها في السوق العالمية. وقبل أيام، أصدرت الهيئة المنظمة للطاقة في بريطانيا قراراً يسمح للشركات المزودة برفع سقف الأسعار التي تمرر للمستهلكين بنسبة 80% ابتداءً من مطلع أكتوبر (تشرين الأول) القادم. وحسب هذا القرار، فإن معدل الفواتير السنوية للتدفئة والكهرباء سترتفع من 1917 جنيهاً إسترلينياً إلى 3549 جنيهاً إسترلينياً. وقد حذرت منظمات كثيرة من أن عدد «فقراء الطاقة» سيتضاعف في بريطانيا، في دلالة على عدد الأشخاص الذين لن يعودوا قادرين على تدفئة منازلهم بسبب ارتفاع الأسعار.
ورغم أن الحكومة البريطانية أقرت حزمة مساعدات سابقة للمساعدة بتخفيف العبء عن السكان، فإن الحزمة لم تكن كافية. وتنتظر البلاد الآن حكومة جديدة لاتخاذ قرار حول مساعدات إضافية، تتسلم مهامها بعد انتخاب زعيم جديد لحزب المحافظين في الخامس من سبتمبر، ليحل مكان رئيس الحكومة المستقيل بوريس جونسون.
وتراجع الهيئة المنظمة للطاقة سقف الأسعار كل 3 أشهر، ما يعني أن الأسعار قد تعود لترتفع مرة جديدة في مطلع العام المقبل وتصل إلى مستويات قياسية. وبرفع سقف الأسعار، تحاول الهيئة تجنيب إفلاس شركات إضافية مزودة بالطاقة، خصوصاً أن أعداد كبيرة منها أغلقت في الأشهر الماضية بعد أن كانت أسعار الطاقة قد بدأت بالارتفاع حتى قبل الحرب في أوكرانيا نتيجة زيادة تكاليف النقل بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأيضاً بعد تزايد الطلب على موارد الطاقة في أعقاب إعادة الفتح بعد إغلاقات «كورونا».

إسبانيا
وفي إسبانيا اتخذت الحكومة إجراءات شبيهة بتلك التي اتخذتها الحكومة الألمانية للتخفيف من استخدام الطاقة. وحتى قبل وصول فصل الشتاء، أقرت الحكومة استخدام مكيفات الهواء بدرجة لا تقل عن 27 درجة مئوية، وفرضت على الدوائر العامة والمتاجر والمكاتب والمسارح اعتماد ذلك، مستثنية المنازل الخاصة. ويمكن أن تصل درجات الحرارة في بعض المناطق في إسبانيا إلى 40 درجة مئوية في فصل الصيف. كما أقرت الحكومة اعتماد درجة حرارة لا تزيد على الـ19 درجة مئوية في فصل الشتاء لتدفئة المكاتب والمتاجر والمرافق العامة. كما دعت لإطفاء أنوار المحال ليلاً وعدم إضاءة المباني العامة. ورغم أن إسبانيا تستورد القليل جداً من الغاز الروسي، فإنها تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة في السوق العالمية بشكل عام.


مقالات ذات صلة

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

الاقتصاد خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

يتجه المصرف المركزي الأوروبي الخميس إلى إقرار رفع جديد لمعدلات الفائدة، وسط انقسام بين مسؤوليه والمحللين على النسبة التي يجب اعتمادها في ظل تواصل التضخم والتقلب في أداء الأسواق. ويرجح على نطاق واسع أن يقرّر المصرف زيادة معدلات الفائدة للمرة السابعة توالياً وخصوصاً أن زيادة مؤشر أسعار الاستهلاك لا تزال أعلى من مستوى اثنين في المائة الذي حدده المصرف هدفاً له.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

واجه وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة، اقتراحا من قبل المفوضية الأوروبية لمنح دول التكتل المثقلة بالديون المزيد من الوقت لتقليص ديونها، بردود فعل متباينة. وأكد وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر أن مقترحات المفوضية الأوروبية لمراجعة قواعد ديون الاتحاد الأوروبي «ما زالت مجرد خطوة أولى» في عملية الإصلاح.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة بلغت 0,1 % في الربع الأول من العام 2023 مقارنة بالربع السابق، بعدما بقي ثابتا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2022، وفق أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات). بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي برمّته، انتعش نمو الناتج المحلي الإجمالي بزيادة بلغت نسبتها 0,3 % بعد انخفاض بنسبة 0,1 % في الربع الأخير من العام 2022، وفق «يوروستات». وفي حين تضررت أوروبا بشدة من ارتفاع أسعار الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما يغذي تضخما ما زال مرتفعا للغاية، فإن هذا الانتعاش الطفيف للنمو يخفي تباينات حادة بين الدول العشرين التي تشترك في العملة الموحدة. وخلال الأش

