{كوفيد ـ 19} يفرض قراءة جديدة لانقلاب أخناتون

إشارات ووثائق ولقى أثريّة تدعم الفرضية

أخناتون
أخناتون
TT

{كوفيد ـ 19} يفرض قراءة جديدة لانقلاب أخناتون

أخناتون
أخناتون

لا تزال الثورة السياسيّة الدينية، التي قادها الفرعون المصري أمنحوتب الرابع على نسق مستقر للثقافة المصرية (القديمة) التقليدية استمر لعشرات القرون، أحجية تثير كثيراً من التساؤلات والجدل بين المؤرخين وعلماء الآثار. فلا توجد إلى اليوم تفسيرات كافية لتبرر ذلك الانقلاب الثقافي الكامل في مختلف جوانب الحياة العامّة من ممارسة السلطة ومقرالعاصمة إلى بنية الدين الرسمي، ومن طرائق التعبير الفنيّ إلى اسم الفرعون الشخصي.
وعلى الرّغم من أن أَجَلَ العهد الجديد لم يتجاوز العقدين من الزمن، أي مجرّد موجة تغيير عابرة في بحر هائل من الاستمراريّة، فإن بصماته في الفكر والفنّ والعمارة بقيت خالدة، واستثنائيّة، ومثيرة للإعجاب، ومدعاة لإعمال الفكر والتأمل. ووصف كثيرون أخناتون بأنه «شخصية غامضة» و«ثوريّة» و«أعظم مثالي في العالم» و«أول فرد في التاريخ»، ولكن أيضا اعتبره آخرون «مهرطقاً» و«متعصباً» و«ربما مجنوناً» أو «بالفعل مجنون». ولدينا اليوم نصّ خطاب ألقاه أخناتون في بداية عامه الملكي الثاني يقول فيه إن الآلهة كانت غير فاعلة وأوقفت تحركاتها، وإن معابدها قد انهارت باستثناء قرص الشمس آتون، الذي استمر في التحرك والوجود إلى الأبد. ومن النصّ «سقطت معابد الآلهة في الخراب، وأجسادهم لا تدوم، ومنذ زمن الأجداد فإن الرجل الحكيم هو الذي يعرف هذه الأمور: هوذا أنا، الملك، أتكلم حتى أتمكن من إبلاغكم بشأن ظهور الآلهة. أعرف معابدهم، وأنا على دراية بالكتابات». كان هذا إذن انقلاباً تاماً لم يسبق له مثيل في التاريخ الفرعوني المديد كلّه.
في البداية (حوالي عام 1353 قبل الميلاد) غيّر الفرعون العاشر في الأسرة الثامنة عشرة، والذي ورث السلطة عن والده أمنحوتب الثالث، اسمه الرسميّ من أمنحوتب الرابع إلى أخناتون – أي الرّوح الحيّة للرّب آتون -، ثم أصدر مرسوماً في السنة الرابعة من حكمه يقضي ببناء عاصمة جديدة بعيداً عن العاصمة القديمة في طيبة (مدينة الأقصر اليوم) على أرض خلاء غير تابعة لأحد. وفي هذه المدينة، التي عثر على آثارها داخل منطقة تحمل الاسم المعاصر (تل العمارنة) – بالقرب من المنيا في صعيد مصر - تقرر قَصْرُ التعبّد على إله واحد، إله الحياة المعبّر عنه بقرص الشمس آتون، والتخلي عن طقم الآلهة الآخرين جميعاً.
وتبعت ذلك تحولات جذرية في طرق التعبير الأدبي والرسم، والنّحت، والمعمار والأزياء، وانعكست سلباً على نفوذ الإمبراطوريّة المصريّة التي كانت تمتد من
