محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري

الوسط الثقافي العراقي يحتفي بثمانينيات صاحب «المملكة السوداء»

محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري
TT

محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري

محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري

يحتفي الوسط الثقافي العراقي هذا العام بثمانينية القاص والروائي محمد خضير، الذي يعد أحد الشواخص الإبداعية والرائدة في القص العراقي والعربي، ومن الرموز المهمة في الثقافة العراقية، حيث صاغ لنفسه وعبر ستة عقود من الكتابة أسلوبه الخاص، وحضوره الأدبي المتميز.
ولد خضير في مدينة البصرة عام 1942، وحصل فيها على شهادة دار المعلمين. نشر أول قصة له في مجلة «الأديب» العراقية عام 1962، وصدرت له مجموعته الأولى «المملكة السوداء» عام 1972. نال عدداً من الجوائز منها جائزة سلطان العويس عام 2004، وجائزة «القلم الذهبي» من اتحاد الأدباء في العراق عام 2008. التقته «الشرق الأوسط» لإضاءة بعض تفاصيل تجربته في الكتابة.

> في وقت نحتفل فيه بثمانينيتك، نتذكر أن علينا الاحتفاء بستينيتك في الكتابة، حيث كانت أول قصة نشرتها عام 1962 في مجلة «الأديب العراقي»... عندما تنظر إلى الخلف وبمسافة ستين عاماً، ما الذي تتحدث فيه عن تجربتك؟
- الثمانون حد زمني افتراضي أستعيد من عنده محطات عُمرية سابقة، وذكريات هادئة وعنيفة، وأياماً حافلة بالدهشة والأسى اللذيذ. عندما ألتفت للوراء، ألفي الفتى الشاب وقد انتقل من عمل «النشرات الحائطية المدرسية» إلى كتابة القصة القصيرة، وسط مجرى اجتماعي مضطرب. لم يكن ذاك انتقالاً هادئاً، فقد كانت «الستون» قفزة فوق سياج المدرسة النظامية إلى شارع الثورة الصاخب. لم يكن ذلك الحد البعيد سنة التخرج فقط من الدراسة الثانوية، بل عاصر أيضاً محاولة اغتيال الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم، وتحليق يوري غاغارين في الفضاء، وتظاهرات التأييد الجماهيرية لثورة الجزائر. وحدث أن عُينت بعد سنة من تخرجي عام 1959 معلماً في مدرسة ابتدائية في ريف محافظة «الناصرية». حملتُ معي حماقاتي ولذاتي المدنية وخلطتُها بدهشة الأهوار وسكونها وعمقها الاجتماعي والطبيعي. ونتجت عن هذه الخلطة كتابة أول قصة ناضجة تحت عنوان «النيساني» نشرتها مجلة اتحاد الأدباء العراقيين عام 1962، اشتمل موضوع القصة على مناظر حصاد القمح الذي يشارك فيه عمال المزارع الوافدون من محافظات جنوبية مجاورة إلى جانب فلاحي الأهوار. كان عملاً جنيتُ منه فكرة اختيار شخصيات بأسمائها الحقيقية، وهو خلل بنيوي لم أكرره في قصصي التالية، التي احتوتها مجموعتي الأولى (المملكة السوداء) الصادرة عام 1972.
> في «كتاب العقود» يرى بعض النقاد أن النصوص التي تضمنته، هي مقتطفة من سيرتك الذاتية، وتحاكي حياتك، وإن حاولت نفي هذه «الشبهة» بجرعات من الخيال، وافتراض حيوات ومصائر... ماذا تقول في ذلك؟