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد «النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

«النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

قال مدير صندوق النقد الدولي لمنطقة أوروبا اليوم (الجمعة)، إنه يتعين على البنوك المركزية الأوروبية أن تقضي على التضخم، وعدم «التوقف» عن رفع أسعار الفائدة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأوضح ألفريد كامر، خلال إفادة صحافية حول الاقتصاد الأوروبي في استوكهولم، «يجب قتل هذا الوحش (التضخم).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

من المقرر أن تحصل دول الاتحاد الأوروبي المثقلة بالديون على مزيد من الوقت لتقليص الديون العامة، لتمكين الاستثمارات المطلوبة، بموجب خطط إصلاح اقترحتها المفوضية الأوروبية يوم الأربعاء. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين: «نحتاج إلى قواعد مالية ملائمة لتحديات هذا العقد»، وأضافت «تمكننا الموارد المالية القوية من الاستثمار أكثر في مكافحة تغير المناخ، ولرقمنة اقتصادنا، ولتمويل نموذجنا الاجتماعي الأوروبي الشامل، ولجعل اقتصادنا أكثر قدرة على المنافسة». يشار إلى أنه تم تعليق قواعد الديون والعجز الصارمة للتكتل منذ أن دفعت جائحة فيروس «كورونا» - حتى البلدان المقتصدة مثل ألمانيا - إلى الا

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

أرباح الصناعة الصينية تفقد الزخم

عمال يُجمِّعون محركات الدراجات النارية في مصنع «شينراي» بمدينة تشونغتشينغ جنوب غربي الصين (أ.ف.ب)
عمال يُجمِّعون محركات الدراجات النارية في مصنع «شينراي» بمدينة تشونغتشينغ جنوب غربي الصين (أ.ف.ب)
TT

أرباح الصناعة الصينية تفقد الزخم

عمال يُجمِّعون محركات الدراجات النارية في مصنع «شينراي» بمدينة تشونغتشينغ جنوب غربي الصين (أ.ف.ب)
عمال يُجمِّعون محركات الدراجات النارية في مصنع «شينراي» بمدينة تشونغتشينغ جنوب غربي الصين (أ.ف.ب)

أظهرت أرباح الشركات الصناعية الصينية في يوليو (تموز) صورة مزدوجة للاقتصاد، حيث توجد قطاعات مرتبطة بالتكنولوجيا والتصدير تحقق نمواً قوياً مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، في مقابل صناعات تعتمد على الطلب المحلي لا تزال تعاني ضعف الاستهلاك وضغوط العقارات وارتفاع تكاليف المدخلات.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن أرباح الشركات الصناعية ارتفعت 11.2 في المائة في يوليو مقارنة بالعام السابق، متباطئة من نمو بلغ 15.1 في المائة في يونيو (حزيران). كما تباطأ نمو الأرباح خلال الأشهر الـ7 الأولى من العام إلى 17.6 في المائة من 18.7 في المائة خلال النصف الأول.

ويعكس هذا التباطؤ استمرار الضغوط على هوامش الربحية، رغم بقاء نمو الإيرادات مستقراً نسبياً.

وقال تشاوبينغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد»، إن ارتفاع تكاليف المواد الخام ضغط بصورة خاصة على الشركات العاملة في المراحل الوسطى والنهائية من سلاسل الإنتاج.

وتزداد أهمية هذه الضغوط لأن الاقتصاد الصيني، الذي تبلغ قيمته نحو 20 تريليون دولار، ما زال يواجه ضعفاً واضحاً في الطلب المحلي؛ فالأسر تتوخى الحذر في الإنفاق، والشركات تتردد في توسيع استثماراتها، بينما يستمر تراجع سوق العقارات في التأثير على الثقة.

في المقابل، واصلت القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة تسجيل أداء قوي، فقفزت أرباح قطاع تصنيع أجهزة الكمبيوتر والاتصالات والمعدات الإلكترونية الأخرى بنسبة 110 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يوليو، بينما ارتفعت أرباح قطاع صهر المعادن غير الحديدية ومعالجتها بالدرفلة بنسبة 91.8 في المائة.