أعالي الفرات إلى جنوب النوبة بالسودان، فخسرت غالب مستعمراتها الآسيوية في عهد أخناتون.
ولكن اللافت أنّه بعد موت فرعون «التّوحيد» حكم شقيقه لوقت وجيز قبل أن تنتقل الخلافة إلى من يعتقد أنّه ابن أخناتون من زوجة ثانية غير الشهيرة نفرتيتي والمسمى توت عنخ آتون وكان حينها طفلاً صغير السن. ويبدو أن الكهنة القدماء والمستشارين دفعوا الفرعون الطفل إلى الرّدة عن عقيدة والده وتَرْكِ العاصمة للعودة مجدداً إلى العاصمة القديمة وكذلك التّسمي بتوت عنخ آمون – أي الإله التقليدي أمون -. وقد هدم كهنة طيبة المنتشون مجدداً بعودة نفوذهم آثار أخناتون، وأصدروا الأوامر بمحو اسمه من السجلات الرسميّة، وحطموا تماثيله وصوره، وفككوا المعابد التي شيدها، حتى كأنه لم يكن. ويقال إن الثراء الأسطوري لمقبرة الملك توت عنخ آمون كان تعبيراً عن امتنان الكهنة له لإعادة عبادة الآلهة القديمة وإنهاء الحالة الأخناتونيّة إلى الأبد.
أحد التفسيرات الشائعة لإقدام أخناتون على القيام بانقلابه الثقافيّ الهائل هو أنّه سئم من هيمنة الكهنة الأقوياء على السياسة في العاصمة القديمة طيبة، وأراد التخلص منهم جذرياً عبر سحب مصدر شرعيتهم الدينيّة والانتقال ببلاطه إلى عاصمة جديدة بعيداً عنهم. لكن تلك الصّورة المتخيلة لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية إلى أن كانت جائحة كوفيد-19 التي فتحت تأثيراتها النوافذ أمام العديد من خبراء المصريات والمؤرخين وعلماء الآثار للنظر إلى عهد أخناتون بعيون جديدة. فماذا لو كان وباء مثل الطاعون قد أثخن بالمصريين القدماء في العاصمة طيبة في عهد أمنحوتب الثالث، وأن الشعب بدأ يتململ من عجز الآلهة والسلطات التقليدية على مساعدتهم بشيء، وما فعله أخناتون المثقف والذكي لم يكن سوى أنه كان يفرّ بدولته من تلك التأثيرات المدمرة للوباء؟
في الحقيقة أنّ ثمة إشارات ووثائق ولقى أثريّة تدعم سرديّة مثل تلك، رغم أن الأمراض المعدية لا تترك عموماً آثاراً في العظام. وبحسب عالم المصريات الأميركي أرييل كوزلوف فإن هنالك بالفعل علامات من عهد والد أخناتون أواخر العصر البرونزي على انتشار الطاعون الأسود، وثمّة فجوة غير مفسّرة في السجلات البيروقراطيّة للدولة المصريّة في خضم تلك الفترة ربما كانت نتيجة موت كثيرين من الكتبة أو فرارهم من العاصمة. ولاحظ كوزلوف أيضاً أن أمنحوتب الثالث أمر ببناء عدد استثنائيّ من التماثيل لإلهة الشفاء ذات الرأس الأسد، سخمت، مقارنة بأي إله آخر، كما نقل قصور الحكم في مرحلة ما من مواقعها المعتادة في محاولة ربما لعزلها عن المحيط الموبوء. وقد اقترح مؤخراً جوريت كيلدر من جامعة لايدن في هولندا أن الطّاعون نفسه ربما دفع أخناتون إلى اتخاذ إجراءات أكثر جذرية. وكتب «إن إصلاح أخناتون للدين المصري في القرن الـ14 قبل الميلاد ربما ينظر إليه على أنه خطوة استباقية للتأثيرات الاجتماعيّة المتوقعة لفشل الآلهة التقليدية في حماية مصر من تأثيرات الوباء».
