رضوى عاشور... الريادة الكامنة

كانت سباقة في المجال النقدي والبحثي الذي تنامى منذ ثمانينات القرن الماضي

رضوى عاشور... الريادة الكامنة
TT

رضوى عاشور... الريادة الكامنة

رضوى عاشور... الريادة الكامنة

اتَحضر الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور إلى ذهن الكثيرين، وأنا أحدهم، بوصفها روائية تجلّت أهميتها في أعمال مهمة مثل «ثلاثية غرناطة» و«الطنطورية» وغيرهما. لكن على الرغم من ذلك الحضور الروائي المهم والمنتشر، فإن البعض يدرك أنها كانت إلى جانب ذلك ناقدة وأستاذة أدب إنجليزي لها إسهاماتها في مجال النقد والبحث أيضاً.
ومع أني كنت ممن أدركوا ذلك الجانب النقدي لدى عاشور إلى جانب معرفتي وإعجابي الشديد بإبداعها الروائي، فقد فوجئت قبل أشهر بأن لرضوى كتاباً بدا لي رائداً في مجالٍ نقديٍّ تَطوَّر في الغرب ويبدو أن أحداً لم ينتبه إلى أن عاشور، تلك الطاقة الإبداعية الكبيرة، كانت في ذلك الكتاب سباقة إلى ذلك المجال النقدي والبحثي الذي تنامى منذ ثمانينات القرن الماضي على يد نقاد آخرين جلهم يعودون إلى أصول آسيوية أو غير غربية عامة. أقصد الدراسات ما بعد الكولونيالية. في كتاب بعنوان «التابع ينهض: الرواية في غرب أفريقيا» نُشر عام 1980 وأعادت «دار الشروق» نشره عام 2016، تتناول عاشور الرواية الأفريقية موظِّفةً منذ العنوان عبارةً لطالما التصقت في الأذهان بالناقدة والمفكرة الهندية تشاكرافورتي غاياتري سبيفاك: «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» (Can the Subaltern Speak?). ذلك هو العنوان الشهير الذي جاء مع مقالة لسبيفاك التي هاجرت منذ الستينات للدراسة والاستقرار في الولايات المتحدة حيث تشغل الآن منصباً أكاديمياً رفيعاً في جامعة كولومبيا. نشرت سبيفاك مقالتها عام 1988، أي بعد كتاب عاشور بثمانية أعوام. لكن بين المقالة والكتاب فروق مهمة يجب ألا تُغفل.
أول تلك الفروق أن عاشور في كتابها ليست معنية بالتنظير النقدي، على الأقل بالقدر الذي تفردت به سبيفاك وغيرها من نقاد ما بعد الكولونيالية. كتاب عاشور يتركز على النقد الروائي الذي تقدم منه نماذج مميزة دون شك، لكن دون تأطير نظري كافٍ يحلها في موقع الريادة لمجالٍ تَطوَّر في ذلك الحين وبسرعة هائلة.

