من يسدد ثمن «فاتورة الدم» في ليبيا؟

«القوات المشتركة» التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة تتجمع داخل مطار طرابلس الدولي المغلق في 25 يوليو (أ.ف.ب)
«القوات المشتركة» التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة تتجمع داخل مطار طرابلس الدولي المغلق في 25 يوليو (أ.ف.ب)
TT

من يسدد ثمن «فاتورة الدم» في ليبيا؟

«القوات المشتركة» التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة تتجمع داخل مطار طرابلس الدولي المغلق في 25 يوليو (أ.ف.ب)
«القوات المشتركة» التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة تتجمع داخل مطار طرابلس الدولي المغلق في 25 يوليو (أ.ف.ب)

يثير تكرر الاشتباكات الدامية بين التشكيلات المسلحة في العاصمة الليبية طرابلس، وما تخلفه من قتلى وجرحى، عدة تساؤلات عن مدى قدرة السلطات الأمنية والقضائية على محاسبة هذه الميليشيات عن دورها في إشاعة الفوضى في البلاد؟ ومتابعة من يتحمل «فاتورة الدماء» التي تسقط من حين لآخر.
وفور اندلاع الاقتتال الأخير بين ميليشيات تابعة للسلطة التنفيذية المؤقتة في ليبيا، طالب سياسيون باعتقال اثنين من أمرائها، وهما عبد الرؤوف كاره قائد «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» التابع للمجلس الرئاسي، وأيوب أبوراس قائد كتيبة «ثوار طرابلس» آمر جهاز الحرس الرئاسي، وإحالتهما إلى النائب العام. ومع تساقط الضحايا سارع سامي الساعدي، القيادي السابق بـ«الجماعة الليبية المقاتلة»، للتأكيد على أنه إذا «لم يُحاسب المسؤولون عن قتل 16 شخصاً في طرابلس، فستدخل البلاد في الدوامة التي كانت قد بدأت في الخروج منها».
ورصدت وزارة الصحة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، سقوط 16 قتيلاً و52 جريحاً جراء الاشتباكات التي شهدتها العاصمة، بين «قوة الردع الخاصة» والحرس الرئاسي. وقال أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، إن هناك مطالبات عديدة بضرورة محاسبة هذه التشكيلات المسلحة عما ترتكبه من أعمال تضر بالمواطنين، لكنه أرجع أسباب عدم تلبية هذه المطالب إلى «ضعف الآليات الدولية، وعدم التعاطي الجدي والسريع مع متطلبات المرحلة، وتعزيز الجهود الوطنية في المساءلة ووقف الإفلات من العقاب». وأضاف حمزة لـ«الشرق الأوسط»: «كان لزاماً على المجتمع الدولي العمل سريعاً لدعم جهود عدم الإفلات من العقاب، وتعزيز سيادة القانون في ليبيا منعاً لتجدد الاشتباكات وأعمال العنف بحق المدنيين والأبرياء، الذين يدفعون ثمن هذه النزاعات المسلحة»، ورأى أن «قضاء بلاده يعاني تحديات جساماً في ظل حالة استثنائية مع انتشار للسلاح، وسلطات الأمر الواقع، التي تفرض سيطرتها، مما يعوق عمل السلطات القضائية الليبية»، معتبراً أن «القضاء في ليبيا بحاجة إلى التعاون مع نظيره الدولي، بغية تعزيز سيادة القانون، وإنهاء الإفلات من العقاب». كما حمل «أطراف النزاع المسلح ومكتب القائد الأعلى للجيش الليبي، ممثلاً في المجلس الرئاسي، المسؤولية القانونية الكاملة حيال ما يترتب على هذه الاشتباكات المسلحة».
في السياق ذاته، عبّر مواطنون ليبيون عن غضبهم من تكرار هذه الصدامات والاشتباكات، وقال الشاب عادل القاضي، إن «شباناً صغاراً باتوا يسيطرون على عاصمة البلاد من خلال مجموعة من التشكيلات المسلحة، المنتشرة وسط أحياء سكنية، وتتسابق الحكومات المتعاقبة لكسب رضاهم».
وسبق لعضو مجلس النواب الليبي عز الدين قويرب، تحميل فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي السابق، «أكبر قدر من المسؤولية عما سماه بـ(العبث) الحاصل في طرابلس»، وقال: «السراج هو من استعجل الدخول إلى العاصمة بمساعدة باولو سيرا، وميع بنود الترتيبات الأمنية».
كان السراج قد دخل العاصمة طرابلس عبر البحر، بمساعدة ميليشيات مسلحة، ليمارس مهامه من «قاعدة أبو ستة» البحرية، وذلك لمواجهة رفض ميليشيات عارضت دخوله العاصمة.
من جهته، قال عمر النعاس، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي، إن ما حدث في طرابلس خلال الأيام الماضية «نتاج للفوضى المسلحة، وانتشار السلاح دون سلطة رقابية فعلية»، ورأى أن هذه الأمور «تم حسمها في مشروع الدستور من خلال نصوص حاكمة ملزمة للكافة، حيث تنص المادة 177 على أن الدولة هي التي تحتكر السلاح من خلال المؤسستين العسكرية والأمنية، وعلى حظر كل الأشكال والمظاهر المسلحة الأخرى».
وأضاف النعاس في تعليق على ما يجري من اشتباكات: «أعتقد أنه لو تم تفعيل مشروع الدستور منذ سنة 2018 بعد صدور قانون الاستفتاء، لكانت ليبيا دولة قانون ومؤسسات، ولتجاوزت مرحلة فراغ السلطة والفوضى والفساد، التي ظهرت جلياً خلال المرحلة الانتقالية التي طالت، ولا يريد المستفيدون منها لهذه المرحلة أن تنتهي».
وتكبدت ليبيا خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات الخاصة والعامة جراء الاشتباكات المسلحة التي تتجدد في العاصمة من وقت لآخر، إما بهدف توسيع النفوذ على الأرض، أو على خلفيات سياسية وانحيازات جهوية منذ سقوط النظام السابق، لكن ذلك يمر دون محاسبة وفقاً لسياسيين وحقوقيين ليبيين.