ومع ذلك، سرعان ما أصبحت مدينة أخناتون الجديدة في تل العمارنة، مركزا لشبكة عالميّة للتجارة والدبلوماسية والثقافة الرفيعة فجلب إليها مع قاصديها من السفراء والوفود الأجنبيّة الطاعون الذي فرت منه، وهو ما يفسّر وفاة أخناتون نفسه وكذلك وفاة زوجته نفرتيتي وثلاث من بناتهما في وقت متقارب.
ولا يعرف علماء المصريات اليوم سوى القليل عن السنوات الخمس الأخيرة من حكم أخناتون، بدءا من حوالي 1341 أو 1339 قبل الميلاد. هذه السنوات غير موثقة بشكل جيد، ولم يتبق سوى عدد قليل من الأدلة عنها ربما نتيجة لتفشي الوباء.
ويبدو أن الطّاعون انتقل وقتها من مصر إلى الحضارات المتوسطيّة القريبة التي ضعفت دون مقدمات في الحقبة التاريخية نفسها، وانتهت تالياً لقمة سائغة لشعوب مجهولة اجتاحت شرق البحر الأبيض المتوسط بعد ما يقرب من مائة عام من اندثار تل العمارنة، ومنها المملكة الحثيّة (في تركيا الحاليّة) التي تقول سجلات تاريخية إنها تعرضت لوباء قاتل يعتقد أن أسرى مصريين جلبوه معهم من بلادهم المنكوبة.
ولا شكّ أنّ هذه التحليلات المستجدة في تفسير ذلك المنعطف الاستثنائيّ من التاريخ ستحتاج إلى المزيد من التوثيق والدعائم، لكنّها تبدو مدهشة في قدرتها على تقديم سيناريوهات مقنعة لأحداث صَعُب تفسيرها إلى الآن. وهناك بالفعل قرص من طين مخبوز عثر عليه مع كنز من المراسلات الدبلوماسيّة لحكومة تل العمارنة (تعرف برسائل تل العمارنة) يتضمن تبليغاً من ملك جزيرة قبرص للفرعون المصري بتأخر شحنة من النحاس بسبب المرض المنتشر في مصر.
ووفق تقرير لمجلّة بريطانيّة متخصصة فقد عثر علماء الآثار عام 2005 في مقابر تل العمارنة، على جانب مهم منها - المقابر الشمالية -، يدعم فكرة انتشار وباء. فالموتى من فئات عمرية شابة بين 7 و24 عاما، وحوالي 40 في المائة من مدافنها المحفورة تحوي أكثر من جثة واحدة، وأحياناً ما يصل إلى سبعة أشخاص دفنوا معاً، مما يدفع للاعتقاد وفق خبراء التنقيب في المنطقة إلى أن كثيرين ربما كانوا يسقطون ضحايا لوباء ما في وقت متزامن. ولا يمكن للآن الحسم بدقة القراءات الجديدة، وقد توجد تفسيرات أخرى مرتبطة بالملاريا أو
ربما ضعف المناعة المرتبط بسوء التغذية الذي لُحِظ في مقابر العمّال بتل العمارنة، لكن الأكيد الآن أنّه لا يمكن نفي هذه القراءات الجديدة كليّة أو استبعادها من النقاش.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