وكان الأداء أكثر لفتاً في بعض الصناعات المتخصصة؛ فقد ارتفعت أرباح تصنيع الألياف الضوئية 468.4 في المائة، وصناعة الكابلات الضوئية 62.6 في المائة، ومعدات أنظمة الاتصالات 55 في المائة، ما يعكس استمرار الطلب القوي على البنية التحتية المرتبطة بمراكز البيانات والحوسبة والاتصالات.

ويشير هذا التباين إلى أنَّ جزءاً مهماً من زخم الأرباح يأتي من قطاعات تستفيد من الطلب الخارجي والتحول التكنولوجي، لا من تعافٍ شامل في الاقتصاد المحلي.

أما الصناعات الاستهلاكية والعقارية، فبقيت تحت الضغط. وسجَّلت «كويتشو موتاي»، أكبر شركة مشروبات في الصين من حيث الإيرادات، انخفاضاً بنسبة 2 في المائة في صافي أرباح النصف الأول، في ظلِّ ضعف الإنفاق الاستهلاكي وتراجع العقارات وتشديد بعض أوجه الإنفاق الرسمي.

وقال يو وينينغ، الإحصائي في المكتب الوطني للإحصاء، إن البيئة العالمية لا تزال «معقدة ومليئة بالتحديات»، مضيفاً أن اختلال التوازن بين قوة العرض وضعف الطلب المحلي لا يزال أحد القيود الرئيسية أمام الاقتصاد.

وهذه المشكلة تضع صانعي السياسات أمام معادلة صعبة، فالصين تمتلك قاعدة صناعية ضخمة وقدرة إنتاجية عالية، لكن ضعف الاستهلاك الداخلي يعني أن جزءاً متزايداً من الإنتاج يحتاج إلى أسواق خارجية، وهو ما يزيد حساسية الاقتصاد للتوترات التجارية والمخاطر الجيوسياسية.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي الزيادة في تكاليف المواد الخام إلى تقليص مكاسب الشركات حتى في حال استقرار الإيرادات، خصوصاً إذا عجزت عن تمرير الزيادات إلى المستهلك النهائي بسبب ضعف الطلب؛ لهذا تزداد الضغوط على بكين لتقديم دعم مالي إضافي. وكان نائب وزير المالية قد تعهد في أواخر أغسطس (آب) بإطلاق إجراءات دعم في الوقت المناسب، بعد أن أظهرت مؤشرات اقتصادية فقداناً للزخم مع بداية الرُّبع الثالث.

وتغطي بيانات الأرباح الصناعية الشركات التي تحقِّق إيرادات سنوية لا تقل عن 20 مليون يوان، ما يجعلها مؤشراً مهماً على أوضاع قطاع التصنيع والربحية.

والخلاصة أن الاقتصاد الصناعي الصيني لا يعاني ركوداً عاماً، بل يعاني انقساماً واضحاً بين «اقتصاد قديم» يواجه ضعف الطلب وضغوط الهوامش، و«اقتصاد جديد» تقوده الرقائق والاتصالات والذكاء الاصطناعي.


اضطرابات هرمز تضغط على اقتصاد البحرين... والأنشطة غير النفطية تواصل النمو

صورة جوية لجانب من أفق العاصمة البحرينية المنامة (رويترز)
صورة جوية لجانب من أفق العاصمة البحرينية المنامة (رويترز)
TT

اضطرابات هرمز تضغط على اقتصاد البحرين... والأنشطة غير النفطية تواصل النمو

صورة جوية لجانب من أفق العاصمة البحرينية المنامة (رويترز)
صورة جوية لجانب من أفق العاصمة البحرينية المنامة (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية أن الاقتصاد البحريني تأثر خلال الربع الأول من عام 2026 بتداعيات القيود على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز؛ مما أدى إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.8 في المائة على أساس سنوي بالأسعار الثابتة، إلا إن استمرار نمو الأنشطة غير النفطية خفف من حدة التراجع.

ووفق التقرير الاقتصادي الفصلي الصادر عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني، مساء الأربعاء، فقد انخفضت الأنشطة النفطية بنسبة 37.2 في المائة خلال الربع الأول؛ نتيجة القيود المفروضة على حركة الملاحة البحرية التي أثرت على القدرة التصديرية، إلى جانب أعمال الصيانة المجدولة، في حين سجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نمواً بنسبة 2.2 في المائة.

