مديحة كامل... رؤية جديدة لـ«سنوات الظهور والاختفاء»

عبر كتاب يروي مسيرتها في ذكرى ميلادها الـ74

مديحة كامل (أرشيفية)  -  الكاتب محمد سرساوي والكتاب (الشرق الأوسط)
مديحة كامل (أرشيفية) - الكاتب محمد سرساوي والكتاب (الشرق الأوسط)
TT

مديحة كامل... رؤية جديدة لـ«سنوات الظهور والاختفاء»

مديحة كامل (أرشيفية)  -  الكاتب محمد سرساوي والكتاب (الشرق الأوسط)
مديحة كامل (أرشيفية) - الكاتب محمد سرساوي والكتاب (الشرق الأوسط)

رغم سنوات عمرها الفني القصير، فإن الذكرى التي تركتها الفنانة المصرية مديحة كامل ما زالت محفورة لدى جمهور السينما رغم رحليها، فالفنانة الراحلة التي تحل ذكرى ميلادها الـ74 هذا الشهر، أغسطس (آب)، ما زال يتداول جمهور التواصل الاجتماعي الحديث حول حضورها الفني، كأيقونة للجمال الهادئ الذي لم يُذبله الموت.
ويعكس كتاب «مديحة كامل- سنوات الظهور والاختفاء» الصادر أخيراً للكاتب المصري محمد سرساوي هذا الاهتمام المتواصل بالفنانة الراحلة: «طالما كانت تراودني الرغبة الشديدة في الكتابة عن مديحة كامل، وكنت كالكثير ممن يلاحظون حالة الحب المتصلة بها رغم رحيلها، لا سيما بنشر صورها على صفحات التواصل الاجتماعي، ووددت الاقتراب من عالمها الخاص والفني عبر هذا الكتاب»، كما يقول المؤلف محمد سرساوي في كلمته لـ«الشرق الأوسط».
«ظهرت مديحة كامل على شاشة السينما عام 1964، في وقت كانت فيه السينما المصرية لا تزال مصرة على التمسك ببطلاتها المعتادات» هكذا يستهل الناقد الفني أشرف غريب تقديمه للكتاب الصادر عن دار «الرواق» في القاهرة. ويمر غريب سريعاً حول خصوصية الملامح الفنية لمديحة كامل، معتبراً أن هذا الكتاب يتتبع ما يصفها بـ«التعريجات» في مسيرة مديحة كامل منذ مولدها في مدينة الإسكندرية (شمال مصر) في أربعينات القرن الماضي، وصولاً للحظة وفاتها.
يتوقف المؤلف محمد سرساوي عند مديحة كامل باعتبارها «فتاة الأحلام» التي جمعت بين الجمال والإشراق والذكاء. وبلغة السينما: «وجه تعشقه الكاميرا». يقول سرساوي: «أحبها الجمهور، وقد تجلى هذا الحب في أشكال متنوعة، منها الصفحات التي أنشأها محبوها على مواقع التواصل، والبعض الآخر كان يعرض آلاف الصور لها، وقد ظهرت في مقالات بديعة تفيض بالحب ممن صادفوها في الوسط الفني، أو ممن عملت معهم من مخرجين وكتاب السيناريو والممثلين. حب تجلى في مشاهد متعددة عايشتها مديحة في كلمات المعجبين وخطاباتهم. حب لم ينقطع، واستمر حتى بعد اعتزالها ووفاتها».
اعتمد الكاتب في تدوين سيرة الفنانة مديحة كامل (1948– 1997) على الجانب البحثي والتوثيقي، في رحلة أخذته داخل عالم الأرشيف في مؤسسات الصحف القومية، والمركز الكاثوليكي للسينما، ودار الكتب والوثائق القومية بمصر، واعتمد الكاتب على الربط بين محطات بارزة في حياتها الخاصة وأعمالها الفنية، وذلك منذ كانت طفلة بمدينتها الإسكندرية؛ حيث بدأت المفارقات الدرامية في حياتها مبكراً، بعد أن تحول شغفها من مجال الرياضة إلى مجال عروض الأزياء وحلم التمثيل: «بدأت رحلة مديحة كامل للبحث عن التميز في الألعاب الرياضية، مثل البينغ بونغ، وكرة السلة، والعدو، وصولاً للجمباز التي حصلت فيها على درجات متقدمة، وبدأ الحلم يداعب خيالها، وتصفيق الزملاء يشعل الحماس في صدرها، حتى جاء اليوم الذي حدثت فيه إصابة في جهاز العقلة، ومن ذلك الحين استبدلت بتصفيق المشاهدين في صالة الجمباز تصفيق المتفرجين في صالة المسرح» كما في الكتاب.
يقع الكتاب في 8 فصول، ترصد سنوات الميلاد والبداية، وصولاً للاعتزال والوفاة. يقول المؤلف: «الكتاب يتتبع حياتها وفنها في آن واحد، مع كشف العوامل التي أدت إلى اعتزالها، كآلام وتجارب الحب والزواج والمرض، وفقد الأحبة كوالدتها وأخيها، وهي حوارات كان يشع منها الحزن، وعلاقتها بابنتها الوحيدة ميريهان، وكذلك موقفها من الإشاعات التي واجهتها، ثم حياتها بعد الاعتزال واحترامها لرسالة الفن حتى بعد اعتزالها... رحلة مديحة كامل لم تكن رحلة سهلة؛ بل رحلة شاقة عانت فيها الكثير». ويضيف في الكتاب: «لم تحيِ ذكرى مديحة كامل رسمياً أي مؤسسة، ومع ذلك تقام ذكرى ميلادها ووفاتها في قلوب محبيها».
ومن أشهر أعمالها الفنية: «الاختيار، وأغنية على الممر، والأرملة العذراء، وحب وكبرياء، وزمان يا حب، ولا تدمرني معك، وانحراف، والصعود إلى الهاوية»، بجانب مسلسل «البشاير» مع محمود عبد العزيز. واعتزلت الفن تماماً قبل إكمالها تصوير فيلم «بوابة إبليس» عام 1993، واحتجبت بعدها عن أي ظهور إعلامي. ورحلت عن عالمنا جراء مضاعفات مرضها بالقلب يوم 13 يناير (كانون الثاني) 1997.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