اتصالات مصرية لاحتواء أزمة طهران وواشنطن... خيار التهدئة يسابق الصدام

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة (أرشيفية - الخارجية المصرية)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة (أرشيفية - الخارجية المصرية)
TT

اتصالات مصرية لاحتواء أزمة طهران وواشنطن... خيار التهدئة يسابق الصدام

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة (أرشيفية - الخارجية المصرية)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة (أرشيفية - الخارجية المصرية)

تجري اتصالات مصرية مكثفة لتحقيق تهدئة بين طهران وواشنطن، وسط تحركات عسكرية من الجانب الأميركي، وتوالي نداءات الدول بمغادرة رعاياها لإيران، وهي اتصالات يراها خبراء تحمل أهمية، خصوصاً وأن تداعيات أي حرب ستطول القاهرة اقتصادياً وكذلك المنطقة.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مكثفة على مدار اليومين الأخيرين مع كل من نظيريه العماني بدر البوسعيدي والإيراني عباس عراقجي، بجانب رفائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، وذلك في إطار المساعي لتحقيق التهدئة والتوصل لتسوية توافقية بشأن الملف النووي الإيراني، وفق بيان للخارجية مساء الأحد.

تناولت الاتصالات «أهمية خفض التصعيد واحتواء التوتر المتصاعد في المنطقة، وتهيئة الأجواء لمواصلة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والدفع نحو الحلول الدبلوماسية والسياسية، وتشجيع الأطراف على التوصل لتفاهمات توافقية تراعى جميع الشواغل، بما يسهم في تجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد والاحتقان»، حسب البيان.

وأكد بيان الخارجية المصرية أنه «لا توجد حلول عسكرية لمختلف الأزمات والتحديات التي تواجه المنطقة، وأن المخرج الوحيد لضمان أمن واستقرار الإقليم يكمن في المسارات السياسية والدبلوماسية، وتجنيب الانزلاق نحو حالة من انعدام الأمن والاستقرار».

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره الإيراني في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

وهذه الجهود ليست الأولى لمصر، وسبقتها اتصالات مكثفة على مدى أشهر، وقادت لاتفاق بين طهران ووكالة الطاقة الذرية بوساطة القاهرة في سبتمبر (أيلول)، لكنه لم يصمد جراء الخلافات، وسط ترقب جولة ثالثة من المحادثات، الخميس، في جنيف، حسب إعلان من البوسعيدي، وزير الخارجية العماني، الأحد.

وعززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وحذر رئيسها دونالد ترمب، يوم الخميس، من أن «أشياء سيئة للغاية ستحدث» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لحل النزاع الطويل الأمد بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن الجهود المصرية تأتي ضمن منظومة متكاملة من التحركات العربية والإسلامية والإقليمية والدولية المتصلة، التي تهدف للدفع نحو حل للمشهد دون الدخول في مواجهة عسكرية.

وأشار إلى أن «هذه الجهود تتشابك مع جهود السعودية وقطر وغيرهما من الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتجنيب المنطقة ما يتربص بها، خصوصاً وأن الجميع يعلم أن تكلفة أي مواجهة عسكرية ستكون باهظة إقليمياً ودولياً، حيث سترتبك أسعار الطاقة، وستكون هناك خسائر إنسانية غير مسبوقة».

كذلك يرى خبير الشؤون الإيرانية ورئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، محمد محسن أبو النور، أن مصر تلعب دوراً محورياً كبيراً في التهدئة وخفض التصعيد ما بين إيران والولايات المتحدة، وأنها تعوّل على عدم دخول الإقليم والمنطقة في حالة حرب «لأن حالة حرب واشنطن وإيران سوف ينتج عنها حالة من عدم الاستقرار ومشكلات اقتصادية لا حصر لها، لا سيما للدول المستوردة للطاقة».

ومع تصاعد المخاوف الدولية من احتمال توجيه ضربة أميركية لطهران، طلبت وزارة الخارجية الهندية، يوم الاثنين، من مواطنيها مغادرة إيران، حسبما أفادت السفارة الهندية في طهران.

أما إيران، فقد حذّرت من أنها ستردّ بقوة على أي هجوم أميركي مهما كان حجمه. ولفت المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، إلى أنه «لا توجد ضربة محدودة، أي عدوان سيتمّ اعتباره عدواناً»، وفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي ظل هذا التصعيد، يرى حجازي أن واشنطن تتراجع أمام حجم المخاطر ومواصلة الضغط لتحقيق مكاسب عبر المفاوضات أو التغطية على بعض الأزمات الداخلية، وكسب شعبية في الانتخابات النصفية عبر خوض الحرب، مشيراً إلى أنه «لو كان ترمب ضامناً أن إيران لن ترد بشكل مؤلم لوجَّه ضربة فورية»، خصوصاً أن إيران تمتلك قدرات وربما تحالفات تجعل الصدام عنيفاً.

