«حب عتيق»... المكان بطلاً روائياً

تكشف العلاقات الإثنية والثورية لمدينة عراقية في خمسينات القرن الماضي

«حب عتيق»... المكان بطلاً روائياً
TT

«حب عتيق»... المكان بطلاً روائياً

«حب عتيق»... المكان بطلاً روائياً

رواية «حب عتيق» للروائي علي لفتة سعيد، الصادرة عام 2021 والحائزة على المرتبة الثانية لجائزة (توفيق بكار، للرواية العربية في تونس عام 2020)، هي رواية استثنائية من جميع الأوجه. فهي عن مكان ريفي وفلاحي، وتحديداً مدينة سوق الشيوخ «في الناصرية». وربما تؤشر عتبة الإهداء إلى هذه الحقيقة: «إليها يتجه الكلام: سوق الشيوخ»، لكنها أيضاً كناية مصغرة عن العراق، لذا فهي لا تنهض على شخصية مركزية محدودة، بل تنطوي على تعدد صوتي. والسرد فيها غالباً ما يغور في التاريخ، لكنه تاريخ غير رسمي، وهذا ما عبّرت عنه بوضوح العتبة النصية الرئيسية للرواية، والتي أعلن فيها الروائي عن رؤيته لكيفية التعامل مع التاريخ في هذه الرواية، إذْ يقول:
«لست هنا معنياً بالتاريخ، بوصفه أرشفة وأرخنة، أو معنياً بالحقيقة المطلقة، بل بالحقيقة المتخيلة التي تصنع عالماً آخر، يحمل قصديته معه، من مدينة وجدت نفسها في وسط صناعة التاريخ الذي أهملها» (ص 9).
هذا المنظور يجعل الرواية تنضوي تحت مظلة رواية ما بعد الحداثة في التعامل مع التاريخ بوصفه تخييلاً وبنية سردية افتراضية، وربما وفق ما قاله الناقد الأميركي هيدن وايت الذي ينظر إلى التاريخ بوصفه سرداً.
ومن جهة أخرى يمكن أن تعد هذه الرواية متحفاً للمأثورات والحكايات والشخصيات والمظاهر الأنثروبولوجية الاجتماعية التي كانت تشكل النسيج الاجتماعي الجواني لقاع المدينة. ولهذا يمكن النظر إليها بوصفها نموذجاً موفقاً لما يُصطلح عليه في النقد الثقافي بالسرد الثقافي، لأننا يمكن أن نتعرف من خلالها على صور الحياة المتنوعة، ونمط العلاقات والقيم السائدة والتشكيلات الإثنية والمعرفية، والإرهاصات الأولى للحركات الثورية. والمتن الروائي يركز على فترة الخمسينات من القرن الماضي وصولاً إلى عام 1958، لكنه غالباً ما يعود بالذاكرة من خلال مرويات وشهادات واستذكارات أبطالها إلى مراحل تاريخية أقدم تعود إلى فترة الحكم العثماني (العصملي) وتحديداً قبيل الحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني للعراق عام 1917، كما تتوقف عند ثورة العشرين وانتفاضة سوق الشيوخ عام 1935.
وهكذا فمدينة «سوق الشيوخ» التي هي كناية عن الناصرية، وربما كناية عن العراق بكامله، هي بنية مكانية مولِّدة للأحداث في الرواية. وهناك تنوع كبير في أنماط الشخصيات والنماذج البشرية، ففيها تتمثل جميع المكونات الاجتماعية والعشائرية والمذهبية والدينية التي يحفل بها المجتمع العراقي. إذ يحتل المسلمون، السنة والشيعة، الأغلبية، يتلوهم الصابئة المندائيون، كما تضم المدينة عدداً من المسيحيين يمثلهم «جورج» بائع المشروبات. فضلاً عن ذلك تضم المدينة عدداً من اليهود الذين يمتلكون كنيسهم الخاص ويمثلهم في الرواية «جاجو» البقال المشهور في المدينة.
وتلتقط الروايات نماذج نوعية ممثلة لثقافة المدينة من خلال التركيز على الثلاثي (عبيّس، ونعيّم، وستار) والثلاثي (نعمان، ومحمود، وسعد). الأول يميل إلى البساطة والتلقائية ويضم شخصيات شعبية قريبة من القاع الاجتماعي، في مقدمتها شخصية «عبيس» الذي يعدّ ذاكرة المدينة، و«ستار» الذي يمتلك صوتاً غنائياً عذباً. وكذلك شخصية «نعيّم»، الذي تشكل حكايته حبكة سردية أساسية لأنها تستمر لفترة زمنية طويلة. فهو ابن «الشيخ كاصد» الذي تهابه العشائر، لكن «نعيم» وهو شيخ شاب نزق في الثلاثينات من عمره وقع في حب «بدرية» التي اشترطت لقبوله زوجاً لها شرطاً قاسياً وغريباً، وهو أن يجمع مهرها الثقيل من التسول. وقد قبل «نعيّم» بهذا الشرط وبحضور «الملا يوسف» الذي كان ضامناً له. وهكذا تحول نعيّم إلى متسول يجوب الأزقة والمقاهي ويتلقى سخرية الأطفال والكبار معاً، لكنه ينجح في النهاية في جمع المهر، ويطالب بحقه في تنفيذ الوعد، لكن «بدرية»، وهي امرأة ذكية وتوصف بأن لها عقلاً يزن بلداً، تقدم شرطاً أخيراً للقبول بـ«نعيّم» يتمثل في عزوفه نهائياً عن «سُبّة» التسول التي تجذرت في سلوكه، لكن «نعيّم» يُخفق هذه المرة في الامتحان وينفلت من الجمع وهو يطلق توسله «من مال الله. عندي عرس وأريد فلوس» (ص 131).
وهكذا ينتهي حلم «نعيّم» الرومانسي بالزواج من فتاة أحلامه «بدرية». وهذا الثلاثي اعتاد أفراده الغناء والرقص على ضفة نهر الفرات ليلاً، وتعلو أصواتهم بالغناء الممزوج بالتأوهات والبكاء، لتسمعه المدينة في صوبيها، وبشكل خاص «بدرية» التي يثير لديها الإحساس بالأسى والندم، لأنها كانت السبب في وصول «نعيّم» إلى هذه الحالة المزرية الميؤوس منها. وأنا أرى أن هذا الثلاثي يمثل أحياناً نموذج الشخصية «الزوربية»، التي تعرّفنا إليها في رواية «زوربا» للروائي اليوناني كازانتزاكي. كما أن هذا الثلاثي قريب مما تسمى في الميثيولوجيا الإغريقية النزعة «الديونيزوسية» المشتقة من اسم الإله «ديونيزوس» أو الإله «باخوس»، إله الربيع والخصب والموسيقى، وهو يدعو إلى ممارسة كل ما هو حسّي ودنيوي وجسدي، بعيداً عن صحوة العقل وحسابات المنطق. أما الثلاثي الروائي الآخر الذي يضم «أمين، ومحمود، وسعد» فيمثل النقيض المقابل للنزعة «الديونزوسية». ذلك أنه يتميز بالميل إلى العقلانية والتفكير المنطقي المتوازن، والحس السياسي مما يجعله شبيهاً بالنزعة «الأبولونية» في المثيولوجية الإغريقية، نسبةً إلى الإله الإغريقي «أبولو»، إله النور والعقل والذي يدعو إلى التفكير العقلي المنطقي المنضبط.
وتضم الثلاثية الأبولونية في الرواية شخصيات مهمة، لها تأثيرها في حياة المدينة ونهوضها، هي: شخصية «نعمان» مدرس اللغة العربية في المدينة، وخريج دار المعلمين العالية ببغداد وهو مثقف يساري وشاعر، وعاشق لفتاة مسيحية اسمها «تانيا»، كما أنه واحد من مثقفي المدينة الذين تأثروا منذ كان طالباً في الجامعة، بالفكر الثوري، الذي راح يروّج له بين الشباب، ويعمل من أجل تحقيق تغيير اجتماعي ثوري يُخرج المجتمع من سكونيته وتخلفه، وهو ما تحقق فعلاً في نهاية الرواية عندما حصل مثل هذا التغيير الثوري عام 1958، فضلاً عن ذلك فقد كان «نعمان» يفكر بكتابة رواية عن المدينة، مما يشير إلى الجوهر الميتاسردي في الرواية. أما الشخصية الثانية فهي شخصية «محمود» وهو صابئي مندائي، يحمل أيضاً مثل «نعمان» أفكاراً يسارية ثورية. لكن مشكلته تكمن في أنه يعشق فتاة مسلمة اسمها «رزيقة» حيث يَحول التباين الديني بينهما دون تحقيق مثل هذا الحلم المستحيل. أما الشخصية الثالثة فهي شخصية «سعد» الذي يمتلك هو الآخر، فضلاً عن ميوله اليسارية، قصة مؤلمة عن حياته وأسرته، راح ضحيتها عدد من أفراد أسرته، أخذ يسردها على صديقيه «نعمان» و«محمود» اللذين قاما وفي أوقات متباينة، برواية قصص حبهما ومعاناتهما في الحياة. ولعبت الذاكرة دوراً مهماً في هذا السرد الاستذكاري الذي قدمته هذه الشخصيات الثلاث.