أظهر الأداء الاقتصادي خلال الفترة ازدياد دور القطاعات غير النفطية في دعم النشاط الاقتصادي، إذ باتت تشكل 90.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، مع تسجيل 9 أنشطة من أصل 13 نشاطاً غير نفطي نمواً إيجابياً؛ مما يشير إلى استمرار إسهام برامج التنويع الاقتصادي في الحد من تأثير تقلبات القطاع النفطي على الاقتصاد الكلي.

وقالت وزارة المالية والاقتصاد الوطني في التقرير إن «الاقتصاد الوطني شهد أداءً قوياً خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2026، قبل أن يتأثر الأداء الاقتصادي خلال شهر مارس (آذار) 2026 جراء الاعتداءات الإيرانية الآثمة على المملكة».

وعلى مستوى القطاعات، حققت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين، أكبر القطاعات إسهاماً في الناتج المحلي الإجمالي، أعلى معدل نمو بين الأنشطة غير النفطية بنسبة 8.6 في المائة على أساس سنوي، وبمساهمة بلغت 19.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما بلغت مساهمة الصناعة التحويلية 14.6 في المائة، والإدارة العامة 9 في المائة، والتشييد 7 في المائة.

أما بالأسعار الجارية، فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.7 في المائة على أساس سنوي، متأثراً بانخفاض الأنشطة النفطية بنسبة 31.1 في المائة، مقابل نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.9 في المائة.

وفي مؤشر على استمرار جاذبية المملكة للاستثمارات، فقد ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 2.6 في المائة على أساس سنوي بنهاية الربع الأول من عام 2026، ليصل إلى 17.6 مليار دينار بحريني (46.7 مليار دولار).

وتشير البيانات إلى أن أداء الاقتصاد البحريني خلال الربع الأول تأثر بعوامل استثنائية مرتبطة بالقطاع النفطي وحركة التجارة الإقليمية، بينما واصلت الأنشطة غير النفطية الحفاظ على مسار نمو إيجابي؛ مما يعزز دورها بوصفها المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي في المملكة.


الأسهم اليابانية تتراجع... والسندات تلتقط أنفاسها

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

الأسهم اليابانية تتراجع... والسندات تلتقط أنفاسها

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

أرسلت الأسواق اليابانية، الخميس، إشارات متباينة عكست حالة الترقب التي تسيطر على المستثمرين بين مستقبل أسعار الفائدة وموجة الذكاء الاصطناعي. ففي الوقت الذي تراجع فيه مؤشر «نيكي» تحت ضغط أسهم مرتبطة بصناعة الرقائق، انخفضت عوائد السندات الحكومية عن أعلى مستوياتها بعدما امتنع نائب محافظ «بنك اليابان»، ريوزو هيمينو، عن إعطاء إشارة واضحة إلى موعد الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة.

وتراجع «نيكي» 0.2 في المائة إلى 66131.98 نقطة، بعدما كان قد صعد بنحو 1 في المائة خلال الجلسة. وفي المقابل، ارتفع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 0.15 في المائة إلى 4117.22 نقطة، في مؤشر على أن الأموال لم تخرج من السوق اليابانية بقدر ما أعادت توزيع نفسها بعيداً عن بعض أسهم التكنولوجيا المرتفعة التقييم ونحو أسهم القيمة.

وجاءت البداية إيجابية مدفوعة بنتائج وتوقعات «إنفيديا»، بعدما ارتفع سهم عملاق الرقائق الأميركي بنحو 5 في المائة في التعاملات الممتدة، إثر توقع الشركة قفزة في الإيرادات بنسبة 70 في المائة خلال السنة المالية المقبلة. لكن الزخم لم يستمر؛ فقد تحول سهم «أدفانتيست»، اليابانية المتخصصة في معدات اختبار الرقائق والموردة لـ«إنفيديا»، من الارتفاع إلى خسارة بلغت 3.05 في المائة، ليصبح أكبر عامل ضغط على «نيكي».

وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في «إيواي كوزمو للأوراق المالية»، إن المستثمرين ما زالوا حذرين تجاه أسهم الرقائق بعد ارتفاعاتها الحادة في النصف الأول من العام. لكنه أشار إلى أن صعود «توبكس» يعكس استمرار قوة المعنويات وتحول السيولة نحو أسهم القيمة.