ثاني تلك الفروق يتصل بأن مقالة سبيفاك الشهيرة تتركز، إلى جانب التنظير، على النقد النسوي الذي أضافت إليه بعداً ما بعد كولونيالي أو ما بعد استعماري من الزاوية النسوية بصفة خاصة لم يكن مطروحاً بقوة في تسعينات القرن الماضي. ليست عاشور معنية بالنقد النسوي في كتابها لا من حيث المرأة بوصفها كاتبة ولا من حيث هي موضوع للكتابة.
هذان فرقان مهمّان لكنهما لا يقللان بحال من أهمية كتاب الناقدة العربية المصرية. هو كتاب مهم ومشكلته الوحيدة أنه لم يُترجَم إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو يُكتَب بأيٍّ من تلكما اللغتين –اللتين تتقن عاشور منهما الإنجليزية على الأقل كونها أستاذة أدب إنجليزي. وبطبيعة الحال أدى ذلك إلى ما أدى إليه في حال أعمال أدبية ونقدية وفكرية عربية كثيرة لم تتسع لها دائرة التلقي. وكان يمكن لكتاب عاشور أن تكون له أصداء أوسع ويكون لمؤلفته دور ريادي أو شراكة على الأقل في ريادة حقل كان من رواده ناقد عربي آخر، إن لم يكن أهم رواده، هو إدوارد سعيد الذي كتب بالإنجليزية وحقق شهرة واسعة ليس في الغرب وحده وإنما في العالم. ولا أدري إن كان سعيد قد اطّلع على كتاب رضوى عند نشره، ومن المؤكد أنه لو اطلع عليه لذكره وأشاد به.
غير أن كتاب «التابع ينهض» لا يخلو مع ذلك من رؤى نقدية لافتة ضمّتها مقدمتان إحداهما ذات بعد نظري عام والأخرى تتصل بموضوع الكتاب. في الأولى تشير المؤلفة إلى الرواية الأفريقية وما أحاط بها من سوء الفهم أو سوء التناول سواء من النقاد الغربيين أو من الكتاب الأفارقة أنفسهم. فهناك تحيز غربي حدَّ من تلقي تلك الرواية بالصورة الصحيحة، كما أن هناك انحيازاً أفريقياً لدى بعض الكتاب الأفارقة توخى إرضاء الذائقة والفهم الغربيين. فالغرب، من ناحية وباستثناءات محدودة، تجاهل الرواية الأفريقية بصفة عامة أو نظر إليها نظرة دونية باستثناء تلك التي أرضت فرضياته القبلية حول القارة السوداء، والأفارقة، من ناحية أخرى، كما في رواية الكاتب المالي يامبو أولوجوم «واجب العنف» (1968) استجابوا لتوقعات المتلقي الغربي بتصوير أفريقيا تصويراً مشوهاً يجعلها مسرحاً تأصل فيه العنف والفحش، حسب عاشور. وكان فوز الرواية بجائزة أدبية فرنسية، كما تشير الناقدة المصرية، دليلاً على تحيز غربي تجاه أفريقيا، وتشير في ذلك السياق إلى مفهوم «العالمية» الذي تراه مسؤولاً إلى حد بعيد عن أحكام نقدية تأبى أن تتعامل «مع أدب سياسي إلا على أنه (أدب دعائي)، بسبب التمسك ببعض المفاهيم الأدبية الشائعة كمفهوم العالمية الذي يقصد به الناقد دائماً ما هو مشترك بين أبناء العالم الأوروبي الأميركي...». ثم تضيف سبباً آخر يتصل بالبعد «الشديد عن الواقع التاريخي الذي أنتج هذا الأدب وعدم بذل الناقد ما يكفي من جهد لفهمه».
هذه الآراء تصب في ذات السياق الذي سار فيه النقد ما بعد الكولونيالي سواء عند إدوارد سعيد أو سبيفاك أو هومي بابا أو غيرهم من أساطين ذلك النقد. الأقرب إلى عاشور، والذي أيضاً لم ينل نصيبه من التقدير في تطوير النظرية ما بعد الكولونيالية، هو الروائي والناقد الأفريقي نغوغي واثيونغو الذي أكد حتى في نصوصه النقدية المكتوبة بالإنجليزية، التي أُتيح لي أن أترجم أحدها، أنه سبق إلى الكثير من أطروحات النقد الما بعد كولونيالي لكنّ ذلك لم يُلتفت إليه. يشترك واثيونغو مع الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي وكتاب أفارقة آخرين إلى جانب رضوى عاشور في مساءلة مفاهيم قارَّةٍ في الثقافات الغربية –وغير الغربية- لا سيما النقد الأدبي المؤسَّس عليها مثل العالمية وقيمة أدب العالم الثالث، وأثر الاستعمار أو الإمبريالية على الثقافة. وليس هؤلاء متفقين على وجهات نظر في كل تلك المسائل. فأتشيبي مثلاً يختلف مع واثيونغو في أهمية اللغة الأوروبية الموروثة من عهود الاستعمار: يرى الكاتب النيجيري أن الإنجليزية صارت إرثاً للمستعمر (بفتح الميم) ولم تعد حكراً على من جلبها إلى البلاد التي وقع عليها الاستعمار وأن من حقه نتيجة لذلك أن يكتب بها. ويرى واثيونغو غير ذلك. لذا أصر الأول على الاستمرار في الكتابة بالإنجليزية والثاني على كتابة رواياته باللغة المحلية (ليترجمها لاحقاً إلى الإنجليزية). ولعل ذلك يذكّرنا بما يراه بعض الكتاب العرب الفرانكوفونيين حول الكتابة بالفرنسية.
ليست عاشور معنية بهذه القضايا، ربما لأنها غير مطروحة بقوة في الثقافة العربية، فباستثناء الأدب الفرانكوفوني والأنغلوفوني اللذين يمثلان حضوراً لافتاً فإن قضية اللغة ليست قضية أساسية أو رئيسية لدى الكتاب العرب عامةً كما هو الحال في الآداب الأفريقية. لغة الأدب العربي لغة عربية وليس الأمر موضوعاً للنقاش.
أمر آخر يلفت النظر في عنوان كتاب عاشور: أنها معنية بالنهوض وليس بالكلام. ففي حين تُعنى سبيفاك بمسألة تعبير التابع، أو المستعمَر، عن ذاته وقدرته على الاحتجاج، ما يهم عاشور هو النهوض، وهو قضية كبرى تشغل بال مثقفي العالم غير الغربي، أي نهوض بلادهم، القضية التي تراها عاشور مركزية في الرواية الأفريقية بصفة خاصة. ومع أن مسألتَي القدرة على التعبير والنهوض متلازمتان فإن مما لا يخلو من الأهمية إبراز إحداهما دون الأخرى. سبيفاك المعنية بالمرأة تشير إلى إشكالية جندرية في حين أن عاشور المعنية بالوضع الحضاري العام، بالنهوض، تبرز ما تراه أكثر حيوية وأهمية. ولكن الناقدة المصرية استطاعت على أي حال أن تبادر إلى ما كان حالة كامنة تنتظر الظهور.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
TT