- تضمن «كتاب العقود» بابين مهمين، مخصصين لسرد خبراتي الشخصية البعيدة. ففي باب «الثمانون» كتبتُ قصصاً تجري أحداثها تحت الأرض، أستبق بها حياتي التي يشاركني في تخيلها مجموعة سكان مدينة تحت لهب الشمس. أما باب «التسعون» الافتراضي فقد احتوى استباقاً من نوع آخر تحت تسمية «تجارب في الموت». والأهم من ذينك التصورين الخياليين ما حققتُه في البابين من ترابط روائي تجلى في كتبي الأخيرة، التي أنتجتها تحت شعور فلسفي ذاتي، وضحته في أحد مقالاتي. أعتقد أن حياة الكاتب العراقي، والعربي عموماً، تنقسم إلى فصلين، أو حدين افتراضيين، هما فصل «الكاووس» وفصل «الناموس». ففي الفصل الأول تتخذ حياة الكاتب منحى فوضوياً جامحاً، يأخذ به وبنصوصه إلى عنان السماء؛ لكنها تستقر وتهدأ ولا تغادر الأرض في فصل «الناموس». ولعل الفصل الثاني «الناموس» هو الذي طبعَ نصوصي الأخيرة بطابع السيرة الذاتية، حيث يتزود الكاتب لنصوصه السردية من خزين العمر المنسي والمهمل في زوايا السنين المواضي.
> بين «المملكة السوداء» مجموعتك المهمة الأولى، وسردياتك التي كتبتها أخيراً صلة ما... هل تعتقد أن هناك تواصلاً طبيعياً بينها؟ أم تراه نضجاً في الكتابة؟
- بل هو انتقال بنيوي أساسي في الرؤية والتشكيل يعكس بحث الذات الساردة عن مستقر أخير في خضم رحلة «الثمانين» المتعرجة بين الفصول والمحطات العُمرية. ولا أعني انتظام الحياة والكتابة في جوابي السابق عن فصلي «الكاووس والناموس»، إذ أنني لا أشعر بتطور تقني متجاوب قطعياً مع مرحلة متقدمة من عمري، بل عكس ذلك، فالثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري. فقد يسبق الكاتب زمنَه التطوري بما ينتجه من نصوص «حكيمة» في شبابه، وقد يشعر بتيار السنين المتسارع في كهولته فينتج ما كان قد أبطأ في إنتاجه من قبل (عدد الكتب المنشورة في المدة الأخيرة وكثرتها قياساً إلى فترة الكاووس الأولى). ولكي أبرهن على هذا التداخل بين الحدين الافتراضين، الكاووس والناموس، أضرب مثلاً بصبي «الكُتاب» الذي يشعر باستباقه عمره ونموه الزمني عندما يختم القرآن الكريم (يحفظه عن ظهر قلب). إني في مرحلة ما من عمري ذلك الطفل - صبي الكُتاب - الذي تعملق بسبب «ختمته» القرآن فظن أنه عاش عمر واحدٍ من «أهل الكهف».
> اللغة هي الهاجس الأساس في عالم محمد خضير السردي، على حساب الحدث والحوار. في نصوصك منذ البدايات، جمل سردية مشحونة بالدلالة، أرى أنها خارج فن القصة القصيرة، بتعريفها المتعارف عليه... ما رأيك؟
- على العكس من ذلك، أعتقد أن اللغة السردية تكونت ونَمَت واستقرت على سُوقها (حقلها السردي الأخير خصوصاً، أي حقل النصوص السيرية الذاتية، بقوة وتمرس). والسبب في هذا الاتساق والنمو اللغوي يرجع إلى قوة المرجع الحكائي الذي شحنَ النصوص بالدلالة القصوى والمرمى البعيد. فاللغة كائن ينمو ويشتد عوده باستمرار التثقيف الذاتي والاختبار العمري للثيمات الفريدة التي لا يشترك الكاتب في صياغتها مع غيره. ومن دون ثيمة قوية، تتعطل اللغة ولا تؤدي دورها في الإشعار و«التشعير» - من الشِعرية - وتخمد كموقد النار. تصور معي ثيمة قصة «حكاية الموقد» من مجموعتي الأولى، هل لها أن تتقد بغير حكايات العجوز التي تزور أسرة الجندي الغائب بانتظام كل مساء؟ ليست الحرب من تؤجج موقد الحكايات، ولكن القلوب المكتوية بها هي من تكتب قصتَها بما تملك من مرجعيات الألم والفراق عبر لسان الجدات المعمرات فوق سن الثمانين، أو أن أولئك تجاوزنَ الأعمار فبلغنَ نهاية الحد الافتراضي للقول الحكائي المتوارث عبر القرون.
> في مجموعتك «المحجر» تتناول تظاهرات تشرين 2019، وتضع ثوار تشرين مقابل الثوار الألمان الذين أسقطوا جدار برلين عام 1989... إلى أي مدى أسهمت قصص «المحجر» في وصف هذه الحدث التاريخي؟