القاهرة تختبر قرار حظر سير «التوك توك» في محاور رئيسية

«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

القاهرة تختبر قرار حظر سير «التوك توك» في محاور رئيسية

«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

اختبرت القاهرة قراراً بحظر سير «التوك توك» في 5 محاور رئيسية بالعاصمة المصرية، بهدف ضبط الحركة المرورية والحد من العشوائية في هذه المحاور، وهي «كورنيش النيل- الطريق البطيء- الطريق الدائري- شارع مصر حلوان الزراعي- طريق الفيوم»، مع الإعلان ضمن القرار عن إجراءات قانونية وعقوبات ضد المخالفين.

ونبَّهت الجهات الإدارية التي تقوم على تنفيذ القرار ومتابعته على أنه ستتم مصادرة أي «توك توك» يُضبَط مخالفاً لهذا القرار، بدءاً من يوم السبت 10 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

ويأتي قرار حظر سير «التوك توك» في هذه الطرق في إطار جهود تبذلها الجهات المعنية لفرض الانضباط المروري، وتحسين السيولة المرورية في الشوارع الرئيسية والطرق الحيوية، لتخفيف التكدسات وحماية المواطنين.

وكان محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، قد أصدر قراراً العام الماضي بحظر سير مركبات «التوك توك» في جميع الشوارع والمحاور الرئيسية بالعاصمة المصرية، وبأن يقتصر تسييرها على الطرق الفرعية فقط. وأوضح المحافظ -في بيان- أن رؤساء الأحياء سيتولون إعداد قائمة تفصيلية بالطرق والمحاور الرئيسية التي يُمنع فيها سير «التوك توك» داخل نطاق كل حي، لتكون مرجعاً معتمداً للحملات المرورية خلال تنفيذ القرار.