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)

يقول العديد من مُلّاك الحيوانات الأليفة إن حيواناتهم مصدر سعادة كبير لهم، وأنها تُخفف عنهم الشعور بالوحدة وتُحسِّن من صحتهم النفسية بشكل عام.

وقد أظهرت العديد من الدراسات النفسية فوائد اقتناء حيوان أليف للصحة البدنية والنفسية. ومع ذلك، قد يواجه مُلَّاك الحيوانات الأليفة مواقف صعبة للغاية تُؤثر سلباً على صحتهم النفسية.

على سبيل المثال، قد يكون الأمر مُحبِطاً للغاية إذا كان الكلب سيئ التدريب وعدوانياً ويعض صاحبه أو غيره. كذلك، إذا مرض الحيوان الأليف، فقد تتدهور الحالة النفسية لصاحبه بسبب القلق الشديد، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

أيضاً، قد تُؤدي تكاليف العلاج البيطري الباهظة إلى مشكلات نفسية لبعض مُلَّاك الحيوانات الأليفة. لذا، فإن العلاقة بين اقتناء حيوان أليف والصحة النفسية ليست بالبساطة التي تبدو عليها للوهلة الأولى. لذلك، هناك حاجة إلى دراسات نفسية أعمق لاستكشاف هذه العلاقة بشكل أكثر تفصيلاً.

