شراكة «الإشعاع»: فيروز والأخوان رحباني مع صبري الشريف

أرشيف فني ثمين سيُوضع في خدمة الباحثين

صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)
صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)
TT

شراكة «الإشعاع»: فيروز والأخوان رحباني مع صبري الشريف

صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)
صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)

مثَّلت فيروز والأخوان رحباني وصبري الشريف، الأضلاع الثلاثة لمؤسسة فنية أرست لأغنية جديدة، سيكون لها ما بعدها، ليس فقط في لبنان، بل في الوطن العربي كله.

هذه الشراكة النادرة، التي دامت من عام 1959 مع ولادة «الفرقة الشعبية اللبنانية»، حتى مرض عاصي الرحباني عام 1972، ومن ثم انفصاله عن فيروز، أشعلت فترة ذهبية شهدنا خلالها ولادة مئات الأغنيات، والعديد من المسرحيات والأفلام، وتبلور صوت فيروز وشهرته، مخترقاً المذاقات الفنية ومحلقاً بلا حدود.

عن فيروز، وهذه المؤسسة الركيزة في الموسيقى العربية، عُقد لقاء في «متحف سرسق» في بيروت الأسبوع الماضي، تحت عنوان «الإشعاع»، جمع المخرج منجد الشريف والباحث في الموسيقى أكرم الريس، ومن متحف سرسق روينا بوحرب. وكان حواراً في كواليس هذه الشراكة، واكتشاف صوت فيروز، والدور الذي لعبه صبري الشريف في تقديم هذه المواهب، والمسار الصعب الذي أنتج كنوزاً نعتز بها. وخلال اللقاء، عُرضت مقاطع من مقابلات لفيروز والرحبانيين، وصور نادرة من أرشيف صبري الشريف.

صبري الشريف (أرشيف الشريف)

لفت الباحث أكرم الريس إلى أن المراحل الأولى من حياة فيروز الفنية لا يزال بعضها غامضاً، خصوصاً بعد اكتشافها من قبل محمد فليفل، وهي في المدرسة، الذي كان له فضل إقناع والدها المحافظ بالسماح لها بالغناء. وكان فليفل قد تواصل مع الكونسرفتوار ليحصل لها على منحة تتيح لها متابعة دروس موسيقية. ثم غنّت فيروز مع الأخوين فليفل في الكورس الذي كان يقدّم برنامجاً في الإذاعة اللبنانية، يُبث غالباً يوم السبت.

إحدى الروايات تقول إن مدير البرامج، حافظ تقي الدين، حين سمع صوتها، استدعى لجنة من ضمنها مدير القسم الموسيقي، الملحن حليم الرومي، فأعجب بها وأعطاها اسمها الفني، وأسمَع صوتها لعاصي الرحباني. لكن اللقاء الأول كان بارداً، واحتاج الأمر إلى وقت لينمو الود.

قدمت فيروز أول أغنية خاصة حسب جداول الإذاعة اللبنانية في فبراير (شباط) عام 1950 باللهجة المصرية، من ألحان حليم الرومي، وهي: «تركت قلبي وطاوعت حبك». أما أول أغنية لها مع الأخوين رحباني فكانت «حبذا يا غروب» للشاعر قبلان مكرزل، حسب فيروز، في حين تظهر جداول برامج الإذاعة أغنية سابقة عليها باسم «جناتنا» قدمتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 1950.

تحدث منجد الشريف عن اللقاء الأول بين والده وعاصي الرحباني في بيروت، حين جاء خصيصاً من قبرص، موقع إذاعة «الشرق الأدنى» آنذاك، لاكتشاف هذه الظاهرة الجديدة. عندما قابل عاصي ومنصور الرحباني وأسمعاه أعمالاً لهما، ذُهل وسألهما: «أين درستما الموسيقى؟ في إسبانيا؟» فأخبراه أنهما لم يغادرا لبنان، وتعلّما الموسيقى في بيروت على يدي الخوري بولس الأشقر.