- في مقالة لي من كتاب «رسائل من ثقب السرطان» عنوانها «فوات ما فات وما يأتي» استعرضتُ «فواتات» كاتبٍ هرِم، عاصرَ أحداثاً مهمة كالثورة والحرب والديكتاتورية والحصار والاحتلال، طيلة قرن كامل، من دون أن يُدلي بشهادة قوية عنها. تركَ تلك الحوادث الخطيرة تذهب وكأنها طيف مرعب مسه في الحلم وسلبه إرادته ولسانه؛ فإذا هو في كهولته أمام حدثٍ من نوع خاص، احتجاج أو انتفاضة شعبية، لها طعم خاص يجمع نكهات الماضي «الفائت» مع «شعواط» الحاضر في مطبخ واحد. اندلعت حوادث تشرين 2019 لتؤجج النبرة الخافتة في نصوص سابقة دارت حول الواقع ولم تقتحمه من الداخل. أصبح الواقع جاهزاً على طبق من إعداد ماركس وحنة أرندت في نص المجموعة الأول «تحت الجسر»، واجتمعت شخصيات مركبة هبطت من «الفوات» الأعظم لحياة الكاتب الثمانيني. أعتقد أن قصص المحجر تعويض عادل، لا لكاتب النص الأول، بل لشخصيات ولِدت من رحم الأجيال الجديدة، وعاصرت الانقلاب الكبير في تعبير الأجيال القديمة الواقعي. صار كسر «التابو» الثوري ممكناً ومباحاً، من خلال تعويض الخيال الديستوبي بالخيال اليوتوبي الذي ساد زمناً في قصص الماضي. اشتغلت ثيمة الديستوبيا في الطبقة العميقة من نصوص «المحجر»، خصوصاً في القصة المفردة بهذا العنوان، من خلال المزاوجة بين الثورة والوباء (كوفيد - 19) لتدل دلالة مباشرة على مرحلتها.
> قلت لي مرة في أحد حواراتنا: إن من يساق إلى مشغل الكتابة مثل سجين محكوم بالأبدية، وهو قدر مخيف، لأنه يصلبني مثل بروميثيوس... هل هو ما يجعلك تميل إلى الجوهري والأساسي من التجارب والمعارف، وتؤمن بأن «ليس كل ما نكتبه ذا قيمة»؟
- في مراجعات عديدة (ضمنتُها سيرتي النظرية في ثلاثة كتب: الحكاية الجديدة/ السرد والكتاب/ الحديقة في الصيف) تساءلتُ عن جدوى الكتابة، فيما إذا لازمتْ جنساً أدبياً واحداً، وطريقة واحدة في رؤية الواقع. وفي هذا الحد الافتراضي - الثمانين - أطرح السؤال ذاته: أكتبنا شيئاً ذا قيمة؟ ألم نحصر ذواتنا في زاوية ضيقة، ولم نفتحها على إمكانات كثيرة أدركها كتاب مختلفون من العالم قبلنا؟ وما هذه الإمكانات في أقرب التسميات؟
لقد نبهنا تفكك نظُم العالم المركزية (الآيديولوجيات المهيمنة) إلى موت السرديات الكلاسيكية الكبرى: الواقعية والرمزية والسريالية، وشهدت السرديات الفرعية تحولاً أساسياً نحو «سرد الحقيقة»، وهو نوع يكسر حاجز التخييل ويزيح وهم المحاكاة الواقعية لصالح كتابة هي أشبه بالتقرير الصحافي، وفي أحسن الأشكال هو أقرب للسيرة الشخصية. وفي هذا النوع من السرد يتولى «الساردون الحقيقيون» تقديم شهادات مهمة عن عصرهم (كونديرا، ساراماغو، غاليانو، إيزابيل إليندي، كنزو بورو أوي، بول أوستر، كارول جويس أوتس...). وفي هذا الحد من الإزاحة الكبرى لمحاكاة الواقع، فقد يتحول اتجاه فن عريق، ومنضبط، كالقصة القصيرة وينحاز لسرد الحقيقة، الذي يتولاه سارد فعال، لا يختفي وراء ظهر راوٍ متخيل وحوادث مصطنعة. وبصفتي سارداً للقصة القصيرة، فقد جربت شكلاً ثانوياً من القص هو «السكيتش السردي»، محاولاً اكتشاف إمكانيته وإعادته إلى سكة السرد الرئيسة، بعد تطوير لطبيعته الصحافية. إنه انتقال شبيه بتطور فنون التشكيل والسينما، المستند إلى التجارب الجديدة في فن البوب والميديا الرقمية. كما أنه خلاص مؤقت من أزمات السرد وانسداد مجراه الحقيقي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
TT

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

مراهناً على «حكمة اللون» و«سرّ التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حيّ الزمالك الراقي بقلب القاهرة، بحضور لافت لنجوم الفن والسياسة.

جاء الافتتاح ليُحقق وعداً قديماً قطعه وزير الثقافة المصري الأسبق بتحويل منزله إلى متحف، غير أن الأحداث التي أعقبت 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وخروجه من الوزارة، أسهمت في تأجيل تنفيذ المشروع وتغيير موقعه. ولم تُوضع اللبنة الأولى لحلم حسني إلا عام 2019، مع افتتاح مؤسسة «فاروق حسني للثقافة والفنون»، التي قدّمت على مدار السنوات الماضية جوائز لدعم شباب الفنانين في مجالات متعددة، قبل أن يتوسّع مقرّها في الزمالك ليغدو متحفاً يضم عدداً من لوحات فاروق حسني، إلى جانب مقتنياته الخاصة من إبداعات فنانين آخرين.

حسني مع وزير الثقافة المصري (وزارة الثقافة المصرية)

ويراهن فاروق حسني على أن يتيح المتحف لزوّاره «فرصة مناسبة للحديث الداخلي، وللإصغاء إلى حكمة اللون، وسر التشكيل، وبراءة الرؤية»، فالمتحف يجسد «إيمانه بالفن بوصفه حقيقة كبرى لا يدرك حكمتها إلا مَن يُحسن الإصغاء»، وفق تعبيره خلال افتتاح المتحف.

يصحب المتحف زوّاره في جولة فنية روحية تبدأ منذ اللحظات الأولى، عقب عبور بواباته الحديدية والولوج إلى حديقته التي تُشكل الأشجار والديكورات فيها جزءاً من سيناريو العرض، ويُضيف الضوء سحراً على أعمال نحتية وضعت بعناية وسط الحديقة، وقبل الصعود إلى شرفة تقود إلى قاعة العرض الرئيسية التي تضم نحو مائة لوحة من أعمال فاروق حسني الشخصية، إضافة إلى نحو 20 عملاً لفنانين آخرين تتراوح بين النحت والتصوير الزيتي.

يضم المتحف مكتبة متخصصة تحتوي على أهم المراجع الفنية والأدبية (مؤسسة فاروق حسني)

تتوزع اللوحات على جدران القاعة الصغيرة وفق تنسيق بصري ينقل الزائر بين مساحات لونية مختلفة وأشكال فنية متعددة تتراوح ما بين التجريد والتشخيص، مستعرضاً مراحل مختلفة من مسار فاروق حسني ورحلته الفنية عبر لوحات اختيرت بدقة، بعضها سبق عرضه في متاحف ومعارض دولية وإقليمية.

ولا يغفل هذا المسار عن عرض جانب من اهتمامات فاروق حسني الفنية، من خلال مجموعة من المقتنيات لفنانين من مصر والعالم، بينهم أنطوني تابيس، وجورج دي كيركو، وبوسان، ومحمود مختار، ومحمود سعيد، وآدم حنين، وسيف وانلي، ومنير كنعان، وغيرهم، تتشابك جميعها في حوار فني يربط بين مدارس وتجارب مختلفة.

أعمال متنوعة يحتوها متحف فاروق (مؤسسة فاروق حسني)

وعدّ وزير الثقافة المصري أحمد هنو المتحف «نموذجاً حياً للترابط بين الإبداع الفني والعمل الثقافي المجتمعي»، مشيراً، في كلمته خلال الافتتاح، إلى أن «المتحف بؤرة ثقافية ومعرفية كبيرة، تخدم قطاعاً كبيراً من طلاب الفنون والبحث العلمي في مختلف مجالات الفنون التشكيلية والبصرية».

وأشاد هنو بدور فاروق حسني بوصفه وزيراً وفناناً، قائلاً: «فاروق حسني... اسم ونسق كبير جداً، وبحكم منصبي فإنه صعّب الأمور علينا جداً بما قدّمه»، في إشارة إلى صعوبة مجاراة وزراء الثقافة لما أنجزه حسني خلال نحو 23 عاماً في المنصب، وما زال يواصل دعم العمل الثقافي والفني، رغم مغادرته المنصب الرسمي عام 2011.

المتحف الجديد يضم أعمال فاروق حسني إضافة إلى مقتنياته من أعمال فنانين آخرين (مؤسسة فاروق حسني)

وأكد وزير الثقافة المصري تقدير مؤسسات الدولة والمجتمع الثقافي لمسيرة فاروق حسني الفنية الثرية التي امتدت لعقود، وشاركت في إثراء الحركة التشكيلية المصرية والعربية، موضحاً أن «المتحف يُتيح مساحة للاطلاع على تجربة فنية متفردة شكّلت أحد ملامح الفن المعاصر في مصر، مدللاً على عمق هذه المسيرة، وتجذرها بحجم ونوعية الحضور في افتتاح المتحف».

أعمال الفنان فاروق حسني تدعو للتأمل (مؤسسة فاروق حسني)

وشهد حفل افتتاح المتحف حضوراً لافتاً لرموز الفن والثقافة والسياسة، من بينهم؛ الشيخة مي آل خليفة، رئيس هيئة الثقافة والآثار بمملكة البحرين سابقاً، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ووزيرا الخارجية السابقان عمرو موسى وسامح شكري، ومستشار الرئيس المصري للأمن القومي فايزة أبو النجا، ورئيس الوزراء المصري الأسبق أحمد نظيف، ونجل الرئيس المصري الأسبق جمال مبارك، وعدد من الوزراء والمسؤولين السابقين، ورجال الأعمال والفنانين والنقاد.

وأعربت الشيخة مي آل خليفة عن «اعتزازها بهذا الحدث الثقافي البارز»، مشيدةً بمسيرة حسني وإسهاماته العميقة في المشهد الثقافي المصري والعربي.

بينما أكد رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، نائب رئيس مجلس أمناء «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، أن «المتحف سيكون فضاءً مفتوحاً أمام الجمهور، خصوصاً الشباب ومحبي الفنون»، موجهاً الشكر لحسني على إهداء المتحف ومقتنياته لخدمة العمل الثقافي.

فاروق حسني يفتتح متحفه ويحقق وعداً قديماً قطعه على نفسه (مؤسسة فاروق حسني)

وإلى جانب اللوحات والمنحوتات يضم المتحف مكتبة متخصصة تحتوي على أهم المراجع الفنية والأدبية، ومكتبة موسيقية وغرفة ميديا مخصصة لعرض الأفلام والأعمال التسجيلية، في تكامل معرفي يجمع بين الصورة والنص والصوت.

ووفق مؤسسة «فاروق حسني للثقافة والفنون» فإن «افتتاح المتحف تتويج لمسيرة فنية استثنائية امتدت لعقود، قدّم خلالها فاروق حسني تجربة تشكيلية متفرّدة تفاعلت مع مفردات الثقافة المصرية والعالمية، وخلّفت بصمة بصرية مميزة قائمة على البحث والتجريب والسعي الدائم نحو المعنى والإلهام».


مكملات غذائية قد تضعف تأثير الدواء

بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
TT

مكملات غذائية قد تضعف تأثير الدواء

بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)

حذّر خبراء الصحة من أن بعض المكملات الغذائية الشائعة قد تتداخل مع الأدوية التي تتناولها وتقلل من فعاليتها. وبينما تُباع هذه المكملات عادةً دون وصفة طبية، فإن تناولها دون استشارة طبية قد يكون له آثار صحية خطيرة.

