«لجنة لإدارة غزة» وتحذير ترمب... هل يسرّعان «اتفاق الهدنة»؟

مصر تؤكد العمل «بلا هوادة» لوقف دائم لإطلاق النار

TT

«لجنة لإدارة غزة» وتحذير ترمب... هل يسرّعان «اتفاق الهدنة»؟

فلسطينيون يجلسون وسط الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية على منزل بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يجلسون وسط الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية على منزل بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

تطورات جديدة يشهدها حراك التوصل لاتفاق هدنة في قطاع غزة، مع حديث عن اتفاق «مبدئي» بين حركتي «فتح» و«حماس» بشأن تشكيل لجنة لإدارة القطاع عقب اجتماعات بالقاهرة، وتحذيرات غير مسبوقة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب تضع مهلة تمتد إلى نحو 50 يوماً لإبرام صفقة للرهائن «وإلا سيدفع الشرق الأوسط ثمناً باهظاً»، وتأكيد مصر على استمرارها في العمل «بلا هوادة» لوقف دائم لإطلاق النار.

تلك التطورات التي صاحبها إعلان «حماس» عن مقتل وفقْد 33 أسيراً لديها، يشي بحسب خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، بأن «هناك اتفاقاً يكون قريباً، وأن كل طرف يستعد لمشهد اليوم التالي من الحرب ويمارس حالياً أقصى الضغوط لنيل مكاسب ولو إعلامية»، متوقعين أن «تساعد المهلة الانفعالية التي وضعها ترمب، فريق الرئيس الأميركي الحالي جون بايدن للتوصل لاتفاق في أقرب وقت ممكن».

وكشف مصدر فلسطيني مطلع في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، عن أن «حركتي (فتح) و(حماس) اتفقتا بشكل مبدئي عقب سلسلة اجتماعات بالقاهرة، على تشكيل لجنة تحمل اسم الإسناد المجتمعي ستكون معنية بإدارة قطاع غزة في اليوم التالي لانتهاء الحرب».

فلسطيني يسير بجوار الأنقاض وهو يحمل كيساً من الدقيق في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وتشير معلومات المصدر الفلسطيني إلى أن الجولة الثالثة بين الحركتين بالقاهرة بعد جولتين أخريين في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين، «نجحت في التوصل لاتفاق مبدئي على تشكيل تلك اللجنة ولا يعني عدم التوقيع عليها فشلها»، مضيفاً: «الكرة الآن في ملعب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لمنح موافقة مبدئية على مسودتها المتفق عليها على أن يعود الأمر للقاهرة مرة ثانية ويعرض في اجتماع للفصائل، سيليها بعد التشاور صدور مرسوم نهائي بأعضاء اللجنة ومهامها تفصيلاً».

وستشكل اللجنة «حسب الاتفاق المبدئي من تكنوقراط دون تبعية لـ(حماس) أو (فتح)، وستُدمج كل القطاعات الحكومية بالقطاع داخل نظامها الإداري بدءاً من الشرطة والوزارات وغيرهما وصولاً لتسلم معبر رفح من الجانب الفلسطيني وإدارته»، وفق المصدر ذاته.

ويوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن لجنة الإسناد المجتمعي فكرة مصرية تقوم على عناصر مستقلة تدير غزة لقطع أي ذرائع إسرائيلية تعارض عودة «حماس» لإدارة القطاع، لافتاً إلى أن المعلومات الأولية التي لم تؤكدها القاهرة بشأن حدوث اتفاق بين الحركتين، وأنهما لن يكونا بالإدارة أو الواجهة، ستعزز الموقف الفلسطيني في مسار اليوم التالي من الحرب والتوصل لاتفاق هدنة قريب.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن تلك الفكرة المصرية يمكن وصفها بأنها خارج الصندوق ومتميزة، معتقداً أنها «تسير بشكل إيجابي، لمواجهة أزمة إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو على عدم بقاء (حماس) بالسلطة».

ويعتقد أن «الموافقة تأتي في توقيت مهم وقد تساعد في التوصل لهدنة قريبة وتسهل مهام تسلم معبر رفح من الجانب الفلسطيني»، لافتاً إلى أن موقف «حماس» يؤكد أن الأمور تسير بشكل إيجابي، وأن الحركة تفهمت استحالة بقائها بالحكم في غزة، وأنها تريد فقط حفظ ماء الوجه وبالتالي قبولها الاتفاق بعد جولات من التفاهمات منطقي وسيدخل حيز التنفيذ.

وجاء التوصل لاتفاق مبدئي بشان إدارة غزة، غداة تهديد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب، الاثنين، بأنه «سيتم دفع ثمن باهظ في الشرق الأوسط» إذا لم يتم إطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة قبل أن يقسم اليمين رئيساً في 20 يناير (كانون الثاني) 2025.

وعبر منصته «تروث سوشال»، قال ترمب: «إذا لم يتم إطلاق سراح الرهائن قبل 20 يناير 2025، وهو التاريخ الذي أتولى فيه بفخر منصبي رئيساً للولايات المتحدة، فسيكون هناك جحيم سيدفع في الشرق الأوسط ثمنه الباهظ، وأولئك المسؤولون الذين ارتكبوا هذه الفظائع ضد الإنسانية»، وفق «سي إن إن» الأميركية.

ورحب نتنياهو في فيديو قصير باللغة الإنجليزية خلال اجتماع حكومي ونشره مكتبه الثلاثاء بموقف ترمب، وقال إنه «موقف قوي ويضيف قوة أخرى إلى جهودنا المستمرة للإفراج عن جميع الرهائن».

وبحسب «سي إن إن»، «تم احتجاز أكثر من 250 شخصاً رهائن، في 7 أكتوبر 2023، وتم إنقاذ عدد قليل من الرهائن منذ ذلك الحين وفي نوفمبر 2023 تم إطلاق سراح أكثر من 100 شخص جزءاً من صفقة قصيرة الأمد لوقف إطلاق النار».

وتعتقد السلطات الإسرائيلية أن «نحو 101 رهينة لا يزالون محتجزين في غزة، ويُعتقد أن ما لا يقل عن 34 من الرهائن الذين تم احتجازهم في 7 أكتوبر لقوا حتفهم»، وفق المصدر ذاته.

وتتفق تلك التقديرات الأميركية بشأن مقتل الرهائن، مع ما أعلنته «حماس» الاثنين، عبر مقطع فيديو مصور نشرته الحركة يكشف عن أن «33 أسيراً إسرائيلياً قُتلوا وفُقدت آثار بعضهم مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة»، مخاطباً ذوي الرهائن بالقول: «مقتل بعض الأسرى وفقدان بعضهم كان بسبب المجرم نتنياهو وجيشه الفاشي وباستمرار حربكم المجنونة قد تفقدون أسراكم إلى الأبد، افعلوا ما يجب عليكم فعله قبل فوات الأوان».

ويرى السفير رخا، أن تصريحات ترمب «انفعالية»، نتيجة «متابعته فيديو لأسير أميركي - إسرائيلي صدر قبل أيام، وتأتي في ظل جهد دولي يسعى لمحاولة وقف إطلاق النار في غزة وفتح المعابر»، لافتاً إلى أنها قد تشكّل ضغطاً على نتنياهو للقبول بالاتفاق، خصوصاً وأنه يعلم أنه قد تتم التضحية به في أي مرحلة مستقبلية حال استمر بالمراوغة.

وباعتقاد الرقب، فإن «تهديد ترمب للمنطقة من باب الضغط على المفاوضات التي تتم حالياً وقد تصل لاتفاق قريب، وهذا أسلوب يكشف عن أن الرئيس القادم سيسكب وقوداً مع كل أزمات المنطقة لحلها»، لافتاً إلى أن تجاوب نتنياهو معه متوقع.

تلك المفاوضات كشف عنها وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي في تصريحات بمؤتمر صحافي، الاثنين، قائلاً إن «مصر ستستمر في العمل بلا هوادة من أجل تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق سراح جميع الرهائن والمحتجزين»، مؤكداً أنه «بخلاف استضافة حركتي (فتح) و(حماس) لبحث التوصل لتفاهمات بشأن إدارة غزة، فالجهد المصري لم يتوقف للحظة في الاتصالات للتوصل إلى صفقة، وهناك رؤى مطروحة بشأن الرهائن والأسرى».

