سمير الفيل: أقابل أبطال قصصي في المقهى والشوارع الخلفية

قال إنه لا يكتب من أجل الجوائز ويحصل عليها عرضاً

سمير الفيل
سمير الفيل
TT

سمير الفيل: أقابل أبطال قصصي في المقهى والشوارع الخلفية

سمير الفيل
سمير الفيل

يعرف القاص المصري سمير الفيل خصوصية مدينته «دمياط»، وكيف تنفتح على شعرية المكان واللغة كميناء يطل على البحر المتوسط؛ فعلاوة على صناعة الحلوى تتمتع بشهرة عالمية قديمة في صناعة الأثاث، وبورشها المتنوعة وصنّاعها المهرة الذين يتشربون المهنة وأسرارها منذ الصغر، فيعرفون كيف يحولون قطعة من الخشب إلى تحفة فنية، تتقاطع فيها أوتار الحفر الغائر والبارز بأشكال ونسب شديدة الدقة والجمال. لم تفارق هذه الأجواء كتابات سمير الفيل في الشعر والرواية والمسرح، والقصة القصيرة التي تستحوذ على 21 مجموعة صدرت له.
هنا حوار معه حول أجواء هذا العالم وأثره في أعماله:

> لنعد إلى البدايات الأولى؛ إذ يبدو أنك عشت طفولة أدبية سعيدة؛ مما أثر على طبيعة كتابتك، وخاصة في بداياتك.
- ولدت عام 1951، في شتاء قارس، وبعد عام ونصف العام مات أبي، في السادسة تقريباً نزلت للعمل في ورش صناعة الأثاث التي تشتهر بها مدينة دمياط، وكان شيئاً سعيداً أن أنخرط في دولاب عمل أتفهم فيه الحياة، وأخطف بعض الدقائق للعب والمرح، أما يوم الجمعة فهو لي كاملاً، في الصيف نذهب بالمراكب الشراعية إلى مدينة رأس البر الساحلية المجاورة والتي كانت المصيف المفضل لأم كلثوم والطبقة الأرستقراطية في منتصف القرن الماضي.
وفي الشتاء نذهب لبحيرة المنزلة لصيد السمك، وأحياناً نذهب إلى غيطان «الميناء» لنصعد أشجار التوت والنبق والمخيط. على هذا النسق سارت حياتي ثم استقبلنا معلم الصف الأول فعلمنا الأبجدية وزراعة حقل خلف الفصل مباشرة. كان مدرسنا «رفعت قطارية» يغني: ذهب الليل، جاء الفجر.. والعصفور صوصو».
وكان مدرس آخر ينحت التماثيل في الحصص الخالية ونحن نساعده، ويشرح درس اللغة العربية في مزرعته قرب المدرسة حيث يربي أرانب «الشانشيلا». في الصف الرابع كتبت أشعاراً بسيطة مع زميلي، الشاعر والناقد فيما بعد، محمد علوش حاولنا نشرها في «مطبعة نصار»، لكن الرجل لم يزجرنا، بل منحنا قطعتين من نقود فضية، ونصحنا بالعودة إليه عندما نكبر!