ويشير اختصاصي الطب الطبيعي الأميركي جاكوب وولف إلى أن بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية، أو ترتبط بها، فتمنع الجسم من الاستفادة منها، أو تُستقلب عبر نفس مسارات الأدوية في الجسم؛ ما قد يؤثر على صحتك بشكل خطير، وفق موقع «EatingWell».

ومن أبرز هذه المكملات المعادن، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والحديد؛ فهي قد تتفاعل مع أدوية، مثل «ليفوثيروكسين» المستخدم لعلاج قصور الغدة الدرقية، وكذلك مع بعض المضادات الحيوية، مثل «التتراسيكلين» و«الفلووروكينولون». ولضمان عدم تأثير هذه المعادن على امتصاص الأدوية، يُنصح بفصل تناولها عن أوقات الدواء بساعات، ويفضل الانتظار 4 ساعات على الأقل عند استخدام «ليفوثيروكسين».

ورغم أهميتها لصحة الجهاز الهضمي وتنظيم نسبة السكر والكوليسترول، يمكن لمكملات الألياف أن تقلل من امتصاص أدوية، مثل «الميتفورمين» لمرض السكري، وأدوية القلب مثل «ديجوكسين» و«ليفوثيروكسين». ولذلك من الضروري استشارة الطبيب لتحديد التوقيت المناسب لتناول المكملات والأدوية، لضمان استفادة الجسم من كليهما بشكل كامل.

أما مكملات الفحم النشط، فتستخدم عادة في حالات الطوارئ لعلاج التسمم، لكن عند تناولها كمكمل غذائي دون استشارة طبية قد تمتص الأدوية وتقلل من فعاليتها. لذلك يُنصح بتجنبها تماماً إذا كنت تتناول أدوية ضرورية للحياة.

تقليل فعالية علاجات السرطان

وبالنسبة لمكملات الفيتامينات، فإن فيتامين «سي» يعتبر مضاد أكسدة مهماً لدعم المناعة، لكنه قد يقلل من فعالية بعض علاجات السرطان الكيميائية إذا تم تناولها خلال فترة العلاج، وينطبق الشيء نفسه على مكملات فيتامين «E». أما فيتامين «K»، فإنه يلعب دوراً مهماً في تخثر الدم وصحة العظام، لكن يمكن لمكملات فيتامين «K» أن تقلل من فعالية أدوية السيولة، مثل «الوارفارين»، ما يزيد خطر الجلطات القلبية أو السكتات الدماغية. لذلك، يجب الحفاظ على كمية ثابتة منه سواء من الطعام الغني بفيتامين «K»، مثل السبانخ والكرنب والبروكلي، أو المكملات عند استخدام «الوارفارين».

ولتناول المكملات بأمان، ينصح الخبراء باستشارة طبيبك قبل إدخال أي منتج جديد إلى روتينك اليومي. كما يُنصح باختيار مكملات مختبرة وموثوقة للتأكد من محتواها وخلوها من المعادن الثقيلة أو المواد الضارة، والتأكد من الجرعة المناسبة لك، لأن الجرعات المُعلنة على الملصق قد تختلف بين المنتجات.


«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)

شهد حفل افتتاح الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام هذا العام في مصر، حضوراً مؤثراً لنخبة بارزة من نجوم «المسرح المصري» الذي احتفى بهم المهرجان، ورحب بتكريمهم الجمهور بشكل واسع، من بينهم فردوس عبد الحميد، وأحمد بدير، ومراد منير، والدكتورة سميرة محسن، والمخرج ناصر عبد المنعم، ومهندسة الديكور نهى برادة، والمخرج عصام السيد، والكاتب بهيج إسماعيل، والدكتور جلال حافظ، والناقدة عبلة الرويني، والكاتبة فاطمة المعدول.

من جانبها، أعربت رائدة الديكور المسرحي المهندسة نهى برادة، عن سعادتها بالتكريم الذي منحها فرصة الالتقاء بالجمهور مجدداً، لافتة إلى أنه كان مفاجأة بالنسبة لها، خصوصاً بعد توقفها وابتعادها عن العمل منذ سنوات، بعدما قدمت مسرحيات ما زالت حاضرة في أذهان الناس، من أبرزها «سيدتي الجميلة»، و«مدرسة المشاغبين»، و«ريا وسكينة»، و«الجميلة والوحشين»، وغيرها.

