أحمد عبد اللطيف: من وظائف الرواية خلق حلم يتأسس عليه عالم أكثر عدالة

يقول إن الترجمة مهنة ودراسة بينما الكتابة مشروع حياة

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف
TT

أحمد عبد اللطيف: من وظائف الرواية خلق حلم يتأسس عليه عالم أكثر عدالة

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف

يولي الروائي المصري أحمد عبد اللطيف اهتماماً خاصاً بفكرة التعاطف مع أبطاله، ويرى أن في هذا التعاطف يكمن سر إعجابنا بالعمل الأدبي. في روايته «عصور دانيال في مدينة الخيوط» الصادرة أخيراً يشيّد عالماً سردياً لبطله المأزوم، يقوم فيه بتدوير أسئلة الزمن والذاكرة، ويضع الواقع والسوريالية كوجهين للحقيقة. حصل عبد اللطيف على جائزة الدولة التشجيعية في مصر 2011، عن روايته «صانع المفاتيح»  كما حصلت روايته «كتاب النحات» على جائزة ساويرس للأدب 2015. له إنجاز لافت في ترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية لأسماء بارزة مثل جوزيه سارماغو، وجيوكوندا بيلي، وخوان مياس.

هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الترجمة...

> كما يبدو، تطرح روايتك الأخيرة من خلال بطلها «دانيال» الأحلام كسبيل لليوتوبيا وتحقيق العدالة...
- أظن أن وظيفة الرواية، أو من وظائفها الأساسية، خلق حلم ما يتأسس عليه عالم أكثر عدالة، لكنها ليست العدالة المتحققة في النص بقدر التصور الذي يتركه في نفس القارئ. بهذه الطريقة يمكن التعاطف مع بطل «الجريمة والعقاب» حتى لو كنا ضد الجريمة نفسها التي يرتكبها. وهذا التعاطف هو سر إعجابنا بعمل أدبي، إذ بالتعمق في شخصية البطل نتعرف على المنطقة الرمادية في الطبيعة البشرية، والخروج من دائرة الأبيض كخير، والأسود كشر. من ناحية أخرى، اليوتوبيا بمفهومها الأفلاطوني لا تتحقق في «عصور دانيال» على أرض الواقع، إنما المتحقق يوتوبيا مضادة تمتد من الواقع إلى حلم اليقظة وتشغل منطقة خياله.
> كأنك تجمع في «مدينة الخيوط» بين الواقعية والسوريالية معاً.