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

ليبيا: الدبيبة يتمسك بتعديل حكومته وسط رفض وزيرة تسليم منصبها

الدبيبة مع وزير الدولة الجديد لشؤون المهجرين جمال أبو بكر أبو قرين في طرابلس (حكومة الوحدة)
الدبيبة مع وزير الدولة الجديد لشؤون المهجرين جمال أبو بكر أبو قرين في طرابلس (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا: الدبيبة يتمسك بتعديل حكومته وسط رفض وزيرة تسليم منصبها

الدبيبة مع وزير الدولة الجديد لشؤون المهجرين جمال أبو بكر أبو قرين في طرابلس (حكومة الوحدة)
الدبيبة مع وزير الدولة الجديد لشؤون المهجرين جمال أبو بكر أبو قرين في طرابلس (حكومة الوحدة)

تمسك رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بالمضي قدماً في تنفيذ تعديلات على تشكيلة حكومته، وسط رفض صريح من وزيرة الثقافة المقالة مبروكة توغي، التي رفضت الانصياع لقرار إقالتها، مؤكدةً استمرارها في أداء مهامها لحين صدور إجراءات قانونية سليمة. وفي غضون ذلك تصاعدت حدة الخلاف بين عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، ونائبه الأول فوزي النويري، على خلفية محاولة صالح التنصل من قرار فرض الضريبة على استيراد السلع، في حين تعهد النويري باتخاذ الإجراءات القانونية، معرباً عن رفضه أي تلاعب بالمسؤولية.

وزيرة الثقافة المقالة بحكومة الوحدة مبروكة توغي ظلت تمارس عملها رغم تعيين وزير جديد (وزارة الثقافية الليبية)

وواصل الدبيبة تنفيذ تعديلاته الوزارية، حيث استقبل مساء الثلاثاء، في طرابلس، كلاً من جمال أبو بكر أبو قرين وزير الدولة لشؤون المهجرين وحقوق الإنسان، وحسني محمد عويدان وزير الموارد المائية، مشدداً على أن هذه التعديلات تهدف إلى تعزيز الأداء التنفيذي، معتبراً أن ملفي «حقوق الإنسان» و«الأمن المائي» يمثلان ركيزتين أساسيتين للاستقرار الوطني والتنمية المستدامة.

