{كوفيد ـ 19} يفرض قراءة جديدة لانقلاب أخناتون

إشارات ووثائق ولقى أثريّة تدعم الفرضية

أخناتون
أخناتون
TT

{كوفيد ـ 19} يفرض قراءة جديدة لانقلاب أخناتون

أخناتون
أخناتون

لا تزال الثورة السياسيّة الدينية، التي قادها الفرعون المصري أمنحوتب الرابع على نسق مستقر للثقافة المصرية (القديمة) التقليدية استمر لعشرات القرون، أحجية تثير كثيراً من التساؤلات والجدل بين المؤرخين وعلماء الآثار. فلا توجد إلى اليوم تفسيرات كافية لتبرر ذلك الانقلاب الثقافي الكامل في مختلف جوانب الحياة العامّة من ممارسة السلطة ومقرالعاصمة إلى بنية الدين الرسمي، ومن طرائق التعبير الفنيّ إلى اسم الفرعون الشخصي.
وعلى الرّغم من أن أَجَلَ العهد الجديد لم يتجاوز العقدين من الزمن، أي مجرّد موجة تغيير عابرة في بحر هائل من الاستمراريّة، فإن بصماته في الفكر والفنّ والعمارة بقيت خالدة، واستثنائيّة، ومثيرة للإعجاب، ومدعاة لإعمال الفكر والتأمل. ووصف كثيرون أخناتون بأنه «شخصية غامضة» و«ثوريّة» و«أعظم مثالي في العالم» و«أول فرد في التاريخ»، ولكن أيضا اعتبره آخرون «مهرطقاً» و«متعصباً» و«ربما مجنوناً» أو «بالفعل مجنون». ولدينا اليوم نصّ خطاب ألقاه أخناتون في بداية عامه الملكي الثاني يقول فيه إن الآلهة كانت غير فاعلة وأوقفت تحركاتها، وإن معابدها قد انهارت باستثناء قرص الشمس آتون، الذي استمر في التحرك والوجود إلى الأبد. ومن النصّ «سقطت معابد الآلهة في الخراب، وأجسادهم لا تدوم، ومنذ زمن الأجداد فإن الرجل الحكيم هو الذي يعرف هذه الأمور: هوذا أنا، الملك، أتكلم حتى أتمكن من إبلاغكم بشأن ظهور الآلهة. أعرف معابدهم، وأنا على دراية بالكتابات». كان هذا إذن انقلاباً تاماً لم يسبق له مثيل في التاريخ الفرعوني المديد كلّه.
في البداية (حوالي عام 1353 قبل الميلاد) غيّر الفرعون العاشر في الأسرة الثامنة عشرة، والذي ورث السلطة عن والده أمنحوتب الثالث، اسمه الرسميّ من أمنحوتب الرابع إلى أخناتون – أي الرّوح الحيّة للرّب آتون -، ثم أصدر مرسوماً في السنة الرابعة من حكمه يقضي ببناء عاصمة جديدة بعيداً عن العاصمة القديمة في طيبة (مدينة الأقصر اليوم) على أرض خلاء غير تابعة لأحد. وفي هذه المدينة، التي عثر على آثارها داخل منطقة تحمل الاسم المعاصر (تل العمارنة) – بالقرب من المنيا في صعيد مصر - تقرر قَصْرُ التعبّد على إله واحد، إله الحياة المعبّر عنه بقرص الشمس آتون، والتخلي عن طقم الآلهة الآخرين جميعاً.
وتبعت ذلك تحولات جذرية في طرق التعبير الأدبي والرسم، والنّحت، والمعمار والأزياء، وانعكست سلباً على نفوذ الإمبراطوريّة المصريّة التي كانت تمتد من
أعالي الفرات إلى جنوب النوبة بالسودان، فخسرت غالب مستعمراتها الآسيوية في عهد أخناتون.
ولكن اللافت أنّه بعد موت فرعون «التّوحيد» حكم شقيقه لوقت وجيز قبل أن تنتقل الخلافة إلى من يعتقد أنّه ابن أخناتون من زوجة ثانية غير الشهيرة نفرتيتي والمسمى توت عنخ آتون وكان حينها طفلاً صغير السن. ويبدو أن الكهنة القدماء والمستشارين دفعوا الفرعون الطفل إلى الرّدة عن عقيدة والده وتَرْكِ العاصمة للعودة مجدداً إلى العاصمة القديمة وكذلك التّسمي بتوت عنخ آمون – أي الإله التقليدي أمون -. وقد هدم كهنة طيبة المنتشون مجدداً بعودة نفوذهم آثار أخناتون، وأصدروا الأوامر بمحو اسمه من السجلات الرسميّة، وحطموا تماثيله وصوره، وفككوا المعابد التي شيدها، حتى كأنه لم يكن. ويقال إن الثراء الأسطوري لمقبرة الملك توت عنخ آمون كان تعبيراً عن امتنان الكهنة له لإعادة عبادة الآلهة القديمة وإنهاء الحالة الأخناتونيّة إلى الأبد.