دراسة جديدة

وبحثت دراسة جديدة نُشرت خلال العام الحالي تأثير اقتناء حيوان أليف على الصحة والرفاهية من منظور جديد. وفي الدراسة التي حملت عنوان «الأثر السببي لاقتناء الحيوانات الأليفة على الصحة والرفاهية»، قام فريق بحثي بقيادة العالم ماكسيم أنانييف من جامعة ملبورن في أستراليا بتحليل بيانات بحثت في الآثار النفسية لاقتناء الحيوانات الأليفة.

وجُمعت بيانات الدراسة على مدى سنوات عديدة. وقام العلماء بتحليل بيانات 495 من مُلَّاك الحيوانات الأليفة، والذين يمتلكون أي نوع من الحيوانات الأليفة، مثل القطط والكلاب والخيول والطيور والأسماك. وقد قام جميع مُلَّاك الحيوانات الأليفة بملء استبيانات حول الرضا عن الحياة، والشعور بالوحدة، والصحة النفسية، والصحة العامة.

نتائج مفاجئة

وفي نتائج مثيرة للدهشة، اتضح أن امتلاك حيوان أليف لم يُظهر أي آثار إيجابية أو سلبية على الرضا عن الحياة، أو الشعور بالوحدة، أو الصحة النفسية، أو الصحة العامة.

وهذا لا يعني أن بعض الأشخاص سيشهدون تحسناً كبيراً في رفاهيتهم بفضل امتلاك حيوان أليف. إنما يُظهر أنه على مستوى مئات الأشخاص، تتوازن الآثار الإيجابية والسلبية لامتلاك حيوان أليف.

فبينما يستفيد البعض بشكل كبير من حيواناتهم الأليفة، يعاني آخرون من تدهور في صحتهم النفسية بسبب مشكلات تتعلق بها.

ووفق «سيكولوجي توداي»، فبالرغم من أن نتائج هذه الدراسة تتعارض مع دراسات سابقة، فإن حجم العينة الكبير وتصميمها عالي الجودة يضمنان متانة النتائج.


بعد 44 عاماً... سيجارة تقود إلى كشف قاتل مراهقة في كاليفورنيا

سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)
سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)
TT

بعد 44 عاماً... سيجارة تقود إلى كشف قاتل مراهقة في كاليفورنيا

سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)
سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)

بعد مرور أكثر من 4 عقود على مقتل مراهقة في كاليفورنيا، ساعد تحليل الحمض النووي الموجود على سيجارة السلطات في القبض على مرتكب الجريمة.

وبحسب شبكة «سي إن إن» الأميركية، فقد شوهدت سارة غير، التي كانت تبلغ من العمر 13 عاماً، آخر مرة وهي تغادر منزل صديقتها في مدينة كلوفرديل بولاية كاليفورنيا مساء يوم 23 مايو (أيار) 1982.

وفي صباح اليوم التالي، عثر أحد رجال الإطفاء العائد من عمله على جثتها، وفقاً لبيان صحافي صادر عن مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما.

وبحسب السلطات، فقد سُحبت إلى زقاق إلى منطقة منعزلة قرب مبنى سكني، ثم خلف سياج، حيث تعرضت للاغتصاب والخنق.

وصُنِّف موتها جريمة قتل، ولكن نظراً لـ«محدودية علم الأدلة الجنائية في ذلك الوقت»، لم يتم تحديد أي مشتبه به، وظلت القضية دون حل لعقود، وفقاً لما ذكره المدعون.

وبعد مرور ما يقارب 44 عاماً على مقتل سارة، أدانت هيئة محلفين جيمس يونيك، البالغ من العمر 64 عاماً، بتهمة قتلها في 13 فبراير (شباط) الحالي. وكان من المفترض أن يكون ذلك اليوم عيد ميلاد الضحية السابع والخمسين، وفقاً لما صرح به مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما لشبكة «سي إن إن».

وساعد علم الأنساب الجيني، الذي يجمع بين أدلة الحمض النووي وعلم الأنساب التقليدي، في مطابقة الحمض النووي ليونيك، الموجود على عقب سيجارة، مع الحمض النووي الموجود على ملابس سارة، وفقاً لما ذكره المدعون.