«التوك توك» يأخذ سمات استعراضية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

كما أكد المحافظ ضرورة التنسيق بين رؤساء الأحياء والإدارة العامة للمرور، لتنفيذ حملات يومية لضبط المركبات المخالفة.

وكانت الإدارة العامة للمرور بوزارة الداخلية قد أعلنت ضبط عدد من المركبات المخالفة في طرق رئيسية.

كما أعلنت «الداخلية» أنه في إطار كشف ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي، تضمَّن قيام قائد مركبة «توك توك» بالسير عكس الاتجاه بأحد الطرق بالقاهرة، معرضاً حياته وحياة المواطنين للخطر، تم تحديد وضبط مركبة «التوك توك» الظاهرة بمقطع الفيديو، وقائدها (سائق مقيم بدائرة قسم شرطة المقطم)، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة خلال سيره بأحد الطرق بدائرة قسم شرطة المقطم لاختصار الطريق.

وتواصل وزارة الداخلية حملاتها المرورية بجميع الطرق والمحـاور على مستوى الجمهورية. وتمكنت خلال 24 ساعة من ضبط أكثر من 109 آلاف مخالفة مرورية متنوعة، أبرزها (السير من دون تراخيص، وتجاوز السرعة المقررة، والانتظار العشوائي، والتحدث في الهاتف المحمول أثناء القيادة، ومخالفة شروط التراخيص).

مخالفات «التوك توك» في القاهرة (وزارة الداخلية)

وتمثل مركبات «التوك توك» حالة خاصة في الشارع المصري، فبينما لا يوجد إحصاء دقيق لعدد هذه المركبات، فالمرخص رسمياً منها ما بين 186 ألفاً و219 ألف مركبة، في حين يتراوح العدد الفعلي الكلي وفق تقارير مختلفة وبيانات رسمية وآراء خبراء ما بين 3 و5 ملايين مركبة.

وأثار وجود «التوك توك» في الشارع المصري كثيراً من القضايا والمشكلات؛ خصوصاً مع تورط عدد من سائقيه في جرائم مختلفة على فترات زمنية متباعدة.

ووجَّه رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، قبل سنوات، بالبدء في برنامج لإحلال سيارات آمنة ومرخصة محل «التوك توك»، مثل «الميني فان» التي تعمل بالغاز الطبيعي، على أن تتبنى وزارة المالية والجهات المعنية تنفيذ هذا البرنامج، مثلما تم سابقاً مع سيارات «التاكسي» القديمة؛ إذ حلَّ محلها «التاكسي الأبيض».


«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
TT

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

أعادت مشاهد غناء أطفال كوريين أغنية «فيها حاجة حلوة» باللغة العربية، واستحضار رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم أسماء رموز فنية مصرية، خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى البلدين، النقاش حول دور «القوة الناعمة» المصرية في تعزيز علاقات مصر بالدول الآسيوية، ومدى قدرتها على استثمار رصيدها الثقافي والتاريخي وتطوير أدوات حضورها الثقافي المعاصر.

وفي العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم، وذلك خلال مراسم الاستقبال الرسمية التي أُقيمت في القصر الرئاسي الكوري، الخميس الماضي، بحضور الرئيس الكوري لي جاي ميونغ.

وقدّم الأطفال الأغنية باللهجة المصرية، في مشهد تفاعل معه الرئيس السيسي بالتصفيق، كما صافح عدداً منهم. وجاءت الفقرة الغنائية ضمن مراسم استقبال رسمية شملت عزف السلامين الوطنيين واستعراض حرس الشرف، قبل انطلاق مباحثات تناولت سبل تعزيز التعاون بين البلدين.

