كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي

«حجر السعادة» تحتشد بالرموز والدلالات والوقائع

كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي
TT

كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي

كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي

رواية «حجر السعادة» للروائي أزهر جرجيس، الصادرة عام 2022، رواية محتشدة بالرموز والدلالات والوقائع والتواريخ والذكريات، حتى لتبدو مثل متحف شامل للصور والوثائق والميثولوجيا، ذلك أنها كُتبت -كما هو واضح- بلغة الكاميرا، وكأنها تكتب تاريخاً. فالراوي المركزي في الرواية، وبطلها «كمال» أو «كيمو» هو مصور فوتوغرافي موهوب، عشق فن التصوير منذ نعومة أظفاره، عندما صنع كاميرته الخاصة به من الورق، وهو ما زال طفلاً، وكان تلميذاً نابهاً لمعلمه المصور «خليل» الذي قال له مرة: «إننا لا نلتقط الصور؛ بل ندون التاريخ».
ويبدو أن مقولة المصور «خليل» هذه، قد أصبحت البنية الإطارية السردية في الرواية،، ولذا فقد قال كمال في أحد مونولوغاته الداخلية:
«كنت محظوظاً لأني أقرأ ما سيمسي تاريخاً، وأشارك في تدوينه، دون حاجة إلى سلسلة رواة» (ص 29).
لقد تحول النسيج السردي في الرواية إلى مجموعة من الأنساق البصرية القائمة على دلالية الصورة ولغتها السيميائية؛ بل يمكن القول إن الكاميرا أصبحت، بدورها، راوياً وشاهداً، على فترات مفصلية خطيرة من تاريخ العراق الحي. فهي لم تقتصر على تسجيل ما هو عرضي وطارئ وعابر؛ بل وثقت وبفنية عالية حركة الأحداث الجوهرية في المجتمع. والرواية تتحول بمرور السرد إلى رواية شخصية؛ لأنها تتمحور، أساساً، حول المراحل المختلفة من حياة بطلها وراويها الأساسي (كمال)، حتى ليمكن القول هنا إن الشخصية هي التي تحرك الحدث، وليس العكس. ولكن ذلك لا يعني أن الحدث لا يتحكم أحياناً في مصير الشخصية الروائية، ولنقل ثمة تأثيرات متبادلة بين فعل الشخصية الذاتي، وحركة الحدث الروائي ذاته.
ومما يكرس طبيعة الرواية هذه، بوصفها رواية شخصية، أنها تقوم أساساً على سرد ذاتي (أوتوبيوغرافي) مبأر، يقدمه البطل «كمال» أو «كيمو» لحياته، منذ طفولته حتى نهاية الرواية. ولذا فالرواية تنطبق عليها مواصفات روايات السرد الذاتي ورواية الشخصية، في آنٍ واحد.
لقد كانت شخصية البطل تنمو وتمتلئ بالدلالات والرموز، وتشع بقوة من خلال انتظامها داخل مجموعة من الأنساق البصرية، التخييلية والواقعية التي تبث دائماً دلالاتها، كما يذهب إلى ذلك الناقد الفرنسي فيليب هامون، في كتابه «سيميولوجية الشخصيات الروائية»، إذ كتب يقول:
«إن الشخصية كيان فارغ، أي بياض دلالي، لا قيمة له، إلا من خلال انتظامها داخل نسق، هو مصدر الدلالات فيها، أو هو منطلق تلقيها أيضاً» (ص 12).
ويذهب الناقد الفرنسي فانسون جون، في كتابه «أثر الشخصية في الرواية» إلى أن «الشخصية، بين اعتبارها تابعة إلى الحدث، واعتبارها وظيفة أو بنية تخييلية، أو وظيفة نحوية، أو علامة، ستظل مفهوماً زئبقياً يتأنى عن كل تحديد صارم» (ص 8).
ومن هنا نرى أن شخصية «كمال» في الرواية شخصية نامية ومتطورة وإشكالية، منذ بداية طفولتها، وظلت مشتبكة بالواقع الخارجي الذي كان يؤثر في مسارها، مثلما كانت هذه الشخصية تؤثر في بعض مفاصل حركة الواقع الخارجي. أي يمكن الحديث عن لون من التوازن بين الشخصية والواقع أو الحدث، والذي يتجسد في الغالب في علاقة جدلية نامية ومتصاعدة.