وسبق أن استقبل الدبيبة، مساء الاثنين، في طرابلس كلاً من وزير التربية والتعليم الجديد محمد عبد السلام القريو، ووزير الثقافة والتنمية المعرفية سالم مصطفى العالم، عقب مباشرتهما مهامهما رسمياً. لكن قرار تعيين وزير جديد للثقافة لم يمر بيسر، حيث تصدّت توغي للقرار بشكل عملي، رافضةً إقالتها، مما دفع قوات أمنية تابعة للحكومة إلى منعها من دخول مقر الوزارة بالعاصمة، الأربعاء، وهو ما أظهرها وهي تجادل عناصر الأمن دون أن تتمكن من دخول المبنى، حسب تسجيل مصور متداول.

وذهبت الوزيرة المقالة، في بيان، إلى اعتبار «أي تكليف خارج إجراءات التعديل الوزاري المعتمدة يعد مساساً بالشرعية، ويخلق ازدواجية إدارية ومالية قد تؤثر على عمل الوزارة». واستمرت في إدارة مهام الوزارة، بما في ذلك متابعة إدارة الكتاب والنشر والمطبوعات والمصنفات الفنية، بالإضافة إلى تشكيل لجنة احتفالية بـ«بنغازي عاصمةً للثقافة العربية» للعام الجاري.

وأشارت توغي إلى تأكيد رئيس المجلس الرئاسي أن أي تعديل في هيكل السلطة التنفيذية يجب أن يتم وفق المرجعيات الدستورية والاتفاق السياسي، وليس بفرض الأمر الواقع. كما دافعت عن فترة عملها السابقة، موضحةً أنها باشرت مهامها بإمكانات مالية شبه معدومة، كممثلة لفزان والجنوب الليبي داخل مؤسسات الدولة.

جلسة سابقة لمجلس النواب في بنغازي (إعلام المجلس)

ولم يكن المشهد البرلماني في شرق البلاد أقل سخونة، إذ تصاعد الخلاف بين عقيلة صالح ونائبه الأول فوزي النويري، الذي تعهد باتخاذ الإجراءات القانونية بشأن اتهام صالح له، واتهمه بالتنصل من المسؤولية عن القرار، موضحاً أن الجلسة التي ترأسها لم تناقش ملف الضريبة على الإطلاق، وأن السجلات شاهدة على ذلك.

وأكد صالح مساء الثلاثاء أنه لم يكن حاضراً وقت عرض هذا المقترح، وإقراره في جلسة 13 يناير (كانون الثاني)، مشدداً على أن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق النواب، الذين صوَّتوا بالموافقة في تلك الجلسة. وأضاف صالح موضحاً أن مطالبة النواب بالتراجع عن القرار ليست عيباً إذا تبين أنها لا تخدم مصلحة الوطن، مؤكداً ضرورة تحمل كل طرف مسؤولية عمله. وطالب محافظ المصرف المركزي بالالتزام بوقف فرض الضريبة على السلع الأساسية والاستهلاكية، مشيراً إلى أن القرار النهائي سيكون بعد التشاور مع الخبراء لضمان صدور قرار فني سليم، يخدم مصلحة المواطن.

ووصف صالح تحركات النواب بمحاولة للتملص من «مسؤولية عملهم»، مشيراً إلى أن قراراً بهذه الأهمية «يجب ألا يخضع للمزايدات، بل يجب أن يُفصل فيه داخل قاعة المجلس، وبمشورة الخبراء الاقتصاديين والماليين».

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لعقيلة)

إلى ذلك، بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، خلال اجتماعه مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، في طرابلس، العملية السياسية الشاملة لإنهاء حالة الانقسام وتوحيد المؤسسات، وإطلاق الحوار المهيكل، إضافةً إلى متابعة الأوضاع الاقتصادية، والتحديات المرتبطة بالإدارة المالية العامة، وتنسيق الجهود الدولية لدعم توحيد المؤسسات، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية مستدامة.

عسكرياً، سعت حكومة الوحدة إلى تعزيز التواصل العسكري مع باكستان، حيث ناقش مدير مكتب وزير الدفاع مع الملحق العسكري الباكستاني تحضيرات زيارة رسمية لوفد عن وزارة الدفاع ورئاسة الأركان، إلى جانب دراسة فرص التعاون المشترك في المجالات الدفاعية، الثلاثاء. كما استضافت الوزارة مسؤولين عسكريين من باكستان وتركيا على مائدة إفطار رمضانية، ضمن جهود تعزيز الشراكات الدولية، وتطوير المؤسسة العسكرية ودعم استقرار الدولة.