وأضافت نهى برادة لـ«الشرق الأوسط»: «عملي بالديكور المسرحي كان أشبه بالقبطان الذي يقود السفينة، ومنحني الفرصة لتقديم أشكال منوعة من الفنون التي زينت خشبته، من بينها (التشكيلي والمعماري)»، مضيفة: «كل جزء بالمسرح له ذكرى في وجداني وعقلي، والحديث عن جولاتي في أروقته وذكرياتي معه تطول، وأمس استرجعت الكثير منها وشعرت بسعادة بالغة لأن المهرجان تذكرني».

تكريم مهندسة الديكور المسرحي نهى برادة (وزارة الثقافة المصرية)

وبجانب تكريم النجوم القدامى كرّم المهرجان 5 جهات مسرحية، هي: «الجمعية المصرية لهواة المسرح»، و«المسرح الكنسي»، و«فرقة الورشة»، و«مركز الإبداع الفني»، و«نوادي المسرح بالثقافة الجماهيرية».

وتزامن افتتاح الدورة الـ16 من المسرح العربي، التي تقام فعالياتها خلال الفترة من 10 وحتى 16 يناير (كانون الثاني) الجاري، مع الاحتفاء باليوم «العربي للمسرح»، وذلك تحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدد».

حضر حفل الافتتاح الذي أقيم بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة المصري، والكاتب إسماعيل عبد الله مدير المهرجان وأمين عام الهيئة، والمخرج خالد جلال المنسق العام للمهرجان ومخرج حفل الافتتاح، وعدد كبير من المسرحيين والنقاد والمتخصصين من مصر والعالم العربي، وشهد أيضاً فقرات فنية غنائية واستعراضية.

وخلال الحفل الذي أقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية وقدمته الفنانة رانيا فريد شوقي، أكد الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن «انعقاد المهرجان على أرض مصر يؤكد مكانة القاهرة بوصفها عاصمة دائمة للثقافة العربية وحاضنة للفنون والإبداع، ويجدد الإيمان بدور المسرح».

تكريم الفنان المصري أحمد بدير (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف هنو أن نسخة المهرجان لهذا العام تضم عدداً كبيراً من المبدعين العرب، مؤكداً «حرص وزارة الثقافة على دعم الحراك المسرحي العربي، وتوفير المناخ الملائم لازدهاره»، إيماناً بأن الفنون وفي مقدمتها المسرح، ركيزة أساسية في بناء الإنسان وترسيخ قيم الجمال والتسامح والانفتاح.

ويتنافس في الدورة الـ16 من المهرجان 14 عرضاً مسرحياً على «جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي»، وذلك بمشاركة دول المغرب وقطر وتونس والإمارات ولبنان والعراق والأردن والكويت ومصر، بينما اعتذر الفريق الجزائري عن عدم المشاركة.

لقطة جماعية للمكرمين (وزارة الثقافة المصرية)

وفي كلمته، أكد الكاتب إسماعيل عبد الله أن «الهيئة العربية للمسرح هي بيت كل المسرحيين العرب»، كما أرادها صاحب الفكرة، موضحاً أن «أصعب الأمنيات والتفاصيل في مسألة تبدو للبعض سهلة، ألا وهي حضور المهرجان، والمساهمة في إيقاد أنواره وإشعاعه، وفي رسم صورته، فكل مسرحي يطمح إلى أن يكون صانعاً أو مشاركاً في صناعة الحدث الذي يريده كما يتمنى».

فردوس عبد الحميد بعد تكريمها بالمهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

وتشهد الدورة الـ16 من المهرجان، إقامة 6 ورش تدريبية في التمثيل والإخراج، في محافظات الإسكندرية والإسماعيلية وأسوان، بجانب إقامة الدورة الـ5 من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة»، على هامش المهرجان لأول مرة في مصر خلال الفترة من 21 إلى 23 يناير الحالي، بمشاركة مصرية وعربية واسعة تنوعت بين الجلسات الفكرية وعروض العرائس.