وكشف عبد العاطي، عن أن «هناك أفكاراً مصرية تتحدث القاهرة بشأنها مع الأشقاء العرب حول وقف إطلاق النار، وما يُسمى بـ(اليوم التالي)»، مشدداً على «العمل من أجل فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني» الذي احتلته إسرائيل في مايو (أيار) الماضي، وكثيراً ما عبّر نتنياهو عن رفضه الانسحاب منه مع محور فيلادلفيا أيضاً طيلة الأشهر الماضية.

ويعتقد السفير رخا، أن الجهود المصرية قد تكلل بنجاح في هذه المرة خصوصاً وهناك احتمال كبير أن يتم اتفاق الهدنة قبل وصول ترمب للسلطة. وبرأي الرقب، فإن «القاهرة تبذل جهوداً كبيراً في إنهاء ملفات عالقة سواء بدعم تشكيل اللجنة أو التوصل لاتفاق هدنة، والكرة الآن في ملعب نتنياهو لحسم التوصل لاتفاق كما يرغب ترمب قبل وصوله، وأيضاً في ملعب أبو مازن لاعتماد مسودة الاتفاق بعد مشاورات الفصائل وتسويقه عربياً ودولياً لضمان نجاحه».


مقالات ذات صلة

تظاهرة في باريس للمطالبة بالإفراج عن الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية

أوروبا صورة أرشيفية لمظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في باريس (رويترز)

تظاهرة في باريس للمطالبة بالإفراج عن الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية

تظاهر نحو 50 شخصاً، بينهم أطباء ونقابيون وناشطون، في باريس أمام مقر وزارة الخارجية الفرنسية، للمطالبة بالإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية المعتقل في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص فلسطيني يحتضن جثمان والده الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص وسط غزة مسرحاً لعمليات إسرائيلية مكثفة بعد اختطاف ناشط من «القسام»

شهدت المنطقة الوسطى من قطاع غزة تصعيداً مفاجئاً، إثر سلسلة من العمليات الإسرائيلية المكثفة التي طالت أهدافاً متفرقة وتضمنت اغتيال ناشط ميداني بارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي والدة الطفل الفلسطيني معتز أبو شعر الذي قُتل بنيران إسرائيلية ومشيعون يحملون جثمانه في خان يونس جنوب غزة يوم الثلاثاء (رويترز) p-circle

«حماس» تتوافق مع الوسطاء بشأن «خريطة الطريق»... وتنتظر رد إسرائيل

كشف مصدران من «حماس» وثالث من فصيل فلسطيني آخر عن توافق جديد جرى بين المفاوضين والوسطاء خلال اجتماعات عقدت بالقاهرة في الأيام الماضية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون خارج مستشفى «الشفاء» في مدينة غزة يحملون جثمان أحد الضباط الفلسطينيين الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مركز للشرطة (رويترز)

10 قتلى بينهم ضابط كبير بغارة إسرائيلية على مركز للشرطة في غزة

قُتل 10 فلسطينيين على ​الأقل، بينهم طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، ورجل شرطة كبير من حركة «حماس» في غارة إسرائيلية بالقطاع اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة مفترضة لمحمد الضيف نشرتها إسرائيل (أرشيفية)

الشهور الأخيرة لـ«الضيف»: حركة بلا حراسة... واتصال منقطع

ظلت الشهور الأخيرة لقائد كتائب «القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس» الراحل محمد الضيف، يلفها الغموض؛ وبمناسبة مرور عامين على اغتياله في يوليو (تموز) 2024.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الجيش الأميركي يبدأ ليلة خامسة من الضربات على إيران


 إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)
إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)
TT

الجيش الأميركي يبدأ ليلة خامسة من الضربات على إيران


 إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)
إطلاق ذخيرة من موقع غير محدد خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت إيران(رويترز)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الخميس، أن القوات الأميركية بدأت موجة جديدة من الضربات على أهداف داخل إيران، في خامس ليلة متتالية من العمليات العسكرية، بهدف مواصلة إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية.