- سؤال المدينة بتحولاتها شغلني منذ روايتي الأولى «صانع المفاتيح»؛ حيث المدينة الكابوسية التي يغدو سكانها صماً بكماً عمياً، وامتد في «عالم المندل» حين تحولت النساء إلى رجال والعكس، ثم أصابتها لعنة التشابه في «كتاب النحات»، وصارت مدينة حمراء في «إلياس». وفي الرواية الجديدة، تغدو مدينة تسكنها الدمى، وتنقسم إلى مدينة علوية وأخرى سفلية. في كل ذلك، كان الواقع نفسه دافعاً لبناء هذه المدينة الخيالية، والسوريالية هي الأسلوب الفني الذي يلائم هذا النوع من الأفكار، لأنه يحقق ما أسعى إليه من «باراديجم» جمالي. الأهم، وبعيداً عن الفن، وقبل الشروع في كتابة العمل، أرى الأشياء بهذه الطريقة، بمعنى أن الحدث اليومي يتخذ في ذهني صورة سوريالية أعيد إنتاجها مرة أخرى بإعادتها إلى الواقع، وأحياناً تكون الكلمات العامية العابرة ملهمة لي، كأن يقول أحدهم: «عامل ودن من طين وودن من عجين»، هذه صورة سوريالية تماماً تعبر عن هؤلاء الذين لا يريدون الإنصات، صورة مليئة بالفن الساكن في العامية المصرية. وهي بالنسبة لي إعادة للتفكير في الواقع، إذ أراه أكثر في المجرد والسوريالي.
> قسمت السرد بين 4 عصور، تتقاطع فيها النوستالجيا بآلامها مع الجريمة والغرابة، لماذا اخترت هذا البناء المنفصل للفصول، لرواية قصة البطل؟
- العصر مرحلة زمنية مكتملة في ذاتها، طويلة نسبياً، لها آثارها الملحوظة على العصور التالية. فمن ناحية المعنى، فكل عصر من عصور دانيال يسعى للاكتمال في ذاته، ثم مع تقدم الصفحات تكتمل العصور كتكامل قطع البازل أو الكولاج. ومن الناحية الفنية، داخل كل عصر فصول قصيرة، يعمل فيها المقص السينمائي لتقطيع المشاهد في الوقت المناسب، والعودة إلى الأحداث الرئيسية بتكرار لإضافة معلومات جديدة وبناء حقيقة جديدة عليها. هذه البنية، وهذا التكنيك، أكثر ما شغلني أثناء الكتابة، لأنها تمثل البعد الجمالي والفني الذي أسعى إلى تحقيقه داخل العمل، بطموح ألا تشبه بنيتها بنية عمل آخر، وأن يتحرر العمل من التأسيس على نموذج سردي سابق.
> يتقاطع العالم الداخلي للبطل، مع العالم الموازي الذي خلقه. نراه متوحداً مع ذاته وقادراً على التحرر منها أيضاً. كيف تعاملت مع تعقيد شخصية دانيال فنياً؟
- التعقيد لا يحدث عادةً في المضمون، وإنما في الشكل. كل حكاية مهما كان تعقيدها يمكن أن تكون بسيطة لو قررنا روايتها في المستوى الأول. التعقيد بدأ مع سؤالي من سيروي هذه الحكاية عن دانيال، ما موقعه منها ومدى معرفته لتفاصيلها، وهو السؤال الذي فتح أشكالاً متعددة للحكاية، وتطلب بالتالي رواة متعددين. أثناء بناء العمل، كان التماهي بين صوت الراوي المتعدد من ناحية، مع الحكاية المتعددة من ناحية أخرى، يفرض نفسه، كأن لكل صوت صدى، ولكل حكاية أصل وصورة. وكانت اللعبة الفنية أن يختلط الأصل بالصورة، والصوت بالصدى. بهذه الطريقة كل ما يبدو متناً في البداية يغدو هامشاً، فيما الهامش يحتل المساحة الكبرى.
> البطل الفرد يسود أعمالك، كما في «إلياس»، و«كتاب النحات»، وصولاً لـ«عصور دانيال»، هل يمنحك البطل الوحيد فرصة أوسع لتأمل أسئلتك في الكتابة؟
- الكاتب في النهاية فرد يجلس في غرفة يكتب إلى فرد جالس في غرفة عن فرد له حكاية، بهذه الطريقة يمكن فهم الإنسان كفرد وليس كجماعة. هذا المفهوم يتكامل مع العصر الحديث الذي نتحرك فيه جميعاً كأفراد. وفي كتابتي هذا النوع من الفردانية والاستقلال، فهم ليسوا أفراداً فحسب، بل وحيدون أيضاً، خارجون على الجماعة وغير قادرين على الانسجام مع المجتمع. إنها أزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش في فقاعة. ومن الناحية الفنية، أميل لرواية البطل الأوحد والتعمق فيه، حتى في الروايات الملحمية مثل «كتاب النحات»، ورغم تعدد الشخصيات، فإن النحات نفسه كان الشخصية المركزية فلم توزع البطولة بالتساوي.
> في الرواية تحرر مقصود من علامات الترقيم، وكذلك فعلت في «مملكة مارك»، هل ثمة مبرر فني لذلك؟