ورجح حجازي أن تكون العملية برمتها عملية تفاوض ناجحة يستخدم فيها ترمب التصعيد العسكري أداة ضغط، لافتاً إلى أن هذا تكتيك معروف في التفاوض للحصول على نتائج إيجابية على مائدة المفاوضات دون الانجرار لحرب شاملة.

أما إذا اندلعت حرب أميركية - إيرانية، فمن المرجح، حسب أبو النور، أن تستخدم طهران ورقة الحوثيين قوة تعطيل بحرية في جنوب البحر الأحمر، وهو ما سيؤثر تأثيراً مباشراً على موارد مصر في قناة السويس.

Your Premium trial has ended


«الوحدة» الليبية تطالب بمساندة اجتماعية لتفعيل «ترتيبات أمنية جديدة»

الدبيبة يخضع لقياس ضغط الدم (أرشيفية من منصة «حكومتنا» التابعة لـ«الوحدة»)
الدبيبة يخضع لقياس ضغط الدم (أرشيفية من منصة «حكومتنا» التابعة لـ«الوحدة»)
TT

«الوحدة» الليبية تطالب بمساندة اجتماعية لتفعيل «ترتيبات أمنية جديدة»

الدبيبة يخضع لقياس ضغط الدم (أرشيفية من منصة «حكومتنا» التابعة لـ«الوحدة»)
الدبيبة يخضع لقياس ضغط الدم (أرشيفية من منصة «حكومتنا» التابعة لـ«الوحدة»)

طالبت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بمساندة اجتماعية للمؤسسة الأمنية وخططها الرامية إلى تعزيز دور مديريات الأمن ومراكز الشرطة، وسط تكهنات تتعلّق بالوضع الصحي للدبيبة الذي لا يزال يُعالَج في إيطاليا.

وشددت الحكومة، على لسان وزير داخليتها المكلف عماد الطرابلسي، مساء الأحد، خلال فعاليات «الملتقى الوطني للمكونات الاجتماعية»، على الأعيان والوجهاء الذين حضروا الاجتماع بـ«تقديم الدعم الكامل إلى مديريات الأمن ومراكز الشرطة في مدنهم». وأكدت أهمية المساندة المجتمعية لتمكين هذه المراكز، في إطار الترتيبات الأمنية الجديدة، من أداء دورها في حفظ النظام.

وزير الداخلية المكلف من حكومة «الوحدة» عماد الطرابلسي (وزارة الداخلية)

وقال الطرابلسي إن وزارته تعمل من أجل أمن جميع المواطنين «دون أي تمييز جغرافي أو جهوي»، منوهاً إلى أن «العمل القائم على الصدق والإخلاص سيؤدي بالضرورة إلى النجاح في استعادة الأمن والاستقرار».

في غضون ذلك، دفع الصمت الحكومي المطبق في غرب ليبيا وعدم إعلان عودة رسمية للدبيبة إلى طرابلس، بعض المقربين منه إلى إعادة تداول مقطع فيديو يظهر فيه وهو يركض صعوداً على الدرج بسرعة وحيوية، ليُقدَّم بوصفه دليلاً «جديداً» على لياقته الصحية وسط شائعات عن تدهور حالته.

ويرجع المقطع إلى يوم الجمعة الماضي، خلال آخر ظهور رسمي للدبيبة لدى افتتاحه مشروع «مكتبة المستقبل» في طرابلس، ويظهر فيه وهو يصعد الدرج الداخلي للمكتبة في إطار عملية تفقد روتيني.

وعدّ مراقبون عدم إعلان الدبيبة أو حكومته عودته من مدينة ميلانو الإيطالية، التي كانت مقررة رسمياً مساء الأحد، مناقضاً للرواية الرسمية بأن زيارته الحالية لإيطاليا تتعلق بإجراء فحوصات إضافية فقط، وأنه لا يعاني أي مشكلة صحية جديدة.

«مكافحة الإرهاب»

على صعيد آخر، وفي خطوة تستهدف احتواء الاحتقان المتزايد وامتصاص غضب الشارع في مدينة مصراتة بغرب البلاد، أعلن جهاز المخابرات العامة، مساء الأحد، إعادة هيكلة شاملة لمكتب «مكافحة الإرهاب والأنشطة الهدامة بالمنطقة الوسطى».