أحد التفسيرات الشائعة لإقدام أخناتون على القيام بانقلابه الثقافيّ الهائل هو أنّه سئم من هيمنة الكهنة الأقوياء على السياسة في العاصمة القديمة طيبة، وأراد التخلص منهم جذرياً عبر سحب مصدر شرعيتهم الدينيّة والانتقال ببلاطه إلى عاصمة جديدة بعيداً عنهم. لكن تلك الصّورة المتخيلة لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية إلى أن كانت جائحة كوفيد-19 التي فتحت تأثيراتها النوافذ أمام العديد من خبراء المصريات والمؤرخين وعلماء الآثار للنظر إلى عهد أخناتون بعيون جديدة. فماذا لو كان وباء مثل الطاعون قد أثخن بالمصريين القدماء في العاصمة طيبة في عهد أمنحوتب الثالث، وأن الشعب بدأ يتململ من عجز الآلهة والسلطات التقليدية على مساعدتهم بشيء، وما فعله أخناتون المثقف والذكي لم يكن سوى أنه كان يفرّ بدولته من تلك التأثيرات المدمرة للوباء؟
في الحقيقة أنّ ثمة إشارات ووثائق ولقى أثريّة تدعم سرديّة مثل تلك، رغم أن الأمراض المعدية لا تترك عموماً آثاراً في العظام. وبحسب عالم المصريات الأميركي أرييل كوزلوف فإن هنالك بالفعل علامات من عهد والد أخناتون أواخر العصر البرونزي على انتشار الطاعون الأسود، وثمّة فجوة غير مفسّرة في السجلات البيروقراطيّة للدولة المصريّة في خضم تلك الفترة ربما كانت نتيجة موت كثيرين من الكتبة أو فرارهم من العاصمة. ولاحظ كوزلوف أيضاً أن أمنحوتب الثالث أمر ببناء عدد استثنائيّ من التماثيل لإلهة الشفاء ذات الرأس الأسد، سخمت، مقارنة بأي إله آخر، كما نقل قصور الحكم في مرحلة ما من مواقعها المعتادة في محاولة ربما لعزلها عن المحيط الموبوء. وقد اقترح مؤخراً جوريت كيلدر من جامعة لايدن في هولندا أن الطّاعون نفسه ربما دفع أخناتون إلى اتخاذ إجراءات أكثر جذرية. وكتب «إن إصلاح أخناتون للدين المصري في القرن الـ14 قبل الميلاد ربما ينظر إليه على أنه خطوة استباقية للتأثيرات الاجتماعيّة المتوقعة لفشل الآلهة التقليدية في حماية مصر من تأثيرات الوباء».
ومع ذلك، سرعان ما أصبحت مدينة أخناتون الجديدة في تل العمارنة، مركزا لشبكة عالميّة للتجارة والدبلوماسية والثقافة الرفيعة فجلب إليها مع قاصديها من السفراء والوفود الأجنبيّة الطاعون الذي فرت منه، وهو ما يفسّر وفاة أخناتون نفسه وكذلك وفاة زوجته نفرتيتي وثلاث من بناتهما في وقت متقارب.
ولا يعرف علماء المصريات اليوم سوى القليل عن السنوات الخمس الأخيرة من حكم أخناتون، بدءا من حوالي 1341 أو 1339 قبل الميلاد. هذه السنوات غير موثقة بشكل جيد، ولم يتبق سوى عدد قليل من الأدلة عنها ربما نتيجة لتفشي الوباء.
ويبدو أن الطّاعون انتقل وقتها من مصر إلى الحضارات المتوسطيّة القريبة التي ضعفت دون مقدمات في الحقبة التاريخية نفسها، وانتهت تالياً لقمة سائغة لشعوب مجهولة اجتاحت شرق البحر الأبيض المتوسط بعد ما يقرب من مائة عام من اندثار تل العمارنة، ومنها المملكة الحثيّة (في تركيا الحاليّة) التي تقول سجلات تاريخية إنها تعرضت لوباء قاتل يعتقد أن أسرى مصريين جلبوه معهم من بلادهم المنكوبة.
ولا شكّ أنّ هذه التحليلات المستجدة في تفسير ذلك المنعطف الاستثنائيّ من التاريخ ستحتاج إلى المزيد من التوثيق والدعائم، لكنّها تبدو مدهشة في قدرتها على تقديم سيناريوهات مقنعة لأحداث صَعُب تفسيرها إلى الآن. وهناك بالفعل قرص من طين مخبوز عثر عليه مع كنز من المراسلات الدبلوماسيّة لحكومة تل العمارنة (تعرف برسائل تل العمارنة) يتضمن تبليغاً من ملك جزيرة قبرص للفرعون المصري بتأخر شحنة من النحاس بسبب المرض المنتشر في مصر.
ووفق تقرير لمجلّة بريطانيّة متخصصة فقد عثر علماء الآثار عام 2005 في مقابر تل العمارنة، على جانب مهم منها - المقابر الشمالية -، يدعم فكرة انتشار وباء. فالموتى من فئات عمرية شابة بين 7 و24 عاما، وحوالي 40 في المائة من مدافنها المحفورة تحوي أكثر من جثة واحدة، وأحياناً ما يصل إلى سبعة أشخاص دفنوا معاً، مما يدفع للاعتقاد وفق خبراء التنقيب في المنطقة إلى أن كثيرين ربما كانوا يسقطون ضحايا لوباء ما في وقت متزامن. ولا يمكن للآن الحسم بدقة القراءات الجديدة، وقد توجد تفسيرات أخرى مرتبطة بالملاريا أو
ربما ضعف المناعة المرتبط بسوء التغذية الذي لُحِظ في مقابر العمّال بتل العمارنة، لكن الأكيد الآن أنّه لا يمكن نفي هذه القراءات الجديدة كليّة أو استبعادها من النقاش.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».