وفي ماليزيا، اتخذ حضور القوة الناعمة المصرية صورة مختلفة خلال زيارة السيسي، التي تضمنت لقاءات مع الملك السلطان إبراهيم ورئيس الوزراء أنور إبراهيم، السبت، إذ استحضر الأخير رموزاً مصرية خلال حديثه عن معرفة الماليزيين بمصر وتاريخها، من توت عنخ آمون والفراعنة، وجمال عبد الناصر إلى أم كلثوم، قبل أن يمازح ضيفه بالإشارة إلى الفنانة سامية جمال.

وأعادت الإشارة إلى سامية جمال، التي رحلت عام 1994، التذكير بعصر ازدهار السينما المصرية، حين تجاوزت شهرة نجومها حدود العالم العربي، ومن بينهم سامية جمال، التي جمعت بين التمثيل والرقص والاستعراض، وشاركت في أعمال سينمائية عالمية، وقدمت عروضاً خارج مصر.

وامتدت الجولة إلى إندونيسيا؛ حيث وصل السيسي إلى جاكرتا، السبت، في زيارة رسمية تضمنت لقاءً مع الرئيس برابوو سوبيانتو في قصر «ميرديكا» الرئاسي، ومباحثات بشأن تعزيز الشراكة بين البلدين. وتكتسب المحطة الإندونيسية خصوصية ثقافية، بالنظر إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، والدور الذي لعبه الأزهر الشريف في التواصل مع المجتمع الإندونيسي على مدى عقود.

ويرى الكاتب والناقد المصري سيد محمود أن «الوعي بأهمية الدبلوماسية الثقافية، أو ما يُعرف بالقوة الناعمة، أصبح ركيزة أساسية في العلاقات الدولية»، مشيراً إلى أن مصر امتلكت أدوات لتعزيز مكانتها الثقافية منذ العصر الملكي، قبل أن يستثمر فيها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بقوة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن «القوة الناعمة» أو «القوة الذكية» لا ينفصل عن الثقافة والفنون، بل يمتد كذلك إلى المؤسسات الدينية والتعليمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، الذي «ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مؤسسة دينية فحسب، وإنما من أدوات الدبلوماسية الثقافية المصرية»، لافتاً إلى ارتفاع أعداد الطلاب الوافدين من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا لدراسة العلوم الشرعية في مصر.

من جانبه، يرى الكاتب والباحث الثقافي الدكتور أحمد إبراهيم الشريف أن «المشاهد التي صاحبت الجولة الآسيوية تكشف عن قدرة الفنون على صناعة حضور لمصر في وجدان شعوب بعيدة»، عادّاً أن «غناء الأطفال الكوريين واستدعاء رئيس الوزراء الماليزي أسماء، مثل أم كلثوم وسامية جمال، يعكسان تأثيراً ثقافياً تراكم عبر عقود».

وذكر الشريف لـ«الشرق الأوسط» أن العلاقات المصرية الآسيوية اكتسبت زخماً خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، خصوصاً مع مؤتمر «باندونغ» عام 1955، بالتوازي مع انتشار السينما والأغنية المصرية، وأسماء مثل إسماعيل ياسين وأم كلثوم، ما جعل الثقافة جزءاً من معرفة هذه الشعوب بمصر، إلى جانب حضورها السياسي والحضاري.

ويرى أن «التحرك المصري نحو آسيا اليوم يتيح فرصة لتعزيز العلاقات القائمة، واستثمار الرصيد الثقافي عبر الترجمة والسينما والموسيقى والتبادل الثقافي، بما يسمح بتقديم مصر المعاصرة إلى جانب تاريخها الطويل».

ويستشهد الناقد المصري سيد محمود بما رصده خلال تجوله المتكرر في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، من «تزايد ملحوظ في أعداد الطلاب القادمين من إندونيسيا وماليزيا وجنوب شرق آسيا خلال السنوات العشر الأخيرة»، لكنه يتساءل عن «مدى انخراط هؤلاء الطلاب في المجتمع المصري، وتعرّفهم إلى ثقافته المعاصرة خارج نطاق دراستهم الدينية وتجمعاتهم الخاصة».