وجاءت هذه الخطوة رداً على الضغوط الشعبية والبيانات الحاشدة التي أصدرها أهالي المدينة رفضاً للفوضى الأمنية التي عصفت بالمنطقة خلال الأيام القليلة الماضية.

وأصدر الأمين العام للجهاز، محمد السنوسي، قراراً رسمياً يقضي بتكليف العميد مصطفى مفتاح مديراً لمكتب مكافحة الإرهاب بالمنطقة الوسطى، وتعيين الملازم علي الحلبوص معاوناً له.

ويهدف هذا التكليف إلى استعادة هيبة المؤسسة الأمنية وتوحيد الجهود الاستخباراتية لمواجهة «التهديدات الإرهابية» بعد أيام من التوتر الميداني.

وجاء القرار استجابة مباشرة لبيان أصدره أهالي وأعيان مصراتة مساء الأحد، وأدانوا فيه بشدة سيطرة مجموعات مسلحة تابعة لعبد السلام الزوبي و«اللواء 63» على مقر الجهاز يوم الجمعة الماضي.

وأكد الأهالي -في بيان عدّه مراقبون بمثابة «نقطة تحول» في الموقف الشعبي داخل مصراتة، ويهدف إلى عزل المجموعات المسلحة التي تحاول حماية عناصر متطرفة تحت غطاء التشكيلات العسكرية المحلية- رفضهم القاطع لأن تكون مصراتة ملاذاً لـ«العناصر الإرهابية» الفارة من بنغازي ودرنة وأجدابيا.

المخزون النفطي

وحول ما شهدته بعض مناطق ليبيا من ازدحام على محطات الوقود، أرجعت لجنة متابعة أزمة الوقود والمحروقات بمجلس النواب ذلك إلى أسباب فنية، معلنة خطوات عاجلة لمعالجة الأمر وضمان استقرار الإمدادات.

وقالت اللجنة، في بيان مساء الأحد، إن تقليص عدد الناقلات المورَّدة بحراً، وخفضها إلى 13 شحنة مؤخراً، أدى إلى انخفاض المخزون الاحتياطي وعدم وجود هامش تشغيلي آمن، مشيرة إلى أن دور شركة البريقة لتسويق النفط يقتصر على التسويق المحلي للمحروقات، في حين يجري توريد الإمدادات من المصافي الدولية عبر الإدارة العامة للتسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط.

وأشارت اللجنة إلى أن تأخر وصول الناقلات أو تأثر المواني البحرية، خصوصاً في ظروف الشتاء، كان له تأثير مباشر على انتظام التوزيع اليومي، مؤكدة عملها على ضمان إضافة ناقلتَين إضافيتَين على الأقل خلال الشهرَين الحالي والمقبل لاستعادة مستوى المخزون وتشغيل منظومة التوزيع بمرونة كافية للتعامل مع أي تقلبات أو أعطال محتملة.


«الدعم السريع» تسيطر على معقل زعيم «الجنجويد»

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

«الدعم السريع» تسيطر على معقل زعيم «الجنجويد»

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

سيطرت «قوات الدعم السريع» السودانية على بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور، يوم الاثنين، التي كان يسيطر عليها زعيم قبيلة المحاميد، موسى هلال، المتعاون مع الجيش، وذلك بعد يوم من قصف المسيّرات الذي مهد للعملية البرية وأكملت السيطرة على البلدة.

وقال شهود عيان إن قوات كبيرة من «الدعم السريع» هاجمت البلدة، صباح الاثنين، وسيطرت عليها بعد أن هزمت قوات الزعيم القبلي موسى هلال التي انسحبت إلى أماكن متعددة، فيما لا يُعرف مصير هلال نفسه. ويتزعم هلال «فخذ المحاميد» المتفرع من قبيلة الرزيقات التي ينتمي إليها قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، الذي يتحدر من «فخذ الماهرية» في القبلية ذاتها.