وظهر هذا التحول بوضوح في القطاع المصرفي، إذ ارتفع سهمَي «ميتسوبيشي يو إف جيه المالية» 0.81 في المائة، و«سوميتومو ميتسوي المالية» 0.92 في المائة. كما صعد سهما «فوجيكورا» و«فوروكاوا إلكتريك» المتخصصتين في كابلات الألياف الضوئية 3.68 في المائة و4.71 في المائة على التوالي، بينما قفز سهم شركة رقائق الذاكرة «كيوكسيا» 5 في المائة. ولا تنفصل تحركات الأسهم عن الجدل المتصاعد بشأن مسار السياسة النقدية؛ ففي سوق السندات، تراجعت العوائد عن ذروة الجلسة بعدما خيّب هيمينو توقعات المستثمرين الذين كانوا ينتظرون منه إشارة أكثر وضوحاً إلى رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول).

وأكد هيمينو ضرورة رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب، داعياً إلى إجراء «مداولات معمقة» بشأن ضغوط الأسعار في كل اجتماع للسياسة النقدية. لكن غياب جدول زمني واضح دفع المتعاملين الذين راهنوا على خطاب أكثر تشدداً إلى إغلاق بعض مراكزهم.

واستقرَّ عائد السندات الحكومية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتحركات الفائدة، عند 1.685 في المائة بعدما لامس 1.7 في المائة، بينما بلغ عائد سندات الـ5 سنوات 2.155 في المائة، متراجعاً من 2.165 في المائة خلال الجلسة.

وقال ماساهيتو سوغاوارا، كبير المحللين في «دايوا للأوراق المالية»، إن هيمينو لم يقدم شيئاً يتجاوز ما تعرفه الأسواق بالفعل، ولذلك لم تتغير بصورة جوهرية توقعات رفع الفائدة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر بعدما ارتفعت رهانات التشديد النقدي خلال الأسابيع الأخيرة. فقد أسهمت الجهود اليابانية - الأميركية لدعم الين في يوليو (تموز) في دفع عائد السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوى في 31 عاماً، بينما سجَّل عائد الـ5 سنوات مستوى قياسياً هذا الشهر. لكن «بنك اليابان» يواجه معادلة دقيقة. فمن جهة، تبرر الضغوط التضخمية واستمرار ضعف الين مزيداً من رفع الفائدة. ومن جهة أخرى، فإن تسريع التشديد النقدي يرفع تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومة، ويزيد حساسية أسواق السندات، خصوصاً في اقتصاد يحمل واحداً من أضخم أعباء الدين العام عالمياً.

وتراجع الين بعد تصريحات هيمينو إلى نحو 159.395 ين للدولار، بعدما وصل خلال الجلسة إلى 158.885 ين، بما يعكس خيبة أمل المتعاملين الذين كانوا يراهنون على رسالة أكثر تشدداً من البنك المركزي.

ومن منظور الأسهم، قد تستفيد المصارف من ارتفاع الفائدة وهوامش الإقراض، بينما تواجه شركات النمو والتكنولوجيا ضغوطاً أكبر نتيجة ارتفاع معدلات الخصم وتقييماتها المرتفعة. وهذا يفسر جزئياً التباين بين تراجع «نيكي»، الأكثر تأثراً بأسهم التكنولوجيا الثقيلة، وصعود «توبكس» الأوسع.

وتنتقل الأنظار الآن إلى محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا، المنتظر حضوره اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين، الأسبوع المقبل، في آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية الأميركية. وستبحث الأسواق في تصريحاته عن إجابة للسؤال الذي تركه هيمينو مفتوحاً، وهل أصبح سبتمبر موعداً شبه محسوم لزيادة الفائدة، أم أن «بنك اليابان» يريد الاحتفاظ بمرونة أكبر؟ وحتى تتضح الإجابة، من المرجح أن تبقى الأسواق اليابانية موزعة بين اتجاهين، حيث مستثمرون يعيدون تقييم أسهم التكنولوجيا بعد ارتفاعاتها الكبيرة، وآخرون يعيدون بناء محافظهم استعداداً لاقتصاد ياباني تدخل فيه أسعار الفائدة المرتفعة مجدداً عاملاً رئيسياً في تسعير الأسهم والسندات والين.