ويلفت محمود إلى أن المشكلة تكمن في «وقوفنا عند الماضي، وعدم قدرتنا على تجديد حضورنا الثقافي»، مشدداً على أن «الدبلوماسية الثقافية عمل في الاتجاهين، وليس في اتجاه واحد»، ومنتقداً الاكتفاء بالتأثير في الآخرين من دون اهتمام مماثل بالتعرف إلى ثقافاتهم.

ويؤكد أن تطوير «القوة الناعمة» المصرية يتطلب تجاوز الحنين إلى الماضي، وبناء علاقات ثقافية تقوم على المعرفة المتبادلة والانفتاح، بما يُعزز قدرة مصر على التأثير الثقافي خارج حدودها.


«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
TT

«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)

في وقت يتزايد فيه الاهتمام البريطاني «بنسيج بايو» الشهير، تسعى بلدة «هايهام فيريرز» الصغيرة، في مقاطعة نورثهامبتونشير بوسط إنجلترا، إلى جذب الأنظار نحو تحفتها الفنية الخاصة، التي توثق تاريخها ومعالمها المعمارية بخيوط التطريز وقطع القماش، حسب «بي بي سي» البريطانية..

ويحمل العمل اسم «مابستري» (Mapestry)، ويبلغ طوله 1.5 متر، وقد صُنع من مواد معاد تدويرها، بمبادرة من فاي كاديك، معلمة الفنون المتقاعدة، وبمشاركة مجموعة من صديقاتها يُطلقن على أنفسهن اسم «فتيات المواد» (The Material Girls). واستغرق إنجازه ثلاث سنوات، بدأت عام 2009.

وتقول ليز بارنات، رئيسة الشراكة السياحية والمجتمعية في البلدة، إن العمل يمثل وسيلة مبتكرة للتعريف بتاريخ هايهام فيريرز، مضيفة: «قلنا للجميع: هذا هو نسيج بايو الخاص بنا. إنها طريقة رائعة للترويج لبلدتنا وإبراز كيفية إنتاج هذا العمل».

وتوضح بارنات أن القائمين على الترويج السياحي تحركوا سريعاً بعدما علموا بأن نسيج بايو سيُعرض في لندن، أملاً في الاستفادة من الاهتمام الذي يحظى به هذا العمل التاريخي.

ويستعرض «مابستري» عدداً من أبرز معالم البلدة، من بينها كنيسة سانت ماري، ودار بيد، وساحة السوق، و«بيلجيوم هاوس»، وكلية تشيتشيلي، وحانة غريفين، في لوحة تجمع بين الحرف اليدوية والذاكرة المحلية.

وجاءت فكرة العمل من أمينة المكتبة لين كيرنوت، قبل أن تتولى كاديك تصميمه وتحديد تفاصيله وتوزيع عناصره. وعُرض للمرة الأولى في مكتبة البلدة، ثم نُقل إلى مدرسة هنري تشيتشيلي الابتدائية، حيث تعرض للتآكل بفعل الاستخدام والعوامل الجوية، ما دفع مجلس البلدة إلى استعادته.

وأشرفت كاديك على ترميمه في عملية استغرقت ستة أشهر، قبل نقله إلى كنيسة هوب الميثودية، التي وفرت مساحةً مناسبةً لعرضه في بهو المدخل. ووُضع العمل داخل إطار، وكُشف عنه للجمهور في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وقال متحدث باسم مجلس البلدة إن «مابستري» يحتفي بتاريخ هايهام فيريرز عبر الأقمشة والخيوط والتطريز، مشيراً إلى أن إنجاز هذه التحفة الفنية تطلب سنوات من العمل وآلاف الغرز.

وهكذا، تقدم البلدة روايتها الخاصة للتاريخ، لا عبر الكلمات وحدها، بل من خلال نسيج فني يحول معالمها القديمة إلى حكاية تنبض بالألوان والخيوط.