يأتي هذا التطور في سياق تصعيد حاد بين هلال وقيادات «الدعم السريع»، خاصة بعد خطاب ألقاه قبل أيام أمام حشد من أنصاره في بلدة مستريحة، اتهم فيه نائب قائد «الدعم السريع» عبد الرحيم دقلو بمحاولة تفكيك قبيلة المحاميد عبر زرع الفتنة ودعم الانقسامات الداخلية بالمال والسلاح.

ووصف هلال «قوات الدعم السريع» بـ«العصبة والميليشيا المرتزقة»، مجدداً تأييده الكامل للجيش والوقوف إلى جانبه وجانب القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان.

وبرز اسم هلال أثناء حرب دارفور عام 2003، ويُنظر إليه بشكل كبير على أنه مؤسس قوات «الجنجويد» سيئة الصيت، التي تتكون من عناصر قبلية ذات أصول عربية، استخدمها نظام الرئيس المعزول عمر البشير في قمع الحركات المسلحة في إقليم دارفور، التي ثارت ضد نظام البشير بحجة أنها مهمشة ولا تنال حصة منصفة في الحكم المركزي أو التنمية، وتأتي معظم عناصرها من القبائل ذات الأصول الأفريقية.

ويُتهم هلال بارتكاب جرائم حرب على عملياته ضد تلك الحركات، أصدر بناء عليها مجلس الأمن الدولي عقوبات تضمنت فرض قيود سفر عليه وتجميد حساباته، إذ لعب دوراً رئيسياً في حرب دارفور التي اشتعلت عام 2003، وكان ضحاياها مئات الآلاف من القتلى والجرحى والنازحين.

الزعيم القبلي السوداني موسى هلال (متداولة)

وارتكبت قواته فظائع وجرائم اعتبرتها الأمم المتحدة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، راح ضحيتها أكثر من 300 ألف شخص، وبناءً عليها أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات القبض الشهيرة ضد الرئيس البشير وثلاثة من معاونيه.

وإثر تكوين «قوات الدعم السريع»، بقيادة «حميدتي»، نشأ تنافس قوى بين الرجلين، لكن حكمة البشير ناصرت «حميدتي»، فتحول هلال إلى معارض، ورفض تسليم سلاحه والاندماج في «قوات الدعم السريع»، وأسس قواته الخاص تحت مسمى «مجلس الصحوة الثوري»، وخاض بها مواجهات عسكرية ضد «قوات الدعم السريع» في عام 2017، انتهت بهزيمته واعتقاله ومحاكمته في محكمة عسكرية، قضت بسجنه 4 سنوات، ثم أُفرج عنه بعفو رئاسي مع عدد من قادة حركته، في 11 مارس (آذار) 2021، بعد سقوط نظام البشير بثورة شعبية في أبريل (نيسان) 2019.

وبعد اشتعال الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل 2023، ظل هلال كامناً في بلدته مستريحة دون مساندة أي من الطرفين، ثم قرر الانحياز بعد نحو عام من بداية الحرب إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع» التي اعتبرها «ميليشيا ومرتزقة». وقال هلال في تصريحات لتبرير موقفه المساند للجيش: «أنا أقف مع عبد الفتاح البرهان في قضية وطن، وأقف معه كقائد عام للجيش، من أجل الجيش والمؤسسة العسكرية والوطن الذي يتخرب، وهذه قناعتي، ولن أجبر أحداً عليها».

ويعزو محللون موقفه المساند للجيش إلى رغبته في الثأر من غريمه «حميدتي» على هزيمة قواته، والقبض عليه وإذلاله وسجنه، بعد تمرده على حكومة البشير.

بزغ نجم الرجل عقب إطلاق سراحه من السجن بعد إدانته بجرائم قتل وجرائم أخرى بعفو رئاسي. وعقب خروجه من السجن، أعلن مساندته للحكومة.

Your Premium trial has ended