ومن الناحية الفنية يغلب السرد «المبأر» على الرواية، ففي الاستهلال، نجد «بدرية» وهي تتفاعل مع غناء «عبيس» و«ستار» و«نعيم» من خلال مونولوج داخلي عبر توظيف «أنا الراوي الغائب» بتعبير تودوروف:
«منذ أن سمعت صوته، وهو يغنّي على جرف النهر، لم يستكن قلبها، ولم يدر بخلدها أن هذا الغناء العذب سيعيدها إلى ذاكرة مكلومة» (ص 11).
كما أن الكثير من المرويات عن تاريخ المدينة تقدَّم بطريقة فنية مبأرة، إما عن طريق المنولوجات الداخلية للشخصيات الروائية، وإما من خلال حوارات درامية بينها نجد ذلك في حوار «رسول» مع زوجته «بدرية» عن تاريخ مدينة سوق الشيوخ:
«هذه المدينة قديمة، قبل أن يحتلها العصملية والإنجليز، وهي جزء من سومر» (ص 27)، لكن الرواية انطوت من الجانب الآخر، من الناحية السردية على مقاطع كثيرة تنتمي إلى السرد كليّ العلم، كما نجد ذلك في المثال التالي:
«لا أحد في المدينة لا يعرف عبيّس، كان الأشهر حتى من شيوخ العشائر، ومعارفه من الرجال الفقراء والنساء والأطفال، بل حتى الطبقة العليا من المجتمع» (ص 19).
وكان بإمكان الروائي أن يبث مثل هذا السرد كليّ العلم من خلال وعي أو رؤية شخصية روائية مشاركة لتتحقق عملية التبئير الفني في السرد، والتخلص من المباشرة التي يمليها السرد العليم، وهو أمر لم يخلُ بصورة واضحة من الطبيعة الفنية للسرد المبأر الذي يهيمن على الرواية.
لقد نجحت الرواية في أن تقدم معالم مثيرة لمدينة سوق الشيوخ، بخاصة عالمها الريفي الزراعي، وتقاليدها العشائرية الصارمة، وهو موضوع قلما اقتربت منه الرواية العراقية التي ظلت شخصياتها مدينية مأخوذة من المدينة الحديثة، وهو ما يمنح هذه الرواية خصوصية وتفرداً. ولأن الرواية تمتلك كل الثراء التاريخي والميثولوجي والروحي، نراها وقد تحولت لدى أبنائها إلى حب من نوع خاص، هو ما عبّر عنه عنوان الرواية «حب عتيق» ففي الحوار المحتدم بين «نعمان» و«محمود» و«سعد» حول تعلقهم، حد العشق، بمدينتهم، وتضحيتهم بمصالحهم وعواطفهم الشخصية، مثلما فعل «نعمان» عندما رفض أن يهجر مدينته من أجل حبيبته «تانيا» التي رفضت الذهاب معه إلى سوق الشيوخ، واقترحت عليه الهجرة خارج العراق. ونكتشف خلال ذلك انهماك «نعمان» بجمع المرويات والوقائع عن تاريخ المدينة وأناسها لغرض كتابة رواية عنها. ويرى «محمود»، وهو يؤيد صديقه «سعد»، أن يقوم «نعمان» بكتابة قصة حب «نعيم» لـ«بدرية» وقصة حبهم جميعاً لمدينتهم لتكون قصة هذا «الحب العتيق» أو «المعتق»:
«لكن محموداً، وهو يؤيد ما قاله سعد، طالب نعمان بإكمال قصة نعيم، وأن تكون القصتان المميزتان حكاية المدينة، قصة الحب العتيق الذي يبدأ بذاته، وينتهي بطرق مختلفة» (ص 166).
ومن هنا نكتشف دلالة العنوان في الرواية، ذلك أنه يدمج بين الخاص والعام في قصة حب «نعيم» الأسطورية، وقصة حبهم جميعاً لمدينتهم سوق الشيوخ التي أورثتهم هذا الحب العتيق الأزليّ.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».