غرق ناقلة غاز قبالة سواحل ليبيا يجدد الجدل حول هشاشة الأمن البحري بالبلاد

انفجار ناقلة الغاز الروسية قبالة الساحل الليبي مساء الثلاثاء (لقطة مثبتة من تسجيل مصور)
انفجار ناقلة الغاز الروسية قبالة الساحل الليبي مساء الثلاثاء (لقطة مثبتة من تسجيل مصور)
TT

غرق ناقلة غاز قبالة سواحل ليبيا يجدد الجدل حول هشاشة الأمن البحري بالبلاد

انفجار ناقلة الغاز الروسية قبالة الساحل الليبي مساء الثلاثاء (لقطة مثبتة من تسجيل مصور)
انفجار ناقلة الغاز الروسية قبالة الساحل الليبي مساء الثلاثاء (لقطة مثبتة من تسجيل مصور)

تفاجأ الليبيون بغرق ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» قبالة سواحل بلادهم، عندما كانت متجهة إلى مصر، بعد اندلاع حريق هائل مساء الثلاثاء، أعقبته انفجارات عنيفة حولت مياه البحر إلى مشهد من الدخان واللهيب.

ورغم أن فرق الإنقاذ الليبية تمكنت من انتشال جميع أفراد الطاقم، البالغ عددهم 30 شخصاً، دون تسجيل أي إصابات، بينما غرقت السفينة بالكامل، فإن الرواية الرسمية الروسية عن استخدام زوارق بحرية أوكرانية جددت الحديث عن استيراد حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا لقدرات عسكرية أوكرانية مثل الطائرات المسيرة، وهو ما لم تنفِه الحكومة في صيف العام الماضي.

غرق ناقلة غاز قبالة سواحل ليبيا يعيد الجدل حول هشاشة الأمن البحري في البلاد (إ.ب.أ)

ويعزز هذا الحادث -حسب مراقبين- المخاوف من استخدام أراضي ليبيا كنقطة انطلاق لعمليات عابرة للحدود، وأعاد الجدل حول هشاشة الأمن البحري في البلاد، مع تنامي المخاطر البيئية والملاحية في المنطقة.

وحسب رواية مصلحة المواني والنقل البحري الليبية، في بيان رسمي، الأربعاء، فإن مركز البحث والإنقاذ تلقى مساء الثلاثاء نداء استغاثة من الناقلة «أركتيك ميتا غاز»، مشيرة إلى أن السفينة تعرضت «لانفجارات مفاجئة، أعقبها حريق هائل أدى في النهاية إلى غرقها بالكامل».

وحددت المصلحة موقع احتراق ناقلة الغاز «في المنطقة البحرية بين ليبيا ومالطا، داخل نطاق منطقة البحث والإنقاذ الليبية، على بعد نحو 130 ميلاً بحرياً شمال ميناء سرت، وهو موقع يعتبر حساساً من الناحية الملاحية».

ووفق البيانات الرسمية، فإن الناقلة كانت ترفع العلم الروسي، وهي ناقلة غاز طبيعي مسال بطول 277 متراً، وكانت تحمل نحو 62 ألف طن متري من الغاز الطبيعي المسال، في رحلة من ميناء مورمانسك شمال روسيا إلى ميناء بورسعيد المصري.

وأضاف البيان موضحاً أن مركز البحث والإنقاذ الليبي قام بتنسيق فوري مع نظيره في مالطا، وتم توجيه سفينة بضائع كانت الأقرب إلى موقع الحادث لتقديم المساعدة، وتمكّنت في الساعة 19:38 من مساء الثلاثاء من إنقاذ جميع أفراد الطاقم، مؤكدة أنهم «بصحة جيدة وتم تأمينهم على متن السفينة».