وتكشف الرواية، من جهة أخرى، عن بنية دائرية واضحة، على مستوى الحدث والزمان والمكان. إذ يستهل الروائي سرده في الفصل الأول تحت عنوان «قاتل مأجور: شتاء 2018»، وتكاد تختتم الرواية في الفصل الخامس والعشرين بالعنوان ذاته: «قاتل مأجور: شتاء 2018»؛ حيث يستكمل الروائي سرد الحدث المركزي في الفصل الأول المتمثل في وجود قاتل محترف يلاحقه على دراجة بخارية (ص 7). ويعود السرد ليقدم لنا منذ الفصل الخامس والعشرين المحاولات العديدة التي تعرض فيها البطل للقتل، والتي فعلاً انتهت بإصابته بأربع إطلاقات نارية، ألزمته الرقود في المستشفى والبيت لمدة تزيد على ثلاثة أشهر؛ إذ هاجمه القاتل المأجور المنتمي إلى ميليشيا «فرسان بغداد» التي يترأسها زعيمها القاتل المحترف «طاهر الحنش»، وهو يحاول دخول الزقاق المؤدي إلى بيته. وبذا يمكن أن نعد ظهور القاتل المأجور في الفصل الأول، وتنفيذه اللاحق لمحاولة قتل «كمال» بمثابة البنية الإطارية للحكاية، أما ما أُدرج بين هذين المشهدين المتكاملين، من متن روائي، فهو مجرد استذكارات ومرويات تبدأ منذ ولادة البطل في مدينة الموصل عام 1954، وترعرعه فيها، واضطراره إلى الهرب إلى بغداد، وتعرفه اللاحق إلى المصور «خليل» الذي رعاه وعلمه فن التصوير الاحترافي، وأوصى له بعد وفاته، من خلال وصية أودعها لدى «فوزي المطبعجي» بوراثته الحصرية في امتلاك الاستوديو ودار سكنه. لقد حفلت الرواية من خلال هذا السرد الاستذكاري بكثير من الأحداث التي تتمحور حول حياة «كمال» المبكرة بالموصل، وتعرضه الدائم إلى التنمر والإهانة من قبل زوجة أبيه وأطفال المدرسة وحتى من قبل أبيه، بحيث يخيل للقارئ أن البطل ربما كان يعاني من مرض «البارانويا» أو الإحساس بالاضطهاد الذي يخيل فيه للشخص المريض أن العالم كله ضده، وأنه معرض لسلسلة من المؤامرات التي تستهدف حياته وحريته وكرامته.
وبسبب هذه النظرة السوداوية إلى الحياة، فقد تحولت الرواية، وخصوصاً في الفصول الأولى، إلى «ديستوبيا» قاتمة وحزينة، وكأن الراوي يرسم لنا لوحة بالفحم الأسود، فكل شيء معاد ولا إنساني، والناس أشرار وعدوانيون ومتنمرون؛ لكن الروائي يحاول الاستدراك وفتح بصيص من الأمل، وسط هذا الظلام الشامل، من خلال تصوير النضال الجماهيري ضد «طاهر الحنش»، زعيم ميليشيا «فرسان بغداد» التي استباحت المدينة، وبالتالي قدرة الجماهير على إسقاط نظام «الحنش» الإرهابي الذي يرمز -كما يخيل لي- إلى أنموذج الحكم الصدامي أساساً، بقدر ما يشير إلى ميليشيا طائفية محددة. وتتحقق إرادة الجماهير في التغيير في تلك الانتفاضة الشعبية الجريئة التي هي صدى لـ«انتفاضة تشرين» الشعبية. وتعود الحياة إلى بغداد، وإلى «متحف السلام» الذي دمرته ميليشيا «فرسان بغداد».
وقد كان إحساس «كمال» وهو يراقب صانع الأفلام الموصلي هذا الذي كان يفرش الصور القديمة بأنه «كمن يجمع الصور ليخيط بها الذاكرة» (ص 283)، وهو ما كان يفعله السرد في هذه الرواية الذي كان يلتقط الصور ويؤرشفها دلالياً، ليخيط بها ما تمزق أو اندثر من ذاكرة الراوي وذاكرة التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي كانت تعيد صياغته.