> إلى أي حد لعب الشاعر عبد الرحمن الأبنودي دوراً في تقديمك إلى جمهور الشعر؟
- بدأت الكتابة عام 1968 وكانت كتاباتي تقع بين الشعر والسرد، غير أن صديقاً ناقداً هو أنيس البياع استدعى صديقه عبد الرحمن الأبنودي الذي أحيا لدينا في مدينة دمياط ثلاث ليال شعرية، كانت إحداها في «جرن قمح» ببلدة «كفر البطيخ»، حيث كانت تعسكر فيه كتيبة مقاتلة تابعة للجيش. هناك قدمني الأبنودي فحسمت أمري واتجهت لشعر العامية، في العام التالي فازت قصيدة «المطبعة» بشهادة تقدير في المؤتمر الأول للأدباء الشبان بالزقازيق.
> ما تأثير نكسة 1967 عليك وعلى أبناء جيلك على مستوى الوعي، فضلاً عن نظرتكم للأدب ذاته وجدواه ووظيفته؟
- كانت هزيمة مروعة زلزلتنا تماماً، كنت أنتقل من الصف الثالث الإعدادي إلى الصف الأول بمعهد المعلمين، فكرت في ضرورة العودة للشعر، وبالفعل كتبت قصائد عدة وانضممت إلى التجمع الأدبي في سن مبكر للغاية، كان عمري 17 سنة بالضبط، وجدت إشادة بما أكتب وتبناني العم الشاعر محمد النبوي سلامة وكان له ديوان «غنوة شقيانة» وله أغنيتان شهيرتان بالإذاعة «خد الجميل يا قصب» لعبد اللطيف التلباني، و«صباح الخير» لفريق الثلاثي المرح.
قدمني العم النبوي في مقهى شعبي، وكنت أمسك بالورقة ويدي ترتجف، لكن الحشد صفق للقصيدة واستدعاني أحد المسؤولين لمكتبه وأمر بشراء مكتبة قيمتها عشرون جنيها، وصلتني في كرتونتين، أغلب الكتب من سلسلتي «كتاب الهلال» و«اقرأ».
> تقول إن تحولك من الشعر إلى السرد القصصي تم بطريقة غير مقصودة ودون قرار منك، كيف كان ذلك؟
- كنت شاعراً معروفاً، أحضر الندوة الدائمة لشعراء العامية بمعرض القاهرة للكتاب مع قامات شهيرة مثل الأبنودي وسيد حجاب. بلا مقدمات كتبت القصة وفازت بجوائز متقدمة، لكن ما يفسر الموقف أن هناك من رأى في ديواني الأول «الخيول» خيطاً سردياً فحوّله لعرض مسرحي، هو «غنوة للكاكي»، وقد أحاط بالعرض بعض الهمهمات الغاضبة، لكن فطنة الدكتور أحمد جويلي - محافظ دمياط آنذاك – وجرأة محمد عبد المنعم ـ مدير فرع الثقافةـ سمحا باستمرار العرض لأسابيع عدة؛ ما يعني أن المادة الحكائية كانت مؤثرة وضاربة في عمق الوجدان العام.
> غزارة الإنتاج في القصة القصيرة (21 مجموعة منشورة و2 تحت الطبع) تشكل أحد ملامح تجربتك عموماً، ما هي مبررات هذه الغزارة ثم ألا تخشى أن تأتي الغزارة على حسب الجودة؟
- هذا طبع يغلبني، فحين أقبض على ناصية السرد انطلق في عملي خوفاً من العقم الذي صادفته في آخر عملين. أنا بالفعل أخشى التكرار وعدم الإجادة لذلك أخضع أعمالي للمراجعة الذاتية قبل النشر ما عدا مجموعة واحدة أفلتت مني قسراً، والعجيب أنها نالت جائزة مرموقة؟!
ـ ماذا عن «ثلاثين دقيقة» فارقة في حياتك عشتها مع الأديب الرائد يحيى حقي صاحب «قنديل أم هاشم»؟
- آه... هذا حدث في نهاية الثمانينات حين كنت أهبط سلم قصر الثقافة بدمياط ووجدت يحيى حقي جالساً في مكتب مدير القصر، أخذته من يده وسألته أن يحدثني عن الفارق بين القصة القصيرة والرواية فكان كلامه بسيطاً ومعبراً. أشبه بوصية حكيم مع نبرة أبوة تلمستها ونحن في طريقنا لموقف سيارات رأس البر حيث كانت وجهته. قال هامساً: انظر من ثقب الباب، ستقع عينك على حدث بعينه سارع بتدوينه ولا تخرج عن دائرة الرؤية، هذه هي القصة القصيرة. في الرواية افتح الباب على اتساعه وانزل نهر الشارع، واذهب كيفما شئت فهناك قماشة سردية تستوعب كل ما سوف تكتبه.
> ولدتَ وتعيش بمدينة ساحلية صغيرة هي مدينة دمياط بشمال مصر، ما هي الخصوصية التي تنطوي عليها تلك المدينة في عالمك الإبداعي؟
- دمياط كمدينة صناعية تشتهر بالأثاث والحلويات تهتم بالوقت، ولا تهدر وقتها بغير العمل، تعلمت منها أهمية فهمي لواقعي، وضرورة امتلاك الوعي؛ فهو ما يرشدني لمسارات فكرية وجمالية، وفي الوقت نفسه، علي طرد الأوهام والخرافة. عليك ككاتب ألا تسير مع الجموع بل تتخذ طريقاً لا يعرفها غيرك، الكتابة تحتمل هذه اللعبة الخطرة، أن تملك أفقاً لا يشاركك فيه غيرك.
> منذ تقاعدك من عملك مدرساً قبل عشر سنوات، يلعب المقهى دوراً مركزياً في حياتك، ما هي مبررات ذلك، وكيف انعكست على كتاباتك؟
- لم يكن الأمر مقصوداً، في عام 2011 وجدت نفسي خرجت للتقاعد، بعد أربعين عاماً من التدريس، قلت في نفسي: جرّب جلسة المقهى. بالفعل أصبحت لي طاولة في شارع جانبي بالمقهى، تحولت مع مرور الوقت إلى جلسة يومية مع زملائي ؛ لقراءة النصوص القصصية والقصائد الشعرية، وأحياناً نستضيف كاتب مسرح أو موسيقاراً، ورويداً رويداً عرف الكتاب بالجلسة، وفي الوقت نفسه جذبت أجيالا من الشباب.
هي جلسة ترتاح إليها النفس حيث لا جدران ولا تنافس مثير للحنق. لقد تعلمت من تلك الجلسة مراقبة الناس بشكل أكثر تركيزاً بدلاً من جولاتي السابقة في الأسواق والحدائق بحثاً عن حدث. يأتيني الآن أبطال قصصي حيث أجلس، وأحياناً في الشوارع الخلفية وربما في حكايات الناس الشفاهية.
> في السنوات الأخيرة، حصدت عدداً من الجوائز والتكريم مصرياً وعربياً، فهل يسعدك الأمر أم تراه جاء بعد فوات الأوان؟
- في كلمتي التي ألقيتها في «ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي» قلت: لا يزال لدي بعض الوقت لأكتب أكثر؛ فبعد محطة عامين بعد السبعين أجدني مستعداً للتجريب من جديد وشحذ أدواتي فهناك وقت، وأنا أعني العبارة بكل أبعادها.
لا أكتب من أجل الجوائز، وإن كنت قد حصلت عليها عرضاً، الكتابة عندي موقف، وهي مدعاة للفرح حيث أحاول كل مرة فهم تدابير القدر، والاحتكام لمعنى صيرورة الحياة، والبقاء حياً، مؤثراً، تحت الشمس؛ فهذا في حد ذاته أمر يدعو للبهجة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.