وأطلقت السلطات الليبية تحذيراً لجميع السفن العابرة من الاقتراب من موقع الغرق، نظراً لوجود حطام لم تُحدد أبعاده، أو عمق استقراره بعد، ما يشكل خطراً ملاحياً. كما أشارت إلى «احتمال تسرب شحنة الغاز أو الوقود من خزانات الناقلة، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر بيئية أو حرائق بحرية». وأكدت المصلحة أن «المنطقة تعتبر موقع حادث بحري جسيم، ويُحظر الاقتراب منها إلا لسفن الاستجابة المصرح لها»، داعية السفن المارة إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر.

رئيس حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

وفي مقابل التحذيرات الصادرة من جانب «مصلحة المواني»، طمأنت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية المواطنين والشركاء بأن الحادث «لا تأثير له مطلقاً» على سير إمدادات النفط والغاز، أو على عمليات تزويد السوق المحلية بالوقود. وأوضحت أن الناقلة ليست مرتبطة بها بأي شكل من أشكال التشغيل أو التعاقد، مشيرة إلى أنها كانت في رحلة عبور من روسيا إلى مصر عند وقوع الحادث. كما أكدت أن الجهات المختصة اتخذت كافة الإجراءات اللازمة لضمان سلامة الملاحة البحرية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والدولية، مع استمرار حركة الناقلات في المواني الليبية بشكل طبيعي ومنتظم، ورفع درجة الجاهزية والاستجابة تحسباً لأي تطورات.

وبموازاة محاولات الطمأنة الرسمية من جانب السلطات الليبية، فقد أعادت وزارة النقل الروسية اتهام مُسيَّرات بحرية أوكرانية في الهجوم على الناقلة، مؤكدة أن السفينة كانت تحت المراقبة حين انطلقت من ميناء مورمانسك.

وصنفت وزارة النقل الروسية ما حدث «عملاً إرهابياً وقرصنة بحرية دولية، وانتهاكاً صارخاً للقانون البحري الدولي».

وأعاد هذا الاتهام الحديث عن تقارير سابقة جرى تداولها في صيف العام الماضي، تشير إلى قيام حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا، تحت إشراف رئيسها عبد الحميد الدبيبة، بشراء طائرات مُسيَّرة أوكرانية لاستخدامها في النزاع ضد ميليشيات محلية، وهو أمر لم يصدر بشأنه أي رد رسمي من حكومة الدبيبة.

وفي ظل غياب الروايات الرسمية، فإن هذا المشهد لاقى اهتمام مدونين ونشطاء ليبيين، من بينهم محمد قشوط الذي قال عبر حسابه بموقع «فيسبوك»: «يبدو أن حكومة الدبيبة متورطة في استجلاب المُسيَّرات الأوكرانية، وإنشاء غرفة عمليات لها بالغرب الليبي».

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)

من جهته، علق المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني قائلاً إنه «لا يمكن تجاهل أن بعض الأطراف في ليبيا سبق أن اتُّهمت باستيراد مُسيَّرات حديثة من الخارج، بما فيها مُسيَّرات أوكرانية».

وذهب الترهوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى الاعتقاد بأن وجود هذه القدرات يجعل احتمال استخدام الأراضي الليبية كنقطة انطلاق لأي عمليات عابرة للحدود «أمراً لا يمكن استبعاده بشكل كامل، حتى لو لم تصدر أي جهة رسمية اعترافاً بذلك»، مشيراً إلى أن الانقسام العسكري والسياسي في البلاد يزيد من تعقيد المشهد، ومؤكداً أن أي استيراد أو استخدام للأسلحة أو الطائرات المُسيَّرة، يجب أن يرافقه إطار رقابي واضح لتجنب أن تتحول ليبيا إلى ملعب لتجارب، أو صراعات إقليمية ودولية لا تخدم أمنها وسيادتها.

يشار إلى أن هذه الحوادث ليست الأولى في المنطقة، فقد سبق أن تعرضت ناقلة النفط اليونانية «فالي مورا» منتصف 2025 لانفجار في غرفة المحركات، قبالة الساحل الليبي، كما غرقت في يناير (كانون الثاني) الماضي سفينة البضائع «ميني ستار»، على بعد 10 أميال بحرية شمال شرقي ليبيا نتيجة عواصف شديدة.