ولم تكن الرواية مقتصرة على سرد المراحل المختلفة، في حياة بطلها وراويها المصور «كمال»؛ بل كانت أمينة في تصوير مراحل دقيقة ومؤلمة من تاريخ العراق الحديث. فقد وقفت الرواية مع الإنسان العراقي، وأدانت كافة مظاهر الاستبداد والعنف والديكتاتورية، وفي المقدمة منها ديكتاتورية صدام حسين، كما أدانت الرواية كل مظاهر العنف والاستبداد والفساد التي شاعت بعد الاحتلال، ومنها استشراء الدور الإجرامي الذي تقوم به بعض الميليشيات في كل مفاصل الحياة في العراق. كما تفضح الرواية بعض رجال الدين الذين يتسترون بالدين زوراً، للقيام بأعمال غير أخلاقية، مثل رجل الدين الذي يشرف على «خان الرحمة»، والذي كان يجند أطفال الشوارع الذين يأويهم في الخان، للقيام بالسرقة، وهو مشهد يذكرنا برواية نجيب محفوظ «خان الخليلي»، وبرواية تشارلز ديكنز «أوليفر تويست»، وبالفيلم الهندي «المليونير المشرد». وأدانت الرواية حروب صدام حسين المتعددة؛ حيث يلعن الراوي الطاغية بهذه الطريقة:
«يا ابن... حتى الأغاني كانت مضرجة بدماء المعركة» (ص 208).
وسخرت الرواية من حروب الطاغية صدام حسين:
«حروبنا كالسجائر، تشتعل من أعقاب بعضها. خمدت حرب واشتعلت أخرى بلا فواصل، ولا أحد يدري كيف؟ ولماذا؟» (ص 211).
ومن الناحية السردية، شعرنا بأن منظور الراوي راح يمر عبر منظارين زمنيين مختلفين في آن واحد وبصورة تزامنية، بعد أن كان يتحقق بالتناوب. المنظار الأول يمثل وعي «كمال» أو «كيمو» الصغير، وهو وعي بريء وتلقائي. أما المنظار الثاني فيمثل وعي «كمال» الكبير الناضج الذي عركته الحياة. لكننا كثيراً ما نجد تداخلاً غير مبرر بين المستويين؛ حيث يطل تعليق ناضج وعميق على لسان الطفل «كيمو» الذي يمتلك بدوره مقدرة خاصة على رصد الأحداث وتسجيلها، تجسدت بشكل خاص عند وصوله إلى مدينة بغداد؛ حيث راح يصف ما يراه بعين بريئة ترى الأشياء لأول مرة، محققاً ما يسمى في النقد الشكلاني لدى شكلوفسكي «نزع المألوفية» (Defamiliaration)، إذْ نراه يعيد رسم خريطة بغداد وجسورها ومحلاتها بالتفصيل، وهو تحت تأثير الدهشة والانبهار الذي لم يفارقه، مما أكسب سرده آنذاك خصوصية وشفافية وبراءة.
لقد ظلت الرواية تنظر إلى الواقع والأحداث بمنظور مدني وعلماني إلى حد كبير يرفض الاستسلام للخرافات، وللشعارات الزائفة التي تتبرقع زوراً باسم الدين أياً كان؛ إذ كان يرفض الذهاب إلى الكنيسة، بوصفه مسيحياً، لأداء المراسيم الدينية، وفضح عندما كان صغيراً في الموصل، رجل دين مسيحياً، كما فضح رجل الدين المسلم الذي كان يدير «خان الرحمة»، وكما عرّى أكذوبة وجود الجن في «بستان الجن» في الموصل، عندما كان في الثامنة من عمره (ص 19).
وأخيراً رفض الاستسلام لميثولوجيا «حجر النسيان» الذي كان يحمله، والذي كان كثيراً ما يلجأ إليه، من خلال مضغه؛ لأنه تميمة، كما كان يعتقد، تمنحه الراحة الكاذبة، وتشعره بالسعادة، عندما قرر أخيراً أن يتخلص منه ويلقيه في النهر.
وهكذا يقطع البطل صلته بكل ما هو خرافي وميثولوجي وميتافيزيقي.
رواية «حجر السعادة» للروائي أزهر جرجيس كبيرة بمضامينها ودلالاتها، وغنية بنسيجها السردي المتنوع، ومن هنا، فإنها تشكل إنجازاً سردياً مهماً للرواية العراقية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.