«تغريبة القافر»... أسطورة المكان والسيول في قرية عُمانية

«تغريبة القافر»... أسطورة المكان والسيول في قرية عُمانية

الخميس - 14 محرم 1444 هـ - 11 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15962]

في روايته الجديدة «تغريبة القافر» الصادرة عن دار «مسكيلياني» بتونس، يرسم الكاتب والشاعر العماني زهران القاسمي أسطورة البشر والمكان في قرية عمانية تضج بالغرائبية، وبخاصة العلاقة المتوترة مع الطبيعة والتعامل مع الماء باعتباره كلمة سر الوجود والحياة، فنقصه يعني الجفاف وهلاك الزرع والضرع، أما زيادته فتعني سيولاً وأعاصير تكنس الإنسان والحيوان في طريقها!
تستيقظ القرية على نداء مفزوع يعلن موت أحدهم غريقاً في أحد آبار القرية. يتجمع البسطاء خائفين على أولادهم ثم يتبين أن ضحية البئر العميقة هذه المرة هي «مريم بنت حمد ود غانم» التي أصابها ما يشبه لوثة في أيامها الأخيرة؛ على إثرها عانت من ألم غير مسبوق في رأسها وفشلت جميع الأدوية والوصفات الشعبية في إنقاذها، باستثناء قِرب المياه التي كانت بمثابة العلاج الوحيد القادر على تخفيف الألم، لتنتهي بها الحال إلى هذه النهاية الحزينة. تلاحظ «كاذية بنت غانم» أن الميتة حامل في طفل فتواتيها الشجاعة لتقرر فتح بطن الأم واستخراج الجنين ليكبر بعد أن تجد له أماً بديلة ترضعه حليب صدرها. يكبر الطفل «سالم» ليصبح أسطورة تصنع أساطير، و«القافر» صاحب «التغريبة» المفتوحة على براح المجهول.
تتحول علاقة البطل العضوية بالماء إلى أسطورة، يتردد صداها على ألسنة أهل القرية، فقد أوتى معجزة خاصة، تتمثل في القدرة على معرفة أماكن الماء في باطن الأرض. انتشى القرويون برذاذ الأسطورة الوليدة وأحاطوها بمزيد من الهواجس والخرافات: «وانتشر الخبر، كما الحريق عندما يحدث أن يبدأ من شرارة في كومة ليف فتأخذ نسمة هواء خفيفة الشرارات إلى الأشجار والمزروعات الأخرى، وفي لحظة قصيرة من الزمن يتوهج المكان بالحريق فلا يبقي ولا يذر».
استعاد الناس حادثة غرق أمه وقالوا إن سكان البئر التحتيين أخذوا جنينها وأبدلوه بابنهم. وهناك من اتهمه بالسحر «وقالوا سيكبر وسيسحر الكبير قبل الصغير».
من الجوانب اللافتة في النص، وصف المؤلف لسيول عمان وماذا تفعل بالبسطاء من سكان القرى: «فالشمس ترتفع قليلا وتصل أعلى الجبال، تزحف ناحيتها من الجنوب سحابة رمادية داكنة، ليست كبيرة جداً لكنها كفيلة بأن تحجب ضوء الشمس، تزداد برودة الريح وتصبح رطبة وكأنها محملة بالماء البارد. يتحول الصيف فجأة إلى شتاء قارس، تزمجر الرياح الباردة في الحواري وبين الجبال، فيهرب الناس إلى بيوتهم ليحتموا بها، لكن الريح عاتية، فيسقط بعض النخل وتتكسر أغصان الأشجار الكبيرة، وتكاد أسطح المنازل أن تسقط على ساكنيها. تظلم الدنيا ويهبط الضباب على رؤوس الجبال، ويبدأ المطر ينهمر بشدة وكأن السماء قد دلقت نفسها على القرية. تجرف السيول البساتين وتذوب جدران البيوت الطينية فتتساقط الأسطح، ويهرب الناس بأمتعتهم وطعامهم إلى مغاور الجبال ويحتموا بالكهوف الكبيرة لعدة أيام، ويبقون هناك يراقبون الماء وهو يغمر البلدة ويأخذ في طريقه كل شيء، فتصير بيوتهم أثراً بعد عين».
تتسم اللغة في الرواية بالتدفق والانسيابية، تشبه الماء في قدرته على تحريك الأحداث بقوة، لكن بعض المفردات والتعبيرات ذات اللهجة الدارجة تقف عائقاً في فهم المعنى المراد، ودلالته الرمزية.
تقع الرواية في 228 صفحة من القطع المتوسط، وصدر لزهران القاسمي من قبل روايات «جبل الشوع» و«القناص» و«جوع العسل»، وفي الشعر صدر له عدد من الدواوين أبرزها «أمسكنا الوعل من قرونه» و«رحيق النار» و«مراكب ورقية».


كتب

اختيارات المحرر

فيديو