صبري ومنصور وعاصي وأمّه وفيروز وأمها في اللقلوق عام 1955 (أرشيف الشريف)

أخبر عاصي صبري بأنه مهتم بالعمل على الفولكلور، فأعلمه الأخير أن إذاعة «الشرق الأدنى» تعمل على هذا المشروع، وأنها أخذت الشاعر اللبناني الموهوب أسعد سعيد إلى فلسطين، وكلفته بعمل دراسة على الفولكلور. هكذا التقيا على حبِّ التراث، لأن الهوية لا وجود لها من دونه، وكلاهما كان يدرك ذلك.

كرّس الشريف 70 في المائة من ميزانية «الشرق الأدنى» المخصصة للعالم العربي لصالح الأخوين رحباني إيماناً بموهبتهما، مما أثار موجة من الحسد وأوجد أعداءً لم يوفروا النقد اللاذع، ومنهم من عدَّ صوت فيروز «مواءً»، والأغنيات التي تؤديها كـ«السم الزعاف» بسبب «التغريب» الذي «يشوه الأغنية العربية». لكن الرحبانيان والشريف واجهوا ذلك بعناد، وبقيت أغنيات فيروز تُبث بكثافة.

الأغنية القصيرة والسريعة لم تكن اجتهاداً رحبانياً خالصاً، كما يقول أكرم الريس، فقد بدأت مع المسرح الغنائي في مصر مطلع القرن الماضي، لا سيما أغنيات مسرحيات سيد درويش مثل «زوروني»، التي عادت وغنتها فيروز. ومن ثَمَّ جاءت السينما الغنائية، خصوصاً مع محمد عبد الوهاب في فيلم «الوردة البيضاء»، وكُتبت الأغنيات بما يتلاءم والمشاهد، ثم مع الأسطوانات المحدودة المساحة أصبح تقصير الأغنيات ضرورة.

وبما أن الأخوين رحباني عملا في عزّ زمن الإذاعة، فلا بدَّ أنهما كانت لهما حساسية تكثيف الزمن، وما يترتب عليه من تقطير للمعاني وتعميقها، ليُبقيا وصولها أسلس إلى الناس.

عندما كلَّف الرئيس اللبناني كميل شمعون، صبري الشريف بإقامة «مهرجانات بعلبك» عام 1957، ورغم ضيق الوقت، قبِل الشريف التحدي وقدَّم مع الأخوين رحباني «ليالي الحصاد»، حيث قاد الأوركسترا توفيق الباشا، أما الرقص فكان لمروان ووديعة جرار. أُرسلا خصيصاً إلى روسيا لدراسة الكوريغرافيا في فترة قياسية وعادا لتدريب الفرقة، وسجل المهرجان نجاحاً كبيراً.

تواصل العمل بين فيروز والأخوين والشريف إلى أن وصلوا إلى مسرحية «موسم العز» عام 1960، حيث قرروا تأسيس عقد رسمي وأطلقوا «الفرقة الشعبية اللبنانية»، التي ضمَّت عاصي ومنصور رحباني، وصبري الشريف، وأصبحت الحقوق تُوزَّع على الثلاثة بالتساوي.

كان صبري الشريف يُنجز جميع المهام الإدارية والفنية، وهو الذي كان يختار الموسيقيين، ولم يكن الأخوان رحباني يوقعان عقداً إلا حين يُطلب منهما ذلك.

منجد يتحدث بصفة شاهد. عمل مع والده على المسرح الرحباني، منذ كان عمره 14 عاماً، في ضبط الصوت والإضاءة، وأصبح اليوم مخرجاً سينمائياً ومسرحياً محترفاً، وعاش طفولته في جيرة فيروز وأم عاصي التي كانت تجمعهم في منزلها.

يروي منجد الشريف أن فيروز تلقَّت تدريبات عالية من موسيقيين محترفين كانوا يأتون للعمل في لبنان، من بينهم برنار ربيان، وإدواردو بيانكو القادم من البرازيل لتوزيع الأغنيات الجديدة، وهو الذي درَّب فيروز على أداء الأغنيات القصيرة، خصوصاً أن أغنيات كثيرة كانت تُؤخذ عن الأجنبية وتُعرّب.

عاصي الرحباني وصبري الشريف في لقائهما الأول (أرشيف الشريف)

كان العمل متواصلاً وبلا استراحة. «حياتنا كلها شغل»، كما تقول فيروز. وعاصي كان يأكل في المكتب، ولا يرضى إلا أن يشاركه أحد لقمته. كان سخياً ومعطاءً ومُحباً، كما يصفه منجد الشريف.