الجزائر لتحصين أنظمتها الدفاعية والأمنية من الاختراق والتجسس

من اجتماع عرض خطة تأمين الأنظمة المعلوماتية من الاختراق (وزارة الدفاع)
من اجتماع عرض خطة تأمين الأنظمة المعلوماتية من الاختراق (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر لتحصين أنظمتها الدفاعية والأمنية من الاختراق والتجسس

من اجتماع عرض خطة تأمين الأنظمة المعلوماتية من الاختراق (وزارة الدفاع)
من اجتماع عرض خطة تأمين الأنظمة المعلوماتية من الاختراق (وزارة الدفاع)

أعلنت الجزائر عن إطلاق «درع رقمية» لحماية أنظمتها المعلوماتية الحساسة، خصوصاً ما يتعلق بقضايا الأمن والدفاع. وتتكوّن هذه الدرع من «مجلس وطني للأمن السيبراني»، و«وكالة» متخصصة، حسبما كشف عنه مسؤول بارز بوزارة الدفاع، الثلاثاء.

قال العميد عبد السلام بلغول، مدير «الوكالة الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية»، خلال اجتماع بالعاصمة خصص لعرض «الخطة الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية»، التي تمتد إلى غاية 2029، أن الجزائر دخلت مرحلة «الحصانة الرقمية الشاملة»، مشدداً على أن أمن الأنظمة المعلوماتية «لم يعد مجرد خيار تقني، بل هو قلب السيادة الوطنية». وأشار إلى أن «الوكالة تعمل وفق رؤية استباقية، تهدف إلى كشف الهجمات السيبرانية قبل وقوعها، مع التركيز على حماية المؤسسات الحيوية للدولة من أي اختراق قد يعيق سيرها الحسن».

مسؤول عسكري رفيع يستعرض خطة التصدي للهجمات السيبرانية (وزارة الدفاع)

وأوضح بلغول أن «الاستراتيجية»، التي تم إطلاقها، «ترتكز على تعبئة الكفاءات الجزائرية حصرياً»، معلناً عن «برنامج لمرافقة الهيئات العمومية والخاصة خلال السنوات الأربع المقبلة لرفع مستوى جاهزيتها، فيما يخص تأمين شبكاتها المعلوماتية من أي اختراق». كما أشار إلى أن الوكالة تضع «السيادة الرقمية فوق كل اعتبار»، من خلال تطوير حلول تقنية محلية لتقليل التبعية للتكنولوجيات الأجنبية، التي قد تحمل ثغرات غير محصنة، حسبما قال.

ولفت بلغول إلى أن التحديات الحالية «تتطلب تعاوناً وثيقاً بين جميع القطاعات»، داعياً إلى «توحيد قواعد البيانات وتأمينها وفق المعايير الدولية»، عادّاً أن «الجدار الدفاعي الرقمي للجزائر، اليوم، هو الضامن الأساسي لنجاح عملية التحول الرقمي التي أقرها رئيس الجمهورية».

كما أكد المسؤول العسكري أن «المشهد السبراني العالمي يجمع بين فرص هائلة ومخاطر معقدة»، مشيراً إلى أن الخسائر الناجمة عن الجرائم والهجمات السيبرانية قاربت، حسبه، 10 آلاف مليار دولار العام الماضي، وهو «مايعكس تحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة صراع مفتوح بين الدول والجماعات المنظمة».

تبون: الأعداء يستهدفوننا

تضمنت وثيقة «الخطة الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية» كلمة للرئيس عبد المجيد تبون، جاء فيها أن بلاده أطلقت «سياسة طموحة لتعميم استخدام الرقمنة على مستوى إدارتنا، بهدف تسهيل الحياة اليومية للمواطنين، ومرافقة إنعاش الاقتصاد على أسس متينة ومستدامة». مبرزاً أن هذه السياسة «ستكون حتماً هدفاً مفضلاً لأعداء بلادنا، وقد كان من الضروري تزويد أنفسنا بالآليات المناسبة الكفيلة بحمايتها من هذه النوايا الخبيثة».

وحسب تبون، فإنه من أجل «استباق المواقف وتحديد النقائص ونقاط الضعف، وفهم الأسباب، ثم التفكير في الإجراءات الممكنة بغية الرفع من الفاعلية، سواء بالنسبة للجانب التنظيمي أو حتى بالنسبة للمنظومة العملياتية، وهي بالذات المقاربة المعتمدة من طرف بلادنا للتصدي لمختلف التهديدات السيبرانية المحيطة».