- تتصل «عصور دانيال» بالقصة الأولى في «مملكة مارك» من حيث اللغة المتحررة من علامات الترقيم، وكلاهما يتصل برواية «إلياس»، في سعي كل منها لخلق لغته الخاصة والتجريب في اللغة، أو بالأحرى، تحقيق إيقاع لغوي جديد يناسب توتر البطل ويتناغم مع سرعة الأحداث. كل هذه الأعمال تطمح إلى تشييد رواية مسموعة بصوت البطل، نبضات قلبه واضطرابه، البطل المأزوم أو البطل التراجيدي، واللغة هنا ليست وسيلة جافة للتوصيل، وإنما عنصر جمالي أساسي، ومشكلة حقيقية، أواجهها في كل عمل. لذلك، فتجربة قراءة «عصور دانيال» بصوت مسموع ستختلف عن قراءتها صامتة.
> تبدو المُصغّرات والمنحوتات البشرية، وأخيراً «الدمى»، من ملامح عوالمك الأدبية. ماذا تعني لك فنياً؟
- إذا كان من الصعب فهم الواقع لأنه كبير ومتسع، فالواقع المصغر يمكن فهمه. العملية تشبه أن نصنع خريطة للكرة الأرضية ونحن نعلم أنها ليست الكرة الأرضية بالطبع، لكن عبر الخريطة نشاهد المرتفعات والأنهار والمحيطات والحدود بين البلدان. الرواية بالنسبة لي تصغير للواقع، من ناحية، ومن ناحية أخرى عملية خلق يشبه فيها الكاتب النحات. لم أنطلق أبداً من شخصية أعرفها وأعيد تشكيلها فنياً، أبني شخصياتي وكأنها تولد للمرة الأولى، أصنع لها شكلاً وأفكاراً وأزمة. هذه الصناعة اليدوية سواء صناعة تمثال صغير من الصلصال أو تشييد بناية بالمكعبات كانت هوايات طفولتي التي تحولت في شكل روائي مكتوب. وفنياً، تعني لي تجنب الواقع المباشر وصنع عالم موازٍ، بتعبير أومبيرتو إيكو.
> تنفتح أعمالك على فنون أخرى كالموسيقى والسينما، كيف ترى الرابط بين الفنون؟
- من مزاياها الكبرى، هذا التحالف بين الفنون. فالموسيقى ساهمت في خلق إيقاع لغوي لـ«عصور دانيال»، ومن قبلها «حصن التراب»، والسينما ساعدت في صنع تكنيك يجيد توزيع المعلومة في «إلياس». من ناحية أخرى، أرى الموسيقى سردية بدون كلمات، والسينما صورة تحتاج إلى تفسير. والرواية هي همزة الوصل بين الفنين، هي لسان هذا الجسد الصامت.
> هناك أيضاً ارتباط وثيق في أعمالك بالتراث والتاريخ...
- ليس فقط الكاتب ابناً لثقافته، بل إن هذه الثقافة يجب أن تظهر في أعماله، فوظيفة الأدب أيضاً أن ينبش في الثقافة ويطرح أسئلتها، ولا يتنافى ذلك مع سؤال الإنسان في أي مكان. أما المعاصرة فتلامس أكثر التكنيك، الأسلوب، البنية، ثم الموضوع الحالي مثل التكنولوجيا الجديدة مثلاً، وهو موضوع يختلف أيضاً في تلقيه من ثقافة لأخرى. أحب أن يعرف القارئ أني كاتب مصري من خلال نصوصي، حتى لو كانت المدينة متخيلة.
> قمت بترجمة أعمال أدبية لأجيال مختلفة في الرواية المكتوبة بالإسبانية، من خوان مياس، لجيوكوندا بيلي، لأندريس باربا، ومن قبلهم جوزيه ساراماغو. برأيك؛ ما الخيط الذي يمنح الرواية المكتوبة بالإسبانية لوناً خاصاً يجذب الناشر والقارئ العربي على السواء؟
- استطاعت الرواية المكتوبة بالإسبانية منذ منتصف الخمسينات أن تفرض نفسها على العالم برؤيتها الجديدة ومنظورها الفني، وجاء تيار الواقعية السحرية لينقذ فن الرواية من الضجر. منذ ذلك الحين، تعهدت هذه الرواية بتطوير فن السرد، وساهم كتّاب من أجيال مختلفة في طرح أسئلة فنية هامة تخص اللحظة الآنية، كما تخص الفن الروائي.
> تجمع بين الترجمة والكتابة الأدبية، هل تتأمل كل منهما كعمل مستقل، أم يصعب عليك الفصل بينهما وجدانياً؟
- أتعامل مع الترجمة كمهنة ودراسة، وهو عمل يستفيد من موهبة الكتابة والعلاقة باللغة، ويتطلب متابعة تطورات اللغة الأجنبية والاطلاع على الأدب الجديد. أما الكتابة فمشروع حياة، بالتالي هي بحر تصب فيه كل الأنهار، سواء نهر الترجمة أو القراءة أو تجاربي الحياتية وتأملاتي.
> ما الذي يمنحه السفر لك والتنقل بين ثقافة مدينتين، القاهرة ومدريد؟
- السفر يمنح الشك في الثوابت، والحيرة واللايقين، ويمنح انفتاح الرؤية على حقائق متعددة وكثير من التواضع.
> أهديت روايتك «للطفل الذي كُنته»... ما الدافع وراء ذلك؟
- لسنوات طويلة كانت مرحلة الطفولة غائبة عن ذاكرتي، كأنها لم تكن، ثم فجأة استردتها ككنز ضائع. وفي «عصور دانيال» أردت استحضار هذا الطفل بقوة واستمعت له، فمنحني أكثر مما أنتظر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.