وقالت «سنتكوم» إن الضربات بدأت عند الساعة الثانية بعد الظهر بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، من دون أن تقدم على الفور تفاصيل إضافية عن المواقع المستهدفة أو طبيعة الأهداف.

وفي إيران، أفاد التلفزيون الرسمي بأن مناطق في بندر عباس، جنوب البلاد، تعرضت للقصف بـ«مقذوفات أميركية»، بينما تحدثت وكالات أنباء إيرانية عن ضربات استهدفت محيط جزيرة قشم القريبة من مضيق هرمز.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن السلطات المحلية وقوع «ضربة صاروخية أميركية في محيط جزيرة قشم»، فيما قالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن مواقع في محيط الجزيرة تعرضت للقصف بـ«مقذوفات من العدو الأميركي».

وسمع دوي ثلاثة انفجارات على الأقل في غرب بندر عباس قبالة مضيق هرمز. وذكر التلفزيون الرسمي أن بندر عباس تعرضت لهجمات أميركية مساء الخميس، ونقل عن السلطات المحلية أن الضربات لم تسفر عن سقوط ضحايا.

وأشارت معلومات أولية إلى وقوع انفجارات في مدينتي بوشهر، والأحواز جنوب غرب البلاد.

معدات عسكرية تتعرض للاستهداف في موقع غير محدد، وفق لقطات نشرتها القيادة المركزية الأميركية للضربات على إيران (رويترز)

وجاءت الجولة الجديدة مع استمرار القتال بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز، حيث تركزت الضربات الأميركية خلال الأيام الماضية على منشآت عسكرية وساحلية وجزر قريبة من الممر المائي.

وقال المتحدث الأعلى باسم القوات المسلحة الإيرانية، أبو الفضل شكارجي، للتلفزيون الرسمي، إن «الأمن الكامل» في مضيق هرمز لن يتحقق إلا بخروج القوات الأميركية من المنطقة، مؤكداً أن طهران «لن تتراجع أبداً» عن موقفها في المضيق.

وأضاف شكارجي أن العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على «مهاجمة العدو بقوة»، معتبراً أن خصوم إيران كانوا سيقضون عليها فوراً لو امتلكوا القدرة على ذلك، وأن ما وصفه بدعم الشعب يمثل أحد عناصر قوة البلاد.

وحذر من أن أي ضرر يلحق بالبنية التحتية الإيرانية سيقابل باستهداف «جميع البنى التحتية في المنطقة».

وقال أيضاً إن إيران تتمسك بخروج الولايات المتحدة من المنطقة، مضيفاً أن المقاتلات الأميركية «لم تغادر مضيق هرمز يوماً واحداً منذ إعلان وقف إطلاق النار»، واعتبر أن استمرار هذا الوجود «يمثل إعلان حرب».

وفي واشنطن، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الرئيس دونالد ترمب لا يزال منفتحاً على الدبلوماسية مع إيران رغم تجدد الأعمال العدائية.

وأضافت في مؤتمر صحافي أن ترمب «يحمّل الإيرانيين المسؤولية عندما ينكثون بالالتزامات التي تعهدوا بها تجاه الولايات المتحدة»، لكنها أكدت أنه «يبقى دائماً منفتحاً على الدبلوماسية».


فانس يتحدث عن «براغماتيين»… لكن القرار في طهران بيد شبكة المرشد

بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)
TT

فانس يتحدث عن «براغماتيين»… لكن القرار في طهران بيد شبكة المرشد

بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يترأس اللجنة العليا لـ«الثورة الثقافية» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني الخميس (الرئاسة الإيرانية)

وصف جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، العلاقة مع طهران بأنها «رقصة دبلوماسية دقيقة» تقوم على الضغط الاقتصادي وسياسة «العصا والجزرة». وذلك في وقت قال الرئيس دونالد ترمب، الأربعاء، إن إيران «ترغب بشدة» في التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة، وإن واشنطن ستقرر ما إذا كانت ستستجيب لذلك.