الرئيس تبون استنكر «أعداء» يستهدفون فضاء الجزائر الرقمي (الرئاسة)

وأوضحت «الوكالة الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية»، في وثيقة تستعرض خطتها، أن «إرساء مناعة سيبرانية يستلزم تحليل المشهد الرقمي الوطني، مع أخذ التطورات التكنولوجية وطبيعة التهديدات السيبرانية بعين الاعتبار».

ومن خلال حماية بياناتها المعلوماتية، تحافظ الجزائر ، حسب الوثيقة، على «سيادتها الرقمية، مما يمكّنها من مواصلة مسار رقمنة مختلف قطاعات النشاط بأمان أكبر».

وتؤكد الوثيقة أن هذه الخطة تمكّن البلاد من امتلاك أدوات تضمن حماية أنظمتها المعلوماتية، وتكفل بشكل دائم الاستقرار والسلامة والسرية الضرورية لبياناتها كافة. والهدف هو امتلاك القدرة على الكشف المبكر عن الهجمات السيبرانية واستباقها، لتفادي أي اضطرابات قد تعطل سير عمل البلاد.

وتشير الخطة أيضاً، إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تعبئة كفاءات وموارد بشرية ذات خبرة مثبتة في مجال الأمن السيبراني، كما تنص على مرافقة مختلف الهيئات والمؤسسات العمومية، والكيانات الخاصة خلال السنوات الأربع المقبلة.

وتطمح الجزائر من خلال هذه الخطة إلى بلوغ أعلى مستويات الأداء في مجال تأمين الأنظمة المعلوماتية الوطنية، وتعزيز قدرتها على الصمود السيبراني في جميع القطاعات، خصوصاً وأن حساسية الأنظمة الحيوية تفرض تحدياً حقيقياً أمام الخبراء الجزائريين في الأمن السيبراني؛ حيث تبرز تساؤلات حول مدى قدرتهم على التحكم الدقيق في تأمين القطاعات الأكثر عرضة للمخاطر، لضمان الجاهزية التامة، واستباق أي هجمات مباغتة، سواء كانت ناتجة عن أعطال عرضية أو أفعال تخريبية متعمدة.

بيئة سيبرانية آمنة ومستدامة

تؤكد «وكالة أمن المنظمة المعلوماتية» على ضرورة إرساء «بيئة سيبرانية متكاملة» قادرة على استباق التهديدات، ومواجهة التحديات الناجمة عن التحول الرقمي المتسارع والتقنيات الناشئة. وإلى جانب ترسيخ السيادة الرقمية، تهدف الاستراتيجية المتبعة إلى مرافقة التحول الرقمي الوطني عبر وضع «إطار قانوني وتنظيمي ومعياري» صارم وشامل.

وفي مسار موازٍ، تولي «الوكالة» أهمية قصوى للتعاون؛ فمحلياً، تسعى إلى توحيد جهود العمل وتعزيز تبادل المعلومات بين القطاعين العام والخاص في كل ما يتصل بالأمن المعلوماتي. أما دولياً، فتعد التعاون ضرورة استراتيجية تتيح للجزائر تنسيق الجهود مع الدول الشريكة، وبناء جبهة مقاومة جماعية قادرة على صد الهجمات السيبرانية العابرة للحدود.

جانب من اجتماع إطلاق خطة مواجهة الهجمات في الفضاء الرقمي (وزارة الدفاع)

وأكد مصدر مطلع على «خطة التصدي للهجمات السيبرانية» أن واضعيها يهدفون إلى تحصين أنظمة تخزين المعلومات المتعلقة بالأمن والدفاع من الاختراق، وتعزيز ما يُعرف بـ«السيادة الرقمية» في مواجهة الجريمة الإلكترونية وأعمال التجسّس. ويندرج ذلك، حسب المصدر نفسه، ضمن خطاب حكومي يحذّر من «تعاظم مخاطر الهجمات السيبرانية، التي تستهدف آلاف الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الأنظمة المعلوماتية المحلية، بهدف بثّ اليأس وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة».

وخلال السنوات القليلة الماضية، أُوقف عدد من الأشخاص، وتوبعوا قضائياً بتهم تتعلق بـ«الجريمة الإلكترونية»، وذلك على خلفية تعديلات أُدخلت على قانون العقوبات.