وقالت المدعية العامة كارلا رودريغيز في بيان: «إن هذا الحكم بالإدانة دليل على تفاني كل من لم يتوقف عن البحث عن قاتل سارة. هذه أقدم قضية عُرضت على هيئة محلفين في مقاطعة سونوما. ورغم أن 44 عاماً مدة طويلة جداً، فقد تحققت العدالة أخيراً، لأحباء سارة ولمجتمعها على حد سواء».

بناء ملف الحمض النووي

ذكر المدعون أن انفراجه في القضية حدثت عام 2003، عندما تمكن المحققون من تطوير ملف الحمض النووي بناءً على عينة سائل منوي جُمعت من ملابس سارة الداخلية.

ومع ذلك، لم يتطابق الملف مع أي شخص كانت بيانات حمضه النووي متاحة للمقارنة في قواعد بيانات إنفاذ القانون آنذاك، وفقاً للبيان، مما أدى إلى توقف التحقيق مجدداً. وتتضمن هذه القواعد معلومات عن مجرمين معروفين.

وفي عام 2021، أعادت شرطة كلوفرديل فتح التحقيق في وفاة سارة. وأفادت الشرطة أنها كانت على تواصل مع شركة تحقيق خاصة في أواخر عام 2019، وتعاونت معها على أمل أن تتمكن الشركة من إعادة النظر في أدلة القضية باستخدام أحدث التقنيات في هذا المجال.

كما استعان التحقيق بمكتب «التحقيقات الفيدرالي» للمساعدة في تحديد تطابق محتمل مع ملف الحمض النووي لعام 2003.

وذكر المدعون أن «مكتب التحقيقات الفيدرالي، بفضل إمكانية وصوله إلى قواعد بيانات الأنساب العائلية، خلص إلى أن الحمض النووي الذي جُمع من ملابس سارة يعود إلى أحد أربعة أشقاء، من بينهم جيمس يونيك».

علم الأنساب الجيني يحل القضية

بعد أن حصر المحققون قائمة المشتبه بهم في الأخوة الأربعة، قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بمراقبة المتهم وجمع سيجارة كان يدخنها، وفقاً لما ذكره المدعون.

وأكَّد تحليل الحمض النووي للسيجارة تطابق الحمض النووي لجيمس يونيك مع البصمة الوراثية لعام 2003، بالإضافة إلى عينات أخرى من الحمض النووي جُمعت من ملابس سارة يوم مقتلها.

وتمكن المحققون من حل القضية بفضل مجال علم الأنساب الجيني الناشئ، الذي يجمع بين تحليل الحمض النووي ودراسة شجرة العائلة.

ببساطة، يتم مقارنة عينة الحمض النووي المأخوذة من مسرح الجريمة بقواعد بيانات عامة تحتوي على ملفات جينية لملايين الأشخاص الذين شاركوا بياناتهم. وحتى لو لم يظهر تطابق مباشر مع الجاني، قد يظهر تطابق مع أحد أقاربه. بعد ذلك، يقوم المحققون بتتبع شجرة عائلة هذا القريب خطوة بخطوة حتى يصلوا في النهاية إلى الشخص المشتبه به.

وأُلقي القبض على يونيك في يوليو (تموز) 2024 داخل منزله في مدينة ويلووز بولاية كاليفورنيا. وخلال المحاكمة التي استمرت شهراً، أنكر في البداية معرفته بالضحية، قبل أن يغير روايته مدعياً أن العلاقة الجنسية التي حدثت بينهما كانت «برضا الطرفين»، وأن شخصاً آخر هو من قتلها لاحقاً.

إلا أن هيئة المحلفين رفضت أقواله، وأدانته بجريمة القتل.

ومن المقرر أن يُحكم على يونيك بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط، على أن تصدر العقوبة رسمياً في 23 أبريل (نيسان) المقبل.


إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.