وقدم فانس في مقابلة تفسيراً للصراع داخل النظام الإيراني يقوم على وجود جناحين؛ «براغماتيين» يريدون مواصلة التفاوض والتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، و«متشددين» يسعون إلى إفشال هذا المسار، معتبراً أن مذكرة التفاهم لا تزال تسير في اتجاه إيجابي رغم تصاعد الضربات المتبادلة.

لكن الصورة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، خصوصاً بعد مقتل المرشد علي خامنئي، وعدد من كبار المسؤولين، تبدو أكثر تعقيداً. فالخلافات موجودة بالفعل، إلا أنها لا تدور بين إصلاحيين ومحافظين بالمعنى التقليدي، كما لا يمكن اختزال القرار في موقف حكومة أو تيار سياسي، إذ تتداخل في صناعته مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية يقودها المرشد الإيراني، فيما يحتفظ «الحرس الثوري» بثقل حاسم داخل هذه المنظومة.

فانس يقف إلى جانب ويتكوف وكوشنر في سويسرا في 21 يونيو 2026 (أ.ب)

صياغة قرار التفاوض

منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، تزايدت الأسئلة حول عملية صنع القرار في إيران، وعلى رأسها العودة إلى طاولة التفاوض، وتوقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. وقدم الرئيس مسعود بزشكيان أوضح رواية حتى الآن عن كيفية اتخاذ قرار التفاوض، عندما أجاب في يونيو (حزيران) على انتقادات مذكرة التفاهم، قائلاً إن جميع القادة العسكريين والأمنيين المشاركين في اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي أيدوا هذا المسار.

وبعدما نفى مكتبه عدة مرات استقالته بسبب إبعاده عن مسار التفاوض، قال بزشكيان إن قائد عمليات هيئة الأركان المشتركة، وقائدي الجيش و«الحرس الثوري»، والأجهزة الأمنية، «كانوا جميعاً حاضرين، وتحدثوا بصوت واحد، ووقعوا جميعاً على القرار».

وأكد مشرعون إيرانيون لاحقاً أن قادة الجيش و«الحرس» يشاركون في اجتماعات المجلس ويتمتعون بحق التصويت، بينما تحدث مسؤولون حكوميون عن موافقة 12 عضواً من أصل 13 على مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.

وتتعارض هذه المعطيات عن الانطباع السائد بأن التفاوض كان مشروعاً حكومياً واجه معارضة المؤسسة العسكرية. فالقرار، بحسب الرواية الرسمية نفسها، صدر بعد توافق داخل أعلى مؤسسة أمنية في البلاد، التي تضم الرؤساء السياسيين وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية معاً.

كما كشف بزشكيان أن حكومته خصصت عشرين مليون برميل نفط للوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» خلال الحرب، إضافة إلى موارد من النقد الأجنبي، في محاولة لتأكيد أن الحكومة والقوات المسلحة عملتا ضمن غرفة قرار واحدة، وليس على طرفي نقيض.

رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي يهمس في أذن قاليباف على هامش مراسم تأبين المرشد السابق علي خامنئي مساء الثلاثاء (البرلمان الإيراني)

الكلمة الأخيرة للمرشد

ورغم الدور المحوري الذي يؤديه المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن صلاحياته لا تلغي الموقع الحاسم للمرشد الإيراني.

فبحسب الدستور الإيراني، تصبح قرارات المجلس نافذة بعد مصادقة المرشد، الذي يشغل أيضاً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحتفظ بالقرار النهائي في ملفات الحرب والسلام والأمن القومي.

وتعمل لجنة الدفاع العليا، المرتبطة بالمجلس الأعلى للأمن القومي، على إدارة الملفات العسكرية الكبرى والتوصية بالقرارات المتعلقة بالعمليات والحرب، ضمن هيكل يخضع في نهاية المطاف لسلطة المرشد. وأعيد العمل باللجنة أو مجلس الدفاع العليا بعد حرب يونيو (حزيران) 2025 بأوامر من المرشد السابق.

وأكد بزشكيان هذه المعادلة عندما قال إن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي منح الحكومة الإذن بمتابعة المفاوضات، مضيفاً أن المفاوضات «كانت ستتوقف فوراً لو صدر أمر بعدم إجرائها».

غير أن الطريقة التي صيغت بها موافقة المرشد فتحت الباب أمام قراءات متباينة. وتضمن البيان الذي أعرب خامنئي الأبن عن تأييده للمفاوضات، إشارة إلى أنه كان يملك «من حيث المبدأ رأياً آخر» قبل أن يسمح بالمضي في الاتفاق، وهو ما استند إليه معارضو التفاوض للقول إن القيادة وافقت على مضض، بينما ركزت الحكومة على أن الإذن النهائي هو الذي يحكم السياسة الرسمية.

ومنذ تعيينه في منصب المرشد، زاد غياب المرشد عن الظهور المباشر من صعوبة حسم هذا الجدل. وتحولت البيانات المنسوبة إليها إلى مساحة مفتوحة للتفسيرات المتباينة والتأويل، بينما حاول كل طرف تقديم نفسه بوصفه الأقرب إلى إرادة القيادة.

«الحرس الثوري»... كتلة واحدة؟

تكشف التطورات الأخيرة أيضاً أن «الحرس الثوري» ليس كتلة سياسية متجانسة. فداخله تيارات تختلف في تقدير كلفة الحرب، وحدود التصعيد، وجدوى التفاوض، وإن كانت تتحرك جميعها داخل الإطار العام الذي يرسمه المرشد.

ويبرز رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مثالاً على هذا التعقيد. فقاليباف خرج من «الحرس الثوري»، وتولى مناصب عسكرية وأمنية قبل دخوله العمل السياسي، ويعد أحد أبرز وجوه التيار المحافظ، ومع ذلك تحول بعد الحرب إلى أحد أكثر المدافعين عن مذكرة التفاهم واستمرار المفاوضات.

وتشير مواقفه، إلى جانب تصريحات بزشكيان، إلى أن البراغماتية داخل النظام الإيراني لا تعني الانتماء إلى التيار الإصلاحي، بل تعكس في كثير من الأحيان تقديراً مختلفاً لموازين القوة وكيفية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة.

وفي المقابل، تركزت المعارضة الأشد داخل جبهة «بايداري»، وبعض الشخصيات السياسية المتنفذة، والأصوات البرلمانية والدينية والإعلامية، التي اعتبرت أن الاتفاق قدم تنازلات كبيرة، وذهبت إلى حد اتهام الحكومة ورئيس البرلمان بتهميش مؤسسات أخرى في عملية صنع القرار.

صلاحيات محدودة

ورغم تأكيد بزشكيان أن قرار التفاوض اتخذ بإجماع المؤسسات الأمنية والعسكرية، فإنه وجد نفسه في واجهة المواجهة السياسية والإعلامية، في ظل صلاحياته المحدودة مقارنة بصلاحيات المرشد.

واضطر بزشكيان وفريقه مراراً إلى الدفاع عن شرعية المفاوضات، والتشديد على أنها جاءت بتفويض من المرشد وبتأييد المجلس الأعلى للأمن القومي، كما رفع من مستوى انتقادات، عندما وجه لوماً هذا الأسبوع إلى التلفزيون الرسمي بسبب ما وصفه بمحاولة الإيحاء بوجود انقسام بين الحكومة والقوات المسلحة.

وقال إن تصوير الجيش و«الحرس الثوري» في جهة، والحكومة في جهة أخرى، يخدم خصوم إيران، مشدداً في الوقت نفسه على أنه يعد نفسه جزءاً من المؤسسة التي تدير المواجهة العسكرية، وليس طرفاً منفصلاً عنها.

وقبل ذلك، تعرض قاليباف لحملة مماثلة، كان أبرز فصولها قطع مقابلة تلفزيونية مسجلة كان يدافع خلالها عن مذكرة التفاهم، قبل أن يعاد بثها كاملة لاحقاً بعد جدل واسع.

وتعكس هذه الوقائع أن الخلاف يتسع داخل الأجهزة الإيرانية، حول تفسير القرار الذي صدر، ومن يملك حق الحديث باسمه، ومن يمثل إرادة القيادة بصورة أدق.

على ضوء ذلك فإن توصيف فانس يبسط بنية أكثر تعقيداً، إذ إن القرار الإيراني لم يحدد عبر مواجهة بين تيار محافظ في قلب أجهزة صنع القرار وتيار إصلاحي على الهامش، ولا حتى بين الحكومة يقودها رئيس محسوب على الإصلاحيين أو أجهزة متنفذة للغاية مثل «الحرس الثوري».

وتتشكل قرار تتعلق بال يتشكل داخل منظومة تتوزع فيها الأدوار بين المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية، على رأسها «الحرس الثوري»، بموازاة المنافسة بين أجنحة مختلفة داخل هذه المؤسسات نفسها حول كيفية إدارة الصراع مع واشنطن.

ولهذا، فإن مستقبل المفاوضات لن يتوقف على انتصار «البراغماتيين» على «المتشددين»، بقدر ما سيتحدد بقدرة هذه المنظومة على الحفاظ على التوافق الذي أنتج قرار التفاوض، وباستمرار موافقة المرشد، الذي يبقى صاحب الكلمة الأخيرة في قضايا الحرب والسلام.

ويجمع مراقبون خلال السنوات الأخيرة، على أن ثنائية الإصلاحيين والمحافظين فقدت كثيراً من وزنها على تفسير توازنات السلطة في إيران، بعدما انتقلت الخلافات الأساسية إلى داخل المؤسسات الحاكمة نفسها. ومع اتساع نفوذ «الحرس الثوري» بعد الحرب، بات التنافس يتركز على الوسيلة الأقدر على صون النظام وضمان استمراره، بين من يفضل خفض كلفة المواجهة عبر التفاوض، ومن يرى في الاحتفاظ بأوراق الضغط العسكرية ضمانةً لشروط أفضل.


وزراء ونواب يطالبون نتنياهو بإغلاق الأقصى أمام العرب لجعله «حراً لليهود»

المصلّون قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى يؤدون صلاة الفجر بالقدس (أ.ف.ب)
المصلّون قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى يؤدون صلاة الفجر بالقدس (أ.ف.ب)
TT

وزراء ونواب يطالبون نتنياهو بإغلاق الأقصى أمام العرب لجعله «حراً لليهود»

المصلّون قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى يؤدون صلاة الفجر بالقدس (أ.ف.ب)
المصلّون قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى يؤدون صلاة الفجر بالقدس (أ.ف.ب)

أطلق مجموعة من المستوطنين اليهود المتطرفين، بينهم ثلاثة وزراء وستة نواب من حزب «الليكود» الحاكم، حملة علنية تطالب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بتغيير الأمر الواقع في المسجد الأقصى، وجعله «حراً لليهود في كل ساعات النهار».

ودعا هؤلاء إلى إغلاق المسجد في وجه المسلمين والعرب، لإجبارهم على قبول حرية دخول اليهود وإقامة صلواتهم التلمودية فيه.

وقال نائب رئيس الكنيست، نيسيم فاتوري، إن «اليهود يعانون من (التمييز) حالياً بسبب سياسة الأمر الواقع التي فرضتها حكومة حزب العمل سنة 1967، ويجب تغيير هذا الواقع جذرياً، وإغلاق المكان أمام العرب حتى يتم الاتفاق على وضعية جديدة يكون فيها لليهود حرية مطلقة في زيارة باحات جبل الهيكل (وهي التسمية العبرية للأقصى)، متى يشاءون، ويقيمون ما يحلو لهم من الصلوات والتعبد، ووقف عادة إغلاق المكان أمام اليهود في الأعياد الإسلامية».

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

وتضم المجموعة ثلاثة وزراء من حزب الليكود، هم: إيلي كوهين وزئيف إلكين وعيديت سيلمان، وستة نواب، هم: نيسيم فاتوري، وبوعز بوسموت وإلياهو رفيفو، وموشيه سعدة، وأرئيل كيلر وأبيحاي بوارون وعميت ليفي.

معركة انتخابية تتوافق مع التهويد

ورغم أن الدافع الأساسي لهذه الحملة هو المعركة الانتخابية؛ إذ يحاولون كسب تأييد اليمين المتطرف لتمثيلهم، في أماكن مضمونة على قائمة مرشحي الحزب للانتخابات، إلا أنه ينسجم مع محاولات ما يسمى «مديرية جبل الهيكل»، التي تتولى مهمة «تهويد القدس»، وتكريس عملية تقاسم الأقصى، وسحب مسؤوليته من دائرة الأوقاف الأردنية، كما يحصل في الحرم الإبراهيمي في الخليل، الذي تم سحب مسؤولية بلدية الخليل الفلسطينية عنه، وفرض تقاسمه بين اليهود والفلسطينيين.

وعقد أصحاب الدعوة مهرجاناً، مساء الأربعاء، تحت عنوان «10 سنوات على تغيير الأمر الواقع في جبل الهيكل و59 سنة على خلاصه (احتلاله)».

وراح نواب ووزراء الليكود يتباهون، كل من طرفه، كيف قاموا بزيارة باحة الأقصى، وتأثروا من الجذور اليهودية في المكان، وكيف أقاموا فيها الصلاة رغم الشتائم التي سمعوها من الفلسطينيين وغير ذلك من كلمات النفاق.

أدانت السعودية وجود علم الاحتلال في ساحات المسجد الأقصى بمدينة القدس (رويترز)

المعروف أن حكومة إسرائيل وضعت منظومة إجراءات لدى احتلالها الأقصى سنة 1967، اعترفت خلالها بحق إدارة الأقصى، وبقية المقدسات الإسلامية في القدس لدائرة الأوقاف، وتم التأكيد على ذلك أيضاً في اتفاقيات أوسلو سنة 1993، وفي اتفاقية السلام مع الأردن سنة 1994.

ورغم أن المتدينين اليهود بغالبيتهم يرفضون دخول باحات الأقصى أو أداء الصلوات فيه، فإن اليمين الاستيطاني الذي يتخذ من الدين أداة للسلطة والسيطرة، يصرّ على اقتحام باحات الأقصى، ويطالب بأن يتاح لهم إقامة الصلاة اليهودية. وقد اتفقت الحكومات الإسرائيلية على إتاحة الفرصة لليهود للزيارة، وحدّدت لهم ساعات محددة لذلك، حتى لا تتحول الزيارات إلى سبب في العنف والصدام.

ولكن الحكومة الحالية، وبتأثير كبير من المتطرفين، أمثال الوزير إيتمار بن غفير، ضاعفت الاقتحامات اليهودية للأقصى، خمس مرات وأكثر. وقد كشف تقرير صادر عن «مؤسسة القدس الدولية»، عن ارتفاع عدد المقتحمين للمسجد الأقصى إلى أكثر من 65 ألف مستوطن إسرائيلي خلال عام 2025، بزيادة بلغت 22 في المائة مقارنة بالعام السابق، في ظل ما وصفه التقرير بـ«قفزات تهويدية خطيرة» تستهدف تغيير الوضع القائم في مدينة القدس.

صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)

وأوضح التقرير السنوي بعنوان «حال القدس 2025»، استناداً إلى معطيات دائرة الأوقاف الإسلامية، أن 65 ألفاً و364 مستوطناً إسرائيلياً اقتحموا المسجد الأقصى خلال العام، في حين أشارت بيانات إسرائيلية إلى وصول عدد المقتحمين إلى 76 ألفاً و448، بزيادة تقارب 31 في المائة عن عام 2024.

ورصد التقرير تصاعد اقتحامات شخصيات سياسية إسرائيلية للمسجد الأقصى؛ إذ سجل 20 اقتحاماً خلال عام 2025 مقابل 9 اقتحامات في العام السابق، وكان من بينهم وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، وعدد من أعضاء الكنيست.

وأشار التقرير إلى أن السلطات الإسرائيلية اتخذت إجراءات داخل المسجد شملت تمديد ساعات الاقتحام، ورفع عدد المقتحمين في الفوج الواحد إلى ما بين 120 و200 مستوطن، إضافة إلى تقليص الفواصل الزمنية بين الأفواج، في خطوة اعتبرها التقرير محاولة لفرض وقائع جديدة وتغيير «الوضع القائم» في الحرم القدسي.