أما السؤال الذي يُطرح باستمرار، فهو: كيف كان عاصي ومنصور يتقاسمان تأليف الأغنيات والمسرحيات؟ روى منجد أن الأمر كان يحدث بتلقائية وعفوية شديدتين. على عكس ما يتصوَّر بعضهم، لم تكن تُوضَع خطة مسبقة محددة، إنما أفكار عامة، ومن يخطر له مشهد يكتبه. «لنفترض أن منصور كتب مشهداً وعاصي مشهداً آخر، يُرقَّما بعد ذلك. أي يعمل كل منهما على القسم الذي يريد، ومن ثم يجري ترتيبها. لم يكن هناك تقسيم مُحكم كما يتصوَّر بعضهم، بل عملٌ مشترك فعلي، فمن يخطر له فكرة أو لحن يكتب، ثم يُنسَّق ما كُتبت بأريحية وانسجام. «يبدأ منصور أغنية، ويكملها عاصي، أو العكس. العمل عطاء، وإحساس، وحرية. أمران عند فيروز لم يتمكَّن أحد من التأثير عليهما: غناؤها وإحساسها».

كان كل ما يفعلونه من تأليف وغناء بالنسبة إليهم «تجاريب»، هكذا كانوا يُسمُّونها. ويوسف شاهين في فيلم «بياع الخواتم»، لشدة ما عمل اختبارات مع فيروز، تمكَّن بنجاح من تقوية التعابير على وجهها؛ بالنتيجة، خرج واحدٌ من أجمل ما أعطت فيروز في التمثيل.

بدأ منجد الشريف بأرشفة كل شيء: أشرطة، وأوراق وكتابات والده. «اكتشفنا أشياءً كثيرة، مع أنني أعيش في البيت نفسه، وما زلنا نكتشف. إضافة إلى الأخوين رحباني، وجدنا ما يخص التلفزيون الأردني الذي كان والدي مستشاراً فيه، وأرشيفاً لوديع الصافي، ونصري شمس الدين، وزكي ناصيف، وزياد وإلياس الرحباني وآخرين كثيرين. نجمع كل هذا وما يُعرض علينا شراؤه لنضعه في خدمة الباحثين لاحقاً. كما يعمل منجد الشريف على تحرير ما تركه والده من تسجيلات بوصفها مذكرات لنشرها في كتاب.


مقالات ذات صلة

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يوميات الشرق وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يصف هذه التجربة بأنها أضافت إلى مسيرته، مشيراً إلى أنه حظي بمساحة للعمل وفق رؤيته الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)

«أكتر من أي وقت»... جسرٌ موسيقيّ تمُدّه «أنغامي» بين العرب

أغنية وطنية عابرة للحدود العربية تجمع فنانين من لبنان، والسعودية، والكويت، والعراق، والبحرين، وسوريا.

كريستين حبيب (بيروت)
تكنولوجيا شخص يحمل سماعات أذن «إيربودز» (رويترز)

بشكل صحيح وآمن... ما أفضل طريقة لتنظيف سماعات «إيربودز»؟

يلاحظ كثير من مستخدمي سماعات الأذن، خاصة «إيربودز»، مع مرور الوقت تراكم طبقة صفراء أو بنية خفيفة على أطراف السيليكون، أو الشبكات المعدنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الوتر السادس داليا مبارك: لم أشعر بالتوتر أو الضغط في «ذا فويس كيدز»

داليا مبارك: لم أشعر بالتوتر أو الضغط في «ذا فويس كيدز»

بتطور أصواتهم وأدائهم خلال التدريب عبرت الفنانة السعودية داليا مبارك عن سعادتها بالمشاركة في لجنة تحكيم برنامج اكتشاف المواهب «ذا فويس كيدز».

أحمد عدلي (عمّان)
الوتر السادس سارة درويش: أدخل عالم التمثيل عندما أغني شارة مسلسل

سارة درويش: أدخل عالم التمثيل عندما أغني شارة مسلسل

قالت المغنية السورية سارة درويش إن موضوع الشارة الدرامية لا يزال غير منتشر في ثقافتنا الفنية العربية.

فيفيان حداد (بيروت)

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended